← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات، الذين يختلفون إلى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الربُّ فانحدروا، سمع لهم صوتٌ شديدٌ، فيحسبُ الذين هم أسفل منهم من الملائكة، أنه من أمر الساعة، فيَخِرُّوا سُجَّدًا، وهذا كلما مَرُّوا عليهم، ويفعلون ذلك من خوفِ ربِّهم (١). وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا: وإنما يُفَزِّعُ الشيطانُ عن قلوبهم. قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنيَّةِ بهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فَزَّع الشيطانُ عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم، وما كان يُضِلُّهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدمَ، وهذا عند الموتِ، أقرُّوا به حين لم ينفعهم الإقرارُ (٢). وأولى الأقوال في ذلك بالصواب [وأشبهُها بظاهر التنزيل] (٣)، القولُ الذي ذكره الشَّعْبيُّ، عن ابن مسعودٍ؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بتأييده.

стр. 13022

فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: ولا تنفعُ الشفاعة عنده، إلا لمن أذِن له أن يشفع عنده (١)، فإذا أذن (٢) اللهُ لَمَن أذن له أن يشفعَ، فزِع لسماعه إِذْنَه، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ فَجُلىَ عنها، وكُشِف الفزع عنهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [قَالُوا الْحَقَّ] (٣)﴾. قالت الملائكةُ: الحقَّ. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كلِّ شيءٍ، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي لا شيء إلا هو دونه. والعرب تستعمل "فزِّع" في معنيين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمورُ التي يُفزَعُ منها: هو مُفَزَّعٌ. وتقولُ للجبانِ الذي يفزَعُ مِن كُلِّ شيءٍ: إنه لمُفَزَّعٌ. وكذلك تقول للرجل الذي يقضى له الناسُ في الأمور بالغَلَبَةِ على من نازله فيها: هو مُغَلَّبٌ. وإذا أُريد به هذا المعنى كان غالبًا، وتقول للرجل أيضا الذي هو مغلوبٌ أبدًا: مُغَلَّبٌ (٤). وقد اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ الأمصار أجمعون: ﴿فُزِّعَ﴾ بالزايِ والعينِ. على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعودٍ، ومن قال نحو قوله في ذلك. وروى عن الحسن البصرى أنه قرأ ذلك: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عن قُلُوبهم) بالراءِ والغين (٥). على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد. وقد يُحتمل توجيه معنى قراءة الحسنِ ذلك كذلك، إلى: حتى إذا فُزِّغ عن قُلُوبهم، فصارت فارغةً مِن الفزع الذي كان حَلَّ بها. وذُكر عن مجاهد أنه قرَأ ذلك: (فَزَّع) بمعنى: كشَف اللهُ الفَزَعَ عنها (٦).

стр. 13023

والصوابُ من القراءةِ في ذلك القراءة بالزاي والعين؛ لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل عليها، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ بتأييدها، والدلالة على صحتها. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربِّهم الأوثان والأصنام: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَاوَاتِ﴾ (١)، بإنزاله الغيث عليكم منها، حياةً لحروثِكم، وصلاحًا لمعايشكم، وتَسْخيرِه الشمسَ والقمرَ والنجوم لمنافعكم، ومنافع أقواتِكم، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بإخراجه منها أقواتَكم وأقواتَ أنعامكم. وترك الخبر عن جواب القوم استغناءً بدلالة الكلام عليه، ثم (٢) ذكره وهو: فإن قالوا: لا نَدْرِى. فقُل: الذي يرزقكم ذلك الله. ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَاكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: إنا لعلى هُدًى أو في ضلالٍ (٣)، أو إنكم على ضلالٍ أو هُدًى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، [قال: ثنا يزيد] (٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله (٥): ﴿قُلْ مَن

стр. 13024

يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين: والله ما نحن (١) وأنتم على أمرٍ واحدٍ، إِنَّ أحد الفريقين مُهْتَدٍ (٢). وقد قال قوم: معنى ذلك: وإنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلالٍ مبينٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني إسحاق بن إبراهيمَ الشَّهيدي، قال: ثنا عَتَّابُ (٣) بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة وزياد [بن أبي مريم] (٤) في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: إنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلال مبين (٥). واختلف أهل العربية في وَجْهِ دخول "أو" في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ليس ذلك لأنَّه شكٌّ، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدِى. قال: وقد يقولُ الرجلُ لعبده: أحدُنا ضارب صاحبَه. ولا يكون فيه إشكال على السامع، أن المولى هو الضارب. وقال آخر (٦) منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هُدًى، وإنكم إياكم في ضلالٍ مبين؛ لأن العرب تضعُ "أو" في موضع "واوِ" الموالاة. قال جريرٌ (٧):

стр. 13025

أثَعْلَبَةَ الفوارسِ أو رياحا … عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا قال: يعنى: أثعلبة ورياحًا. قال: وقد [قال قوم: قد يتكلم] (١) بهذا من لا يَشُكُّ في دينه، وقد علموا أنهم على هُدًى وأولئك في ضلال (٢)، فيقالُ هذا وإن كان كلاما واحدا، على جهة الاستهزاء، يقال هذا لهم. وقال (٣): فإن يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ … ولستُ بُمُخْطِئُ إن كان غَيّا وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى "أو" معنى "الواوِ" في هذا الموضع (٤)، غيرَ أن العربية (٥) على غير ذلك؛ لا تكونُ "أو" بمنزلة "الواوِ"، ولكنها تكون في الأمر المُفَوَّض (٦)، كما تقولُ: إن شئتَ فخُذْ درهمًا أو اثنين. فله أن يأخُذَ اثنين أو واحدا، وليس له أن يأخذَ ثلاثة. قال: وهو في قولِ مَن لا يبصرُ العربية ويجعلُ "أو" بمنزلة "الواو" (٧)، يجوز له أن يأخذ ثلاثةً؛ لأنَّه في قولهم بمنزلة قولك: خُذْ درهما واثنين. قال: والمعنى في: ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضًا لضالون [أو مهتدون] (٨)، وهو يعلم أن رسوله المُهْتَدِى، وأن غيره الضالُّ. قال: وأنت تقولُ في الكلام للرجل يُكَذِّبُك: والله إن أحدنا لكاذبٌ.

