تأْتوننا عن اليمينِ، قال: تحُولُون بيننا وبين الخير، وردَدْتمونا عن الإسلام والإيمانِ، والعملِ بالخير الذى أمرنا اللهُ به (١).
وقولُه: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) [وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ] (٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالتِ الجنُّ للإنس مجيبةً لهم: بل لم تكونوا بتوحيدِ الله مُقِرِّين، وكنتم للأصنام عابدين: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾.
يقولُ: قالوا: وما كان لنا عليكم من حُجَّةٍ، فنَصُدَّكم بها عن الإيمان، ونحولَ بينكم من أجلِها وبين اتِّباع الحقِّ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾. يقولُ: قالوا لهم: بل كنتم أيُّها المشركون قومًا طاغين، على اللهِ مُتَعدِّين إلى ما ليس لكم التعدِّى إليه من معصية الله وخلافِ أمرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: قالت لهم الجنُّ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، حتى بلغ: ﴿قَوْمًا طَاغِينَ﴾. (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. قال: الحجة. وفي قوله: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾. قال: كفَّارًا ضُلَّالًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ
стр. 13267
بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾: فوجب علينا عذابُ ربِّنا: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾. [يقولُ: إنا لذائقون] (١) العذابَ نحن وأنتم؛ بما قدَّمنا من ذنوبنا ومعصيتِنا فى الدنيا. فهذا خبرٌ من الله عن قيل الجنِّ والإنسِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ الآية. قال: هذا قولُ الجنِّ (٢).
وقولُه: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾. يقولُ: فأضللناكم عن سبيل الله والإيمان به إنَّا كنا ضالين. وهذا أيضًا خبرٌ من الله عن قيل الجنِّ والإنس.
قال الله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. [يقولُ: فإن الإنس الذين كفروا بالله وأزواجَهم، وما كانوا يَعْبُدون من دونِ اللهِ، والذين أغْوَوا الإنس من الجنِّ يوم القيامةِ - في العذابِ مشترِكون] (٣) جميعًا في النار، كما اشتركوا في الدنيا في معصية الله.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾. قال: هم والشياطينُ.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّا هكذا نَفْعَلُ بالذين اختاروا معاصى الله في الدنيا على طاعته، والكفر به على الإيمانِ، فنُذِيقُهم العذابَ الأليم، ونجمعُ بينهم وبين قرنائهم فى النارِ.
стр. 13268
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المشركين بالله الذين وصف صفتَهم في هذه الآياتِ، كانوا فى الدنيا إذا قيل لهم: قولوا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. يقولُ: يَتَعَظَّمون عن قيل ذلك ويتكَبَّرون. وترك من الكلام "قولوا"؛ اكتفاءً بدلالة الكلام عليه من ذكره.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن مُفَضِّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: يعنى المشركين خاصةً.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. قال: قال عمرُ بن الخطاب ﵁: احضُروا موتاكم ولقِّنوهم لا إلهَ إِلَّا اللهُ، فإنهم يَرَون ويَسْمَعون.
وقولُه: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويقول هؤلاء المشركون من قريشٍ: أَنَتْرُكُ عبادة آلهتِنا ﴿لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. [يقولُ: لاتِّباع شاعرٍ مجنونٍ -يَعْنون بذلك نبيَّ اللهِ ﷺ - ونَقولُ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ؟!] (١)
стр. 13269
[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾. يَعْنون محمدًا ﷺ (١).
وقولُه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾] (٢). وهذا خبرٌ من اللهِ مُكَذِّبًا للمشركين الذين قالوا للنبيِّ ﷺ : شاعرٌ مجنونٌ. كذَبوا، ما محمدٌ كما وصفوه به من أنه شاعرٌ مجنونٌ، بل هو لله نبيٌّ جاء بالحقِّ من عندِه، وهو القرآنُ الذى أنزَله عليه، وصدَّق المرسلين الذين كانوا من قبله.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾: بالقرآنِ، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾. أى: صدَّق من كان قبلَه من المرسَلين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين من أهل مكةَ، القائلين لمحمدٍ: شاعرٌ مجنونٌ: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيُّها المشركون ﴿لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾: الموجِع في الآخرةِ،
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ﴾. يقولُ: وما تُثابون في الآخرةِ إذا ذُقتم العذابَ الأليمَ فيها ﴿إِلَّا﴾ ثوابَ ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من (٣) معاصِى الله.
وقولُه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ: إلا عبادَ اللهِ الذين أخلصهم يومَ خَلقهم لرحمتِه، وكتب لهم السعادة في أمِّ الكتابِ، فإنهم لا يذوقون العذابَ؛
стр. 13270
لأنهم أهلُ طاعة الله وأهلُ الإيمانِ به.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: هذه ثَنيَّةُ (١) اللهِ.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. يقولُ: هؤلاء، وهم عباد الله المخلَصون، لهم رزقٌ معلومٌ، وذلك الرزقُ المعلومُ: هو الفواكهُ التى خلقها الله لهم فى الجنةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾: في الجنةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾. قال: في الجنةِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾.
قولُه: ﴿فَوَاكِهُ﴾. ردًّا على الرزقِ المعلومِ، تفسيرًا له؛ ولذلك رُفِعت. وقولُه: ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾. يقولُ: وهم مع الذى لهم من الرزقِ المعلومِ في الجنةِ، مُكرَمون بكرامة اللهِ التى أكرمهم بها،
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. يعني: في بساتين النعيمِ،
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. يعنى: أن بعضَهم يُقابِلُ بعضًا، ولا يَنْظُرُ بعضُهم في قفا بعضٍ.
وقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يطوفُ الخدمُ عليهم بكأسٍ من خمرٍ جاريةٍ، ظاهرةٍ لأعينهم غيرِ غائرةٍ.
стр. 13271
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ. قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: كأس من خمرٍ جاريةٍ، والمعين هي الجاريةُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمة بن نُبَيْطٍ، عن الضحاك بن مزاحمٍ في قوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: كلُّ كأسٍ في القرآن فهو خمرٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ (٣) اللهِ بن داودَ، عن سلمة بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ ابن مزاحمٍ، قال: كلُّ كأسٍ فى القرآنِ فهو خمرٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾. قال: الخمرُ. والكأسُ عند العرب كلُّ إناءٍ فيه شرابٌ، فإن لم يَكُنْ فيه شرابٌ لم يَكُنْ كأسًا، ولكنه يَكونُ إناءً (٥).
وقولُه: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. يعنى بالبيضاءِ: الكأس، ولتأنيث "الكأس" أُنِّثت "البيضاءُ"، ولم يَقُلْ: "أبيض". وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله: (صفراء) (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن
стр. 13272
السديِّ في قوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾. قال السديُّ: في قراءة عبدِ اللهِ: (صفراء) (١).
وقولُه: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: هذه الخمر لذةٌ يَلْتَذُّ بها شاربوها.
وقولُه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. يقولُ: لا فى هذه الخمرِ غَوْلٌ، وهو أَن تَغْتَالَ عقولهم. يقولُ: لا تَذْهَبُ هذه الخمرُ بعقول شاربيها كما تَذْهَبُ بها خمورُ أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها، كما قال الشاعرُ (٢):
وما زالت الكأسُ تَغْتالُنا (٣) … وتَذْهَبُ بالأَوَّلِ الأوَّلِ
والعربُ تقولُ: ليس فيها غيلَةٌ وغائلةٌ وغَولٌ. بمعنًى واحدٍ. ورُفع "غَوْلٌ" ولم يُنْصَبْ بـ "لا"؛ لدخول حرفِ الصفةِ بينها وبينَ الغَول، وكذلك تَفْعَلُ العربُ في التبرئة، إذا حالت بين "لا" والاسمِ بحرفٍ من حروفِ الصفاتِ، رفعوا الاسمَ ولم يَنْصِبوه. وقد يَحْتَمِلُ قولُه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. أن يكونَ مَعْنِيًّا به: ليس فيها ما يُؤْذيهم من مكروهٍ. وذلك أن العرب تقولُ للرجل يُصابُ بأمرٍ مكروهٍ، أو يُنالُ بداهيةٍ عظيمةٍ: غال فلانًا غُولٌ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: ليس فيها صداعٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. يقولُ: ليس فيها صُداعٌ (٤).
стр. 13273
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها أذًى، [فتشكَّى منه بطونُهم] (١).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: هي الخمرُ، ليس فيها وَجَعُ بطنٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: وَجَعُ بطنٍ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: الغَوْلُ ما يُوجِعُ البطونَ، وشاربُ الخمرِ ههنا يَشْتَكى بطنه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يقولُ: ليس فيها وجعُ بطنٍ ولا صداعُ رأسٍ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: أنها لا تغول عقولهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
стр. 13274
السدىِّ: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: لا تَغْتال عقولهم (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها أذًى ولا مكروهٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثت عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: أذًى ولا مكروهٌ (٢).
حدَّثنا محمد بن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ بَزيعٍ (٣). قال: أخبرنا إسرائيل، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾. قال: ليس فيها أذًى ولا مكروهٌ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ليس فيها إثمٌ.
قال الإمام أبو جعفرٍ رحِمهُ اللهُ تعالى: ولكلِّ هذه الأقوال التي ذكرناها وجهٌ، وذلك أن الغُول فى كلام العرب: هو ما غال الإنسان فذهب به، فكلُّ مَن ناله أمرٌ يَكْرَهُه ضربوا له بذلك المثل، فقالوا: غالت فلانًا غُولٌ. فالذاهب العقل مِن شُرب الشراب، والمشتكى البطنِ منه، والمصدَّعُ الرأس من ذلك، والذي ناله منه مكروهٌ، كلُّهم قد غالته غُولٌ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد نفى عن شراب الجنة أن يكون فيه غَوْلٌ، فالذى هو أولى بصفته أن يُقال فيه؛ كما قال جل ثناؤُه: ﴿لَا فِيهَا
стр. 13275
غَوْلٌ﴾. فيعمُّ بنفي كلِّ معانى الغَوْلِ عنه، وأعمُّ ذلك أن يُقال: لا أذًى فيها ولا مكروهٌ على شاربيها؛ في جسمٍ، ولا عقلٍ، ولا غير ذلك.
واختلفت القرأَةُ فى قراءة قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿يُنْزَفُونَ﴾. بفتح الزاي (١)، بمعنى: ولا هم عن شُرْبِها تُنْزَفُ عقولهم.
وقرأ ذلك عامةُ قرأة الكوفة: (ولا هُمْ عَنْها يُنْزِفُونَ). بكسرِ الزاي (٢)، بمعنى: ولا هم عن شربها يَنْفَدُ شرابهم.
والصوابُ من القول فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى غيرُ مختلِفتيه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وذلك أن أهل الجنةِ لا يَنْفَدُ شرابهم، ولا يُسْكرهم شُربُهم إياه فيُذْهِبَ عقولهم.
