← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 12986–13025 · переход к 12991.

стр. 12986

فقال: "لم يَكُنْ جبلًا ولا أرضًا، ولكنه كان رجلًا من العربِ وُلِد له عشْرةُ قبائلَ". ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "وأنمارٌ الذين يقولون، منهم بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ" (١). فإذ (٢) كان الأمرُ كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ ، من أن سبأً رجلٌ، فإنَّ الإجراءَ فيه وغيرَ الإجراءِ معتدِلان؛ أما الإجراءُ، فعلى أنه اسمُ رجلٍ معروفٍ، وأما تركُ الإجراءِ فعلى أنه اسمُ قبيلةٍ أو أرضٍ. وقد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من أهلِ القراءةِ (٣). واختلفَت القرَأةُ في قراءةِ قوله: (في مساكنِهم)؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (في مساكنهم) على الجِماعِ، بمعنى منازلِ آلِ سبأ. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ على التوحيدِ وبكسرِ الكافِ، وهى لغةٌ لأهلِ اليمنِ فيما ذُكِر لى. وقرَأ حمزةُ: (مَسْكَنِهم) على التوحيدِ وفتحِ الكافِ (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ ذلك قراءاتٌ مشهوراتٌ (٥) متقارباتُ المعنى، فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿آيَةٌ﴾: قد بيَّنا معناها قبلُ (٦).

стр. 12987

وأما قولُه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. فإنه يعنى: بستانان كانا بينَ جبلين، عن يمينِ مَن أتاهما وشمالِه. وكان من صفتِهما فيما ذُكِر لنا ما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. قال: كانت جنتان بينَ جبلين، فكانت المرأةُ تَخْرُجُ، بمِكْتَلِها على رأسِها، فتَمْشى بينَ جبلين (١)، فيَمْتَلِئُ مِكْتَلُها، وما مسَّت بيدِها، فلما طَغَوا بعَث اللهُ عليهم دابةً، يُقالُ لها: جُرَذٌ (٢). فنقَّبت عليهم، فغرَّقتهم، فما بقى لهم إلا أثلٌ وشيءٌ من سِدْرٍ قليلٍ (٣). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال: ولم يَكُنْ يُرَى في قريتِهم بَعوضةٌ قطُّ ولا ذُبابٌ ولا بُرْغوثٌ ولا عقربٌ ولا حيةٌ، وإن كان الركبُ ليَأْتون وفى ثيابِهم القَمْلُ والدوابُّ، فما هم إلَّا أن يَنْظروا إلى بيوتِهم، فتَمُوتَ الدوابُّ. قال: وإن كان الإنسانُ ليَدْخُلُ الجنتَين، فيُمْسِكُ القُفَّةَ على رأسِه، فيَخْرُجُ حينَ يَخْرُجُ وقد امتلأت تلك القُفَّةُ (٤) من أنواعِ الفاكهةِ، ولم يتَنَاولْ منها شيئًا بيدِه. قال: والسَّدُّ يَسْقيها (٥). ورُفعِت الجنتان في قولِه: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾. ترجمةً عن الآيةِ؛ لأن معنى الكلامِ: لقد كان لسبأ في مسكنِهم آيةٌ، هي جنتان عن أيمانِهم وشمائلِهم.

стр. 12988

وقولُه: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾. [يقولُ: وقيل لهم: كُلوا من رزقِ ربِّكم] (١) الذي رزقكم مِن هاتين الجنتين؛ مِن زُروعِهما وأثمارِهما، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما أنعمَ به عليكم من رزقِه ذلك. وإلى هذا منتهى الخبرِ، ثم ابتدَأ الخبرَ عن البلدةِ. فقال (٢): هذه بلدةٌ طيبةٌ. أي: ليست بسَبْخةٍ، ولكنها كما ذكَرْنا من صفتِها عن عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ أن كانت كما وصَفها (٣) به ابن زيدٍ، من أنه لم يكنْ فيها شيءٌ مؤْذٍ من الهَمَجِ (٤) والدَّبِيبِ والهوامِّ، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾. يقولُ: وربُّكم (٥) غفورٌ لذنوبِكم إن أنتم أطَعتموه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾. [قال: هذه بلدةٌ طيبةٌ] (٦)، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: وربُّكم ربٌّ غفورٌ لذنوبِكم؛ قومٌ أعطاهم اللهُ نِعمَه، وأمَرهم بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه (٧). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)

стр. 12989

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي (١) إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فأعرَضت سبأٌ عن طاعةِ ربِّها، وصدَّت عن اتباعِ ما دعتها إليه رُسُلُها، من أمرِ (٢) خالقِها. كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن منبِّهٍ اليمانيِّ، قال: لقد بعَث اللهُ إلى سبأ ثلاثةَ عَشَرَ نبيًّا فكذَّبوهم (٣). ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فثقَبنا (٤) عليهم حينَ أعرَضوا عن تصديقِ رسلِنا سدَّهم الذي كان يَحْبِسُ عنهم السيولَ. والعَرِمُ: المُسنَّاةُ التي تَحْبِسُ الماءَ، واحدُها عَرِمةٌ، وإياه عَنَى الأَعْشَى بقولِه (٥): ففي ذاك للمُؤْتَسِى أُسْوَةٌ … ومَأْرِبُ قَفَّى (٦) عليه العَرِمْ رِجَامٌ (٧) بَنَتْه لهم حِمْيَرٌ … إذا جاء ماؤُهُمُ لم يَرِمْ وكان العَرِمُ، فيما ذُكِر، مما بنَتْه بِلْقيسُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ،

