← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

[عن أن كلَّ خيرٍ ناله عبادُه فى دينِهم ودنياهم، فإنه مِن عندِه ابتداءً، وتفضُّلًا منه عليهم من غيرِ استحقاقٍ منهم ذلك عليه. وفي قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. تعريضٌ مِن اللهِ] (١) تعالى ذِكرُه بأهلِ الكتابِ أن الذى آتى نبيَّه محمدًا ﷺ والمؤمنين به من الهدايةِ تَفَضُّلٌ (٢) منه، وأن نعمَه لا تُدْرَكُ بالأمانيِّ، ولكنها مواهبُ منه يَختصُّ بها مَن يشاءُ من خلقِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. [ما ننقُلْ مِن حكمِ آيةٍ] (٣) إلى غيرِه، فنغيِّرْه ونبدِّلْه. وذلك أن يحوِّلَ الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالًا، والمباحَ محظورًا، والمحظورَ مباحًا. ولا يكونُ ذلك إلَّا في الأمرِ والنهىِ، والحظرِ والإطلاقِ، والمنعِ والإباحةِ. فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها (٤) ناسخٌ ولا منسوخٌ. وأصلُ النسخِ من نَسْخِ أصلِ (٥) الكتابِ، وهو نقلُه مِن نسخةٍ إلى أُخرَى غيرِها. فكذلك معنى نَسْخِ الحكمِ إلى غيرِه، [إنما هو تحويلُه ونقلُ عبادِه (٦) عنه إلى غيرِه] (٧). فإذ كان ذلك معنى نسخِ الآيةِ، فسواءٌ -إذا نُسِخَ حكمُها فغُيِّر وبُدِّل فرضُها، ونُقِل (٨) العبادُ عن اللازمِ كان لهم بها- [أُقِرَّ خطُّها] (٩) فتُرِك، أو مُحِىَ أثرُها

стр. 1297

فعُفِّىَ و (١) نُسِي، إذ هى حينئذٍ في كلتى حالتَيْها منسوخةٌ، والحُكْمُ الحادثُ المُبْدَلُ به الحكمُ الأولُ والمنقولُ إليه فرضُ العبادِ هو الناسخُ. يقالُ منه: نسَخ اللهُ حكمَ (٢) آيةِ كذا وكذا، يَنْسَخُه نَسْخًا، والنُّسخةُ الاسمُ. وبمثلِ الذى قلنا في ذلك كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ (٣). حَدَّثَنَا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٤) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ قال (٥): أُقْرِئَ قرآنًا ثم نُسِّيَه، فلم يكنْ شيئًا، ومن القرآنِ ما قد نُسِخ وأنتم تقرءُونه (٦). اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: أما نسخُها فقبضُها (٧). وقال آخرون بما حَدَّثَنِي به المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. ما نُبَدِّل من آيةٍ (٨).

стр. 1298

وقال آخرون بما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهم قالوا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. نُثْبِتْ خَطَّها، ونُبَدِّلْ حُكمَها (١). وحَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. نُثْبِتْ خطَّهَا، ونُبَدِّلْ حكمَها. حدِّثْت به عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ، حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنِي بكرُ بنُ شرودٍ (٢)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: نُثْبِتْ خطَّها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. اختَلف أهلُ القراءةِ في قراءةِ ذلك، فقرَأها قَرَأةُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٣). ولقراءةِ مَن [قرأهَا كذلك] (٤) وجهانِ من التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ تأويلُه: ما نَنْسَخْ يا محمدُ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها أو نُنْسِكَها (٥) - وقد ذُكِر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللهِ (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو

стр. 1299

نَنْسخْها) (١) - نجِئْ بمثلِها. فذلك تأويلُ النسيانِ. وبهذا التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: كان ينسَخُ الآيةَ بالآيةِ بعدَها، ويقرأُ نبيُّ اللهِ ﷺ الآيةَ أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُرْفَعُ (٢). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: كان اللهُ تعالى ذِكْرُه يُنْسِى نبيَّه ﷺ ما شاء، ويَنْسَخُ ما شاء (٣). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها مِن عندِكم (٤). حَدَّثَنَا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا (٥)﴾. قال: إن نبيَّكم ﷺ أُقْرِئ قرآنًا ثم نُسِّيه. وكذلك كان سعدُ بنُ أبى وقَّاصٍ [يتأوَّلُ الآيةَ] (٦)، [إلَّا أنه] (٧) كان يَقْرَؤها:

стр. 1300

(أو تَنْسَها (١)). بمعنى الخطابِ لرسولِ الله ﷺ ، كأنه عنَى: أو تَنْسَها أنت يا محمدُ. ذكرُ الأخبارِ [عن ذلك] (٢) حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، عن القاسمِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يقولُ: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها). قال (٣): قلتُ له: فإن سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ يقرؤُها: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: فقال سعدٌ: إن القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ على المُسَيِّبِ ولا على آلِ المسيَّبِ، قال اللهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٤) [الكهف: ٢٤]. حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ ربيعةَ بنِ قانفٍ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يَذْكُرُ نحوَه (٥). حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، [قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا] (٦) آدمُ العَسْقلانِيُّ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ ربيعةَ الثقفيَّ يقولُ: قلتُ لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ: إنى سمعتُ ابنَ المُسَيِّبِ

стр. 1301

يَقْرَأُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. فقال سعدٌ: إن اللهَ لَمْ يُنْزِلِ القرآنَ على المُسَيَّبِ ولا على ابنِه (١)، إنما هى: (ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها) يا محمدُ. ثم قرَأ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٢). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها، وكان اللهُ تعالى ذكرُه أنْزَل أمورًا مِن القرآنِ ثم رفَعها (٣). والوجهُ الآخَرُ منهما، أن يكونَ بمعنى التركِ، مِن قولِ اللهِ جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. يعنى به: ترَكوا اللهَ فترَكهم. فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينئذٍ على هذا التأويلِ: ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها، [أو نتْرُكْها ولا نُغيِّرْ حُكمَها] (٤) ولا (٥) نُبَدِّلْ فرضَها، نأتِ بخيرٍ مِن التى نسَخْناها أو مثلِها. وعلى هذا التأويلِ تأوَّل ذلك (٥) جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. يقولُ: أو نَتْرُكْها لا نُبَدِّلْها (٦).

стр. 1302

حدّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نَتْرُكْها لا نَنْسَخْها (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: الناسخُ والمنسوخُ (٢). قال: وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. قال: نَمْحُها. وقرَأ ذلك آخَرون: (أو نَنْسَأْها) (٣). بفتحِ النونِ وهمزةٍ بعدَ السينِ، بمعنى: نُؤَخِّرْها. مِن قولِك: نسَأْتُ هذا الأمرَ أَنْسَؤُه نَسْأً ونَساءً، إذا أخَّرْتَه. وهو مِن قولِهم: بعتُه بنسَاءٍ. يعنى: بتَأخيرٍ. ومِن ذلك قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ (٤): لَعَمْرُك إنَّ المَوْتَ ما أنسَأَ (٥) الفَتَى … لَكَالطِّوَلِ (٦) المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ يعنى بقولِه: أَنْسَأ. أخَّر. ومِمَّن قرَأ ذلك كذلك (٧) [جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، وقرَأه] (٨) جماعةٌ مِن قرأَةِ

стр. 1303

المكِّيين (١) والبصريين. وتأوَّله كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو نَنْسأْها (٢)). قال: نُؤَخِّرْها (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: (أو نَنْسَأْهَا). قال: نُرْجِئْها (٤). حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (أو نَنْسَأْهَا): نُرْجِئْها ونُؤَخِّرْها (٥). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ: (أو نَنْسَأْهَا) قال: نُؤَخِّرْها فلا نَنْسَخْها. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ: (أو نَنْسَأْهَا): إرجاؤُها [وتأخِيرُها] (٦).