واختلف أهل التأويل فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا تَذْهَبُ عقولُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. يقولُ: لا تَذهَبُ عقولهم (٣).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن
стр. 13276
أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ فَتَذْهَبَ عقولهم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تَذْهَبُ عقولهم (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ في قوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ عقولهم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تُنْزَفُ العقولُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾. قال: لا تَغْلِبُهم على عقولهم (٣).
وهذا التأويلُ الذي ذكرْناه عمّن ذكرْنا عنه لم تُفَصِّلْ لنا رواتُه القراءةَ التى (٤) هذا تأويلُها، وقد يَحْتَمِلُ أن يكون ذلك تأويلَ قراءةِ من قرأها: (يُنْزِفُون) و ﴿يُنْزَفُونَ﴾ كلتيهما، وذلك أن العرب تقولُ: قد نُزِف الرجلُ فهو مَنْزوفٌ. إذا ذهَب عقلُه من السُّكْر، و: أنزف فهو مُنْزِفٌ. مَحْكِيَّةٌ عنهم اللغتان كلتاهما،
стр. 13277
في ذَهَابِ العقلِ من السكر، وأما إذا فَنِيت خمرُ القومِ، فإني لم أَسْمَعْ فيه إلا: أنزف القومُ. بالألفِ، ومن الإنزافِ بمعنى ذَهَابِ العقل من السكرِ، قولُ الأُبَيْرِد:
لعَمْرى لئن أَنْزَفْتُمُ أو صَحوتُمُ (١) … لبِئْس النَّدامَى كنتُمُ آل أَبْجَرا (٢)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعند هؤلاء المخلَصين من عبادي (٣) في الجنة قاصراتُ الطرفِ، وهنّ النساء اللاتى قصَرن أطرافهن على بُعولتهن، فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يمدُدْنَ أبصارهن إلى غيرهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. يقولُ: عن غيرِ أزواجهن (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾. قال: على أزواجهن. زاد الحارثُ في حديثه:
стр. 13278
لا تَبْغِي غيرهم (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ (٣)، قال: ذُكِر أيضًا عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلُه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ قال: قصَرن طرفَهن على أزواجهن فلا يُرِدنَ غيرَهم (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجهن، قد قصرن أطرافهن على أزواجهن، ليس كما يكونُ نساءُ أهلِ الدنيا (٥).
وقولُه: ﴿عِينٌ﴾. يعنى بالعِينِ النُّجْلَ العيونِ عظامَها، وهي جمعُ عيناء، والعيناءُ: المرأة الواسعة العين عظيمتُها، وهى أحسن ما يكون من العيونِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13279
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ فى قوله: ﴿عِينٌ﴾. قال: عظامُ الأعينِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿عِينٌ﴾. قال: العَيناءُ: العظيمةُ العين.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمن بن وهبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الفرجِ الصَّدَفىُّ الدِّمياطىُّ، عن عمرو بن هاشمٍ، عن ابن أبي كريمة (٢)، عن هشام بن حسانَ، [عن الحسن، عن أمِّه] (٣)، عن أمِّ سلمة زوج النبىِّ ﷺ أنها قالت: قلت يا رسول الله، أَخْبِرْني عن قولِ اللهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. قال: "العينُ: الضخام العيون، شَفْرُ الحوراء بمنزلة جناحِ النَّسْرِ" (٤).
وقولُه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. اختلف أهل التأويل في الذى به شُبِّهن من البَيْضِ بهذا القولِ؛ فقال بعضُهم: شُبِّهن ببطنِ البَيْضِ في البياضِ وهو الذي داخلَ القشر، وذلك أن ذلك لم (٥) يَمَسَّه شيءٌ.
стр. 13280
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: كأنهن بطنُ البَيْضِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ قال: البَيْضُ حينَ يُقَشَّرُ قبلَ أن تَمَسَّه الأيدى (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: لم تَمُرَّ به الأيدى ولم تَمَسَّه، يُشْبِهْنَ بياضَه (٣).
وقال آخرون: شُبِّهن بالبيض الذى يَحْضُنُه الطائر، فهو إلى الصفرة، فشُبِّه بياضُهن في الصفرةِ بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: البيضُ الذى يُكِنُّه الريشُ، مثلُ بَيْضِ النعام الذي قد أكنَّه الريش من الريح، فهو أبيضُ إلى الصفرة، فكأنه يَبْرُقُ، فذلك المكنونُ (٤).
وقال آخرون: بل عَنَى بالبيض فى هذا الموضع اللؤلؤ، وبه شبِّهن في
стр. 13281
بياضِه وصفائِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. يقول: اللؤلؤ المكنونُ (١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ عندى: قولُ مَن قال: شُبِّهن في بياضهن، وأنهن لم يَمَسَّهن قبلَ أزواجِهن إنسٌ ولا جانٌّ - ببياض البيض الذي هو داخل القشر، وذلك هو [الجلدة المُلْبَسةُ] (٢) المُحَّ (٣)، قبل أن تمسَّه يَدٌ أو شيءٌ غيرها (٤)، وذلك لا شكَّ هو المكنونُ؛ فأما القشرةُ العليا فإن الطائرَ يَمَسُّها والأيدى تُباشِرُها والعُشُّ (٥) يَلْقاها. والعربُ تقولُ لكلِّ مصونٍ: مكنونٌ. ما كان ذلك الشيءُ؛ لؤلؤًا كان أو بيضًا أو متاعًا، كما قال أبو دَهْبَلٍ (٦):
وَهْي زهراءُ مثلُ لؤلؤةِ الغَوَّ … اصِ مِيزَت من جَوْهرٍ مكنونِ
وتقولُ لكلِّ شيءٍ أَضْمَرَتْه الصدورُ: أَكنَّته، فهو مُكَنٌّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ .
стр. 13282
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا محمد بن الفرجِ الصدفيُّ الدِّمياطىُّ، عن عمرو بن هاشمٍ، عن ابن أبى كريمةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمة: قلت: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني عن قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: "رِقَّتُهن (١) كرِقَّةِ الجلدة التى رأيتها في داخل البيضة التي تلى القِشْرَ، وهي الغِرْقِئُ (٢) ".
وقولُه: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. يقولُ [تعالى ذكرُه: فأقبل بعضُ أهل الجنة على بعضٍ يتساءلون؛ يقولُ] (٣): يَسْأَلُ بعضُهم بعضًا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾: أهل الجنة (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾. قال: أهل الجنة.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال قائلٌ من أهلِ الجنةِ، إذ أقبل بعضُهم على بعضٍ يتساءلون: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. واختلف أهل التأويل في القرين الذي ذُكر في
стр. 13283
هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك القرينُ شيطانًا، وهو الذي كان يقولُ:
﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث بعد المماتِ؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. قال: شيطانٌ (١).
وقال آخرون: كان ذلك القرينُ شريكًا كان له من بنى آدم، أو صاحبًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾. قال: هو الرجلُ المشرِكُ يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمانِ، فيقولُ له المشرك: إنك لتُصَدِّقُ بأنك مبعوثٌ من بعد الموت، أئذا كنا ترابًا؟! فلما صاروا إلى الآخرة، وأُدخل المؤمن الجنة، وأُدخل المشرك النار، فاطَّلَع المؤمنُ فرأى صاحبه في سَواءِ الجحيم قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (٢).
حدَّثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بنِ الشهيد، قال: حدَّثنا عتَّابُ (٣) بنُ
стр. 13284
بشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن فُراتِ بن ثعلبةَ البَهْرانىِّ فى قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾. قال: إن رجلين كانا شريكين، فاجتمَع لهما ثمانيةُ آلاف دينارٍ، وكان أحدُهما له حرفةٌ، والآخر ليس له حرفةٌ، فقال الذى له حرفةٌ للآخرِ: ليس عندك (١) حرفةٌ، ما أُرانى إِلَّا مُفارِقَك ومُقاسِمَك. فقاسَمه وفارَقه، ثم إن الرجلَ اشترى دارًا بألف دينارٍ، كانت لملكٍ مات، فدعا صاحبَه فأراه (٢)، فقال: كيف ترى هذه الدارَ؟ ابتعتُها بألفِ دينارٍ. قال: ما أحسنَها! فلما خرَج قال: اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدارَ بألفِ دينارٍ، وإنى أَسْأَلُك دارًا من دورِ الجنةِ. فتصدَّق بألفِ دينارٍ، ثم مكَث ما شاء اللهُ أن يَمْكُثَ، ثم إنه تزوَّج امرأةً بألفِ دينارٍ، [فدعاه وصنعَ له طعامًا، فلما أتاه قال: إنى تزوَّجت هذه المرأةَ بألفِ دينارٍ] (٣). قال: ما أحسنَ هذا! فلما انصرَف قال: يا ربِّ، إن صاحبى تزوَّج امرأةً بألفِ دينارٍ، وإنى أَسْأَلُك امرأةً من الحورِ العينِ. فتصدَّق بألفِ دينارٍ، ثم إنه مكَث ما شاء اللهُ أن يَمْكُثَ، ثم اشترى بستانين بألفَى دينارٍ، ثم دعاه فأراه، فقال: إنى ابتَعت هذين البستانين. فقال: ما أحسنَ هذا! فلما خرَج قال: يا ربِّ، إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفَي دينارٍ، وإني أَسْأَلُك بستانين من الجنةِ. فتصدَّقَ بألفي دينارٍ، ثم إن الملَكَ أتاهما فتوفَّاهما، ثم انطلَق بهذا المتصدِّقِ (٤) فَأَدْخَله دارًا تُعْجِبُه، فإذا امرأةٌ تَطْلعُ يُضيءُ ما تحتَها من حُسْنِها، ثم أَدْخَله بستانين وشيئًا اللهُ به عليمٌ، فقال عندَ ذلك: ما أشبَهَ هذا برجلٍ كان من أمرِه كذا وكذا! قال: فإنه ذاك، ولك هذا المنزلُ والبستانان والمرأةُ. قال: فإنه كان لي صاحبٌ
стр. 13285
يقولُ: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾؟! قِيل له: [فإنه في الجحيم. قال: فهل أنتم مُطَّلِعون؟ فاطَّلع فرآه في سواء الجحيم، فقال] (١) [عند ذلك] (٢): ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ الآياتُ (٣).
وهذا التأويلُ الذى تأوَّله فراتُ بنُ ثعلبةَ يُقَوِّى قراءةَ مَن قرأ: (إنك لمن المصَّدِّقين). بتشديد الصادِ بمعنى: لمن المتصدِّقين؛ لأنه يَذْكُرُ أن الله تعالى ذِكْرُه إنما أعطاه ما أعطاه على الصدقةِ لا على التصديقِ (٤). وقراءةُ قرأةِ الأمصارِ على خلافِ ذلك، بل قراءتُها بتخفيفِ الصادِ وتشديدِ الدالِ، بمعنى إنكارِ قرينِه عليه التصديقَ أنه بعدَ الموتِ مبعوثٌ. كأنه قال: أَتُصَدِّقُ بأنك مبعوثٌ بعدَ مماتِك وتُجرى بعملِك وتُحاسَبُ؟! يَدُلُّ على ذلك قولُ اللهِ : ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. وهى القراءة الصحيحةُ عندَنا، التي لا يجوزُ خلافُها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأَةِ عليها.