стр. 12990

قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ المغيرةَ بنَ حكيمٍ، قال: لما ملَكت بِلْقِيسُ جعَل قومُها يَقْتَتِلون على ماءِ وادِيهم. قال: فجعَلت تَنْهاهم فلا يُطيعونها، فترَكت مُلْكَها، وانطَلَقت إلى قصرٍ لها وترَكتهم، فلما كثرُ الشرُّ بينَهم وندِموا أتَوها، فأرادوها على أن تَرْجِعَ إلى مُلْكِها، فأبَت، فقالوا: لتَرْجِعِنَّ أو لنَقْتُلَنَّك. فقالت: إنكم لا تُطيعونني، وليست لكم عقولٌ (١). قالوا: فإنَّا نُطيعُكِ، وإنَّا لم نَجِدْ فينا خيرًا بعدَكِ. فجاءت فأمَرت بوادِيهم فسُدَّ بالعَرمِ (٢). قال أحمدُ: قال وهبٌ: قال أبي: فسألتُ المغيرةَ بنَ حَكِيمٍ عن العَرِمِ، فقال: هو بكلامِ حِمْيَرٍ: المُسَنَّاةُ. فسَدَّت ما بينَ الجبلين، فحبَست الماءَ من وراءِ السدِّ، وجعَلت له أبوابًا، بعضُها فوقَ بعضٍ، وبنَت من دونِه بِركةً ضخمةً، فجعَلت فيها اثنى عشَرَ مَخْرَجًا، على عدةِ أنهارِهم، فلما جاء المطرُ احتبَس السيلُ من وراءِ السدِّ. فأمَرت بالبابِ الأعلى ففُتِح، فجرَى ماؤُه في البِرْكةِ، وأمَرت بالبَعْرِ فأُلقى فيها، فجعَل بعضُ البعرِ يخرُجُ أسرعَ مِن بعضٍ، فلم تَزَلْ تُضَيِّقُ تلك الأنهارَ، وتُرْسِلُ البَعْرَ في الماءِ، حتى خرَج جميعًا معًا، فكانت تَقْسِمُه بينَهم على ذلك، حتى كان مِن أمْرِها وأمْرِ سليمانَ ما كان (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا صالحُ (٤) بنُ رُزيقٍ (٥)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.

стр. 12991

قال: المُسَنَّاةِ بلحنِ اليمنِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال: سَدٌّ (٢). وقيل: إن العرِمَ اسمُ وادٍ كان لهؤلاء القومِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. قال: وادٍ كان باليمنِ، كان يَسِيلُ إلى مكةَ، وكانوا يُسْقَونَ ويَنتَهى سَيلُهم إليه (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾: ذُكِر لنا أن سَيْلَ العرمِ [وادى سبأ] (٤)، كانت تَجْتَمِعُ إليه مَسايِلُ مِن أوديةٍ شتَّى، فعمَدوا فسدُّوا ما بينَ الجبلين بالقيرِ والحجارةِ، وجعَلوا عليه أبوابًا، وكانوا يَأْخُذون من مائِه ما احتاجوا إليه، ويَسُدُّون عنهم ما لم يُعْنَوا به من مائِه (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. [وادٍ في] (٦) سبإِ

стр. 12992

يُدْعَى العرِمَ، وكان إذا مُطِرَ سالَت أوديةٌ باليَمنِ إلى العَرِمِ، واجتمَع إليه الماءُ، فعمَدت سبأٌ إلى العَرِمِ فسدُّوا ما بينَ الجبلين، فحجَزوه بالصخرِ والقارِ، فاستدَّ زمانًا من الدهرِ، لا يَرْجون الماءَ. يقولُ: لا يَخافون. وقال آخرون: العَرِمُ: صفةٌ للمُسَنَّاةِ التي كانت لهم وليس باسمٍ لها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾. يقولُ: الشديدِ (١). وكان السببُ الذي سبَّب اللهُ لإرسالِ ذلك السيلِ عليهم - فيما ذُكِر لى - جُرَذًا ابتعَثه اللهُ على سدِّهم، [فنقَب فيه نَقْبًا] (٢). ثم اختلَف أهلُ العلمِ في صفةِ ما حدَث عن ذلك النَّقْبِ مما كان به خَرابُ جَنَّتَيْهم؛ فقال بعضُهم: كان صفةُ ذلك أن السيلَ لما وجَد عملًا في السدِّ عمِل فيه فخرَّبه (٣)، ثم فاض الماءُ على جناتِهم فغرَّقها وخرَّب أرضَهم وديارَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ اليمانيِّ، قال: كان لهم، يعنى لسبأ، سَدٌّ قد كانوا بَنَوه بنيانًا أيِّدًا (٤)، وهو الذي كان يَرُدُّ عنهم السيلَ إذا جاء، أن يَغْشَى أموالَهم. وكان فيما يَزْعُمون في علمِهم من

стр. 12993

كهانتِهم، أنه إنما يُخَرِّبُ عليهم (١) سدَّهم ذلك فأرةٌ، فلم يَتْرُكوا فُرْجَةً بينَ حَجَرين، إلا رَبَطوا عندَها هِرَّةً، فلما جاء زمانُه، وما أراد اللهُ بهم من التغريقِ، أقبَلت فيما يَذْكرون فأرةٌ حمراءُ إلى هرةٍ من تلك الهررِ فساوَرتْها حتى استأخَرت عنها الهرةُ، فدخَلت في الفُرجةِ التي كانت عندَها، فتغَلْغَلت في السدِّ فحفَرت فيه، حتى وهَّنته للسيلِ وهم لا يَدْرون، فلما جاء السيلُ وجَد خللًا (٢)، فدخَل فيه حتى قلَع السدَّ، وفاض على الأموالِ، فاحتمَلها، فلم يُبْقِ منها إلا ما ذكَره اللهُ في كتابِه، فلما تفرَّقوا نزَلوا على كهانةِ عِمرانَ بن عامرٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: لما [نزَل بالقومِ] (٤) أمرُ اللهِ، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا يُسَمَّى الخُلْدَ، فنَقَبَه من أسفلِه، حتى غرَّق اللهُ به جَنَّاتِهم، وخرَّب به أرضَهم؛ عقوبةً بأعمالِهم (٥). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: لما طغَوا وبغَوا، يعنى سبأً، بعَث اللهُ عليهم جُرَذًا، فخرَّق عليهم السَّدَّ، فأغرَقهم (٦) اللهُ (٧). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: بعَث اللهُ عليهم (٨)

стр. 12994

جُرَذًا، وسلَّطه على الذي كان يَحْبِسُ الماءَ الذي يَسْقِيهما (١)، فأخرَب في أجوافِ (٢) تلك الحجارة وكلِّ شيءٍ منها مِن رَصاصٍ وغيرِه، حتى ترَكها حجارةً، ثم بعَث اللهُ عليها سيلَ العَرمِ، فاقتَلعَ ذلك السدَّ وما كان يَحْبِسُ، واقتلَع تلك الجنتين فذهَب بهما، وقرَأ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. قال: ذهَب بتلك القُرَى والجنتين. وقال آخرون: كانت صفةُ ذلك أن الماءَ الذي كانوا يَعْمُرون به جناتِهم سال إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذي كانوا يَنْتَفِعون به، فبذلك خرِبت جناتُهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: بعَث اللهُ عليه (٣)، يعنى على العرمِ، دابةً من الأرضِ، فنقَبت فيه نَقْبًا، فسال ذلك الماءُ إلى موضعٍ غيرِ الموضعِ الذي كانوا يَنْتَفِعون به، وأبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنتَيْن ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأَثْلٍ، وذلك حينَ عَصَوا، وبَطِروا المعيشةَ (٤). والقولُ الأولُ أشبهُ بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه أرسَل عليهم سيلَ العَرِمِ، ولا يكونُ إرسالُ ذلك عليهم إلا بإسالتِه عليهم، أو على جناتِهم وأرضِهم، لا بصرفِه (٥) عنهم.

стр. 12995

وقولُه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلْنا لهم مكانَ بساتينِهم من الفواكِه والثمارِ، بساتينَ من جَنَى ثمَرِ الأراكِ، والأراكُ: هو الخَمْطُ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ [قولُه: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. يقولُ: الأراكِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ] (٢)، قال: أبدَلهم اللهُ مكانَ جنتَيْهم جنَّتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خمْطٍ، والخَمْطُ الأراكُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: أُراه قال: الخَمْطُ الأراكُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: الخَمْطُ الأراكُ (٤).

стр. 12996

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: الأراكِ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾: والخَمْطُ الأراكُ، وأُكُلُه بَرِيرُه (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾. قال: بدَّلهم اللهُ بجنانِ الفواكهِ والأعنابِ، إذ أصبَحت جناتُهم خَمْطًا، وهو الأراكُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾. قال: ذهَب بتلك القرى والجنتين، وبدَّلهم الذي أخبَرك ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ. قال: والخَمْطُ الأراكُ. قال: جعَل مكانَ العنبِ أراكًا، والفاكهةِ أثْلًا، و [بَقِيَ لهم] (٣) شيءٌ من سدرٍ قليلٍ. واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ بتنوينِ ﴿أُكُلٍ﴾ غيرَ أبي عمرٍو، فإنه يُضِيفُها إلى "الخَمْطِ"، بمعنى: ذَوَاتَيْ ثَمَرِ خَمْطٍ، وأما الذين لم يُضِيفوا ذلك إلى "الخَمْطِ"، ونَوَّنُوا "الأُكُلَ"، فإنهم جعَلوا

стр. 12997

"الخَمْطَ" هو "الأُكُلَ"، فردُّوه عليه في إعرابِه. وبضمِّ الألفِ والكافِ من "الأُكُلِ" قرَأت قرَأةُ الأمصارِ غيرَ نافعٍ، فإنه كان يُخَفِّفُ الكافَ منها (١). والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندى قراءةُ من قرَأه: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ بضمِّ الألفِ والكافِ (٢)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، وتنوينِ ﴿أُكُلٍ﴾؛ لاستفاضةِ القراءة بذلك في قرَأةِ الأمصارِ، من غيرِ أن أرَى خطأَ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بإضافتِه إلى "الخَمْطِ"، وذلك في إضافتِه وتركِ إضافتِه نظيرُ قول العربِ: في بستانِ فلانٍ أعنابُ كَرْمٍ، وأعنابٌ كَرْمٌ. فتُضِيفُ أحيانًا الأعنابَ إلى الكَرْمِ؛ لأنها منه، وتُنَوِّنُ أحيانًا، ثم تُتَرْجِمُ بالكَرمِ عنها؛ إذ كانت الأعنابُ ثمرَ الكَرْم. وأما "الأَثْلُ" فإنه يُقالُ: إنه الطَّرْفاءُ. وقيل: إنه شجرٌ شبيهٌ بالطَّرْفاءِ (٣). غيرَ أنه أعظمُ منها. وقيل: إنه السَّمُرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال: الأَثْلُ الطَّرْفَاءُ (٤). وقولُه: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. يقولُ: ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خمطٍ وأَثْلٍ وشيءٍ قليلٍ مِن سدرٍ.

стр. 12998

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، قتادةَ: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾. قال: بينَما شجرُ القومِ مِن خيرِ الشجرِ، إذ صيَّره اللهُ من شرِّ الشجرِ بأعمالِهم (١). وقولُه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَلْنا بهؤلاءِ القومِ مِن سبأ؛ من إرسالِنا عليهم سيلَ العرمِ حتى هلَكت أموالُهم، وخرِبت جناتُهم - جزاءٌ منَّا لهم على كفرِهم بنا وتكذيبِهم رسلَنا، ﴿ذَلِكَ﴾ مِن قولِه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ﴾. في موضعِ نصبٍ بوقوعِ جزَيْناهم عليه، ومعنى الكلامِ جزَيْناهم ذلك بما كفَروا. وقولُه: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: (وَهَلْ يُجازَى) بالياءِ وبفتحِ الزايِ على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، (إِلَّا الكَفُورُ) رفعًا. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ بالنونِ وبكسرِ الزايِ، ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنصبِ (٢). والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتانِ مَشْهُورَتانِ في قرأةِ الأمصارِ، مُتقارِبتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. ومعنى الكلامِ: كذلك كافَأْناهم على كفرِهم باللهِ، وهل يُكافَأُ (٣) إلا الكفورَ لنعمةِ اللهِ.

стр. 12999

فإن قال قائلٌ: أو ما يَجْزِى اللهُ أهلَ الإيمانِ به على أعمالِهم الصالحةِ، فيَخُصَّ أهلَ الكفرِ بالجزاءِ، فيُقالُ: (وهل يُجَازَى إلا الكفورُ)؟ قيل: إن المجازاةَ في هذا الموضعِ المكافأةُ، واللهُ تعالى ذكرُه وعَد أهلَ الإيمانِ به التَّفَضُّلَ عليهم، وأن يَجْعَلَ لهم بالواحدةِ من أعمالِهم الصالحةِ عَشْرَ أمثالِها إلى ما لا نهايةَ له من التضعيفِ، ووعَد المسيءَ من عبادِه أن يَجْعَلَ له بالواحدةِ من سيئاتِه مثلَها، مكافأةً به (١) على جُرْمِه، والمكافأةُ لأهلِ الكبائرِ والكفرِ، والجزاءُ لأهلِ الإيمانِ مع التفضُّلِ؛ فلذلك قال جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ: (وَهَلْ يُجازَى إِلَّا الكَفُورُ)؛ [لأنه كما قال ﷻ ] (٢) لا يُكافِئُ على عملِه إلا الكفورَ. إذا كانت المكافأةُ مثلَ المكافَإِ عليه، وأنه لا يُغْفَرُ له من ذنوبِه شيءٌ، ولا يُمحَّصُ مِن (٣) شيءٍ منها في الدنيا، وأما المؤمنُ فإنه يَتَفَضَّلُ عليه على ما وصَفتُ (٤). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (وهَلْ يُجازَى). [قال: يُعاقَبُ] (٥).

стр. 13000

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل يُجازى إلا الكَفُورُ): إن الله إذا أراد بعبدِه كرامةً تقبَّل حسناتِه، وإذا أراد بعبدِه هوانًا أمسَك عليه ذنوبَه، حتى يُوَافَى بها (١) يومَ القيامةِ (٢). قال: وذُكِر لنا أن رجلًا بينما هو في طريقٍ من طرقِ المدينةِ، إذ مرَّت به امرأةٌ، فأتْبَعها بصرَه، حتى أتَى على حائطٍ، فشجَّ وجهَه، فأتى نبيَّ اللهِ ووجهُه يَسِيلُ دمًا، فقال: يا نبيَّ اللهِ، فعَلتُ كذا وكذا. فقال له نبيُّ اللهِ: "إن الله إذا أراد بعبدٍ كرامةً، عجَّل له عقوبةَ ذنبِه في الدنيا، وإذا أراد اللهُ بعبدٍ هوَانًا، أمسَك عليه ذنْبَه حتى يُوَافَى به يومَ القيامةِ، كأنه عَيْرٌ (٣) أبترُ" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن نعمتِه التي كان أنعَمها على هؤلاءِ القومِ الذين ظلَموا أنفسَهم: وجعَلنا بينَ بلدِهم وبينَ القرَى التي بارَكْنا فيها، وهى الشامُ، قُرًى ظاهرةً. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 13001

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ (٢). [حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. قال: الشامِ] (٣). وقيل: عنَى بالقُرَى التي بُورِك فيها بيتَ المقدسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: الأرضُ التي بارَكْنا فيها هي الأرضُ المقدَّسةُ (٤). وقولُه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. يعنى قُرًى مُتَّصِلةٌ، وهي قُرًى عربيةٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في

стр. 13002

قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: قُرًى مُتواصِلةً. قال: كان أحدُهم يَغْدُو فيَقيلُ في قريةٍ، ويَرُوحُ فيَأْوى إلى قريةٍ أخرَى. قال: وكانت المرأةُ تَضَعُ زِنْبِيلَها (١) على رأسِها، ثم تَمْتَهِنُ بِمِغْزَلها، فلا تَأْتى بيتَها حتى يَمْتَلئَ من كلِّ الثمارِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: أي مُتَواصِلةً (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. يعنى قرًى عربيةً بينَ المدينةِ والشامِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: السَّرَواتِ (٥). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾. يَعْنى قرًى عربيةً، وهي بينَ المدينةِ والشامِ.

стр. 13003

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً﴾. قال: كان بينَ قريتِهم وبينَ الشامِ قرًى ظاهرةٌ. قال: إن كانت المرأةُ لَتخرُجُ معها مغزَلُها، ومِكْتَلُها على رأسِها، تَرُوحُ مِن قريةٍ وتَغْدُو (١) وتَبِيتُ في قريةٍ، لا تَحْمِلُ زادًا ولا ماءً؛ لما (٢) بينَها وبينَ الشامِ. وقولُه: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْنا السيرَ بينَ قراهم والقرى التي بارَكْنا فيها سيرًا مقدَّرًا مِن منزلٍ إلى منزلٍ، وقريةٍ إلى قريةٍ، لا يَنْزِلون إلَّا في قريةٍ، ولا يَغْدون إلا من قريةٍ. وقولُه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾. يقولُ: وقلْنا لهم: سِيروا في هذه القرى - ما بينَ قراكم والقُرى التي بارَكْنا فيها - لياليَ وأيامًا آمنين، لا تَخافون جُوعًا ولا عَطَشًا، ولا من أحدٍ ظُلْمًا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: لا تَخافون ظلمًا ولا جوعًا، إنما تَغْدون فتَقِيلون في قريةٍ، وتَرُوحون فَتَبِيتون في قريةٍ، أهلُ جنةٍ ونَهَرٍ، حتى لقد ذُكِر لنا أن المرأةَ كانت تَضَعُ مِكْتَلَها على رأسِها، وتَمْتَهِنُ بيدِها، فيَمْتَلئُ مِكْتَلُها من الثمرِ (٣) قبلَ أن تَرْجِعَ إلى

стр. 13004

أهلِها، من غيرِ أن تَخْتَرِفَ (١) بيدِها (٢) شيئًا، وكان الرجلُ يُسَافِرُ لا يَحْمِلُ معه زادًا ولا سِقاءً، مما بُسِط للقومِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾. قال: ليس فيها خوفٌ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. على وجهِ الدعاءِ والمسألةِ بالألفِ. وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ مكةَ والبصرةِ: (بعِّد)، بتشديدِ العينِ، على الدعاءِ أيضًا. وذُكِر عن بعضِ المتقدِّمين أنه كان يقرؤه: (رَبُّنا باعَدَ بينَ أسفارِنا) على وجهِ الخبرِ عن (٤) اللهِ، أن الله فعل ذلك بهم (٥). وحكى عن آخرَ أنه قرَأه: (ربَّنا بَعُدَ) على وجهِ الخبرِ أيضًا، غيرَ أن الربَّ منادًى (٦).

стр. 13005

والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ و (بَعِّدْ)؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرَأةِ الأمصارِ (١)، وما عداهما فغيرُ معروفٍ فيهم، على أن التأويلَ من أهلِ التأويلِ أيضًا يُحَقِّقُ قراءةَ من قرَأه على وجهِ الدعاءِ والمسألةِ، وذلك أيضًا مما يزيدُ القراءةَ الأخرى بُعدًا من الصوابِ. فإذا كان ذلك كذلك وهو الصوابُ من القراءةِ، فتأويلُ الكلامِ: فقالوا: يا ربَّنا، باعدْ بينَ أسفارِنا، فاجعَلْ بينَنا وبينَ الشامِ فَلَواتٍ ومفاوزَ؛ لنَرْكَبَ فيها الرواحلَ، ونتَزَوَّدَ معنا فيها الأزوادَ. وهذا من الدَّلالةِ على بَطَرِ القومِ نعمةَ اللهِ عليهم وإحسانَه إليهم، وجهلِهم بمقدارِ العافيةِ، ولقد عجَّل لهم ربُّهم الإجابةَ، كما عجَّل للقائلين: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]: أعطاهم ما رغِبوا إليه فيه وطلَبوا من المسألةِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو حُصَينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. قال: كانت لهم قُرًى متصلةٌ باليمنِ، كان بعضُها يَنْظُرُ إلى بعضٍ، فبَطِروا ذلك وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾. قال: فأرسَلَ اللهُ عليهم سيلَ العرمِ، وجعَل طعامَهم أَثْلًا وخَمْطًا وشيئًا من سدرٍ قليل (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 13006

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: فإنهم بطِروا عيشَهم، وقالوا: لو كان جَنَى جناتِنا أبعدَ مما هي، كان أجدرَ أن نشتهيَه. فمُزِّقوا بينَ الشامِ وسبإِ، وبُدِّلوا بجنتَيْهم جنتين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: بطِر القومُ نعمةَ اللهِ، وغَمِطوا (١) كرامةَ اللهِ، قال اللهُ: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ حتى نَبِيتَ في الفَلواتِ والصحارَى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. وقولُه: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: وكان ظلمُهم إيَّاها عَمَلَهم بما يُسْخِطُ الله عليهم مِن معاصيه؛ مما يُوجِبُ [لها عذابَ] (٣) اللهِ، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾. يقولُ: صيَّرناهم أحاديثَ للناسِ، يَضْرِبون بهم المثلَ في التَّشْتِيتِ (٤)، فيُقالُ: تَمزَّق (٥) القومُ أَيادِيَ سَبَا، وأيْديَ سَبَا. إذا تفرَّقوا وتقطَّعوا (٦). وقولُه: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. يقولُ: قطَّعناهم في البلادِ كلَّ تَقَطُّعٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَلَمُوا

стр. 13007

أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾. قال قتادةُ: قال عامرٌ الشَّعْبيُّ: أما غسَّانُ فقد لحِقوا بالشامِ، وأما الأنصارُ فلِحقوا بيَثْرِبَ، وأما خزاعةُ فلحِقوا بتِهامةَ، وأما الأزدُ فلحِقوا بعُمانَ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: يَزْعُمون أن عمرَو (٢) ابنَ عامرٍ، وهو عمُّ القومِ، كان كاهنًا، فرأَى في كَهانتِه أن قومَه سيُمَزَّقون [ويُباعدُ بينَ أسفارِهم] (٣)، فقال لهم: إنى قد علِمتُ أنكم سَتُمَزَّقون، فمَن كان منكم ذا همٍّ بعيدٍ، وجملٍ شديدٍ، ومَزادٍ جديدٍ، فليَلْحَقْ بكأسٍ أو كرود. قال: فكانت وادعةُ بنُ عمرٍو. ومَن كان منكم ذا همٍّ مُدْنٍ، [وأَمْرٍ ذُعْرٍ] (٤)، فَليَلْحَقْ بأرضِ شنٍّ (٥)، فكانت عوفُ بنُ عمرٍو، وهم الذين يُقالُ لهم: بارقٌ. ومَن كان منكم يُريدُ عيشًا آينًا (٦)، وحَرَمًا آمنًا، فليَلْحَقْ بالأَرْزِينِ (٧)، فكانت خزاعةُ، ومَن كان يُريدُ الراسياتِ في الوَحْلِ، المُطْعِماتِ في المَحْلِ (٨)، فَليَلْحَقْ بِيَثْرِبَ ذَاتِ النخلِ، فكانت الأوسُ والخَزرجُ، وهما هذان الحيَّانِ من الأنصارِ، ومن كان منكم يُريدُ خَمْرًا وخميرًا، وذهبًا وحريرًا، ومُلْكًا وتأميرًا، فليَلْحَقْ بِكُوثَى (٩) وبُصرَى،

стр. 13008

فكانت غسَّانُ بنو جَفْنَةَ (١) ملوكُ الشامِ ومَن كان منهم بالعراقِ. قال ابن إسحاقَ: وقد سمِعتُ بعضَ أهلِ العلمِ يقولُ: إنما قالت هذه المقالةَ طُرَيْفةُ امرأةُ عمرو (٢) بن عامرٍ، وكانت كاهنةً فرأَت في كهانتِها ذلك، فاللهُ أعلمُ أَيَّ ذلك كان. قال: فلما تفرَّقوا، نزَلوا على كهانةِ عمرِو (٢) بن عامرٍ (٣). وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن في تمزيقِناهم كلَّ ممزَّقٍ، ﴿لَآيَاتٍ﴾. يقولُ: لعظةً وعِبْرةً ودَلالةً على واجبِ حقِّ اللهِ على عبدِه من الشكرِ على نِعمِه إذا أنعمَ عليه، وحقِّه من الصبرِ على محنتِه إذا امتحَنه بيلاءٍ ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ [على مِحَنِه] (٤) ﴿شَكُورٍ﴾ على نعمِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. قال: كان مُطرِّفٌ يقولُ: نِعم العبدُ الصَّبَّارُ الشَّكُورُ، الذي إذا أُعطِى شكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر (٥). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾.

стр. 13009

قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفيين: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ بتشديدِ الدالِ من ﴿صَدَّقَ﴾، بمعنى أنه قال ظنًّا منه: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾. [ص: ٨٢، ٨٣] ثم صدَّق ظنَّه ذلك فيهم، [فحقَّقه بفعلِه] (١) ذلك بهم، واتِّباعهم إياه. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: (ولقد صَدَق عليهم) بتخفيفِ الدالِ، بمعنى: ولقد صدَق عليهم في ظنِّه (٢). والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، وذلك أن إبليسَ قد صدَّق على كفَرةِ بني آدمَ في ظنِّه، وصدَق عليهم ظنُّه الذي ظنَّ حينَ قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وحينَ قال: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩] الآية، قال ذلك عدوُّ اللهِ، ظنًّا منه أنه يفعلُ ذلك لا علمًا، فصار ذلك حقًّا باتباعِهم إياه. فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئُ فمصيبٌ. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ على قراءةِ من قرَأ بتشديدِ الدالِ: ولقد ظنَّ إبليسُ بهؤلاء الذين بدَّلناهم بجنتَيهم جنتَين ذواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ، عقوبةً منَّا لهم - ظنًّا غيرَ يقينٍ؛ عَلِم أنهم يَتَّبعونه ويُطِيعونه في معصيةِ اللهِ، فصدَّق ظنَّه عليهم، بإغوائِه إياهم، حينَ (٣) أطاعُوه وعَصَوا ربَّهم، إلا فريقًا من المؤمنين باللهِ، فإنهم ثبتوا على طاعة اللهِ ومعصيةِ إبليسَ.

стр. 13010

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنى عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابن عباسٍ أنه قرَأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ مُشدَّدةً، وقال: ظنَّ ظنًّا، فصدَّق ظنَّه (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: ظنَّ ظَنًّا، فاتبَعوا ظنَّه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: واللهِ ما كان إلا ظنًّا ظنَّه، وإنَّ الله لا يُصدِّقُ كاذبًا، ولا يُكذِّبُ صادقًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾. قال: أرأيتَ هؤلاء الذين كرّمتَهم عليَّ، وفضَّلتَهم وشرَّفتَهم؟ لا تَجِدُ أكثرَهم شاكرين. وكان ذلك ظنًّا منه بغيرِ علمٍ، فقال اللهُ: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان لإبليسَ على هؤلاء القومِ

стр. 13011

الذين وصَف جلَّ ثناؤه صفتَهم من حُجةٍ يُضِلُّهم بها، إلا بتسليطِناه عليهم، [لنَعْلَمَ حزبَنا وأولياءَنا] (١)، ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾. يقولُ: مَن يُصَدِّقُ بالبعثِ والثوابِ والعقابِ، ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾. [يقولُ: ممن هو مِن الآخرةِ في شكٍّ] (٢) فلا يُؤْمِنُ (٣) بالمعادِ، ولا يُصَدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. قال: قال الحسنُ: واللهِ ما ضرَبهم بعضًا ولا سيفٍ ولا سوطٍ، إلا أمانيَّ وغرورًا دعاهم إليها (٤). [حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ] (٥)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾. قال: وإنما كان بلاءً (٦)؛ ليعلمَ اللهُ الكافرَ مِن المؤمنِ (٧). وقيل: عُنِى بقولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾: إلا لنَعْلَمَ ذلك موجودًا ظاهرًا، ليُسْتَحقَّ به الثوابُ أو العقابُ.

стр. 13012

وقولُه: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وربُّك يا محمدُ على أعمالِ هؤلاءِ الكفرةِ به، وغير ذلك مِن الأشياءِ كلِّها ﴿حَفِيظٌ﴾، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو مجازٍ جميعَهم يومَ القيامةِ، بما كسَبوا في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فهذا فعلُنا بوليِّنا ومن أطاعَنا داودَ وسليمانَ الذي (١) فعَلنا بهما؛ مِن إنعامِنا عليهما النعمَ التي لا كِفاءَ لها إذ شكَرانا، وذاك فِعْلُنا بسبأ الذي (٢) فعلنا بهم، إذ بطروا نعمتَنا، وكذَّبوا رسلَنا، وكفَروا أياديَنا، فقلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين بربِّهم مِن قومِك، الجاحدين نعمَنا عندَهم: ادعوا أيُّها القومُ الذين زعَمتم أنهم للهِ شريكٌ من دونِه، فسلوهم أن يَفْعَلوا بكم بعضَ أفعالِنا بالذين وصَفنا أمرَهم؛ مِن إنعامٍ أو إياسٍ، فإن لم يقدِروا على ذلك، فاعْلَموا أنكم مُبْطِلون؛ لأن الشركةَ في الربوبيةِ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ. ثم وصَف الذين يَدْعون مِن دونِ اللهِ، فقال: إنهم لا يَمْلِكون ميزانَ (٣) ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ؛ من خيرٍ ولا شرٍّ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ، فكيف يكونُ إلهًا من كان كذلك؟! وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا هم إذ لم يَكُونوا يَمْلِكون مثقالَ ذرّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ منفردين بملكِه مِن

стр. 13013

دونِ اللهِ، يملكونه على وجهِ الشَّرِكةِ؛ لأن الأملاكَ في المملوكاتِ، لا تكونُ لمالكيها (١) إلا على أحدِ وجهين؛ إما مقسومًا، وإما مُشَاعًا. يقولُ: فآلهتُهم التي يَدْعون من دونِ اللهِ لا يَمْلِكون وزنَ ذَرَّةٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، لا مُشَاعًا ولا مقسومًا، فكيف يكونُ مَن كان هكذا شريكًا لمن له ملكُ جميعِ ذلك؟ وقولُه: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، يقولُ: وما للهِ مِن الآلهةِ التي يَدْعُون مِن دونِه مُعِينٌ على خلقِ شيءٍ من ذلك، ولا على حفظِه، إذ لم يَكُنْ لها ملكُ شيءٍ منه مُشاعًا ولا مقسومًا، فيقالَ: هو له (٢) شريكٌ مِن أجلِ أنه أعان، وإن لم يَكُنْ له ملكُ شيءٍ منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾. يقولُ: ما للهِ من شريكٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ﴾: من الذين يَدْعون من دونِ اللهِ، ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾. مِن عونٍ بشيءٍ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ

стр. 13014

الْكَبِيرُ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ولا تَنْفَعُ شفاعة شافع [عندَ اللهِ] (١) كائنا من كان الشافع، لمن شَفَع له، إلا أن يَشْفَعَ لمن أذن الله في الشفاعة له (٢). يقول تعالى: فإذا كانت الشفاعة (٣) لا تَنْفَعُ عند الله أحدًا، إلا لمن أذن الله (٤) في الشفاعة له، والله لا يأذَنُ لأحدٍ من أوليائه في الشفاعةِ لأحدٍ من [أهل الكفر] (٥) به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تَعْبُدون مَن تَعْبُدونه مِن دونِ الله، زعما منكم أنكم تعبدونه ليقرِّبكم إلى اللهِ زُلْفَى، وليَشْفَعَ لكم عند ربِّكم؟ فـ "مَن" - إذ كان هذا معنى الكلام - التي في قوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ للمشفوع (٦) له. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة القرأة بضمِّ الألف من: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على وجه ما لم يسمَّ فاعله (٧). وقرأه بعضُ الكوفيين: ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على اختلاف أيضًا عنه فيه (٨)، بمعنى أذن الله له. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. يقول: حتى إذا جُلِى عن قلوبِهم، وكُشِف عنها الفزَعُ وذهَب.

стр. 13015

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. يعنى: جُلى (١). حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: كُشِف عنها الغطاءُ يومَ القيامةِ (٢). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، قال: إذا جُلِى عن قلوبهم (٣). واختلَف أهل التأويل في الموصوفين بهذه الصفة؛ من هم؟ وما السببُ الذي مِن أجلِه فُزِّع عن (٤) قلوبهم؟ فقال بعضُهم: الذين (٥) فزِّع عن قلوبهم الملائكة. قالوا: وإنما يُفزَّعُ عن قلوبهم مِن غَشْيةٍ تصيبُهم عند سماعهم كلام (٦) الله بالوحي.

стр. 13016

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن داودَ، عن الشَّعبى، قال: قال ابن مسعود في هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إذا حدث أمرٌ عندَ ذى العرشِ، سَمِع مَن دونَه مِن الملائكة صوتًا كجرِّ السلسلة على الصفا، فيُغْشى عليهم، فإذا ذهَب الفزع عن قلوبهم تنادَوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟ قال: فيقولُ مَن شاء الله: قال الحق، وهو العلى الكبيرُ (١). حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن عامرٍ، عن مسروق، قال: إذا حدث عندَ ذى العرش أمرٌ، سمِعت الملائكة له (٢) صوتًا، كجرِّ السلسلة على الصفا، قال: فيُغْشَى عليهم، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قال: فيقولُ مَن شاء الله: الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ. حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ، أنه قال: إذا حدث أمرٌ (٣) عند ذى العرش. ثم ذكر نحو معناه، إلا أنه قال: فيُغْشَى عليهم من الفزع، حتى إذا ذهَب ذلك عنهم، تنادوا: ماذا قال ربُّكم؟ حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، قال: يُنَزَّلُ الأمرُ من عندِ ربِّ العزّةِ إلى السماء الدنيا، [فيَسْمعون مثلَ وقعِ الحديد على الصفا] (٤)، فيفْزَعُ أهل السماءِ الدنيا، حتى يَسْتَبِينَ لهم الأمر الذي نُزِّل فيه، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ماذا قال ربُّكم؟ فيقولون: قال الحقَّ، وهو العليُّ الكبير. فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.

стр. 13017

حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: ثنا أبو هريرة، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن الله إذا قضَى أمرًا في السماءِ ضَرَبتِ الملائكة بأجْنِحَتِها خُضْعانًا (١)، لقوله صوتٌ كصوت السلسلة على الصَّفا الصَّفْوانِ". فذلك قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ (٢). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصورٍ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إن الوحى إذا أُلقى سمع أهلُ السماواتِ صَلْصَلةٌ كصَلْصَلة السلسلة على الصَّفْوانِ، قال: فيتنادون في السماواتِ: ماذا قال ربكم؟ قال: فيتنادون: الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضُّحَى عن مسروق، عن عبدِ اللهِ مثله (٣). حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوب، عن هشام، عن (٤) عُرْوةَ قال: قال الحارث بن هشامٍ لرسول ﷺ هل الله: كيف يأتيك الوحيُ؟ قال:

стр. 13018

"يَأْتينى في صَلْصَلةٍ كصَلْصَلَةِ الجَرَسِ، فيَفْصِمُ عنى حينَ يَفْصِمُ وقد وَعَيْتُه، ويأتيني (١) أحيانًا في مِثْلِ صورة الرجل، فيُكَلِّمُنى به كلامًا، وهو أهون عليَّ" (٢). حدثني زكريا بن [يحيى بن] (٣) أبان المصريُّ، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا الوليد بنُ مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرٍ، عن ابن أبي زكريا، عن رجاءِ (٤) بن حَيْوَةَ، عن النَّوَّاس بن سمعانَ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أرادَ الله أن يُوحَى بالأمرِ، تَكَلَّمَ بالوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاواتِ منه رَجْفَةٌ - أو قال: رِعْدَةٌ - شديدةٌ؛ [خَوْفًا مِن] (٥) الله، فإذا سَمِع بذلك (٦) أهل السماواتِ صَعِقوا، وخَرُّوا للهِ سُجَّدًا، فيكونُ أول مَن يَرْفَعُ رأسه جبريلُ، فيُكَلِّمُهُ اللهُ [مِن وَحْيِه بما] (٧) (٨) أرادَ، ثم يمرُّ جبريلُ على الملائكةِ، كُلَّما مَرَّ بسماءٍ سأله (٩) ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريلُ؟ فيقولُ جبريلُ: قال الحقَّ، وهو العلى الكبيرُ. قال: فيقولون كلُّهم مثل ما قال جبريل، فينتهى جبريلُ بالوحي حيثُ أمره الله" (١٠).

стр. 13019

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية. قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: إن الله لما أراد أن يُوحِيَ إلى محمدٍ، دعا جبريل، فلما تكلَّمَ ربُّنا بالوَحْيِ، كان صوته كصوت الحديد على الصَّفا، فلما سمع أهل السماواتِ صوت الحديدِ، خَرُّوا سُجَّدًا، فلما أتى عليهم جبريلُ بالرسالة، رفعوا رُءُوسهم، فقالوا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وهذا قولُ الملائكة. حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الكَبِيرُ﴾. قال: لمَّا أوحى الله ﵎ إلى محمد ﷺ ، دعا الرسول من الملائكةِ، فبعث بالوَحْي، سمِعَتِ الملائكةُ صوتَ الجَبَّارِ يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم، سألوا عما قال الله، فقالوا: الحقَّ. وعلموا أن الله لا يقولُ إلا حقًّا، وأنَّه مُنجزٌ ما وعد، قال ابن عباس: وصوت الوحيِ كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خرُوا سُجَّدًا، فلما رفعوا رءوسهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. ثم أمر الله نبيه أن يسأل الناسَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَوَاتِ [وَالْأَرْضِ﴾ إِلى ﴿أَوْ] (١) فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢). حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبد الله بن القاسم في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية (٣). قال: الوحى ينزل (٤) من السماء، فإذا

стр. 13020

قَضاه، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ، عن عبد الله في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾. قال: إن الوحى إذا قُضِي في زَوَايا (١) السماءِ، كان (٢) مثل وقع الفولاذِ على الصخرة (٣)، قال: فيُشْفِقُون، لا يَدْرُون ما حدث، فيفزَعون، فإذا مَرَّت بهم الرسلُ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. وقال آخرون ممن قال: المَوصوفون بذلك الملائكةُ: إنما يُفَزِّعُ عن قلوبهم فَزَعُهم من قضاءِ اللهِ الذي يَقْضِيه؛ حَذَرًا أن يكون ذلك قيام الساعةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ الآية، قال: يُوحِى الله إلى جبريلَ، فتَفرَّقُ الملائكة، أو تَفَزَّعُ؛ مخافة أن يكونَ شيءٌ مِن أمر الساعة، فإذا جلى عن قلوبهم، وعلموا أن ذلك ليس من أمر الساعة ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٤). وقال آخرون: بل ذلك من فعل ملائكة السماواتِ إذا مَرَّت بها المُعَقِّباتُ؛ فَزَعًا أن يكون حدث أمرُ الساعة.

стр. 13021

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات، الذين يختلفون إلى الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الربُّ فانحدروا، سمع لهم صوتٌ شديدٌ، فيحسبُ الذين هم أسفل منهم من الملائكة، أنه من أمر الساعة، فيَخِرُّوا سُجَّدًا، وهذا كلما مَرُّوا عليهم، ويفعلون ذلك من خوفِ ربِّهم (١). وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون، قالوا: وإنما يُفَزِّعُ الشيطانُ عن قلوبهم. قال: وإنما يقولون: ماذا قال ربكم؟ عند نزول المنيَّةِ بهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ قال: فَزَّع الشيطانُ عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم، وما كان يُضِلُّهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدمَ، وهذا عند الموتِ، أقرُّوا به حين لم ينفعهم الإقرارُ (٢). وأولى الأقوال في ذلك بالصواب [وأشبهُها بظاهر التنزيل] (٣)، القولُ الذي ذكره الشَّعْبيُّ، عن ابن مسعودٍ؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ بتأييده.

стр. 13022

فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: ولا تنفعُ الشفاعة عنده، إلا لمن أذِن له أن يشفع عنده (١)، فإذا أذن (٢) اللهُ لَمَن أذن له أن يشفعَ، فزِع لسماعه إِذْنَه، ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ فَجُلىَ عنها، وكُشِف الفزع عنهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [قَالُوا الْحَقَّ] (٣)﴾. قالت الملائكةُ: الحقَّ. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كلِّ شيءٍ، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي لا شيء إلا هو دونه. والعرب تستعمل "فزِّع" في معنيين، فتقول للشجاع الذي به تنزل الأمورُ التي يُفزَعُ منها: هو مُفَزَّعٌ. وتقولُ للجبانِ الذي يفزَعُ مِن كُلِّ شيءٍ: إنه لمُفَزَّعٌ. وكذلك تقول للرجل الذي يقضى له الناسُ في الأمور بالغَلَبَةِ على من نازله فيها: هو مُغَلَّبٌ. وإذا أُريد به هذا المعنى كان غالبًا، وتقول للرجل أيضا الذي هو مغلوبٌ أبدًا: مُغَلَّبٌ (٤). وقد اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ الأمصار أجمعون: ﴿فُزِّعَ﴾ بالزايِ والعينِ. على التأويل الذي ذكرناه عن ابن مسعودٍ، ومن قال نحو قوله في ذلك. وروى عن الحسن البصرى أنه قرأ ذلك: (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عن قُلُوبهم) بالراءِ والغين (٥). على التأويل الذي ذكرناه عن ابن زيد. وقد يُحتمل توجيه معنى قراءة الحسنِ ذلك كذلك، إلى: حتى إذا فُزِّغ عن قُلُوبهم، فصارت فارغةً مِن الفزع الذي كان حَلَّ بها. وذُكر عن مجاهد أنه قرَأ ذلك: (فَزَّع) بمعنى: كشَف اللهُ الفَزَعَ عنها (٦).

стр. 13023

والصوابُ من القراءةِ في ذلك القراءة بالزاي والعين؛ لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل عليها، ولصحة الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله ﷺ بتأييدها، والدلالة على صحتها. القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربِّهم الأوثان والأصنام: ﴿مَن يَرْزُقُكُم مَّن السَّمَاوَاتِ﴾ (١)، بإنزاله الغيث عليكم منها، حياةً لحروثِكم، وصلاحًا لمعايشكم، وتَسْخيرِه الشمسَ والقمرَ والنجوم لمنافعكم، ومنافع أقواتِكم، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بإخراجه منها أقواتَكم وأقواتَ أنعامكم. وترك الخبر عن جواب القوم استغناءً بدلالة الكلام عليه، ثم (٢) ذكره وهو: فإن قالوا: لا نَدْرِى. فقُل: الذي يرزقكم ذلك الله. ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَاكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: إنا لعلى هُدًى أو في ضلالٍ (٣)، أو إنكم على ضلالٍ أو هُدًى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، [قال: ثنا يزيد] (٤)، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله (٥): ﴿قُلْ مَن

стр. 13024

يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين: والله ما نحن (١) وأنتم على أمرٍ واحدٍ، إِنَّ أحد الفريقين مُهْتَدٍ (٢). وقد قال قوم: معنى ذلك: وإنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلالٍ مبينٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني إسحاق بن إبراهيمَ الشَّهيدي، قال: ثنا عَتَّابُ (٣) بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة وزياد [بن أبي مريم] (٤) في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: إنا لعلى هُدًى، وإنكم لفي ضلال مبين (٥). واختلف أهل العربية في وَجْهِ دخول "أو" في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: ليس ذلك لأنَّه شكٌّ، ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدِى. قال: وقد يقولُ الرجلُ لعبده: أحدُنا ضارب صاحبَه. ولا يكون فيه إشكال على السامع، أن المولى هو الضارب. وقال آخر (٦) منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هُدًى، وإنكم إياكم في ضلالٍ مبين؛ لأن العرب تضعُ "أو" في موضع "واوِ" الموالاة. قال جريرٌ (٧):

стр. 13025

أثَعْلَبَةَ الفوارسِ أو رياحا … عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا قال: يعنى: أثعلبة ورياحًا. قال: وقد [قال قوم: قد يتكلم] (١) بهذا من لا يَشُكُّ في دينه، وقد علموا أنهم على هُدًى وأولئك في ضلال (٢)، فيقالُ هذا وإن كان كلاما واحدا، على جهة الاستهزاء، يقال هذا لهم. وقال (٣): فإن يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ … ولستُ بُمُخْطِئُ إن كان غَيّا وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى "أو" معنى "الواوِ" في هذا الموضع (٤)، غيرَ أن العربية (٥) على غير ذلك؛ لا تكونُ "أو" بمنزلة "الواوِ"، ولكنها تكون في الأمر المُفَوَّض (٦)، كما تقولُ: إن شئتَ فخُذْ درهمًا أو اثنين. فله أن يأخُذَ اثنين أو واحدا، وليس له أن يأخذَ ثلاثة. قال: وهو في قولِ مَن لا يبصرُ العربية ويجعلُ "أو" بمنزلة "الواو" (٧)، يجوز له أن يأخذ ثلاثةً؛ لأنَّه في قولهم بمنزلة قولك: خُذْ درهما واثنين. قال: والمعنى في: ﴿إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضًا لضالون [أو مهتدون] (٨)، وهو يعلم أن رسوله المُهْتَدِى، وأن غيره الضالُّ. قال: وأنت تقولُ في الكلام للرجل يُكَذِّبُك: والله إن أحدنا لكاذبٌ.
следующие страницы →