стр. 1304

هكذا حدَّثنا القاسمُ: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، وإنما هو: عن علىٍّ الأزدىِّ. حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن علىٍّ الأزدِىِّ، عن عُبيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أنه قَرأها: (أو نَنْسَأْهَا) (١). قال: فتأويلُ مَن قَرأ ذلك كذلك: ما نُبدِّلْ مِن آيةٍ أنزَلناها إليك يا محمدُ، فنبطِلْ حُكْمَها ونُثْبِتْ خَطَّها، أو نُؤخِّرْها فَنُرْجِئْها ونُقِرَّها فلا نُغَيِّرْها ولا نُبطِلْ حُكْمَها، نأتِ بخيرٍ مِنها أو مِثلِها. وقد قرأَ بعضُهم ذلك: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو تُنْسَها (٢)). وتأويلُ هذه القراءةِ نظيرُ تأويلِ قراءةِ (٣) مَن قرأَ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. إلا أن معنى: [﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: أو نُنْسِكَها يا محمدُ نحن. مِن: أَنْسَاه اللهُ يُنْسِيه. ومعنَى مَن قرأَ: (أو تُنْسَها)] (٤). أو تنْسَها أنتَ يا محمدُ. وقد قرَأ بعضُهم: (مَا نُنْسِخْ (٥) من آيةٍ). بضَمِّ النونِ وكَسْرِ السِّينِ. بمعنَى: ما نُنْسِخْكَ يا محمدُ نحنُ مِن آيةٍ. مِن: أَنْسَختُكَ فأنا أُنْسِخُك. قال: وذلك خطأٌ مِن القِراءةِ عندَنا، لخروجِه عما جاءتْ به الحجّةُ مِن القرأَةِ (٦)

стр. 1305

بالنقلِ المستفيضِ. وكذلك قراءةُ مَن قَرَأ: (تَنْسَها) أو (تُنْسَها). لشذوذِها وخروجِها عن القراءةِ التى جاءتْ بها الحجةُ مِن قرأَةِ الأمةِ. وأولى القراءاتِ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. بالصوابِ، قراءةُ مَن قرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. بمعنى: نَترُكْها؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ نبيَّه ﷺ أنه مهما بدَّل حُكمًا أو غيَّرَه، أو لم يبدِّلْه ولم يغيِّرْه، فهو آتِيه بخيرٍ منه أو بمثلِه. فالذى هو أوْلَى بالآيةِ إذ كان ذلك معناها، أن يكونَ إذ قدَّم الخبرَ عما هو صانعٌ (١) إذا هو غيَّر وبدّل حكمَ آيةٍ - أن يُعقِّبَ ذلك بالخبَرِ عما هو صانِعٌ إذا هو لم يُبدِّلْ ذلك ولم يُغيِّرْ. والخبرُ الذى يجِبُ أن يكونَ عَقيبَ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. قولُه: أو نَترُكْ نَسْخَها. إذ كان ذلك المعروفَ الجارِىَ في كلامِ الناسِ، مع أن ذلك إذا قُرِئَ كذلك بالمعنى الذى وَصَفتُ، فهو يَشتَمِلُ على معنَى الإنْساءِ الذى هو بمعنى التَّرْكِ، ومعنى النَّسْءِ (٢) الذى هو بمعنَى [التَّرْكِ. ومعنى النَّسْءِ الذى هو بمعنَى] (٣) التأخيرِ، إذ كان كلُّ متروكٍ فمؤخَّرٌ فى (٤) حالِ ما هو متروكٌ. وقد أنكَر قومٌ قراءةَ مَن قرأ: (أوْ تَنْسها). إذا عنَى به النسيانَ. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ نَسِى مِن القرآنِ شيئًا مما نُسِخَ (٥)، إلا أن يكونَ نَسِى منه شيئًا ثم ذكَره. قالوا: وبعدُ، فإنه لو نَسِى منه شيئًا لم يكنِ الذين قَرءُوه وحَفِظوه مِن أصحابِه بجائزٍ على جميعِهم أن يَنْسَوه. قالوا: وفى قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]. ما يُنْبِئُ عن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه

стр. 1306

لم يُنْسِ نبيَّه شيئًا (١) آتاه مِن العلمِ. قال أبو جعفرٍ: وهذا قولٌ يَشهَدُ على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهِرَةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه بنحوِ الذى (٢) حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا أنسُ بنُ مالكٍ: إنَّ أولئكَ السَّبْعِين مِن الأنصارِ الذين قُتِلوا ببئرِ مَعُونةَ (٣) قرَأْنا بهم وفيهم كتابًا: (بَلِّغوا عنَّا قَوْمَنا أنَّا لَقِينا ربَّنا فرَضِىَ عنَّا وأرْضَانا). ثم إن ذلك رُفِعَ (٤). فالذى ذُكِرَ (٥) عن أبى موسى الأشعَرىِّ أنهم كانوا يَقْرءون (٦): (لو أن لابنِ آدمَ واديين مِن مَالٍ لابتغى لهما ثالثًا، ولا يَمْلأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَن تابَ) (٧). ثم رُفِعَ. وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يَطُولُ بإحْصائِها الكتابُ. وغيرُ مستحيلٍ في فِطْرةِ ذِى عقلٍ صحيحٍ، ولا بحُجةِ خبرٍ، أن يُنْسِىَ اللهُ نبيَّه ﷺ بعضَ ما قد كان أنزَله إليه، فإذا كان ذلك غيرَ مستحيلٍ مِن أحدِ هذين الوجهين، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ: ذلك غيرُ جائزٍ. وأما قولُه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. فإنه جل ثناؤُه لم يُخْبِرْه أنه لا يَذْهَبُ بشيءٍ منه، وإنما أخبرَه أنه لو يشاءُ لذَهَب بجَميعِه، فلم يَذْهَبْ

стр. 1307

به، والحمدُ للهِ، بل إنما ذَهَب منه (١) بما (٢) لا حاجةَ بهم إليه منه، وذلك أن ما نَسَخ منه فلا حاجةَ بالعبادِ إليه، وقد قال اللهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. فأخبرَ أنه يُنْسِى نبيَّه منه ما شاء. فالذى ذَهَب منه الذى اسْتَثْناه اللهُ. فأما نحن، فإنما اخْتَرنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ طَلَبَ اتِّساقِ الكلامِ على نظامٍ في المعنى، لا إنكارَ أن يكونَ اللهُ تعالى ذِكرُه قد كان أنسى (٣) نبيَّه بعضَ ما نَسَخ مِن وحيِه إليه وتنزيلِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. يقولُ: خيرٍ لكم في المنفعةِ وأرفقَ بكم (٤). وقال آخرون بما حدَّثنى به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. يقولُ: آيةٍ فيها تَخْفِيفٌ، فيها رُخْصَةٌ (٥)، فيها أَمْرٌ، فيها نَهْىٌ (٦).

стр. 1308

وقال آخرون: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، أو بخيرٍ مِن التى تَرَكْناها فلم نَنْسَخْها. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. يقولُ: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أو مثلِ التى تَركْناها (١). فالهاءُ والألفُ اللتان في: ﴿مِنْهَا﴾ عائدتان -على هذه المقالةِ- على الآيةِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. والهاءُ والألفُ اللتان في قول: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ عائدتان على الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾. وقال آخرون بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نرفعْها مِن عندِكم، فنأْتى (٢) بمثلِها أو خيرٍ منها (٣). حدَّثنى المثنَّى، قال: حدّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نَرْفعْها، نأتِ بخيرٍ منها أو بمثلِها (٤). وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ شرودٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ مثلَه.

стр. 1309

والصوابُ مِن القولِ في معنى ذلك عندَنا: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُغَيِّرْه، أو نَتْرُكْ تَبْدِيلَه فنُقِرَّه بحالِه، نَأْتِ بخيرٍ (١) لكم مِن حُكْمِ الآيةِ التى نَسَخْنا فغَيَّرنا حُكْمَها، إما في العاجلِ؛ لخِفَّتِه عليكم، مِن أجلِ أنه وَضْعُ فَرْضٍ كان عليكم، فأُسْقط ثِقَلُه عنكم، وذلك كالذى كان على المؤمنين مِن فَرْضِ قيامِ الليلِ، ثم نُسِخ ذلك فوضِع عنهم، فكان (٢) خيرًا لهم في عاجلِهم، لسقوطِ عِبْءِ ذلك وثقلِ حِمْلِه عنهم، وإما في الآجلِ؛ لعِظَمِ ثوابِه مِن أجلِ مَشَقَّةِ حملِه، وثِقَلِ عِبْئِهِ على الأبدانِ. كالذى كان عليهم مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ في السنةِ، فنُسِخَ وفُرِضَ عليهم مكانَه صومُ شهرٍ كاملٍ في كلِّ حَوْلٍ. فكان فَرْضُ صومِ شهرٍ كاملٍ كلَّ سنةٍ أثقلَ على الأبدانِ مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فالثوابُ عليه أجْزَلُ، والأجرُ عليه أكثرُ؛ لفَضْلِ مَشَقَّتِه على مُكَلَّفيه مِن صومِ أيامٍ معدوداتٍ بذلك (٣)، وإن كان على الأبدانِ أشقَّ، فهو خيرٌ مِن الأوَّلِ في الآجلِ؛ لفضلِ ثوابِه وعِظَمِ أجْرِه الذى لَمْ يكنْ مثلُه لصومِ الأيامِ المعدوداتِ. فذلك معنى قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا﴾. لأنه إما بخيرٍ منها في العاجلِ لخِفَّتِه على مَن كُلِّفَه، أو في الآجلِ لعِظَمِ ثوابِه وكثرةِ أجرِه. أو يكونُ مِثلَها في المشقَّةِ على البدنِ، واستواءِ الأجرِ والثوابِ عليه، نَظِيرَ نسخِ اللهِ تعالى ذِكْرُه فرضَ الصلاةِ شَطْرَ بيتِ المقدسِ إلى فرضِها شطرَ المسجدِ الحرامِ. فالتوجُّهُ شَطْرَ بيتِ المقدسِ وإن خالَف التوجهَ شطرَ المسجدِ الحرامِ (٤)، فكُلْفةُ مؤنةِ (٥) التوجهِ [شطرَ أيِّهما توجَّه] (٦)

стр. 1310

شطرَه (١) المُتوجِّهُ (٢) - واحدةٌ؛ لأنَّ الذى على المتوجِّهِ شطرَ البيتِ المقدَّسِ مِن مُؤْنةِ تَوجُّهِه شطرَه، نَظِيرُ الذى على بدنِه (٣) من (٤) مؤنةِ توجُّههِ شطرَ الكعبةِ سواءٌ. فذلك هو معنى المِثْلِ الذى قال جل ثناؤُه: ﴿أَوْ مِثلِهَا﴾. وإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾: ما نَنْسَخْ مِن حكمِ آيةٍ أو نُنْسِه. غيرَ أن المُخَاطبين بالآيةِ لمَّا كان مفهومًا عندَهم معناها، اكتَفى بدَلالةِ ذكرِ الآيةِ مِن ذِكْرِ حُكْمِها. وذلك نظيرُ سائرِ ما ذَكَرنا مِن نظائرِه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، كقولِه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. بمعنى: حُبَّ العجلِ. ونحوِ ذلك (٥). فتأويلُ الآيةِ إذن: ما نُغيِّرْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُبَدِّلْه، أو نَتْرُكْه فلا نُبَدِّلْه، نَأْتِ بخيرٍ لكم منه (٦) -أيها المؤمنون- حُكْمًا منها، أو مِثْلِ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ، والأجرِ والثوابِ. فإن قال قائلٌ: فإنا قد عَلِمنا أن العِجْلَ لا يُشْرَبُ (٧) القلوبَ، وأنه لا يَلْتَبِسُ على مَن سمِع قولَه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. أن معناه؛ وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ. فما الذى يَدُلُّ على أنَّ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لذلك نظيرٌ؟

стр. 1311

قيل: الذى دلَّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن القرآنِ شيءٌ خيرًا مِن شيءٍ، لأنَّ جميعَه كلامُ اللهِ، ولا يجوزُ في صفاتِ اللهِ تعالى ذِكرُه أن يقالَ: بعضُها أفضلُ مِن بعضٍ، أو (١) بعضُها خيرٌ مِن بعضٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾. يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ أنى قادرٌ على تعويضِك ممَّا نسَختُ مِن أحكامي، وغيَّرْتُه مِن فرائضِى التى كنتُ افتَرضْتُها عليك، ما أشاءُ ممَّا هو خيرٌ لك ولعبادى المؤمنين معك، وأنفعُ لك ولهم، إمَّا عاجلًا في الدنْيا، وإمَّا آجِلًا في الآخرةِ، أو بأن أبدِّلَ لكَ ولهم مكانَه مثلَه في النفعِ لهم، عاجلًا في الدنْيا وآجلًا في الآخِرَةِ، وشَبيهَه في الخِفَّةِ عليك وعليهم؟ فإنى -فاعلَمْ يا محمدُ- على ذلك وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ. ومعنى قولِه: ﴿قَدِيرٌ﴾. في هذا الموضعِ: قَوىٌّ. يقالُ منه: قد قدَرْتُ على كذا وكذا -إذا قوِيتَ عليه- أقدِرُ عليه، وأَقْدُرُ عليه، قُدْرَةً وقِدْرانًا ومَقْدِرَةً. وبنو مُرَّةَ مِن غَطَفَانَ تقولُ خاصةً (٢): قدِرتُ عليه. بكسرِ الدالِ. فأمَّا مِن التقديرِ مِن قولِ القائلِ: قدَرتُ الشيءَ. فإنه يقالُ منه: قدَرتُه أقْدُرُه قَدْرًا وقدَرًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.

стр. 1312

قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَعلَمُ أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأن اللهَ له مُلكُ السماواتِ والأرضِ حتى قيل له ذلك؟ قيل: بَلَي، فقد كان بعضُهم يقولُ: إنما ذلك مِن اللهِ جل ثناؤه خبرٌ عن أن محمدًا ﷺ قد علِم ذلك، ولكنه (١) أَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ التقريرِ، كما تفعَلُ مثلَه العربُ في خطابِ بعضِها بعضًا، فيقولُ أحدُهم لصاحبِه: ألم أُكْرِمْك، ألم أُفْضِلْ (٢) عليك. بمعنى إخبارِه أنه قد أكرَمَه وأَفضَل (٣) عليه. يُرِيدُ: أليس قد أكرمتُك، أليس قد أفْضلْتُ (٤) عليك. بمعنى: قد علِمتَ ذلك. قال: وهذا قولٌ (٥) لا وجهَ له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾. إنما معناه: أمَا عَلِمتَ. وهو حَرْفُ جَحْدٍ أُدخِلَ عليه حرفُ استفهامٍ، وحروفُ الاستفهامِ إنما تَدْخُلُ في الكلامِ؛ إمَّا بمعنى الاسْتِثْباتِ، وإمَّا بمعنى النفىِ، فأمَّا بمعنى الإثباتِ، فذلك غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ، ولا سيَّما إذا أُدخِلتْ على حروفِ الجحدِ، ولكنَّ ذلك عندي، وإن كان ظهَر ظُهورَ الخطابِ للنبيِّ ﷺ ، فإنما هو مَعْنِيٌّ به أصحابُه الذين قال لهم (٦) اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. والذى يَدُلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. فعاد بالخطابِ في آخرِ الآيةِ إلى جميعِهم، وقد ابتدأ أوَّلَها بخطابِ النبيِّ ﷺ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. لأنَّ المرادَ بذلك الذين وصَفتُ أمرَهم مِن أصحابِه، وذلك مِن كلامِ

стр. 1313

العربِ مستفيضٌ بينهم فصيحٌ، أن يُخْرِجَ المتكلِّمُ منهم (١) كلامَه على وجهِ الخطابِ منه لبعضِ الناسِ، وهو قاصدٌ به غيرَه، وعلى وجهِ الخطابِ لواحدٍ، وهو يَقْصِدُ به جماعةً غيرَه، أو جماعةٍ (٢) المخاطَبُ به أحدُهم، وعلى وجهِ (٣) الخطابِ للجماعةِ والمقصودُ به أحدُهم، مِن ذلك قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢]. فرجَع إلى خطابِ الجماعةِ، وقد ابتدَأ (٤) الكلامَ بخطابِ النَّبِيِّ ﷺ . ونظيرُ ذلك قولُ الكُمَيْتِ بنِ زيدٍ في مدحِ رسولِ اللهِ ﷺ (٥): إلى السِّراجِ المُنِيرِ أحْمَدَ لا … يَعْدلُنِى رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ عنه إلى غَيرِه ولو رَفَعَ النَّـ … ـاسُ إلىَّ العُيُونَ وارْتَقَبُوا وقِيلَ أفْرَطْتَ بل قَصَدْتُ ولو … عَنَّفَنى القائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا (٦) لَجَّ بتَفْضِيلِكَ اللِّسانُ ولو … أُكْثِرَ فيك الضِّجَاجُ واللَّجَبُ (٧) أنتَ المُصَفَّى (٨) المَحْضُ المُهَذَّبُ فى النِّـ … ـسْبَةِ إنْ نَصَّ (٩) قَوْمَك النَّسَبُ فأخرَجَ كلامَه على وجهِ الخطابِ للنبيِّ ﷺ ، وهو قاصدٌ بذلك أهلَ بيتِه.

стр. 1314

فكنَى عن وصفِهم ومدحِهم بذكرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وعن بنى أُمَيَّةَ بالقائلين المُعَنِّفينَ؛ لأنه معلومٌ أنه لا أحدَ يُوصَفُ [من المسلمين] (١) بتعنيفِ مادحِ النَّبِيِّ ﷺ وتفضيلِه، ولا بإكثارِ الضِّجاجِ واللَّجَبِ في إطنابِ القِيلِ بفضلِه. وكما قال جَمِيلُ (٢) بنُ مَعْمَرٍ (٣): ألا إنَّ جِيرَانى العَشِيَّةَ رَائِحُ … دَعَتْهُم دَواعٍ مِن هَوًى ومَنادِحُ (٤) فقال: ألا إن جيرانى العشيةَ. فابْتَدَأ الخبرَ عن جماعةِ جيرانِه، ثم قال: رائحُ؛ لأن قصْدَه في ابتدائِه ما ابْتَدَأ (٥) مِن كلامِه الخبرُ عن واحدٍ منهم دونَ جماعتِهم. وكما قال جَمِيلٌ أيضًا في كلمتِه الأُخرَى (٦): خَلِيليَّ فيما عِشْتُما هل رَأيْتُما … قَتِيلًا بَكَى من حُبِّ قاتِلِه قَبْلِى وهو يُريدُ قاتلتَه (٧)؛ لأنه إنما يَصِفُ امرأةً، فكنَى بوصفِ (٨) الرجلِ عنها وهو يَعْنِيها. فكذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وإن كان ظاهرُ الكلامِ على وجهِ الخطابِ للنبيِّ ﷺ ، فإنه مقصودٌ به قصدُ أصحابِه، وذلك بيِّنٌ بدلالةِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآياتِ الثلاث بعدَها، على أنَّ ذلك كذلك.

стр. 1315

وأمَّا قولُه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولم يقُلْ: مِلكُ السماواتِ. فإنه عنَى بذلك مُلْكَ السلطانِ والمملكةِ دونَ المِلْكِ، والعربُ إذا أرادت الخبرَ عن المملكةِ التى هى مملكةُ سلطانٍ، قالت: ملَك اللهُ الخلقَ مُلْكًا. وإذا أرادت الخبرَ عن المِلْكِ قالت: ملَك فلانٌ هذا الشئَ، فهو يَمْلِكُه مِلْكًا ومَلَكَةً ومَلْكًا. فتأويلُ الآيةِ إذن: ألم تعلَمْ يا محمدُ أن لى مُلكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما دونَ غيرِي، أحْكُمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاءُ (١)، وآمُرُ فيهما وفيما فيهما بما أشاءُ، وأنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وأُبَدِّلُ وأغيِّرُ مِن أحكامى التى أحْكُمُ بها في عبادى ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأُقِرُّ منها ما أشاءُ. وهذا الخبرُ وإن كان مِن اللهِ خطابًا لنبيه محمدٍ ﷺ على وجهِ الخبرِ عن عَظَمتِه، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهودِ الذين أنْكَروا نسْخَ أحكامِ التوراةِ، وجحَدوا نبوَّةَ عيسى ومحمدٍ (٢) صلى الله عليهما، لمجيئِهما بما جاءا به مِن عندِ اللهِ بتغييرِ ما غيَّرَ اللهُ مِن أحكامِ (٣) التوراةِ، فأخبَرهم اللهُ أن له مُلْكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما، [وأنَّ] (٤) الخلقَ أهلُ مَمْلَكتِه وطاعتِه، عليهم السمعُ له والطاعةُ لأمرِه ونهيهِ، وأن له أمْرَهم بما شاءَ، ونهيَهم عمَّا شاءَ، وإقرارَ ما شاءَ، ونسْخَ ما شاءَ، وإنساءَ ما شاءَ مِن أحكامِه وأمْرِه ونهيهِ، ثم قال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادُوا لأمرِي، وانْتَهُوا إلى طاعتِى فيما أَنْسَخُ وفيما أتْرُكُ (٥)، فلا

стр. 1316

أنْسَخُ مِن أحكامى ولا (١) حُدُودِى وفرائضِى، ولا يَهِيدَنَّكم (٢) خلافُ مُخالفٍ لكم فى أمرِى ونهيى، وناسخِى ومنسوخِى، فإنه لا قَيِّمَ بأمرِكم (٣) سواىَ، ولا ناصِرَ (٤) لكم غيرى، وأنا المنفردُ بوَلايتِكم والدفاعِ عنكم، والمتوحِّدُ بنُصْرَتِكم بعزَّتى وسُلطانى وقوَّتى على مَن ناوَأَكم وحادَّكم، ونصَب حَرْبَ العداوةِ بينَه وبينَكم، حتى أُعْلِىَ حُجَّتَكم، [وأجعلَها عليهم] (٥) لكم. و"الوَلىُّ" (٦) فَعِيلٌ، مِن قولِ القائلِ: وَلِيتُ أمرَ فلانٍ. إذا صِرْتَ قيِّمًا به، فأنا أَلِيه، وهو (٧) وَلِيُّه وقَيِّمُه. ومِن ذلك قِيل: فلانٌ ولىٌّ عهدِ المسلمين. يعنى به القيِّمَ بما عُهِد إليه مِن أمرِ المسلمينِ. وأمَّا "النصيرُ"، فإنه فَعِيلٌ، مِن قولِك: نصَرتُك أنصرُك، فأنا ناصرُك ونصيرُك. وهو المُؤَيِّدُ والمُقَوِّى. وأمَّا معنى قولِه: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فإنه: سِوَى اللهِ وبعدَ اللهِ. ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (٨): يا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللهِ مِن وَاقِى … ومَا عَلى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ باقى يُريدُ: ما لكِ سوى اللهِ وبعدَ اللهِ مَن يَقِيكِ المكارهَ.

стр. 1317

فمعنى الكلامِ إذن: وليس لكم أيُّها المؤمنون بعدَ اللهِ مِن قَيِّمٍ بأَمْرِكم (١)، ولا نصيرٍ يؤَيِّدُكم ويقوِّيكم، فيُعِينَكم علَى أعدائِكم. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بنُ حُرَيْمِلَةَ ووهبُ بنُ زيدٍ لرسولِ الله ﷺ : ائتنا بكتابٍ تُنَزِّلُه علينا مِن السماءِ نَقْرَؤُه، وفجِّرْ لنا أنهارًا نَتَّبِعْك ونُصَدِّقْك. فأَنْزَل اللهُ [فى ذلك مِن قولِهم] (٢): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (٣). وقال آخرون بما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: وكان موسى سئِل فقيل له: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ (٤). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ

стр. 1318

جهرةً، فسألت العربُ محمدًا ﷺ أن يأْتيَهم باللهِ (١) فيَرَوْنَه جهرةً (٢). وقال آخَرون بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسأَلت قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم (٣) الصَّفا ذهبًا، قال: "نعم، [وهو] (٤) لكم [كالمائدةِ لبَنِى] (٥) إسرائيلَ (٦) ". فأبَوْا ورجَعوا (٧). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال: "نَعَمْ، [وهو] (٨) لكم كالمَائِدةِ لبَنى إسرائيلَ إن كفَرْتُم". فأبَوْا ورجَعوا، فأَنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً. حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخَرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ،

стр. 1319

عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال رجلٌ: [يا رسولَ اللهِ] (١)، لو كانت كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بنى إسرائيلَ؟ فقال النبىُّ ﷺ : "اللهمَّ لا نَبْغِيها، [اللهمَّ لا نبغيها] (٢)، ما أعطَاكم اللهُ خيرٌ ممَّا أعطَى بنى إسرائيلَ؛ كانت بنو إسرائيلَ إذا أصابَ (٣) أحدُهم الخَطيئةَ وجَدها مكتوبةً على بابِه وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خِزْيًا فى الدنيا، وإن لم يُكَفِّرْها كانت له خِزيًا فى الآخرةِ، [وقد] (٤) أعْطاكم اللهُ خيرًا ممَّا أعْطى بنى إسرائيلَ، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ " [النساء: ١١٠]. قال: وقال: "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، كَفَّاراتٌ لمَا بينَهنَّ". وقال: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت له حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلَّا هالكٌ". فأنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (٥). واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى معنى "أمْ" التى فى قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾. فقال بعضُ البصريِّين: هى بمعنى الاستفهامِ، وتأويلُ الكلامِ: أتُرِيدون أن تسألوا رسولَكم؟ وقال آخَرُ (٦) منهم: هى بمعنى استفهامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِن الكلامِ، كأنك تَمِيلُ بها إلى أوَّلِه، كقولِ العربِ: إنها لإبلٌ -يا قومُ- أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ (٧) نفسى.

стр. 1320

قال: وليس قولُه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ على الشكِّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له صنيعَهم. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ الأَخْطَلِ (١): كَذَبَتْكَ عَيْنُك أم رَأَيْتَ بوَاسِطٍ … غَلَسَ الظَّلامِ مِن الرَّبَابِ خَيَالَا وقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين (٢): إن شِئتَ جعَلتَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ استفهامًا مُبتدأً (٣) على كلامٍ قد سبَقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. فجاءت "أمْ" وليس قبلَها استفهامٌ. فكان ذلك عندَه دليلًا على أنها استفهامٌ مبتدَأٌ على كلامٍ قد سبَقه. وقال قائلُ هذه المقالةِ: "أم" فى المعنى تكونُ ردًّا (٤) على الاستفهامِ على جهتين: إحداهما، أن تُفَرِّقَ (٥) معنى "أىّ"، والأُخْرَى، أن يُسْتَفْهَمَ بها، ويكونَ على جهةِ (٦) النَّسَقِ، والذى يُنْوَى به الابتداءُ، إلَّا أنه ابتداءٌ مُتَّصلٌ بكلامٍ، فلو ابتدأتَ كلامًا ليس قبلَه كلامٌ ثم استَفْهمتَ، لم يكنْ إلَّا بالألفِ أو بـ "هل". قال: وإن شِئتَ قلتَ فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: قبلَه استفهامٌ فرُدَّ عليه، وهو فى قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى -على ما جاءتْ به الآثارُ التى ذكَرْناها عن أهلِ التأويلِ- أنه استفهامٌ مُبْتدَأٌ بمعنى: أَتُرِيدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم؟ وإنما جاز أن يَسْتَفْهِمَ القومَ بـ "أم" -وإن كانت "أم" أحدُ شروطِها أن تكونَ نَسَقًا

стр. 1321

فى الاستفهامِ- لتقدُّمِ ما تقدَّمَها مِن الكلامِ؛ لأنها تكونُ استفهامًا مُبتَدأً إذا تقدَّمَها سابقٌ مِن الكلامِ، ولم يُسْمَعْ مِن العربِ استفهامٌ بها ولمَّا يتقدَّمْها كلامٌ. [ونظيرُه] (١) قولُه جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. وقد تكونُ "أم" بمعنى "بل" إذا سبَقها استفهامٌ لا تَصْلُحُ فيه "أىّ"، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ بالظلمِ؟ [يرادُ به: بل أنت رجلٌ مَعْروفٌ بالظُّلْمِ] (٢). كما قال الشاعر (٣): فَوَاللهِ ما أَدْرِى أسَلْمَى [تَغَوَّلَتْ … أمِ النَّوْمُ] (٤) أمْ كُلٌّ إلىَّ حَبِيبُ يَعنى: بل كلٌّ إلىَّ حبيبٌ. وقد كان بعضُهم يقولُ -مُنْكِرًا قولَ مَن زعَم أن "أم" فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ استِفهامٌ مُستقبَلٌ مُنقطِعٌ مِن الكلامِ، يَمِيلُ بها إلى أوَّلِه-: إن الأولَ خبرٌ، والثانىَ استفهامٌ، والاستفهامُ لا يكونُ فى الخبرِ، والخبرُ لا يكونُ فى الاستفهامِ، ولكن أدرَكه الشكُّ -بزَعمِه- بعدَ مُضِىِّ الخبرِ، فاسْتَفْهَمَ. فإذ كان بمعنى (٥) "أم" ما وصَفْنا، فتأويلُ الكلامِ: أتُريدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم مِن الأشياءِ نظيرَ ما سأَل قومُ موسى موسى (٦) مِن قبلِكم، فتَكْفُروا إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم (١) ما لا يجوزُ فى حكمةِ اللهِ إعطاؤُكُموه، أو تَهْلِكوا إن كان

стр. 1322

ممَّا يجوزُ فى حكمتِه (٢) إعطاؤُكُموه، فأعْطاكُموه، ثم كفَرتُم مِن بعدِ ذلك، كما هلَك مَن كان قبلَكم مِن الأممِ التى سألت أنبياءَها ما لم يكنْ لها مسألتُها إيَّاهم، فلمَّا أُعْطِيَتْ كفَرَت، فعُوجِلَت بالعقوباتِ لكفرِها بعدَ إعطاءِ اللهِ إيَّاها سُؤْلَها. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾: ومَن يَسْتَبْدِلْ، ﴿الْكُفْرَ﴾، ويعنى بالكفرِ الجحودَ باللهِ وبآياتِه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾، يعنى بالتصديقِ باللهِ وبآياتِه والإقرارِ به. وقد قيل: عَنى بالكفرِ فى هذا الموضعِ الشدَّةَ، وبالإيمانِ الرخاءَ. ولا أعرِفُ الشدةَ فى معانى الكفرِ، ولا الرخاءَ فى معنى الإيمانِ، إلَّا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد -بتأويلِه الكفرَ بمعنى الشدَّةِ فى هذا الموضعِ، وبتأويلِه الإيمانَ فى معنى الرخاءِ- ما أعَدَّ اللهُ للكفارِ فى الآخرةِ مِن الشدائدِ، وما أعَدَّ اللهُ لأهلِ الإيمانِ فيها مِن النعمِ (٣)، فيكونُ ذلك وجهًا وإن كان بعيدًا مِن المفهومِ بظاهرِ الخطابِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٤)، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. يقولُ: يَتَبَدَّلِ

стр. 1323

الشدَّةَ بالرخاءِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن (٢) أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ بمثلِه. وفى قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. دليلٌ واضحٌ على صحةِ (٣) ما قلنا مِن أن هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. خطابٌ مِن اللهِ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وعتابٌ منه لهم على أمرٍ سلَف منهم، ممَّا سُرَّ به اليهودُ، وكرِهه رسولُ اللهِ ﷺ لهم، فكرِهه اللهُ لهم، فعاتَبهم (٤) على ذلك، وأعْلَمَهم أن اليهودَ أهلُ غِشٍّ لهم، وحسَدٍ وبَغْىٍ، وأنهم يتمنَّوْن لهم المكارِهَ، ويَبْغُونهم الغوائلَ، ونهاهم أن يَنْتَصِحوهم، وأخبرَهم أن مَن ارتدَّ منهم عن دينِه فاسْتَبْدَل بإيمانِه [باللهِ وبرسولِه] (٥) كُفرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ أمَّا قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ (٦). وأصلُ الضلالِ عن الشئِ: الذهابُ عنه والجورُ (٧)، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الشئِ الهالكِ والشئِ الذى لا يُؤْبَهُ

стр. 1324

له، كقولِهم للرجلِ الخاملِ الذى لا ذِكْرَ له ولا نباهةَ: ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، وقُلُّ بن قُلٍّ. وكقولِ الأخطلِ فى الشئِ الهالكِ (١): كُنْتَ القَذَى فى مَوْجِ أَكْدَرَ (٢) مُزْبِدٍ … قَذَفَ الأَتِىُّ (٣) بِهِ فَضَلَّ ضَلالا يعنى: هلَك فذهَب. والذى عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: فقد ذهَب عن سواءِ السبيلِ وجارَ عنه. وأمَّا تأويلُ قولِه: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فإنه يعنى بالسواءِ القصدَ والمَنْهَجَ. وأصلُ السواءِ الوَسَطُ. ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىِّ أنه قال: مازِلْتُ أكتُبُ حتى انْقَطعَ سَوَائى. يعنى: وَسَطى. وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ (٤): يا وَيْحَ أنْصَارِ النبىِّ ونَسْلِهِ … بَعْدَ المُغَيَّبِ فِى سَوَاءِ المُلْحَدِ يعنى بالسواءِ: الوسَطَ. والعربُ تقولُ (٥): فى سواءِ الليلِ (٦). يعنى: فى مُسْتَوى الليْلِ (٦). وسواءُ الأرضِ مستواها عندَهم. وأمَّا "السبيل"، فإنها الطريقُ المسبولُ، صُرِف مِن مسبولٍ إلى سبيلٍ.

стр. 1325

فتأويلُ الكلامِ إذن: ومَن يَسْتَبْدِلْ بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه الكفرَ، فيَرْتَدَّ عن دينِه، فقد جار عن منهجِ الطريقِ ووسَطِه الواضحِ المسبولِ. وهذا القولُ ظاهرُه الخبرُ عن زوالِ المُسْتبدِل بالإيمانِ الكفرَ عن الطريقِ، والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه قد ترَك دينَ اللهِ الذى ارْتَضَاه لعبادِه، وجعَله لهم طريقًا يَسْلُكونه إلى رضاه، وسبيلًا (١) يَرْكَبونها إلى محبَّتِه والفوزِ بجِنانِه. فجعَل جلَّ ثناؤه الطريقَ -الذى إذا ركِب مَحَجَّتَه السائرُ فيه، ولزِم وَسَطَه المجتازُ فيه، نجا وبلَغ حاجتَه، وأدرك طَلِبَتَه- لدِينِه الذى دعا إليه عبادَه مَثَلًا لإدراكِهم -بلزومِه واتِّباعِه- إدْراكَ (٢) طَلِباتِهم فى آخرتِهم، كالذى يُدْرِكُ اللازمُ محجَّةَ السبيلِ -بلزومِه إيَّاها- طَلِبَتَه مِن النجاةِ منها، والوصولِ إلى الموضعِ الذى أمَّه وقصَده. وجعَل مثَلَ الجائرِ (٣) عن دِينِه، والحائدِ عن اتِّباعِ ما دعا (٤) إليه مِن عبادِه (٥) فى خَيْبَتِه (٦) ما رجا أن يُدْرِكَه بعمَلِه فى آخرتِه، وينالَ به فى مَعَادِه وذهابِه، عمَّا أمَّل مِن ثوابِ عملِه، وبُعْدِه به مِن ربِّه -مثلَ الجائرِ (٣) عن منهجِ الطريقِ، وقصدِ السبيلِ، الذى لا يزدادُ وُغُولًا فى الوجهِ الذى سلَكه، إلَّا ازدادَ مِن موضعِ حاجتِه بُعْدًا، وعن المكانِ الذى أمَّه وأرادَه نَأيًا. وهذه السبيلُ التى أخبَرَ اللهُ عنها، أن مَن يَتَبَدَّلِ الكفرَ بالإيمانِ فقد ضلَّ

стр. 1326

سَواءها، هو (١) الصراطُ المستقيمُ، الذى أُمِرْنا بمسألتِه الهدايةَ (٢) له بقولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. قال أبو جعفرٍ: وقد صَرَّح هذا القولُ مِن قولِ اللهِ جل ثناؤُه، بأن خطابَه بجميعِ هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ وإن صرَف فى بعضِه الكلامَ إلى خطابِ النبىِّ ﷺ ، إنما هو خطابٌ منه للمؤمنين [من أصحابِه] (٣)، وعِتابٌ منه لهم، ونهىٌ عن انتصاحِ اليهودِ ونُظَرائِهم مِن أهلِ الشركِ، وقبولِ آرائِهم فى شيءٍ مِن أمورِ دينِهم، ودليلٌ على أنهم كانوا اسْتَعملوا، أو مَن اسْتَعمل منهم، فى [خطابِ ومسألةِ] (٤) رسولِ اللهِ ﷺ الجفاءَ، وما لم يكنْ له استعمالُه معَه، تأسِّيًا فى ذلك باليهودِ أو ببعضِهم، قال لهم ربُّهم ناهيًا لهم (٥) عن استعمالِ ذلك: لا تقولوا لنبيِّكم ﷺ كما تقولُ (٦) اليهودُ: راعِنا. تأسِّيًا منكم بهم، ولكنْ قولوا: انْظُرْنا واسْمَعوا. فإن أذَى رسولِ اللهِ ﷺ كفرٌ بى وجحودٌ لحقِّى الواجبِ لى (٧) عليكم فى تعظيمِه وتوقيرِه، ولمَن كفَر بى عذابٌ أليمٌ، فإن اليهودَ والمشركين ما يَوَدُّون أن يُنَزَّلَ عليكم مِن خيرٍ مِن ربِّكم، ولكنَّ كثيرًا منهم ودُّوا أنهم

стр. 1327

يَرُدُّونكم مِن بعدِ إيمانِكم كفَّارًا؛ حسَدًا مِن عندِ أنفسِهم لكم ولنبيِّكم محمدٍ ﷺ ، مِن بعدِ ما تبيَّن لهم الحقُّ فى أمرِ محمدٍ ﷺ ، وأنه نبىٌّ إليهم وإلى خلقى كافَّةً. وقد قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: هو كعُب بنُ الأشرفِ (١). وحدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ المعْمَرىُّ (٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ وقتادةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: كعبُ بنُ الأَشْرفِ (٣). وقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان حُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، وأبو ياسرِ ابنُ أَخْطَبَ، مِن أشدِّ يهودَ للعربِ حسدًا، إذْ خَصَّهم اللهُ برسولِه ﷺ ، وكانا جاهدَيْن فى ردِّ الناسِ عن الإسلامِ بما استطاعا، فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية (٤).

стр. 1328

وليس لقولِ القائلِ: عَنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ. معنًى مفهومٌ؛ لأن كعبَ بنَ الأشرفِ واحدٌ، وقد أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه أن كثيرًا منهم يَوَدُّون لو يَرُدُّون المؤمنين كفارًا بعد إيمانِهم، والواحدُ لا يقالُ له: كثيرٌ. بمعنى الكثرةِ فى العددِ، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ توجيهَ (١) الكثرةِ التى وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها فى هذه الآيةِ، الكثرةَ فى العزِّ ورفعةِ المنزلةِ فى قومِه وعشيرتِه، كما يقالُ: فلانٌ فى الناسِ كثيرٌ. يرادُ به كثرةُ المنزلةِ والقدْرِ. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأَ؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه قد وصَفَهم بصفةِ الجماعةِ، فقال: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. فذلك دليلٌ على أنه عَنَى به (٢) الكثرةَ فى العددِ. أو يكونَ ظَنَّ أنه من الكلامِ الذى يَخْرُجُ مَخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، والمقصودُ بالحبرِ عنه الواحدُ، نظيرَ ما قلْنا آنفًا فى بيتِ جَميلٍ، فيكونُ ذلك أيضًا خطأً. وذلك أن الكلامَ إذا كان بذلك المعنى فلابدَّ من دَلالةٍ فيه تدلُّ على أن ذلك معناه، ولا دلالةَ تدلُّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أن المرادَ به واحدٌ دونَ جماعةٍ كثيرةٍ، فيجوزَ صرفُ تأويلِ الآيةِ إلى ذلك، وإحالةُ دليلِ ظاهرِها (٣) إلى غيرِ الغالبِ فى الاستعمالِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿حَسَدًا﴾. أن كثيرًا من أهلِ الكتابِ يَوَدُّون للمؤمِنين ما أخبَر جل ثناؤُه عنهم أنهم يَوَدُّونه لهم، من الرِّدَّةِ عن إيمانِهم إلى الكفرِ، حسَدًا منهم وبَغْيًا عليهم. فالحسَد إذن منصوبٌ على غيرِ النعتِ للكفارِ، ولكن على

стр. 1329

وجهِ المصدرِ الذى يأتى خارجًا من معنى الكلامِ الذى يخالفُ لفظُه لفظَ المصدرِ، كقولِ القائلِ لغيرِه: تمنَّيْتُ لك ما تمنَّيْتُ من السوءِ حسَدًا منى لك. فيكونُ الحسَدُ مصدرًا مِن معنى قولِه: تمنَّيْتُ [لك ما تمنَّيْتُ] (١) من السوءِ. لأنَّ فى قولِه: تمنَّيْتُ لك ذلك. معنى: حَسَدْتُك على ذلك. فعلى هذا نَصْبُ الحسدِ؛ لأنَّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. معنى (٢): حسَدكم أهلُ الكتابِ على ما أعْطاكم اللهُ من التوفيقِ، ووَهَب لكم من الرَّشادِ لدينِه والإيمانِ [به وبرسولِه ﷺ ] (٣)، وخَصَّكم بهِ من أن جعَل رسولَه إليكم رجلًا منكم، رَءُوفًا بكم رَحيمًا، ولم يجعَلْه منهم، فتكونوا لهم تبَعًا. فكان قولُه: ﴿حَسَدًا﴾. مصدرًا مِن ذلك المعنى. وأما قولُه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. فإنه يَعْنى بذلك (٤): من قِبَلِ أنفسِهم. كما يقولُ القائلُ: لى عندك كذا وكذا. بمعنى: لى قِبَلَك. وكما حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه، عن الربيعِ] (٥) قولَه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: [من قِبَلِ أنفسِهم] (٦). وإنما أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه عنهم المؤمنين أنهم وَدُّوا ذلك للمؤمنين من عندِ أنفسِهم، إعلامًا منه لهم أنهم لم يُؤْمَروا بذلك فى كتابِهم، وأنهم يَأتُونَ ما يَأتُون من

стр. 1330

ذلك على علمٍ منهم بنَهْىِ اللهِ إياهم عنه. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. أى: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهؤلاءِ الكثيرِ من أهلِ الكتابِ -الذين يَوَدُّون أنهم يَرُدُّونكم كفارًا من بعدِ إيمانِكم- الحقُّ في أمرِ محمدٍ ﷺ ، وما جاء به من عندِ ربِّه، والملَّةِ التى دعا إليها، فأضاء لهم أن ذلك الحقُّ الذى لا (١) يَمْتَرُون فيه. كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهم أن محمدًا رسولُ اللهِ، والإسلامَ دينُ اللهِ (٢). وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ (٣): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. يقولُ: تَبَيَّن لهم أن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ ، يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (٤). وحدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، وزاد فيه: فكفَروا به حسدًا وبَغْيًا، إذ كان من غيرِهم. وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: فإنَّ (٥) الحقَّ هو محمدٌ ﷺ ، وتَبَيَّنَ لهم أنه هو الرسولُ (٦).