وقولُه: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. يقولُ: أئنا لمحاسَبون ومَجزِيُّون (٥)، بعدَ مصيرِنا عظامًا ولحومِنا ترابًا؟!
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾. يقول: أئنا لمجازَوْن بالعملِ؟! كما
стр. 13286
تَدِينُ تُدَانُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: أئنا لمحاسَبون (١)؟!
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: محاسَبون (٢)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: قال هذا المؤمنُ الذي أُدخل الجنة لأصحابهِ: هل أنتم مُطَّلِعون في النارِ، لعلِّى أرَى قرينىَ الذى كان يقولُ لى: إنك لمن المصدِّقين بأنا مَبْعوثون بعدَ المماتِ!
وقولُه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. يقولُ: فاطَّلع في النارِ فرَآه في وسَطِ الجحيمِ. وفى الكلام متروكٌ استُغنِى بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرِه، وهو: فقالوا: نعمْ.
وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ
стр. 13287
قولَه: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: في وسَطِ الجحيمِ (١).
[حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. يعني: في وسط الجحيم] (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: وسَطِ الجحيمِ (٣).
[حدَّثنا ابنُ سِنانٍ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ، فذكَر مثلَه] (٢).
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ بن حربٍ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: وسَطِها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، [قال: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؟ قال: سأَل ربَّه أن يُطْلِعَه. قال: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. أي: في وسَطِ الجحيمِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (٢)، عن خُلَيدٍ العَصَرىِّ، قال: لولا أن اللهَ عرَّفه إياه ما عَرفه، لقد تغيَّر حِبرُه وسِبرُه (٥) بعدَه، وذُكِر لنا أنه اطَّلَع
стр. 13288
فرأَى جماجمَ القومِ تَغْلى (١)، فقال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبى الوزيرِ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن مطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾. قال: واللهِ لولا أنه عرَّفه ما عرَفه، لقد غيَّرتِ النارُ حِبرَه وسِبرَه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يَقْرَؤُها: (هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعونِ (٤)، فأُطْلِعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الجَحيمِ) (٥). قال: في وسَطِ الجحيمِ.
وهذه القراءةُ التي ذكَرها السدىُّ عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يَقْرَأُ في: ﴿مُطَّلِعُونَ﴾، إن كانت محفوظةً عنه، فإنها من شواذِّ الحروفِ، وذلك أن العربَ لا تُؤثِرُ في المَكْنِىِّ من الأسماءِ إذا اتصَل بفاعلٍ على الإضافةِ، في جمعٍ أو توحيدٍ، لا يَكادون أن يقولوا (٦): أنت مُكَلِّمِى. ولا أنتما مُكَلِّماني. ولا أنتم مُكَلِّمونى ولا مُكَلِّموننى. وإنما يقولون: أنت مُكَلِّمى. وأنتما مُكَلِّماىَ (٧). وأنتم مُكلمِىَّ.
стр. 13289
وإن قال قائلٌ منهم ذلك، قاله على وجهِ الغَلطِ؛ توهمًا به: أنت تُكَلِّمُنى. و: أنتما تُكَلِّمانَنى. و: أنتم تُكَلِّمُونَنى. كما قال الشاعرُ (١):
وما أَدْرى وظَنِّى كلَّ ظَنٍّ … أَمُسْلِمُنى إلى قومي شَراحي
فقال: أمُسْلِمُنى. وليس (٢) ذلك وجهَ الكلام، بل وجهُ الكلامِ: أَمُسْلِمى. فأما إذا كان الاسمُ (٣) ظاهرًا ولم يَكُنْ متصلًا بالفاعلِ، فإنهم ربما أضافوا، وربما لم يُضيفوا، فيقال: هذا مكلِّمٌ أخاك ومُكلِّمُ أخيك. و: هذان مُكَلِّما أخيك ومُكلِّمان أخاك. و: هؤلاء مُكَلِّمو أخيك. و: مُكَلِّمون أخاك. وإنما تُختارُ الإضافةُ في المكنىِّ المتصلِ بفاعلٍ؛ لمصيرِ الحرفين باتصالِ أحدِهما بصاحبِه كالحرفِ الواحدِ.
وقولُه: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾. يقولُ: فلما رأى قرينَه في النارِ قال: تاللَّهِ إن كدتَ في الدنيا لَتُهْلِكُنى بصدِّك إياى عن الإيمان بالبعثِ والثوابِ والعقابِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾. قال: لَتُهْلِكُنى.
يقالُ منه: أردَى فلانٌ فلانًا. إذا أهلَكه، و: ردِى فلانٌ. إذا هلَك، كما قال الأَعْشَى (٤):
стр. 13290
أفي الطَّوفِ خِفْتِ عَلَىَّ الرَّدَى … وكم مِن رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ
يعنى بقوله: وكم من ردٍ. وكم من هالكٍ.
وقولُه: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. يقولُ: ولولا أن اللَّهَ أَنعَم علىَّ بهدايتِه والتوفيقِ للإيمانِ بالبعث بعدَ الموتِ، لكنتُ من المحضرين معَك في عذابِ اللهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. أى: فى عذابِ اللهِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾. قال: من المعذَّبين
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.