стр. 13026

وأنت تَعْنِيه، وكذَّبْتَه تَكذيبًا غير مكشوف (١)، وهو في القرآن وكلام العرب كثيرٌ؛ أن يُوجَّهَ الكلامُ إلى أحسن مذاهبه إذا عُرِف (٢)، كقول القائل (٣): والله لقد قدم فلان. وهو كاذبٌ، فيقولُ: قُلْ: إن شاء الله. أو قل: فيما أَظُنُّ. فَيُكَذِّبُه بِأَحْسَنَ من (٤) تَصْرِيحِ التَّكذيب، قال: ومن كلام العرب أن يقولوا: قاتله الله. ثم يستقبحُ فيقولون: قاتَعه (٥) الله، وكاتَعه الله. قال: ومن ذلك: وَيْحَكَ، ووَيْسَك. إنما هي في معنى: وَيْلَك. إلا أنها دونَها (٦). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى (٧)، أن ذلك أمرٌ مِن الله نبيَّه بتكذيب مَن أمره بخطابه بهذا القول، بأحسن (٨) التكذيب، كما يقولُ الرجلُ لصاحبٍ له يخاطبه، وهو يريدُ تَكْذيبه في خبر له: أحدنا كاذب. وقائلُ ذلك يعنى صاحبه لا نفسه؛ فلهذا المعنى صَيَّر الكلامَ بـ "أو" (٩). القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قُلْ لهؤلاء المشركين: أحد فريقينا على هُدًى، والآخرُ على ضلال، لا تُسألون أنتم

стр. 13027

عما أَجْرَمْنا نحنُ مِن جُرْمٍ وركبنا (١) مِن إثمٍ، ولا نُسألُ نحن عما تعملون أنتم من عملٍ. قُلْ لهم: يجمعُ بيننا ربنا يومَ القيامة عندَه، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ثم يَقْضِي بيننا بالعدل، فيتبين عند ذلك المهتدِى مِنَّا مِن الضالِّ، ﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: والله القاضي، العَلِيمُ بالقضاءِ بين خلقه؛ لأنَّه لا تَخْفَى عليه (٢) خافيةٌ، ولا يحتاج إلى شهود تعرفه المُحِقَّ مِن المُبطلِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يومَ القيامةِ، ﴿ثُمَّ يفتحُ بَيْنَنَا﴾، أي: يَقْضِي بيننا (٣). حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: القاضي (٤). القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ، شُرَكَاة كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. الله قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الآلهة والأصنامَ: أروني، أَيُّها القومُ، الَّذين

стр. 13028

ألْحَقْتُموهم باللهِ، فصَيَّرْتموهم له شركاء في عبادَتِكم إياهم، ماذا خَلَقُوا مِن الأرضِ، أم لهم شِرك في السماواتِ، ﴿كَلَّا﴾. يقول تعالى ذكره: كذبوا، ليس الأمرُ كما وصفوا ولا كما جَعَلوا وقالوا، مِن أنَّ للهِ شَريكًا، بل هو المعبود الذي لا شريك له، ولا يَصْلُحُ أن يكونَ له شَريكٌ في مُلْكِه، العزيز في انتقامِه مِمَّنْ أَشْرَك به معه مِن خَلْقِه، الحكيم في تدبيره خَلْقَه. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما أَرْسَلْناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصةً، ولَكِنَّا أرسلناك كافَّة للناس أجمعين؛ العرب منهم والعجمُ، والأحمر والأسودُ، بَشِيرًا مَن أطاعَك، ونذيرا من كذَّبَك، ولكن أكثر النَّاسِ لا يعلمون أن الله أرْسَلَك كذلك إلى جميع البشر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. قال: أَرْسَل الله محمدًا إلى العرب والعجم، فأكرمهم على اللهِ أطْوَعُهم له. ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال: "أنا سابِقُ العَرَبِ، وصُهَيبٌ سابِقُ الرُّومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشِ (١)، وسَلْمانُ سابِقُ فارِسَ" (٢).

стр. 13029

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون بالله، إذا سمعوا وعيد الله للكفار وما هو فاعِلٌ بهم في مَعادِهم مما أَنْزَلَه في كتابه: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ جائيًا، وفى أي وقت هو كائن ﴿إِن كُنتُمْ﴾ فيما تَعِدُوننا من ذلك ﴿صَادِقِينَ﴾ أنه كائن. قال الله لنبيه: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿لَّكُمْ﴾ أيُّها القوم ﴿مِيعَادُ يَومٍ﴾ هو آتِيكُم، ﴿لا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ﴾ إذا جاءَكم ﴿سَاعَةً﴾ فتُنْظُرُوا للتوبةِ والإنابة، ﴿وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ قبله بالعذاب؛ لأن الله جعل [لكم ذلك] (١) أجَلًا. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مُشْرِكى العرب: ﴿لَن نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ الذي جاء (٢) به محمد ﷺ ، ولا بالكتاب الذي جاء به [مِنْ قَبْلِه] (٣) غيرُه مِن بين يَدَيْهِ. كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لَن

стр. 13030

نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلَا بِالَّذِى بَينَ يَدَيْهِ﴾. قال: قال المشركون: لن نُؤْمِنَ بهذا القرآن، ولا بالذي بينَ يَدَيْهِ مِن الكُتُبِ والأنبياءِ (١). وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبَّهِمْ﴾. [يقولُ تعالى ذكره: ولو تَرَى يا محمد الظالمين إذ هم موْقوفون عندَ رَبِّهِم] (٢) يَتَلاوَمُون؛ يُحاوِرُ بعضُهم بعضًا، يقولُ المُسْتَضْعَفون الذين كانوا في الدنيا، للذين كانوا عليهم فيها يَسْتَكْبِرون: لولا أنتم أيُّها الرُّؤساء والكُبَراءُ في الدنيا، لَكُنَّا مؤمنين بالله وآياته. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ في الدنيا، فتَرَأَّسُوا (٣) في الضلالة والكفر بالله، ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ فيها فكانوا أتباعًا لأهل الضلالة منهم - إذ قالوا لهم: لولا أنتم لكنَّا مؤمنين -: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ ومَنَعْناكم (٤) مِن اتِّباع الحقِّ [بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ من عندِ اللهِ فَتَبَيَّنَ (٥) لكم، ﴿بَلْ كُنتُم مُجْرِمِينَ﴾ فمنعكم إيثاركم الكفر بالله على الإيمانِ، مِن اتِّباع الهدى والإيمان بالله ورسوله. القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا

стр. 13031

يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِن الكفرة بالله في الدنيا، فكانوا أتباعًا لرؤسائهم في الضلالة، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ فيها فكانوا لهم (١) رؤساء: بل مكرُكم بنا (٢) بالليل والنهارِ صَدَّنا عن الهدى، [﴿وإِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ باللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: أمثالًا وأشباها] (٣) في العبادةِ والألوهية. [وأُضيف] (٤) المكرُ إلى الليل والنهارِ، والمعنى ما ذَكَرْنا مِن مكرِ المُسْتَكْبِرين بالمُسْتَضْعَفِين في الليل والنهار، على اتِّساع العرب في الذي قد عُرف معناها فيه (٥) مِن مَنْطِقِها؛ مِن نَقْلِ صفة الشيء إلى غيره، فتقولُ للرجل: يا فلان، نهارُك صائمٌ، وليلك قائمٌ. وكما قال الشاعرُ (٦): * ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ (٧) بنائمِ * وما أشبَه ذلك، مما قد مضى تِبْيانُنا له في غيرِ مَوْضِعٍ مِن كتابنا هذا (٨). وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 13032

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال: يقولُ: بل مكركم بنا في الليل والنهار، أيُّها العُظَماءُ الرُّؤَسَاءُ، حتى أَزَلْتُمونا عن عبادة الله (١). وقد ذُكر في تأويله عن سعيد بن جُبيرٍ، ما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمَانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. قال: مرُّ (٢) الليل والنهار (٣). وقوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾. يقولُ: حينَ تَأْمُرُونَنا أن نكفرَ باللهِ. وقوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾. يقولُ: شُركاءَ. كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا﴾: شُركاءَ. وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا العَذَابَ﴾. يقولُ: ونَدِموا على ما فَرَّطوا فيه (٤) من طاعة الله في الدنيا، حين عايَنوا عذابَ الله الذي أعَدَّه لهم. كما حدثنا بشرٌ، [قال: حدثنا يزيد] (٥)، قال: ثنا سعيد، عن

стр. 13033

قتادةَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ بينَهم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ (١): غُلَّتْ أَيْدِى الكافرين بالله [في جهنم إلى أعناقهم، في جَوامِعَ مِن نار جهنم؛ جَزاء بما كانوا بالله] (٢) في الدنيا يَكْفُرون. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما يَفْعَلُ اللهُ ذلك بهم إلَّا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة، التي كانوا في الدنيا يَعْمَلونها، ومُكافَأَةً لهم عليها. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما بَعَثْنا إلى أهل قريةٍ نَذِيرًا، يُنْذِرُهم بَأْسَنا أَن يَنْزِلَ بهم، على مَعْصِيَتِهم إيانا، إلا قال مُتْرَفوها (٣)، كُبَرَاؤُها ورؤساؤُها في الضَّلالة، كما قال قوم محمدٍ (٤) من المشركين له: إِنَّا بما أُرْسِلْتُم به مِن النِّذارَةِ، وبُعِثْتُم به من توحيدِ اللهِ، والبَرَاءَةِ مِن الآلهة والأنْدادِ، كافرون. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾. قال: هم رُءُوسُهم وقادَتُهم في الشَّرِّ (٥).

стр. 13034

القول في تأويل قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وقال أهلُ الاسْتِكْبار على الله من كلِّ قرية أرْسَلْنا فيها نذيرًا؛ [لأنبيائها ورُسُلِها] (١): نحن أكثر منكم (٢) أموالًا وأولادًا، وما نحنُ في الآخرةِ بمُعَذَّبِينَ؛ لأن الله لو لم يَكُن راضيًا ما نحن عليه من المِلَّةِ والعملِ، لم يُحَوِّلنا الأموال والأولاد، ولم يبسُطْ لنا في الرِّزْقِ، وإنما أعطانا ما أعطانا ذلك؛ لرضاه أعمالنا، وآثرنا بما آثرنا على غيرنا؛ لفَضْلِنا، من وزُلْفَةً لنا عِندَه. يقول الله لنبيِّه محمد ﷺ : قُلْ يا محمد لهم: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ مِن المَعَاشِ والرِّياش في الدنيا ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ مِن خَلْقِه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ فيُضَيقُ على من يشاءُ، لا لفَضْلٍ (٣) فيمَن يَبْسُطُ ذلك له ولا خير فيه، ولا زُلْفَةٍ له اسْتَحَقَّ بها منه، ولا لبُغْضٍ (٤) منه لَمَنْ قدر عليه ذلك، ولا مَقْتٍ، ولكنَّه يَفْعَلُ ذلك مِحَنا (٥) لعباده وابتلاءً، وأكثر الناس لا يَعْلَمون أن الله يَفْعَلُ ذلك اختبارًا لعباده، ولكنَّهم يَظُنُّون أن ذلك منه محبةٌ لَمَنْ يَبْسُطُ له، ومَقْتُ منه (٦) لمن قدر عليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 13035

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾ إلى آخر الآيةِ، قال: قالوا: [نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا]. فأَخْبَرَهم الله أنه ليست أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقَرِّبُكم عندَنا زُلْفَى، ﴿إلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قال: هذا (١) قولُ المشركين لرسول الله ﷺ وأصحابه؛ قالوا: لو لم يكن الله عنا راضيا، لم يُعْطِنا هذا، كما قال قارونُ: لولا أن اللَّهَ رَضِى بى وبحالى، ما أعطانى هذا. قال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨]. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وما أموالكم التي تَفْتَخِرون بها، أيُّها القومُ، على الناسِ، ولا أولادكم الذين تتكبَّرون (٢) بهم، بالتي تُقَرِّبُكم منا قُرْبَةً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني

стр. 13036

الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿عِندَنَا زُلْفَى﴾، قال: قُرْبَى (١). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾. لا يُعْتَبَرُ (٢) الناسُ بِكَثْرَةِ المال أو (٣) الولد؛ فإن الكافرَ (٤) يُعْطَى المال، وربما حُبِس عن المؤمن (٥). وقال جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾. ولم يَقُلْ: "باللَّتَيْن". وقد ذكر الأموال والأولاد، وهما نَوْعان مُخْتَلِفَانِ؛ لأنَّه ذُكِر مِن كلِّ نوعٍ منهما جمع يَصْلُحُ فيه "التي"، ولو قال قائل: أُريد (٦) بذلك أحد النَّوْعَيْن. لم يُبْعِدْ في قوله، وكان ذلك كقول الشاعر (٧): نحن بما عندنا، وأنت بما … عندكَ راضٍ والرَّأْى مُخْتَلِفُ ولم يَقُلْ: راضيانِ. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقَرِّبُكم عندنا زُلفى، إلا من آمن وعمل صالحًا، فإنه تُقَرِّبُهم أموالهم وأولادهم،

стр. 13037

بطاعتهم الله في ذلك وأدائهم فيه حَقَّه، إِلى اللَّهِ زُلْفَى، دُونَ أهل الكفرِ بالله. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾. قال: لم تَضُرَّهم (١) أموالهم ولا أولادهم في الدنيا؛ للمؤمنين. وقرَأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة. والزِّيادةُ: ما أعْطاهم الله في الدنيا؛ لم يُحاسبهم به، كما حاسب الآخرين. فـ ﴿مَنْ﴾ (٢) على هذا التأويلِ نَصْبٌ بوقوعِ "تُقَرِّبُ" عليه. وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع، فيكون كأنه قيل: وما هو إلا من آمن وعمل صالحًا. وقوله: ﴿فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾. يقولُ: فهؤلاء لهم من الله على أعمالهم الصالحة، الضِّعْفُ مِن الثوابِ؛ بالواحدة عَشْرٌ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾. قال: بأعمالهم؛ [قال: بالواحدة] (٣) عشرٌ، وفي

стр. 13038

سبيل الله بالواحدة (١) سبعمائةٍ. وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. يقولُ: وهم في غرفات الجنات آمنون من عذابِ اللَّهِ. القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: والذين يعملون في آياتِنا. يَعْني: في حُجَجنا وآي كتابنا، يبتغون إبطاله، ويريدون إطفاء نورِه مُفَاوِتِينَ (٢)، يَحْسَبون أنهم يَفُوتُونَنا بأنفسهم ويُعْجِزونَنَا، ﴿أَوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾. يَعْنِي: في عذابِ جهنم مُحْضَرون يومَ القيامةِ. وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: قُلْ يا محمد: إن ربى يَبْسُطُ الرزق لمن يشاءُ مِن خَلْقِه، فيُوَسِّعُه عليه، تَكْرِمَةً له وغير تكرمةٍ، ويَقْدِرُ على من يشاءُ منهم فيُضَيِّقُه ويُقَتِّرُه، إهانةً له وغيرَ إهانة، بل مِحْنَةً واختبارًا. ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مَّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. يقولُ: وما أنفقتم أيُّها الناسُ مِن نفقة في طاعة الله، فإن اللَّهَ يُخْلِفُها عليكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، [عن عمرِو بن قيسٍ] (٣)،

стр. 13039

عن المِنْهالِ بن عمرو عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مَّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخلِفُهُ﴾. قال: ما كان في غير إسرافٍ ولا تَقْتِيرٍ (١). وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. يقولُ: وهو خيرُ مَن قيل: إنه يَرْزُقُ. ووُصِف به، وذلك أنه قد يُوصَفُ بذلك من دُونَه، فيُقالُ: فلانٌ يَرْزُقُ أهله وعياله. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ (٢) جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفارَ باللهِ جميعًا، ثم نقول للملائكةِ: أهؤلاء كانوا يَعْبُدونَكُم مِن دُونِنا؟ فتَتَبَرَّأُ منهم الملائكةُ، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ رَبَّنَا، تَنْزِيهًا لك وتَبْرِئةً مما أضاف إليك هؤلاء من الشُّرَكاءِ والأنْدادِ، ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ لا نَتَّخِذُ وَلِيًّا دونَك، ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنِّ﴾. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: (ويومَ نَحْشُرُهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إيَّاكم كانوا يَعْبُدونَ)؟ استفهامٌ، كقوله لعيسى:

стр. 13040

أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ (١) [المائدة: ١١٦]. وقوله: ﴿أَكْثَرُهُم بِهِم تُؤْمِنُونَ﴾. يقول: أكثرهم بالجنِّ مُصَدِّقون، فزَعَموا (٢) أنهم بناتُ اللَّهِ، [تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا] (٣). القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ﴾، أيُّها الملائكةُ، للذين كانوا في الدنيا يَعْبُدونكم، [ولا الذين كانوا يَعْبُدونكم لكم] (٤)، نفعًا يَنْفَعونكم به، ولا ضَرًّا يَنالُونكم به، أو تَنالونهم به. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. يقولُ: ونقول للذين عَبدوا غيرَ اللَّهِ، فوَضَعوا العبادةَ في غيرِ مَوْضِعِها، وجَعَلوها لغيرِ مَن تَنْبَغى أن تكونَ له: ذُوقُوا عذاب النار التي كنتم بها في الدنيا تُكَذِّبون، فقد وَرَدْتُموها. القول في تأويل قوله جل وعزّ: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: وإذا تُتْلى على هؤلاء المشركين آيات كتابنا ﴿بَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ: واضحاتٍ أَنَّهُنَّ حَقٌّ مِن عندنا، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾. يقولُ: قالوا عند ذلك: لا تَتَّبعوا

стр. 13041

محمدًا، فما هو إلا رجلٌ يريد أن يَصُدَّكم عما كان يَعْبُدُ آبَاؤُكُم مِن الأوثان، ويُغَيِّرَ دينَكم ودين آبائكم، ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾. يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي [يَتْلوا علينا محمدٌ] (١). يَعْنُونَ القرآن. ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾. يقولُ: إِلا كَذِبٌ. ﴿مُفْتَرًى﴾. يقولُ: مُخْتَلَقٌ، مُتَخَرَّصٌ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. يقول جلَّ ثناؤُه: وقال الكفارُ ﴿لِلْحَقِّ﴾، يعنى محمدًا ﷺ ، ﴿لَمَّا جَاءَهُم﴾. يقولُ (٢): لَمَّا بعثه الله نبيًّا: هذا سحر مبين. [يقولُ: قالوا لِمَا أَتاهم به من الآياتِ والحُجَجِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٣). يقول: ما هذا إلا سحرٌ مُبِينٌ؛ يُبِينُ لِمَنْ رَآهُ وتَأمَّله أنه سحرٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾. يقول تعالى ذكره: وما أنزلنا على هؤلاء المشركين، القائلين لمحمد لمَّا جاءَهم بآياتِنا: هذا سحرٌ مبينٌ، بما يقولون من ذلك، كُتُبًا ﴿يَدْرُسُونَها﴾. يقولُ: يَقْرَءُونَها. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: أَي يَقْرَءُونها (٤). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾. يقول: وما بعثنا (٥) إلى هؤلاء المشركين من قومك، يا محمد، فيما يقولون ويَعْمَلون، قَبْلَكَ مِن نبيٍّ يُنذِرُهم بَأْسَنا عليه.

стр. 13042

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾. قال (١): ما أَنْزَل الله على العرب كتابًا قَبْلَ القرآنِ، ولا بَعث إليهم نبيًّا قبل محمدٍ ﷺ (٢). وقوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ: وكذَّب الذين من قبلهم من الأمَمِ، رُسُلَنَا وَتَنْزِيلَنا. ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ولم يَبْلُغْ قومُك يا محمد المُكَذِّبوك (٣)، عُشْرَ ما أَعْطَيْنا الذين مِن قَبْلِهِم مِن الأُممِ؛ مِن القُوَّةِ والأَيْدِ والبَطْشِ، وغير ذلك من النِّعمِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ (٤): مِن القُوَّةِ في الدُّنيا (٥). حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ما جاوَزوا

стр. 13043

معشارَ ما أنعَمْنا عليهم. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾: يُخيرُكم أنه أَعْطَى القومَ ما لم يُعْطِكُم مِن القُوَّةِ وغير ذلك (١). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾. قال: ما بلغ هؤلاء؛ أُمَّةُ محمد ﷺ ، ﴿مِعْشَارَ مَا [آتَيْنَاهُمْ﴾. يَعْنى] يعني] (٢): الذين مِن قَبْلِهم، وما أعطَيْناهم مِن الدنيا، وبَسطنا عليهم، ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾. [قولُه: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾] (٣). يقول: فكَذَّبوا رُسُلى فيما أَتَوْهم به من رسالتي، فعاقَبْناهم بتَغييرنا بهم ما كُنَّا آتَيْناهم مِن النِّعمِ، فانْظُرْ، يا محمدُ ﴿كَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ (٤): كيف كان تَغْييرى بهم وعُقُوبتي إياهم (٥). القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾. قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكره: قُلْ، يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: إنما أَعِظُكم أيُّها القومُ بواحدةٍ، وهى طاعة الله .

стр. 13044

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾. قال: بطاعةِ اللهِ (١). وقولُه: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. يقولُ: وتلك الواحدةُ التي أعِظُكم بها؛ هي أن تقوموا (٢) للهِ اثْنَيْن اثنين، [وفَرْدًا فَرْدًا] (٣)، فـ ﴿أَنْ﴾ في موضعِ خفضٍ، تَرْجَمَةً [عن الواحدةِ] (٤). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثني أبو عاصمِ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. قال: واحدًا واثْنَيْنِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [قال: هذه الواحدةُ التي وَعَظْتُكم بها؛ أن تقوموا للهِ] (٥) رَجُلًا ورَجُلَيْنِ (٦).

стр. 13045

وقيلَ: إنما قِيل: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ وتلك الواحدةُ أن تقوموا للهِ بالنَّصيحة وتَرْكِ الهَوَى، ﴿مَثْنَى﴾. يقولُ (١): يقومُ الرجلُ منكم مع آخَرَ، فيَتَصادَقانِ (٢) على المناظرة؛ هل عَلِمْتم بمحمدٍ (٣) ﷺ جنونًا قَطُّ؟ ثم يَنْفَرِدُ كُلُّ واحدٍ منكم، فيَتَفَكَّرُ ويَعْتَبِرُ فَرْدًا (٤)؛ هل كان ذلك به (٥)؟ فتَعْلَموا حينَئذٍ أنه نذيرٌ لكم. وقولُه: [﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. يقولُ] (٦): [ثم تتفكَّروا في أنفُسِكم، فتعلموا ما بمحمدٍ من جُنونٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. يقولُ: [إن صاحبَكم] (٧) (٨) ليس بمجنونٍ. وقولُه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: ما محمدٌ إلا نذيرٌ لكم. [﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ] (٩): يُنذِرُكم على كفرِكم باللهِ عِقابَه، أمامَ عذابِ جهنمَ، قَبْلَ أَن تَصْلَوْها. وقوله: ﴿هُوَ﴾، كِنايةُ اسمِ محمدٍ ﷺ . القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾.

стр. 13046

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك المُكَذِّبِيكَ، الرَّادِّينَ عليك ما أتَيْتَهم به مِن عندِ ربِّك: ما أسْأَلُكم مِن جُعْلٍ على إنذارِكم عذابَ اللهِ، وتَخْويفكم (١) بأسَه، ونَصِيحتى لكم في أمرى إياكم بالإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه، فهو لكم لا حاجةَ لى به. وإنما معنى الكلامِ: قُلْ لهم: إنى لم أسْأَلُكم على ذلك جُعْلًا فتَتَّهِمونى، وتَظُنُّوا أَنِي إِنما دَعَوْتُكُم إلى اتِّباعي لمالٍ آخُذُه منكم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي جُعْلٍ، ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. يقولُ: لم أسْأَلْكم على الإسلامِ جُعْلًا (٢). وقولُه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ما ثوابى على دُعائِكم إلى الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه، وتبليغِكم رسالَتَه، إلا على اللهِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: واللهُ على حقيقةِ ما أقولُ لكم، شهيدٌ يَشْهَدُ لى به، وعلى غيرِ ذلك مِن الأشياءِ كُلِّها. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قُلْ يا محمدُ لمشركي قومِك: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾؛ وهو الوَحْي. يقولُ: يُنْزِلُه من السماءِ،

стр. 13047

فيَقْذِفُه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يقولُ: علامُ ما يَغيبُ عن الأبصارِ، [فلا يُظْهرُها] (١)، وما لم يَكُنْ مما هو كائِنٌ. وذلك مِن صِفَةِ الرَّبِّ ﵎، غيرَ أنه رُفِع لمجيئِه بعدَ الخبرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا وقع النَّعْتُ بعدَ الخبرِ في "إِنَّ" (٢)؛ أتْبَعوا النعتَ إعرابَ ما في الخبرِ، فقالوا: إن أباك يَقومُ الكريمُ. فيُرْفَعُ (٣) الكريمُ على ما وَصَفْتُ، والنصبُ فيه جائزٌ؛ لأنه نعتٌ للأبِ، فيَتْبَعُ إعرابَه (٤). وقولُه: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾. يقولُ: قُلْ لهم يا محمدُ: جاء القرآنُ ووَحْى اللهِ . ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾. يقولُ: وما يُنْشِئُ الباطلُ خَلْقًا. والباطلُ هو فيما فَسَّر أهلُ التأويلِ: إبليسُ. ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾. يقولُ: ولا يُعيدُه حَيًّا بعدَ فَنائِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾: أي بالوَحيِ، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي القرآنُ، ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، والباطلُ: إبليسُ؛ أي ما يَخْلُقُ إبليسُ أحدًا، ولا يَبعْثُه (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. فقرأ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]. قال: يُزْهِقُ اللهُ الباطِلَ، ويُثَبِّتُ اللهُ

стр. 13048

الحقَّ الذي دمَغ به الباطلَ، فيَدْمَغُ (١) بالحقِّ على الباطلِ، فيُهْلِكُ الباطلَ، ويُثَبِّتُ الحقَّ، فذلك قولُه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك: إن ضَلَلْتُ عن الهُدَى، فسَلَكْتُ غيرَ طريقِ الحقِّ، فإنما ضلالي عن الصوابِ على نفسى. يقولُ: فإن ضلالي عن الهُدَى على نفسي ضُرُّهُ (٢). ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾. يقولُ: وإِن اسْتَقَمْتُ على الحقِّ، ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾. يقولُ: فَبِوَحْيِ اللهِ الذي يُوحِي إِليَّ، وتوفيقِه لى (٣) للاستقامةِ على مَحَجَّةِ [الطريق؛ طريق الحقِّ و] (٤) الهُدَى. وقولُه: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾. يقولُ: إن ربي سميعٌ لِمَا أقولُ لكم، حافِظٌ له، وهو المُجازى لى (٥) على صِدْقى في ذلك، قريبٌ (٦) منى، غيرُ بعيدٍ فيتَعذَّرَ عليه سَماعُ ما أقولُ لكم، وما تقولون، وما يقولُه غيرُنا، ولكنَّه قريبٌ من كلِّ مُتكلِّمٍ، يَسْمَعُ كلَّ ما يَنْطِقُ به، [وهو] (٧) أقربُ إليه مِن حبلِ الوريدِ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ولو تَرَى يا محمدُ

стр. 13049

إذ فزِعوا. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّينَ بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى بها هؤلاء المشركين (١) الذين وَصَفهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾. قالوا (٢): وعَنَى بقولِه: ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: عندَ نزولِ نِقْمةِ اللهِ بهم في الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا مِن عذابِ الدنيا (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: هذا عذابُ الدنيا (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ إلى آخرِ السورةِ. قال: هؤلاء قَتْلَى المشركين من أهلِ بدرٍ، نَزَلَتْ فيهم هذه الآيةُ. قال: وهم الذين بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفرًا، وأَحَلُّوا قومَهم دارَ البَوَارِ جهنمَ (٥)، أهلُ بدرٍ مِن المشركين (٦).

стр. 13050

وقال آخرون: عُنِى بذلك جيشٌ يُخْسَفُ به (١) ببَيْداءَ من الأرضِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. قال: هم الجيشُ الذين (٢) يُخْسَفُ بهم بالبَيْدَاءِ، يَبْقَى منهم رجلٌ يُخْبِرُ الناس بما لَقِيَ أصحابُه (٣). حدَّثنا عصامُ بنُ رَوَّادِ بن الجَرَّاحِ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنى منصورُ بنُ المُعْتَمِرِ، عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ، قال: سَمِعتُ حُذَيفةَ بنَ اليَمانِ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، وذكر فتنةً تكونُ بينَ أهلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قال: "فبينما هم كذلك، إذ خرَج عليهم السُّفْيانيُّ من الوادى اليابِسِ، في فَوْرِه ذلك، حتى يَنْزِلَ دمشقَ، فيُبْعَثَ جيشَيْن؛ جيشًا إلى المَشْرِقِ، وجيشًا إلى المدينةِ، حتى يَنْزِلوا بأرضِ بابِلَ في المدينةِ الملعونة والبقْعَةِ الخَبيثةِ، فيَقْتُلون أكثرَ مِن ثلاثةِ آلافٍ، ويَبْقُرون بها أكثرَ مِن مائةِ امرأةٍ، ويَقْتُلون بها ثلاثمائةِ كَبْشٍ (٤) مِن بنى العباسِ، ثم يَنْحَدِرون إلى الكوفةِ فيُخَرِّبون ما حولَها، ثم يَخْرُجون مُتَوَجِّهين إلى الشأمِ، فتَخْرُجُ رايةُ هدًى (٥) من الكوفةِ، فتَلْحَقُ ذلك الجيشَ منها على لَيْلَتَيْن (٦) فيَقْتُلُونهم، لا يُفْلِتُ

стр. 13051

منهم مخبرٌ، ويَسْتَنْقِذون ما في أيديهم من السَّبْيِ والغنائمِ، ويَحُلُّ (١) جيشُه الثاني (٢) بالمدينةِ، فيَنْتَهبونَها (٣) ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَها، ثم يَخْرُجون مُتَوَجِّهين إلى مكةَ، حتى إذا كانوا بالبَيْداءِ، بَعَث اللهُ جبريلَ، فيقولُ: يا جبريلُ، اذْهَبْ فَأَبِدهم. فيَضْرِبُها بِرِجْلِهِ ضَرْبَةً، يَحْسِفُ اللهُ بهم. فذلك قولُه في سورةِ سبأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. فلا يَنْفَلِتُ منهم إلا رَجُلان؛ أَحَدُهما بَشيرٌ، والآخَرُ نَذِيرٌ، وهما مِن جُهَيْنَةَ". فلذلك جاءَ القولُ: *وعندَ جُهَيْنةَ الخبرُ اليَقينُ (٤) * حدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: سألتُ رَوَّادَ بنَ الجَرَّاحِ، عن الحديثِ الذي حُدِّث (٥) به عنه، عن سفيانَ الثَّوْرِيِّ، عن منصورٍ، عن ربعِيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ ، في (٦) قصةٍ ذكَرها في الفِتَنِ (٧)، فقلتُ له: أخْبِرْني عن هذا الحديثِ، سَمِعْتَه مِن سفيانَ الثَّوْرِيِّ؟ قال: لا. قلتُ له (٨): فقَرَأْتُه عليه؟ قال: لا. قلتُ له (٨): فقُرِئَ عليه

стр. 13052

وأنت حاضِرٌ؟ قال: لا. قلتُ له (١): فما قصتُه؟ فما خبرُه؟ قال: جاءَنى قومٌ، فقالوا: معنا حديثٌ عَجيبٌ - أو كلامٌ هذا معناه - [نَقْرَؤُه وتَسْمَعُه] (٢). قلتُ لهم: هاتوه. فقَرَءُوه عليَّ، ثم ذَهَبوا به (١)، فحَدَّثوا به عنى. أو كلامٌ هذا معناه. قال أبو جعفرٍ: وقد حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ ببعضِ هذا الحديثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أَبانٍ، عن سفيانَ الثَّوْرِيَّ، عن منصورٍ، عن ربعيٍّ، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ ﷺ ، حديثًا طويلًا] (٣). [قال: رأيتُه] (٤) في كتابِ الحسينِ بن عليٍّ الصُّدَائيِّ، عن شيخٍ له (١)، عن رَوَّادٍ، عن سفيانَ الثوريِّ بطولِه. وقال آخرون: بل عُنِى بذلك المشركون، إذا فزِعوا عند خُرُوجهم مِن قبورِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾. قال: فزِعوا يومَ القيامةِ، حينَ خَرَجوا مِن قبورِهم (٥). وقال قتادةُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾: حينَ

стр. 13053

عايَنوا عذابَ اللهِ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقِلٍ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. قال: أَفْزَعَهم يومُ القيامةِ فلم يَفُوتوا (٢). والذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك، وأَشْبَهُ بما دَلَّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ، قولُ مَن قال: ذلك (٣) وعيدُ اللهِ المشركين الذين كَذَّبوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن قومِه؛ لأن الآيات قبلَ هذه الآيةِ، بالإخبارِ عنهم، [وعن إساءَتِهم] (٤)، وبوعيدِ اللهِ إياهم، مَضَتْ (٥)، وهذه الآيةُ في سياقِ تلك الآياتِ، فَلأَنْ يكونَ ذلك خبرًا عن حالِهم، أشْبَهُ منه بأن يكونَ خبرًا عمَّا لم يَجْرِ له ذِكرٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: ولو تَرَى، يا محمدُ، هؤلاء المشركين مِن قومِك، فتُعايِنُهم حينَ فزِعوا مِن مُعايَنَتِهم عذابَ اللهِ. ﴿فَلَا فَوْتَ﴾. يقولُ: فلا سبيلَ [لهم حينَئذٍ إلى] (٦) أن يَفُوتونا (٧) بأنفسِهم، أو يُعْجِزونا هَرَبًا، أو (٨) يَنْجُوا مِن عذابِنا. كما حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. يقولُ: فلا نجاةَ (٩).

стр. 13054

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾. قال: لا هَرَبَ. وقولُه: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. يقولُ: وأخَذهم اللهُ بعذابِه من مَوْضِعٍ (١) قريبٍ؛ لأنهم حيثُ كانوا فهم مِن اللهِ قريبٌ، لا يَبْعُدُون عنه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء المشركون حينَ عاينوا عذابَ اللهِ: آمَنَّا به. يَعْنى: آمنَّا باللهِ وبكتابِه ورسولِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾. قال (٢): باللهِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ عندَ ذلك. يعنى حينَ عايَنوا عذابَ اللهِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في

стр. 13055

قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا (١) بِهِ﴾ بعدَ القتلِ. وقولُه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. يقولُ: ومِن أيِّ وجهٍ لهم التَّناوُشُ. واخْتَلَفَتْ قرَأةُ الأمصارِ في ذلك؛ فقَرَأَتْه عامةُ قَرَأَةِ المدينةِ: ﴿التَّنَاوُشُ﴾، بغيرِ هَمْزٍ (٢)، بمعنى التَّناوُلِ. وقرأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ (التَّناؤُشُ) بالهمزِ (٣)، بمعنى النَّئِيشِ (٤)، وهو الإبْطاءُ. يُقالُ: انْتَأَشْتُ (٥) الشيءَ. إذا (٦) أخذتَه مِن بعيدٍ. ونُشْتُه. إذا (٦) أخذتَه مِن قريبٍ. ومن النَّئِيشِ (٧) قولُ الشاعرِ (٨): تَمَنَّى نَئِيشًا أن يكونَ أطاعَني … وقد حَدَثَتْ بعدَ الأُمُورِ أمورُ ومِن النَّوْشِ قولُ الراجِزِ (٩): * فَهْىَ تَنوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلَا (١٠) *

стр. 13056

* نَوْشًا به تَقْطَعُ (١) أَجْوازَ الفَلَا * ويُقالُ للقومِ في الحربِ، إذا دَنا بعضُهم مِن (٢) بعضٍ بالرِّماحِ ولم يَتَلاقَوْا: قد تَناوَشَ القومُ. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: إنهما قِراءتان مَعْروفَتان في قرأةِ الأمصارِ، مُتَقارِبَتا المعنى. وذلك أن معنى ذلك: وقالوا آمنَّا بالله (٣). في حين لا يَنْفَعُهم قِيلُ ذلك. فقال اللهُ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. وأَنَّى (٤) لهم التوبةُ والرَّجْعَةُ التي (٥) قد بَعُدَتْ [منهم، وصاروا] (٦) منها بموضعٍ (٧) بعيدٍ أن يَتَناوَلوها، وإنما وَصَف (٨) ذلك [المكان بالبُعدِ] (٩)؛ لأنهم قالوا ذلك في القيامةِ، فقال اللهُ: أَنَّى لهم بالتوبةِ المقبولةِ؟ والتوبةُ المقبولةُ إنما كانتْ في الدنيا، وقد ذهَبت الدنيا، فصارتْ بعيدًا مِن الآخرةِ، فبأيةِ القراءتَيْن اللتَيْن ذكرتُ قرَأ القارئُ، فمصيبٌ الصوابَ في ذلك. وقد يجوزُ أن يكونَ الذين قَرَءُوا ذلك بالهمزِ، هَمَزوا وهم يُريدون مَعْنَى مَن لم يَهْمِزْ، ولكنَّهم هَمَزوه؛ لانْضِمامِ الواوِ، فقَلَبوها، كما قِيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ

стр. 13057

أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]. فجُعِلَتِ الواو مِن "وُقِّتَتْ"؛ إذ كانتْ مضمومةً - همزةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّمِيمِيِّ، قال: قلتُ لابن عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. قال: يَسْأَلُون الرَّدَّ، وليس بحينِ رَدٍّ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ نحوَه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. يقولُ: فكيف لهم بالرَّدِّ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. قال (٣): الرَّدُ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [عن قتادةَ] (٥): ﴿وَأَنَّى لَهُمُ

стр. 13058

التَّنَاوُشُ﴾. قال: التَّناوُلُ (١) ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: هؤلاء قَتْلَى أهلُ بدرٍ، مَن قُتِل منهم. وقرَأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ [وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ] (٣)﴾. قال: التَّناوُشُ، التَّناوُلُ، أَنَّى لهم تناولُ التوبةِ مِن مكانٍ بعيدٍ، وقد ترَكوها في الدنيا. قال: وهذا بعدَ الموتِ في الآخرةِ. قال: وقال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ (٤): بعدَ القتلِ، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. وقرَأ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨]. قال: ليس لهم توبةٌ. وقال: عرَض اللهُ عليهم أن يَتُوبوا مَرَّةً واحدةً، فيَقْبَلَها اللهُ منهم، فأَبَوْا، و (٥) يَعْرِضون التوبةَ بعد الموتِ (٦). قال: فهم يَعْرِضونها في الآخرةِ خمسَ عَرَضاتٍ، فيَأبى اللهُ أَن (٧) يَقْبَلَها منهم. قال: والتائبُ عندَ الموتِ ليست له توبةٌ. [وقَرَأ] (٨): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ الآية [الأنعام: ٢٧]. وقرَأ: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].

стр. 13059

حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحّاكِ في قولِه: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾. قال: وأنى لهم الرَّجْعَةُ (١). وقولُه: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: مِن آخِرَتِهم إلى الدنيا كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: مِن الآخرةِ إلى الدنيا (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾. يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾. يقولُ: وقد كفَروا بما يَسْأَلُونه ربَّهم عندَ نزولِ العذابِ بهم، ومُعايَنَتِهم إياه، من الإقالةِ له (٣)، وذلك الإيمانُ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ ، وبما جاءَهم به من عندِ اللهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾. أي: بالإيمانِ في الدنيا (٤).

стр. 13060

وقولُه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: وهم اليوم يَقْذِفون بالغيبِ محمدًا من مكانٍ بعيدٍ. يعنى: أنهم يَرْجُمُونه وما أتاهم مِن كتابِ اللهِ، بالظُّنُونِ والأَوْهامِ، فيقولُ بعضُهم: هو ساحِرٌ. ويقولُ بعضُهم: هو شاعرٌ. وغيرَ ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال: قولُهم: ساحِرٌ، بل هو كاهِنٌ، بل هو شاعِرٌ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. أي: يَرْجُمون بالظَّنِّ، يقولون: لا بَعْثَ [ولا نُشُورَ] (٢)، ولا جنةَ ولا نارَ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. قال: بالقرآنِ (٤).
следующие страницы →