стр. 1331

وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ. فدَلَّ جلَّ ثناؤُه بقيلِه ذلك أن كُفْرَ الذين قَصَّ قِصَّتَهم في هذه الآيةِ باللهِ وبرسولِه، عنادٌ، وعلى علمٍ منهم ومعرفةٍ بأنهم على اللهِ مُفْتَرُون. كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: من بعدِ ما أضاءَ لهم الحقُّ لم يَجْهَلُوا منه شيئًا، ولكنَّ الحسدَ حملَهم على الجَحْدِ، فعيَّرهم اللهُ ولامَهم ووَبَّخَهم أشدَّ الملامةِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَاعْفُوا﴾: فتجاوَزُوا عما كان منهم من إساءةٍ وخطأٍ في رأىٍ أشارُوا به عليكم في دينِكم، إرادةَ صدِّكم عنه، ومحاولةَ ارتدادِكم بعد إيمانِكم، وعما سلَفَ منهم من قيلِهم لنبيِّكم ﷺ : ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. ﴿وَاصْفَحُوا﴾ عما كان منهم من جهلٍ في ذلك ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾، فيُحْدِثَ لكم من أمرِه فيهم (٢) ما يشاءُ، ويَقْضِىَ فيهم بما (٣) يريدُ. فقضَى فيهم [بعدَ ذلك] (٤) تعالى ذكرُه، وأتَى بأمرِه، فقال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

стр. 1332

حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فنسَخ العفوَ جل ثناؤُه عنهم والصفحَ، بفرضِ قتالِهم على المؤمنين، حتى تصيرَ كلمتُهم وكلمةُ المؤمنين واحدةً، أو (١) يُؤَدُّوا الجِزْيةَ عن يدٍ صَغارًا. كما حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. نسَخ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٥]. حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: فأتى اللهُ بأمرِه فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقَرأ (٣) حتى بلَغَ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. أى: صَغارًا ونِقْمةً لهم، فنسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٤). وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: اعفُوا عن أهلِ الكتابِ حتى يُحْدِثَ اللهُ أمرًا، فأَحدَثَ اللهُ بعدُ فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن

стр. 1333

قتادةَ في قولِه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: نسخَتْها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١). حدّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾. قال: هذا منسوخٌ نسَخَه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى القديرِ وأنه القويُّ (٣). فمعنى الآيةِ ههنا: إنَّ اللهَ على كلِّ ما يشاءُ [ويُريدُ] (٤) -بالذين وصَفْتُ لكم (٥) أمرَهم من أهلِ الكتابِ وغيرِهم- قديرٌ؛ إن شاء الانتقامَ منهم بعنادِهم ربَّهم، وإن شاء هِدايَتَهم (٦) لما هداكم (٧) له من الإيمانِ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يمتنعُ (٨) عليه أمرٌ شاء قضاءَه؛ لأن له الخلقَ والأمرَ. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ (٩) على معنى إقامةِ الصلاةِ، وأنها أداؤُها

стр. 1334

بحدودِها وفروضِها، وعلى تأويلِ الصلاةِ، وما أصلُها، وعلى معنى إيتاءِ الزكاةِ، وأنه إعطاؤُها بطِيبِ نفسِ مُؤْتيها، على ما فُرِضَت ووجَبَتْ، وعلى معنى الزكاةِ، واختلافِ المختلفين فيها، والشواهدِ الدالةِ على صحةِ القولِ الذي اختَرْنا في ذلك بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وأما قولُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾. فإنه يَعنى جل ثناؤُه بذلك: ومَهْمَا تَعمَلُوا من عملٍ صالحٍ في أيامِ حياتِكم، فتُقَدِّموه قبلَ وفاتِكم ذُخْرًا لأنفسِكم في مَعادِكم، تَجِدُوا ثوابَه عند ربِّكم يومَ القيامةِ، فيُجازِيكم به. والخيرُ: هو العملُ الذي يَرضاه اللهُ. وإنما قال: ﴿تَجِدُوهُ﴾. والمعنَى: تجِدُوا ثوابَه. كما حدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿تَجِدُوهُ﴾ يعنى: تَجِدُوا ثوابَه عند اللهِ (٢). قال أبو جعفرٍ: لاستغناءِ سامِعِ (٣) ذلك بدليلِ ظاهرِه على معنى المرادِ منه، كما قال عمرُ (٤) بنُ لَجْأَ (٥): وسبَّحَتِ المدِينةُ لا تَلُمْها … رَأَتْ قمَرًا بسُوقِهِمُ نهَارَا وإنما أراد: وسبَّح أهلُ المدينةِ. وإنما أمَرهم جل ثناؤُه في هذا الموضعِ بما أمَرهم به من إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ

стр. 1335

وتقديمِ الخيراتِ لأنفسِهم؛ ليَتَطَهَّرُوا بذلك من الخطأِ الذي سَلَف منهم في استِنْصاحِهم اليهودَ، وركونِ من كان ركَن منهم إليهم، وجفاءِ من كان جَفَا منهم في خطابِه رسولَ اللهِ ﷺ بقولِه: ﴿رَاعِنَا﴾. إذ كانت إقامةُ الصلَواتِ كفارةً للذنوبِ، وإيتاءُ الزكاةِ تطهيرًا للنفوسِ والأبدانِ من أدناسِ الآثامِ، وفي تقديمِ الخيراتِ إدراكُ الفوزِ برِضْوانِ اللهِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾. وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه للذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ من المؤمِنين، أنهم مَهْما فعَلُوا من خيرٍ أو (١) شرٍّ، سرًّا و (٢) عَلانيةً، فهو به بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، فيَجْزِيهم بالإحسانِ جزاءَه، وبالإساءةِ مثلَها. وهذا الكلامُ وإن كان خرَج مَخْرَجَ الخبرِ، فإن فيه وعْدًا ووَعيدًا، وأمرًا وزَجْرًا، وذلك أنه أعلمَ القومَ أنه بَصِيرٌ بجميعِ أعمالِهم، لِيَجِدُّوا في طاعتِه؛ إذ كان ذلك مَذخورًا لهم عندَه حتى يُثِيبَهم عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾. ولِيَحْذَرُوا معصيتَه، إذ كان مُطَّلِعًا على راكِبِها، بعد تَقَدُّمِه إليه فيها بالوعيدِ عليها، وما أوْعَدَ عليه ربُّنا جل ثناؤُه فمَنْهِىٌّ عنه، وما وعَد عليه فمأمورٌ به. أما قولُه: ﴿بَصِيرٌ﴾. فإنه مُبْصِرٌ، صُرِف إلى بَصيرٍ، كما صُرِف مُبْدِعٌ إلى بَدِيعٍ، ومُؤْلِمٌ إلى أَليمٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُم﴾.
следующие страницы →