يقول تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هذا المؤمنِ الذي أعطاه اللهُ ما أعطاه من كرامتِه في جنتِه، سرورًا منه بما أعطاه فيها: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾.
يقولُ: أفما نحن بميِّتين غيرَ مَوْتَتِنا الأولى فى الدنيا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. يقولُ: وما نحن بمعذَّبين بعدَ دخولِنا الجنةَ.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. يقولُ: إن هذا الذى أعطاناه اللهُ من الكرامة في الجنةِ؛ من (٢) أنَّا لا نُعذِّبُ ولا نَموتُ لهو النَّجاءُ العظيمُ مما كنا فى الدنيا نَحْذَرُ من عقابِ اللهِ، وإدراكُ ما كنا
стр. 13291
فيها نَأْمُلُ (١) بإيمانِنا وطاعتِنا ربَّنا.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قال: هذا قولُ أهلِ الجنةِ (٢).
وقولُه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: لمثلِ هذا الذى أعطَيْتُ هؤلاء المؤمنين من الكرامةِ في الآخرةِ، فليَعْمَلْ في الدنيا لأنفسِهم العاملون؛ ليُدْرِكوا ما أدرك هؤلاء بطاعة ربِّهم.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: أهذا الذي أَعْطَيْتُ هؤلاء المؤمنين، الذين وصَفْتُ صفتَهم، من كرامتى فى الجنةِ، ورزَقْتُهم فيها من النعيم - خيرٌ، أو ما أعْدَدْتُ لأهل النارِ مِن الزَّقُومِ؟
وعُنى بالنُّزُلِ: الفضلُ، وفيه لغتان؛ نُزُلٌ ونُزْلٌ، يقالُ للطعام الذى له رَيْعٌ: هو طعامٌ له نُزُلٌ ونُزْلٌ. وقولُه: ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾.
ذُكِر أن الله تعالى لما أَنْزَل هذه الآية، قال المشركون: كيف يَنْبُتُ الشجرُ في النارِ، والنارُ تُحرِقُ الشجر؟ فقال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. يعنى: لهؤلاء المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخْبَرهم بصفةِ هذه الشجرةِ، فقال:
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
стр. 13292
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؟ حتى بلَغ: ﴿فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾. قال: لما ذكَر شجرة الزَّقُّوم افْتَتَن بها الظلمةُ، فقالوا: يُنَبِّئُكم صاحبُكم هذا أن في النارِ شجرةً، والنارُ تأكلُ الشجر. فأنْزَل اللهُ ما تَسْمَعون: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾؛ غُذِّيَت بالنارِ، ومنها خُلِقَت (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال أبو جهلٍ: لما نزلت: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣]. قال: تَعْرِفونها فى كلام العرب؟ أنا آتيكم بها. فدعا جاريةً، فقال: ائْتِينى بتمرٍ وزُبْدٍ. فقال: دونَكم تَزَقَّموا، فهذا الزَّقُّومُ الذى يُخَوِّفُكم به محمدٌ. فأنزل اللهُ تفسيرَها: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. قال: لأبي جهلٍ وأصحابِه.
حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾. قال: قولُ أبي جهلٍ: إنما الزَّقُّومُ التمرُ والزُّبْدُ أَتَزَقَّمُه (٢).
стр. 13293
وقوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كأن طَلْعَ هذه الشجرة -يعنى شجرةَ الزقومِ- في قُبْحِه وسَماجتِه (١) رءوسُ الشياطينِ في قُبْحِها.
وذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إنها شجرةٌ نابتةٌ فى أصلِ الجحيمِ) (٢).
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. قال: شبَّهه بذلك (٣).
فإن قال قائلٌ: وما وجه تشبيهه طَلْعَ هذه الشجرة برءوسِ الشياطينِ في القُبْح، ولا علمَ عندنا بمبلغ قبح رءوسِ الشياطينِ، وإنما يُمَثَّلُ الشيءُ بالشيءِ، تعريفًا مِن المُمثِّلِ المُمثَّلَ له، قربَ (٤) اشتباه الممثَّل أحدِهما بصاحبهِ، مع معرفةِ المُمَثَّلِ له الشيئين كليهما، أو أحدَهما. ومعلومٌ أن الذين خُوطِبوا بهذه الآية من المشركين، لم يكونوا عارفين بشجرةِ الزَّقُّومِ، ولا برءوسِ الشياطينِ، ولا كانوا رأَوْهما، ولا واحدًا منهما؟
قيل له: أما شجرة الزقُّومِ فقد وصَفَها اللهُ تعالى ذكرُه لهم وبيَّنها، حتى عرَفوها ما هى، وما صفتُها، فقال لهم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾، فلم يَتْرُكْهم فى عَماءٍ منها. وأما في تمثيله طلعَها برءوسِ الشياطينِ، [فأقوالٌ لكلٍّ منها وجهٌ مفهومٌ. أحدُها: أن يكونَ مثَّل ذلك برءوسِ الشياطينِ] (٥)، على نحو ما قد جرَى به استعمالُ المخاطبين بالآية بينهم، وذلك
стр. 13294
أن استعمالَ الناسِ قد جرى بينَهم فى مبالغتِهم، إذا أراد المبالغة في تقبيح الشيء، قالوا: فكأنه شيطانٌ، فذلك أحدُ الأقوالِ. والثاني: أن يكون مُثِّل برأسِ حيةٍ معروفةٍ عند العرب تُسمى شيطانًا، وهي حيةٌ له عُرْفٌ. فيما ذُكر، قبيحُ الوجهِ - والمنظرِ، وإياه عنى الراجزُ بقولِه:
عَنْجَرِدٌ (١) تَحْلِفُ حينَ أحْلِفُ … كمِثلِ شَيْطانِ الحَماطِ (٢) أَعْرَفُ (٣)
ويروى عُجَيِّزٌ.
والثالثُ: أن يكونَ مُثِّل نبتٌ معروف برءوس الشياطينِ، ذُكِر أنه قبيحُ الرأسِ (٤). ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: فإن هؤلاء المشركين الذين جعَل اللهُ هذه الشجرةَ لهم فتنةً، لآكلون من هذه الشجرةِ التى هى شجرةُ الزَّقومِ، فمالئون من زَقُّومِها بطونَهَم (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. ثم إن لهؤلاء المشركين على ما يِأْكُلون مِن هذه الشجرةِ؛ شجرةِ الزقومِ - شَوْبًا، وهو الخَلْطُ، مِن قولِ العربِ: شاب فلانٌ طعامَه فهو يَشوبُه شَوْبًا وشِيابًا، ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ والحميمُ: الماءُ
стр. 13295
المحمومُ، وهو الذى أُسْخِن فانْتَهَى حرُّه. وأصلُه مفعولٌ، صُرِّف إلى فعيلٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. يقولُ: لَمَزْجًا (١).
حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. يعنى: شربَ الحميمِ على الزقُّومِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. قال: مِزاجًا من حميمٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. قال: الشَّوبُ الخَلْطُ، وهو المَزْجُ (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾. قال: حَميمٌ يُشابُ لهم بغَسَّاقٍ مما تَغْسِقُ أعينُهم، وصديدٍ من قَيْحِهم ودمائِهم، مما يَخْرُجُ مِن أجسادهم.
стр. 13296
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم إن مآبَهم ومصيرَهم لإلى الجحيمِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. فهم في عناءٍ وعذابٍ من نارِ جهنمَ (١). وتلا هذه الآية: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. قال في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (ثمَّ إِنَّ مُنْقَلَبَهُمْ لإلى الجحيم) (٢). وكان عبدُ اللهِ يقولُ: والذي نفسي بيدِه لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ يومَ القيامةِ حتى يَقيلَ أهلُ الجنةِ فى الجنةِ، وأهلُ النارِ فى النارِ، ثم قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٣) [الفرقان: ٢٤].
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾. قال: موتَهم.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾. يقولُ: إن هؤلاء المشركين الذين إذا قيل لهم: قولوا: لا إله إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرون، وجدوا آباءَهم ضُلَّالًا عن قصدِ السبيلِ، غيرَ سالكين مَحَجَّةَ الحَقِّ.
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. يقولُ: فهؤلاء يُسْرَعُ بهم في طريقهم؛ ليَقْتَفُوا آثارهم وسُنَّتَهم. يقالُ منه: أُهْرِع فلانٌ: إذا سار سيرًا حثيثًا، فيه شَبَهٌ بالرِّعْدةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13297
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾. أى: وجدوا آباءهم ضالِّين (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ﴾. أى: وجَدوا آباءَهم (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في "يُهْرَعون" -أيضًا- قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. قال: كهيئةِ الهَرْوَلةِ (٣).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾. أى: يُسْرِعون إسراعًا في ذلك] (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾. قال: يُسرعون.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُهْرَعُونَ
стр. 13298
إِلَيْهِ﴾. قال: يَسْتَعجلون إليه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ولقد ضَلَّ يا محمدُ عن قصدِ السبيلِ ومَحَجَّةِ الحقِّ قبلَ مُشْركي قومِك من قريشٍ - أكثرُ الأمم الخاليةِ من قبلِهم:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، يقولُ: ولقد أَرْسَلْنا في الأممِ التى خلَت من قبلِ أُمَّتِك، ومِن قبلِ قومِك المكذِّبِيك، مُنْذِرين يُنذرونهم بأسَنا على كفرِهم بنا، فكذَّبوهم، ولم يَقْبَلوا منهم نصائحَهم، فأحْلَلْنا بهم بأسَنا وعقوبتَنا
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾. يقولُ: فتأَمَّلْ وتبَيَّنْ كيف كان غِبُّ أمرِ الذين أَنْذَرَتهم أنبياؤنا، وإلامَ (١) صار أمرُهم؟ وما الذى أعْقَبهم كفرُهم باللَّهِ؟ ألم نُهْلِكُهم فنُصَيَّرَهم للعبادِ عبرةً؟ ولمن بعدَهم عِظَةً؟
وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فانْظُرْ كيف كان عاقبةُ المُنْذَرِين، إلا عبادَ اللهِ الذين أخْلَصْناهم للإيمان بالله وبرسلِه. واسْتَثْنَى عبادَ اللَّهِ من المنذَرِين؛ لأن معنى الكلامِ: فانْظُرْ كيف أهْلَكْنا المنذَرِين إلا عبادَ اللهِ المؤمنين، فلذلك حسُن استثناؤُهم منهم.
وبنحو الذي قلنا في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ فى قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. قال: الذين
стр. 13299
اسْتَخْلَصَهم الله (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ولقد نادانا نوحٌ بمسألتِه إيانا هلاكَ قومِه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾. [إلى قولِه] (٢): ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٥ - ٢٦].
وقولَه: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. يقولُ: فلَنعم المجيبون كنا له إذ دعانا، فأجَبْنا له دعاءَه، فأهْلَكُنا قومَه.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾. يعنى: أهلَ نوحٍ الذين ركِبوا معه السفينةَ. وقد ذكَرْناهم فيما مضَى قبلُ، وبيَّنا اختلافَ العلماءِ فى عددِهم (٣).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾. قال: أجابه الله (٤).
وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. يقولُ: مِن الأذى والمكروهِ الذي كان فيه مِن الكافرين، ومن كربِ الطُّوفانِ والغرقِ الذى هلَك به قومُ نوحٍ.
стр. 13300
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾. قال: مِن الغرقِ (١).
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. يقولُ: وجعَلَنا ذريةَ نوحٍ هم الذين بقُوا في الأرضِ بعدَ مَهْلِكِ قومِه. وذلك أن الناسَ كلَّهم مِن بَعدِ مَهْلِكِ قومِ (٢) نوحٍ إلى اليومِ، إنما هم ذريةُ نوحٍ، فالعَجَمُ والعربُ أولادُ سامِ بنِ نوحٍ، والتُّركُ والصَّقالِبةُ والخَزَرُ أولادُ يافثَ بن نوحٍ، والسُّودان أولادُ حامِ بنِ نوحٍ. وبذلك جاءتِ الآثارُ، وقالتِ العلماءُ.
[ذكرُ مَن قال ذلك] (٣)
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بن بشيرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن، عن سَمُرةَ، عن النبىِّ ﷺ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال: "سامٌ، وحامٌ، ويافثُ" (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. قال: فالناسُ كلُّهم مِن ذريةِ نوحٍ (٥).
стр. 13301
حدثنا علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ فى قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. يقولُ: لم يَبْقَ إلا ذريةُ نوحٍ (١).
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ). وأبقينا عليه -يعنى على نوحٍ- ذكرًا جميلًا، وثناءً حسنا: ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾. يعنى: فيمن تأخَّر بعدَه مِن الناسِ، يَذكُرونه به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: يُذكَرُ بخيرٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ (٣)، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. يقولُ: جعَلنا لسانَ صدقٍ للأنبياء كلِّهم (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي
стр. 13302
الْآخِرِينَ﴾. قال: أبْقَى اللهُ عليه الثناءَ الحسنَ في الآخِرِين (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، [قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ] (٢)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾. قال: الثناءَ الحسنَ (٣).
وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: أَمَنَةٌ مِن اللهِ لنوحٍ في العالَمين، أن يَذْكُرَه [أحدٌ بسوءٍ] (٤).
و"سلامٌ" مرفوعٌ بـ"على"، وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفةِ يقولُ (٥): معناه: وترَكْنا عليه في الآخِرين. ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾. أى: ترَكْنا عليه هذه الكلمةَ، كما تقولُ: قَرَأْتُ مِن القرآنِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فتكونُ الجملةُ في معنى نصبٍ، وتَرْفَعُها باللام (٦)، كذلك: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ تَرْفَعُه بـ"على" وهو في تأويلِ نصبٍ. قال: ولو كان: ترَكنا عليه سلامًا. كان صوابًا.
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كما فعَلْنا بنوحٍ، مُجازاةً له على طاعتِنا، وصبرِه على أذَى قومِه فى رِضانا ﴿وَنَجَّيْنَاهُ (٧) وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وأبْقَينا عليه ثناءً في
стр. 13303
الآخرين. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي﴾ الذين يُحْسِنون فيُطِيعوننا، وينْتَهون إلى أمرِنا، ويَصْبِرون على الأذى فينا.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: إن نوحًا من عبادِنا الذين آمنوا بنا، فوحَّدُونا، وأخْلَصوا لنا العبادةَ، وأفْرَدونا بالأُلوهةِ.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ثم أَغْرَقُنا حين نجَّيْنا نوحًا وأهلَه من الكربِ العظيمِ، مَن بقِى مِن قومِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾. قال: أنجاه اللهُ ومَن معه في السفينةِ، وأغْرَق بقيةَ قومِه.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن مِن أشياعِ (١) نوحٍ على مِنْهاجِه وملَّتِه واللهِ، لإبراهيمَ خليلَ الرحمنِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13304
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: مِن أَهلِ دينه (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّة، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على مِنْهاجِ نوحٍ وسنَّتِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على مِنْهاجه وسنَّتِه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: على دينه وملَّتِه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾. قال: مِن أهل دينِه (٤).
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (٥) أن معنى ذلك: وإن مِن شيعةِ محمدٍ لإبراهيمَ.
وقال: ذلك مثلُ قولِه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١]. بمعنى: أَنَّا حَمَلْنا ذريةَ مَن هم منه، فجعَلَها ذريةً لهم، وقد سبَقَتهم.
стр. 13305
وقولُه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذ جاء إبراهيم ربَّه بقلبٍ سليمٍ من الشركِ، مُخْلِصٍ له التوحيدَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، واللهِ، مِن الشركِ (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. قال: سليمٍ من الشركِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
قال: لا شكَّ فيه (٢).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ علىٍّ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: يا بَنِىَّ لا تكونوا لَعَّانين، ألم تَرَوْا إلى إبراهيمَ لم يَلْعَنْ شيئًا قطُّ، فقال اللهُ: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٣).
وقولُه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾. [يقولُ: حين قال -يعنى: إبراهيمُ- لأبيه وقومِه: أيَّ شيءٍ تَعْبُدون؟
وقوله] (٤):
﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. يقولُ: أَكَذِبًا معبودًا غيرَ اللَّهِ تُريدون؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي