بما ترَكوا القضاءَ بالعدلِ، والعملَ بطاعةِ اللهِ [﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾] (١). و (٢) "يومَ الحسابِ" من صلةِ العذابِ الشديدِ.
وبنحو الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: هذا من التقديمِ والتأخيرِ، يقولُ: لهم يومَ الحسابِ عذابٌ شديدٌ بما نسُوا (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: نسُوا: ترَكوا (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما خلَقنا السماءَ والأرضَ وما بينهما عَبَثًا ولعبًا (٥)، ما خلَقناهما إلا ليُعْمَلَ فيهما بطاعتِنا، ويُنتهى إلى أمرِنا ونَهْينا.
стр. 13477
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: [إن ظنًّا] (١) أنا خلَقنا ذلك باطلا ولَعِبًا ظَنُّ الذين كفروا بالله فلم يوحِّدوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنَّه لا ينبغى (٢) أن يَعْبَثَ، فيَتَيقَّنوا بذلك أنه لا يخلُقُ شيئًا باطلًا، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. يعنى: مِن نارِ جهنمَ.
وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أنجعَلُ (٣) الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه وعمِلوا بما أمَر الله به، وانتهوا عما نهَاهم، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كالذين يُشرِكون بالله ويعضُونه ويُخالفون أمرَه ونهيَه، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين اتَّقوا الله بطاعته وراقَبوه، فحَذِروا معاصيَه، ﴿كَالْفُجَّارِ﴾. يعني: كالكفارِ (٤) المُنتَهِكِين حرماتِ اللهِ.
وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ : [وهذا القرآن] (٥) كتابٌ أنزَلناه إليك يا محمدُ مباركٌ، ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ليتَدبَّروا حُجَجَ اللهِ التى فيه، وما شرَع فيه مِن شرائعِه، فيَتَّعِظوا ويعمَلوا به.
واختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا﴾ بالياءِ، يعني: ليتَدَبَّرَ هذا القرآنَ مَن أرَسلناك إليه مِن قومِك يا محمدُ. وقَرأه أبو جعفرٍ وعاصمٌ: (لِتَدَبَّرُوا آياته) بالتاءِ (٦)، بمعنى: لتَتَدبَّرَه (٧) أنت يا محمدُ وأتباعُك.
стр. 13478
وأَولى القراءتَين عندَنا بالصوابِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان صَحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَاب﴾. يقولُ: وليعتبرَ أولو العقولِ والحِجا ما في هذا الكتابِ من الآياتِ، فيَرْتدعوا عما هم عليه مُقيمون مِن الضلالةِ، ويَنْتَهُوا إلى ما دَلَّهم عليه مِن الرشادِ وسبيلِ الصوابِ.
وبنحو الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿أُولُوا الأَلْبَبِ﴾ قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولُوا الأَلْبَابِ﴾. قال: أَولو العقولِ مِن الناسِ.
وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنَه ولدًا، [﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. يقولُ (٢): نعم العبدُ سليمانُ، ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إنه رجَّاعٌ إلى طاعةِ اللَّهِ،
стр. 13479
توَّابٌ إليه مما يكرهُه منه. وقيل: إنه عُنى به أنه كثيرُ الذكرِ للهِ والصلاةِ (١).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الأَوَّابُ المُسبِّحُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: كان مُطِيعًا للهِ، كثيرَ الصلاةِ (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى قولَه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: المُسَبِّحُ (٣).
والمُسبِّح قد يكون في الصلاةِ والذكرِ، وقد بَيَّنَّا معنى الأوَّابِ، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه هاهنا (٤).
وقولُه: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: إنه توَّابٌ (٥) إلى اللهِ مِن خطيئتِه التى أخْطأها إذْ عُرض عليه بالعشيِّ الصافناتُ] (٦). ف ﴿إِذْ﴾ مِن صلة ﴿أَوَّابٌ﴾، والصَّافنات جمعُ الصَّافِنِ من الخيل، والأنثى صافِنةٌ، والصافن منها عند بعضِ العرب: الذى يجمعُ بين يديه، ويَثْنِي طَرَفَ سُنْبُكِ إحدَى رجلَيه، وعندَ آخرين: الذي يجمعُ يدَيه، وزعَم الفراءُ أن
стр. 13480
الصافنَ هو القائمُ، يقالُ منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِنُ صُفُونًا (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللهِ: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجَيَادُ﴾. قال: صُفُونُ الفرسِ رَفْعُ إحدى يَدَيْه، حتى يَكونَ على طرفِ الحافِرِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: صَفَن الفرسُ: رفع إحدَى يدَيه، حتى يكونَ على طرَفِ الحافِرِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. يعنى: الخيلَ، وصُفُونُها: قيامُها وبَسْطُها قوائمها (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾. قال: الخيلُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. قال: الخيلُ، أخرجها الشيطان لسليمانَ، مِن مَرْج مِن مُرُوج البحر. قال: الخيلُ والبغالُ والحميرُ تَصْفِنُ، والصَّفْنُ أن تقومَ على ثلاثٍ، وترفعَ رجْلاً واحدةً، حتى يكونَ طرَفُ الحافِرِ على الأرضِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾:
стр. 13481
الخيلُ، وكانت لها أجنحةٌ. وأما ﴿الْجِيَادُ﴾ فإنها السِّراعُ، واحدُها جوادٌ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الْجِيَادُ﴾: السِّراعُ (١).
وذُكر أنها كانت عشرين فَرَسًا ذواتِ أجنحةٍ.
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. قال: كانت عشرين فرسًا ذواتِ أجنحةٍ (٢).
وقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. وفى هذا الكلام محذوفٌ استغنى بدلالةِ الظاهرِ عليه مِن ذكرِه: فلهِىَ عن الصلاةِ حتى فاتَتْه، فقال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾.
ويعنى بقوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾. أي: أحببتُ حبًّا للخيرِ، ثم أُضيف الحبُّ إلى الخيرِ. وعُنِى بالخير في هذا الموضعِ الخيلُ. والعربُ فيما بلَغنى تُسَمِّى الخيلَ الخيرَ، والمالُ أيضًا يُسَمُّونه الخيرَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13482
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾. أي: المالُ والخيلُ، أو الخيرُ مِن المالِ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيان، [عن السُّدِّيِّ] (٢): ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾. قال: الخيلُ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى قوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾. قال: المالُ (٣).
وقوله: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾. يقولُ: إنى أحببتُ حُبَّ الخيرِ، حتى سَهَوتُ عن ذكرِ ربِّي، وأداءِ فريضتِه (٤). وقيل: إن ذلك كان (٥) صلاة العصرِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾: عن صلاة العصر (٦).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى: ﴿عَن ذِكْرِ
стр. 13483
رَبِّي﴾. قال: صلاةِ العصرِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ، قال: ثنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: أخبرنا أبو صخرٍ، أنه سمع أبا معاويةَ البَجَليَّ مِن أهل الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصَّهباء البكريَّ يقولُ: سألتُ عليَّ بن أبى طالبٍ عن الصلاةِ الوسطَى، فقال: هى العصرُ، وهى التى فُتِن بها سليمانُ بن داودَ (٢).
وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. يقولُ: حتى تَوارتِ الشمسُ بالحجابِ، يعني: تَغيَّبت في مَغِيبها.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ (٣)، قال: ثنا ميكائيلُ، عن داودَ بن أبى هندٍ، قال: قال ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. قال: تَوارَت الشمسُ من وراءِ ياقوتةٍ خضراءَ، فخُضْرة السماءِ منها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب﴾: حتى دَلَكَتْ بَرَاحِ (٥). قال قتادةُ: فوالله ما نازعَته بنو إسرائيلَ ولا كابَروه، ولكن وَلَّوه من ذلك ما ولَّاه اللهُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾: حتى غابَت.
стр. 13484
وقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾. يقولُ: رُدُّوا عليَّ الخيلَ التي عُرضت عليَّ، فشَغَلَتني عن الصلاة، فكُرُوها عليَّ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾. قال: الخيلَ.
وقوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. يقولُ: فجعَل يمسحُ منها السُّوقَ -وهي جمعُ الساقِ- والأعناقَ.
واختلَف أهلُ التأويل في معنى مَسْحِ سليمانَ بسُوقِ هذه الخيل الجيادِ وأعناقِها؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنه عقَرها وضرَب أعناقَها، مِن قولِهم: مَسَح علاوتَه. إذا ضرَب عُنُقَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والْأَعْنَاقِ﴾. قال: قال الحسنُ: قال (١): لا، واللهِ لا تَشْغَلَيني عن عبادة ربي آخِرَ ما عليكِ. قال: قولُهما فيه -يعنى قتادةَ والحسنَ- قال: فكَشَف عراقيبَها، وضرَب أعناقها (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾: فضرَب سوقَها وأعناقَها.
стр. 13485
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرٌ بن المفضلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أمر بها فعُقِرت.
وقال آخرون: بل جعَل يمسحُ أعرافَها وعراقيبَها بيدِه؛ حُبًّا لها
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾. يقولُ: جعل يمسحُ أعراف الخيلِ وعراقيبَها؛ حُبًّا لها (١).
وهذا القولُ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ أشبه بتأويل الآيةِ؛ لأن نبيَّ اللَّهِ لَم يَكُنْ إن شاء الله ليعذِّبَ حيوانًا بالعَرْقبةِ، ويُهلك مالًا من ماله بغيرِ سببٍ، سِوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظرِ إليها، ولا ذنبَ لها [في اشتغاله] (٢) بالنظرِ إليها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد ابتَلَينا سليمانَ، وألقينا على كُرْسِيِّه جسدَ شيطانٍ مُمَثَّل بإنسانٍ، ذكروا أن اسمَه صخرٌ. وقيل: إن اسمه آصَفُ. وقيل: إن اسمَه آصر. وقيل: إن اسمَه حبقيقُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13486
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَلْقيْنَا عَلَى كُرسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: هو صخرٌ الجِنِّيُّ، تمثل على كُرْسِيِّه جسدًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. قال: الجسدُ الشيطانُ الذى كان دفَع إليه سليمانُ خاتمَه فقذَفه في البحرِ، وكان مُلْكُ سليمانَ في خاتمِه، وكان اسمَ الجنيِّ صخرٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسن: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانًا (٣).
حدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبير: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانًا (٣).
حدَّثنا ابنُ بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانًا يقال له: آصرُ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٥) عن ابنِ أبى
стр. 13487
نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿[وَأَلْقِينَا] (١) عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: شيطانا يقال له: آصفُ. فقال له سليمانُ: كيف تَفْتِنون الناس؟ قال: أَرِنى خاتَمَكَ أُخْبِرُك. فلما أعطاه إيَّاه نبَذه آصفُ في البحرِ، فساح سليمانُ وذهَب مُلْكُه، وقعَد آصفُ على كُرسيِّه، ومنعه اللهُ نساءَ سليمانَ، فلم يَقْرَبُهِنَّ (٢) وأنكَرْنه، قال: فكان سليمانُ يَسْتَطْعِمُ فَيَقولُ: أَتَعْرِفُونى؟ أَطْعِمُونى، أنا سليمانُ. فيُكَذِّبُونه، حتى أَعْطَتْه امرأةٌ يومًا حوتًا يُطيب بطنَه، فوجد خاتمه في بطنِه، فرجع إليه مُلْكُه، وفرَّ آصف فدخَل البحرَ فارًّا (٣).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال في حديثِه: [ومنَعه الله نساءَ سليمان فلم يقربهن. وقال أيضًا في حديثه] (٤): فيقولُ: لو تَعْرِفونى أَطْعَمْتُمونى (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾. قال: حدَّثنا قتادةُ أن سليمانَ أُمر ببناءِ بيت المقدس، [فقيل له: ابنه] (٦) ولا يُسْمَعُ فيه صوتُ حديد. قال: فطلب ذلك فلم يَقْدِرُ عليه. فقيل له: إن شيطانا في البحرِ يُقال له: صَخرٌ. شَبَهُ المارد. قال: فطلَبه: وكانت عينٌ في البحرِ يَرِدُها في كلِّ سبعة أيام مرةً، فنزح ماؤُها، وجُعِل فيها خمرٌ، فجاء يومُ وروده، فإذا هو بالخمرِ، فقال: إنكِ لشرابٌ طيِّبٌ، إلا أنك تُصْبِين الحليمَ
стр. 13488
وتَزيدين الجاهلَ جهلًا. قال: ثم رجَع حتى عطِش عطشًا شديدًا، ثم أتاها فقال: إنكِ لشرابٌ طيبٌ، إلا أنك تُصْبِين الحليمَ وتَزيدين الجاهلَ جهلًا. قال: ثم شَرِبها حتى غلَبت على عقلِه، قال: فأُرِى الخاتمَ أو خُتِم به بين كتفيه، فذلَّ، قال: فكان مُلكُه في خاتمِه، فأتى به سليمانُ، فقال: إنَّا قد أمِرْنا ببناءِ هذا البيتِ، وقيل لنا: لا يُسْمَعَنَّ فيه صوتُ حديدٍ. قال: فأتى ببيض الهدهدِ، فجعَل عليه زجاجةً. فجاء الهدهُد، فدار حولَها، فجعَل يَرَى بيضه ولا يَقْدِرُ عليه، فذهب فجاء بالماسِ، فوضعه عليه، فقطَعها به، حتى أفضَى إلى بيضِه، فأخذ الماسَ، فجعلوا يَقْطَعون به الحجارةَ، فكان سليمانُ إذا أراد أن يَدْخُلَ الخلاء أو الحمَّامَ لم يَدْخُلُ بخاتمِه، فانطَلَق يومًا إلى الحمَّامِ، وذلك الشيطانُ صخرٌ معه، وذلك عند مقارفةِ ذنب قارَف فيه بعضَ نسائِه. قال: فدخَل الحمَّامَ (١)، وأعطى الشيطانَ خاتمَه، فألقاه (٢) في البحرِ، فالتقمَته سمكةٌ، ونُزع مُلكُ سليمانَ منه، وأُلْقِى على الشيطانِ شَبَه سليمان. قال: فجاء فقعد على كرسيِّه وسريره، وسُلِّط على مُلكِ سليمان كله غيرَ نسائِه. قال: فجعَل يَقْضى بينَهم، وجعلوا يُنكرون منه أشياءَ، حتى قالوا: لقد فُتِن نبيُّ الله. وكان فيهم رجلٌ يُشَبِّهونَه بعمرَ بن الخطَّابِ في القوَّةِ، فقال: واللَّهِ لأُجَرِّبَنَّه. قال: فقال له: يا نبيَّ الله، وهو لا يرى إلا أنه نبيُّ الله، أحدنا تُصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيَدَعُ الغُسْل عمدًا حتى تَطْلُعَ الشمسُ، أَتَرى عليه بأسًا؟ قال: لا. قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلةً حتى وجد نبيُّ اللهِ خاتمه في بطنِ سمكةٍ، فأقبل فجعَل لا يَسْتَقْبِلُه جنيٌّ ولا طيرٌ إلا سجَد له، حتى انتهَى إليهم: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: هو الشيطانُ صخرٌ (٣).
стр. 13489
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾. قال: لقد ابْتَلَيْناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾. قال: الشيطان حين جلس على كرسيِّه أربعين يوما. قال: كان لسليمان مائة امرأةٍ، وكانت امرأةٌ مِنْهن يُقال لها: جرادةُ. وهى آثر (١) نسائِه عندَه، وآمَنُهنَّ عندَه، وكان إذا أجنَب أو أتى حاجةً نزَع خاتمَه، ولم يَأْتَمِن عليه أحدًا من الناسِ غيرَها، فجاءته يومًا من الأيامِ، فقالت: إن أخى بينَه وبينَ فلان خصومةٌ، وأنا أحبُّ أن تَقْضِيَ له إذا جاءك. فقال لها: نعم. ولم يَفْعَلْ، فابتُلِى فأعطاها خاتمه، ودخَل المخرجَ، فخرَج الشيطانُ في صورتِه، فقال (٢): هاتى الخاتَم. فأعطَته، فجاء حتى جلَس على مَجْلِسِ سليمانَ، وخرَج سليمانُ بعد، فسألها أن تُعْطِيه خاتمه، فقالت ألم تَأْخُذْه قبلُ؟ قال: لا. وخرج من (٣) مكانه تائهًا، قال: ومكَث الشيطانُ يَحْكُمُ بينَ الناسِ أربعين يومًا. قال: فأنكر الناسُ أحكامَه، فاجتمع قرأةُ بني إسرائيلَ وعلماؤهم، فجاءوا حتى دخَلوا على نسائِه، فقالوا: إنَّا قد أنكَرْنا هذا، فإن كان سليمانَ، فقد ذهَب عقلُه، وأنكَرْنا أحكامَه. قال: فبكى النساءُ عند ذلك. قال: فأقبَلوا يَمشون حتى أَتَوه، فأحدقوا به، ثم نَشَروا فقرءوا التوراةَ. قال: فطار من بين أيديهِم حتى وقَع على شرفةٍ والخاتم معه، ثم طار حتى ذهَب إلى البحرِ، فوقع الخاتم منه في البحرِ، فابتلعه حوتٌ من حِيتانِ البحرِ. قال: وأقبل سليمان في حالِه التي كان فيها حتى انتَهى إلى صيَّادٍ من صيَّادِى البحر وهو جائعٌ، وقد اشتدَّ جوعُه، فاستطعَمه (٤) مِن صيدِهم (٥). قال: إني أنا سليمانُ. فقام إليه
стр. 13490
بعضُهم فضربه بعضًا فشجَّه، فجعَل يَغْسِلُ دمه وهو على شاطئ البحرِ، فلام الصيَّادون صاحبَهم الذى ضرَبه، فقالوا: بئس ما صنعت حيثُ ضَرَبْتَه. قال: إنه زعَم أنه سليمانُ. قال: فأعطَوه سمَكتَيْنِ، مما قد مذِر (١) عندَهم، فلم يَشْغَلْه ما كان به من الضرب (٢) حتى قام إلى شطِّ البحرِ، فشقَّ بطونَهما، وجعَل يَغْسِلُ، فوجَد خاتمه في بطنِ إحداهما، فأخَذه فلبِسه، فردَّ اللهُ عليه بهاءَه ومُلْكَه، وجاءت الطيرُ، حتى حامَت عليه، فعرَف القومُ أنه سليمانُ، فقام القومُ يَعْتَذِرون مما صنَعوا، فقال: ما أَحْمَدُكم على عذرِكم، ولا أَلومُكم على ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بدَّ منه. قال: فجاء حتى أتى، مُلْكَه، فأرسَل إلى الشيطانِ، فجيء به، وسُخِّر له الريحُ والشياطينُ يومئذٍ، ولم تَكُنْ سخّرت له قبلَ ذلك، وهو قولُه: ﴿وَهَبْ لِي مُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. قال: وبعَث إلى الشيطانِ، فأُتِى به (٣)، فأمرَ به فجُعِل في صندوق من حديدٍ، ثم أطبق عليه، فأقفَل عليه بقُفْلٍ، وختَم عليه بخاتمِه، ثم أمَر به، فأُلقى في البحرِ، فهو فيه حتى تَقُومَ الساعةُ، وكان اسمُه حبقيقَ (٤).
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمانُ، فرجَع إلى ملكِه من بعدِ ما زال عنه ملكُه فذهَب.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13491
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن المحاربيِّ، عن عبدِ الرحمنِ، عن جوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. قال: دخل سليمانُ على امرأةٍ تَبِيعُ السمكَ، فاشترى منها سمكةً فشقَّ بطنَها، فوجد خاتمه فجعَل لا يَمُرُّ على شجرةٍ (١) ولا على (٢) حجرٍ ولا شيءٍ إلا سجَد له، حتى أتى مُلْكَه وأهلَه، فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾. يقولُ: ثم رجَع (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾، وأقبَل، يعني: سليمانُ (٤).
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكًا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال سليمان راغبًا إلى ربِّه: ربِّ استُرْ عليَّ ذنبي الذي أذنَبْتُ بيني وبينك، فلا تعاقبنى به، ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يَسْلُبْنِيه أحدٌ كما سلَبنيه قبل هذا (٥) الشيطانُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى﴾. يقولُ: مُلْكًا لا أُسلَبُه كما سُلِبتُه (٤).
стр. 13492
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُوجِّهُ معنى قوله: ﴿لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ إلى: أن لا يكون لأحدٍ من بعدِى، كما قال ابنُ أحمرَ (١):
ما أُمُّ غُفْرٍ على دَعْجَاءِ ذى عَلَقٍ … يَنْفى القراميدَ عنها الأَعصَمُ الوَقِلُ
في رأسِ خَلْقاءَ (٢) من عَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ … لا يَنْبَغِي (٣) دونَها سَهْلٌ ولا جَبَلٌ
بمعنى: لا يكونُ فوقها سهلٌ ولا جبلٌ أحصنَ منها.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. يقولُ: [إنك وهابُ] (٤) ما تَشاءُ لمن تَشَاءُ، بيدِك خزائنُ كلّ شيءٍ، تَفْتَحُ مِن ذلك ما أردتَ لمن أردتَ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فاستجَبْنا له دعاءه، فأعطيناه مُلكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ مِن بعده، ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ مكانَ الخيلِ التي شغَلته عن الصلاةِ، ﴿تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. يعنى: رَخوةً ليِّنةً، وهى من الرَّخاوةِ.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، أَنَّ نبيَّ اللهِ سليمانَ لما عُرِضت عليه الخيلُ، فشغَله النظرُ إليها عن صلاةِ العصرِ حتى توارَتْ بالحجابِ، فغضِب للهِ، فأمر بها فعُقِرت، فأبدَلَه الله مكانَها أسرعَ منها؛ سخَّر الريحَ تجرِى بأمرِه رُخاءً حيثُ شَاءَ، فكان يَغدو من إيلياءَ
стр. 13493
ويَقِيلُ بقَزْوِينَ، ثم يَرُوحُ من قزوينَ ويَبِيتُ بكابُلَ (١).
حدثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾: فإنه دعا يومَ دعا، ولم يَكُنْ في مُلكه الريحُ وكلُّ بنّاءٍ وعَوَّاصٍ من الشياطين، فدعا ربَّه عند توبته واستغفارِه، فوهَب الله له ما سأل، فتمَّ مُلكه.
واختلف أهل التأويل في معنى الرُّخاءِ؛ فقال فيه بعضُهم نحو الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. قال: طَيِّبةً.
حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد بنحوه (٢).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: سريعةً طيبةً. قال: ليست بعاصفٍ ولا بطيئةٍ (٣).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رُخَاءً﴾. قال: الرُّخاءُ اللَّيِّنة (٣).
стр. 13494
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ في قولِ ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: ليست بعاصفةٍ، ولا الهيِّنةِ، بينَ (١) ذلك رُخاءٌ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: مُطيعةٌ لسليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿رُخَاءً﴾. يقولُ: مُطيعةً له (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. قال: يعنى بالرُّخاءِ: المطيعةَ (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾. قال: مُطيعةً (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقولُ في قولِه: ﴿رُخَاءً﴾. يقولُ: مطيعةً (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿رُخَاءً﴾. قال: طوعًا (٦).
стр. 13495
وقوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد، من قولِهم: أصاب اللهُ بك خيرًا. أي: أراد اللهُ بك خيرًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد انتَهى عليها (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ شاء (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ أراد (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾.
قال: إلى حيثُ أراد (٥).
стр. 13496
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. يقولُ: حيثُ أراد (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾: أي حيثُ أراد (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ أراد (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾. قال: حيثُ أراد.
وقولُه: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا له الشياطينَ، فسلَّطناه عليها مكانَ ما ابتلَيْناه بالذي ألقَيْنا على كرسيِّه منها، يَسْتَعْمِلُها فيما شاء من أعمالِه، من بنَّاءٍ وغَوَّاصٍ، فالبُناةُ منها يَصْنَعون مَحاريبَ وتماثيلَ، والغاصَةُ يَسْتَخْرِجون له الحُلِيَّ من البحارِ، وآخرون يَنْحِتون له جِفانًا وقُدُورًا، والمردةُ في الأغلالِ مُقَرَّنون.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. قال: يَعْمَلون له ما يشاءُ من محاريبَ وتماثيلَ، ﴿وَغَوَّاصٍ﴾ يَسْتَخْرِجون الحُلِيَّ من البحرِ، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. قال: مَرَدَةَ الشياطينِ في الأغلالِ (٤).
стр. 13497
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾. قال: لم يَكُنْ هذا في مُلْكِ داودَ، أعطاه اللهُ مُلكَ داودَ وزاده الريحَ والشياطينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وغوّاصٍ.
﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. يقولُ: في السلاسلِ.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿الْأَصْفَادِ﴾. قال: تَجْمَعُ اليدينِ إلى عنقِه (١).
والأصفادُ جمعُ "صَفَدٍ"، وهى الأغلالُ.
وقولُه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في المشارِ إليه بقولِه: ﴿هَذَا﴾ من العطاءِ، وأيُّ عطاءٍ أُرِيد بقولِه: ﴿عَطَاؤُنَا﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى به (٢) الملكُ الذي أعطاه اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: قال الحسنُ: الملكُ الذي أعطَيْناك، فأَعْطِ ما شئْتَ، وامنَعْ (٣) ما شئتَ (٤).
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾: هذا مُلْكُنا (٥).
стр. 13498
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك تسخيرُه له الشياطينَ. قالوا: ومعنى الكلامِ: هذا الذي أعطَيْناك من كلِّ بنَّاءٍ وغَوَّاصٍ، من الشياطينِ وغيرِهم، عطاؤُنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: هؤلاء الشياطينُ، احبِسْ مَن شئْتَ منهم في وَثاقِك وفي عذابِك، أو سرِّحْ مَن شئْتَ منهم تَتَّخِذْ عندَه يدًا، اصنَعْ ما شئْتَ (١).
وقال آخرون: بل ذلك ما كان أُوتى من القوَّةِ على الجِماعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن أبي يوسفَ، عن سعدِ (٢) بن طريفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان سليمانُ في ظهرِه ماءُ مِائَةِ رجلٍ، وكان له ثلاثُمِائةِ امرأةٍ، وتسعُمِائةِ سُرِّيَّةٍ، ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣).
وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن الحسنِ والضحَّاكِ، من أنه عَنَى بالعطاءِ ما أَعْطَاه من المُلْكِ تعالى ذكرُه؛ وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر ذلك عَقِيبَ خبرِه عن مسألةِ نبيِّه سليمانَ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه إياه مُلْكًا لا يَنْبَغي لأحدٍ من بعدِه، فأخبرَ أنه سخَّر له ما لم يُسَخِّرْ لأحدٍ من بني آدمَ، وذلك تسخيرُه له الريحَ والشياطينَ على ما وصَف (٤)، ثم قال له عزَّ ذكرُه: هذا الذي
стр. 13499
أعطَيْناك من المُلكِ، وتسخيرِنا ما سخَّرنا لك - عطاؤُنا، وهِبَتُنا (١) لك ما سأَلْتَنا أن نَهِبَه لك من المُلكِ الذي لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِك، ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فأَعْطِ مَن شئْتَ ما شئتَ من المُلكِ الذي آتيناك، وامنَعْ من شئتَ منه ما شئتَ، لا حسابَ عليك في ذلك (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: المُلكُ الذي أعطَيْنَاكَ، فَأَعْطِ ما شئْتَ وامنَعْ ما شئْتَ، فليس عليك (٣) تَبِعةٌ ولا حسابٌ (٤).
حُدِّثتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: سأل مُلكًا هنيئًا (٥)، لا يُحاسَبُ به يومَ القيامةِ، فقال: ما أَعطيتَ وما أَمْسَكْتَ، فلا حرَجَ عليك (٦).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: أَعْطِ أو أَمْسِكْ، فلا حسابَ عليك (٧).
стр. 13500
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَامْنُنْ﴾. قال: أعْطِ أو أَمسِكْ بغيرِ حسابٍ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أَعْتِقْ مِن هؤلاء الشياطينِ - الذين سخَّرناهم لك من الخدمةِ أو من الوَثاقِ، ممن كان منهم مُقَرَّنًا في الأصفادِ - مَن شئتَ، واحبِسْ مَن شئتَ، فلا حرَجَ عليك في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: هؤلاء الشياطينُ، احبِسْ مَن شئْتَ منهم في وثاقِك وفي عذابِك، وسرِّحْ مَن شئْتَ منهم تتَّخِذْ عندَه يدًا، اصنَعْ ما شئْتَ لا حسابَ عليك في ذلك (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. يقولُ: أَعتِقْ من الجنِّ مَن شئْتَ، وأَمسِكْ مَن شئتَ (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَامْنُنْ أَوْ
أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال: تَمُنُّ على مَن تشاءُ منهم فتُعْتِقُه، وتُمْسِكُ مَن شئتَ
فتَسْتَخْدِمُه. ليس عليه في ذلك حسابٌ (٤).
стр. 13501
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هذا الذي أعطَيْناك من القوَّةِ على الجماعِ عطاؤُنا، فجامِعْ مَن شئْتَ من نسائِك وجَوَارِيك، ما شئْتَ بغيرِ حسابٍ، واترُكْ جِماعَ مَن شئتَ منهنَّ.
وقال آخرون: بل (١) ذلك من المقدَّمِ والمؤخَّرِ، ومعنى الكلامِ: هذا عطاؤُنا بغيرِ حسابٍ، فامْنُنْ أو أَمْسِكْ. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (هذا فامنن أو أمسك عطاؤنا بغير حساب).
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريِّين يقولُ (٢): في قولِه: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣) وجهان؛ أحدُهما: بغيرِ جزاءٍ ولا ثوابٍ، والآخرُ: منةٍ ولا قلةٍ.
والصوابُ من القولِ في ذلك ما ذكَرْتُه عن أهلِ التأويلِ من أن معناه: لا يُحاسبُ على ما أُعْطى من ذلك الملكِ والسلطانِ.
وإنما قلْنا ذلك هو الصوابُ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ عليه.
وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يقولُ: وإن لسليمانَ عندَنا لقُربةً؛ بإنابتِه إلينا وتوبتِه وطاعتِه لنا. ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. يقولُ: وحُسنَ مَرْجِعٍ ومصيرٍ في الآخرةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. أي: مصيرٍ (٤).
إن قال لنا قائلٌ: وما وَجْهُ رغبةِ سليمانَ إلى ربِّه في الملكِ وهو نبيٌّ من الأنبياء،
стр. 13502
وإنما يَرْغَبُ في الملكِ أهلُ الدنيا المؤثِرُون لها على الآخرةِ؟ أم ما وَجْهُ مسألتِه إياه إذ سأَله ذلك مُلْكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِه؟ وما كان يَضُرُّه أن يكونَ كلُّ مَن بعدَه يُؤْتَى (١) مثلَ الذي أُوتى من ذلك؟ أكان به بخلٌ بذلك، فلم يَكُنْ مِن مُلكِه، يُعْطَى ذلك مَن يُعْطاه أم حسدٌ للناسِ؟! - كما ذُكِر عن الحجاجِ بن يوسفَ (٢)؛ فإنه ذُكِرَ أنه قرَأ قولَه: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. فقال: إن كان لَحَسودًا - فإن ذلك ليس من أخلاقِ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهم؟! قيل: أَمَّا رغبَتُه إلى ربِّه فيما رغِب إليه من المُلكِ، فلم تكُنْ إن شاء اللهُ به رغبةٌ في الدنيا، ولكن إرادةٌ منه أن يَعْلَمَ منزلتَه من اللهِ، في إجابتِه فيما رغِبَ إليه فيه، وقبولِه توبتَه وإجابتِه دعاءَه.
وأما مسألتُه ربَّه مُلكًا لا يَنْبَغى لأحدٍ من بعدِه؛ فإنا قد ذكَرْنا فيما مضى قبلُ قولَ مَن قال: إن معنى ذلك: هبْ لى مُلكًا لا أُسْلَبُه كما سُلِبتُه قبلُ (٣). وإنما معناه عندَ هؤلاء: هبْ لى مُلْكًا لا يَنْبَغِى لأحدٍ من بعدِى أَن يَسْلُبَنيه. وقد يَتَّجِهُ ذلك أن يكونَ بمعنى: لا يَنْبَغى لأحدٍ سِواىَ من أهلِ زمانى، فيكونَ حجةً وعلَمًا لى على نُبُوَّتى، وأَنِّي [رسولٌ لك] (٤) إليهم مبعوثٌ؛ إذ كانت الرسلُ لا بدَّ لها من أعلامٍ تُفارقُ بها سائرَ الناسِ سواهم. ويتَّجِهُ أيضًا لأن يكونَ معناه: وهبْ لي مُلْكًا تَخُصُّنى به، لا تُعْطِيه أحدًا غيرِى، تشريفًا منك لى بذلك وتكرمةً؛ لتُبيِّنَ منزلتى منك به من منازلِ مَن سِواىَ. وليس في وجهٍ من هذه الوجوه مما ظنَّه الحجاجُ في معنى ذلك شيءٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ
стр. 13503
الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَاذْكُرْ﴾ أيضًا يا محمدُ ﴿عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ مستغيثًا به فيما نزَل به من البلاءِ: يا ربِّ، إِنِّي مسَّنِى الشيطانُ بنُصْبٍ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِنُصْبٍ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا أبي جعفرٍ القارئَ: ﴿بِنُصْبٍ﴾، بضمِّ النونِ وسكونِ الصادِ. وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ بضمِّ النونِ والصادِ كليهما، وقد حُكِى عنه بفتحِ النونِ والصادِ (١). والنُّصْبُ والنَّصَبُ بمنزلةِ الحُزْنِ والحَزَنِ، والعُدْمِ والعَدَمِ، والرُّشْدِ والرَّشَدِ، والصُّلْبِ والصَّلَبِ.
وكان الفرَّاءُ (٢) يقولُ: إذا ضُمَّ أولُه لم يُثَقَّلْ؛ لأنهم جعَلوهما على سَمْتَين؛ إذا فتَحوا أولَه ثَقَّلُوا، وإذا ضَمُّوا أولَه خفَّفُوا. قال: وأنشَدني بعضُ العربِ:
لئن بَعَثَتْ أُمُّ الحُمَيدَينِ مائِرًا … لقد غَنِيَتْ فِي غَيرِ بُؤْسٍ ولا جُحْدِ
من قولِهم: جحِد عيشُه. إذا ضاق واشتدَّ، قال: فلما قال: "جُحْد" خفَّف.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريين (٣): النُّصْبُ من العذابِ. وقال: العربُ تقولُ: أَنْصَبني. عذَّبنى وبرَّح بي، قال: وبعضُهم يقولُ: نَصَبَنى.
واستشهَد لقيلِه ذلك بقولِ بشرِ بن أبى خازمٍ (٤):
تعَنَّاكَ نُصْبٌ من أُمَيْمَةَ مُنْصِبُ … كذِى الشَّجْوِ (٥) لمَّا يَسْلُه وسَيَذْهَبُ
стр. 13504
وقال: يعنى بالنُّصْبِ البلاءَ والشرَّ.
ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ (١):
كِلِيني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ … وليلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ
قال: والنَّصَبُ إذا فُتحت وحُرِّكت حروفُها كانت من الإعياءِ، والنَّصْبُ إذا فُتِح أولُه وسُكِّن ثانيه واحدةُ أنصابِ الحرمِ، وكلُّ ما نُصِب علمًا. وكأن معني النُّصْبِ في هذا الموضِعِ العلةُ التي نالته في جسدِه، والعناءُ الذي لاقَى فيه، والعذابُ في ذهابِ مالِه.
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا (٢) ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك الضمُّ في النونِ، والسكونُ في الصادِ.
وأما التأويلُ، فبنحوِ الذي قلْنا فيه قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾، حتى بلَغ: ﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾: ذهابِ المالِ والأهلِ، والضرِّ الذي أصابه في جسدِه، قال: ابتُلي سبعَ سنينَ وأشهرًا، مُلْقًى على كُناسةٍ لبنى إسرائيلَ، تخْتَلِفُ الدوابُّ في جسدِه، ففرَّج اللهُ عنه، وعظَّم له الأجرَ، وأحسَن عليه الثناءَ (٣).
стр. 13505
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. قال: نُصْبٍ في جسدى، وعذابٍ في مالي (١).
حُدِّثْتُ عن المحاربيِّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾. يعنى: البلاءَ في الجسدِ، ﴿وَعَذَابٍ﴾، قولُه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، ومعنى الكلامِ: إذ نادى ربَّه مُستغِيثًا به، أَنِّي مسَّنى الشيطانُ ببلاءٍ في جسدى، وعذابٍ بذهابِ مالي وولدى، فاستجَبْنا له، وقلْنا له: اركُضْ برجلِك الأرضَ. أي حرِّكْها وادفَعْها برجلِك. والرَّكْضُ حركةُ الرِّجلِ. يقالُ منه: رُكِضَت (٢) الدابةُ. و: لا تَرْكُضُ ثوبَك برجلِك.
وقيل: إن الأرضَ التي أُمِر أيوبُ أن يركُضَها برجلِه الجابيةُ (٣).
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾.
الآية، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ؛ أرضًا يقالُ لها: الجابيةُ (٤).
وقولُه: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. ذُكِر أنه نبَعَت له حينَ ضرَب برجلِه الأرضَ عينان، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى.
стр. 13506
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ضرَب برجلِه الأرضَ، فإذا عينان تَنْبُعان، فشرِب من إحداهما، واغتَسَل من الأخرى (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. قال: فركَض برجلِه، فانفجَرت له عينٌ، فدخَل فيها واغتَسَل، فأذهَب اللهُ عنه كلَّ ما كان به من البلاءِ.
حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في قولِ اللهِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾: فركَض برجلِه، فنبَعت عينٌ، [فاغتَسَل منها، ثم مشى نحوًا من أربعين ذراعًا، ثم ركَض برجلِه، فنبَعت عينٌ] (٢)، فشرِب منها، فذلك قولُه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (٣).
وعُنِى بقولِه: ﴿مُغْتَسَلٌ﴾: ما يُغتَسَلُ به من الماءِ، يقالُ منه: هذا مُغْتَسَلٌ وغَسُولٌ. للذى (٤) يُغْتَسلُ به من الماءِ.
وقولُه: ﴿وَشَرَابٌ﴾. يعنى: ويَشْرَبُ منه. والموضِعُ الذي يُغْتَسَلُ فيه يُسَمَّى مُغْتَسَلًا.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾.
стр. 13507
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. وقد ذكَرْنا اختلافَهم في ذلك والصوابَ من القولِ عندَنا فيه في سورةِ "الأنبياءِ"، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
فتأويلُ الكلامِ: فاغتَسَل وشرِب، ففرَّجنا عنه ما كان فيه من البلاءِ، ووهَبْنا له أهلَه من زوجةٍ وولدٍ: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا﴾ له (٢) ورأفةً، ﴿وَذِكْرَى﴾. يقولُ: وتذكيرًا لأولى العقولِ؛ ليعتَبِروا بها فيتَّعِظوا.
وقد حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني نافعُ بنُ يزيدَ، عن عُقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن نبيَّ اللهِ أيوبَ لبِث به بلاؤُه ثمانيَ عشْرةَ سنةً، فرفَضه القريبُ والبعيدُ إلا رجلان (٣) من إخوانِه، كانا من أخصِّ إخوانِه به، كانا يَغْدُوَان إليه ويَرُوحان، فقال أحدُهما لصاحبِه: تَعْلَمُ واللهِ لقد أذنَب أيوبُ ذَنْبًا ما أذنَبه أحدٌ من العالمين. قال له صاحبُه: وما ذاك؟ قال: ثمانيَ عشرةَ سنةً لم يَرْحَمْهُ اللهُ، فيَكْشِفَ ما به. فلما راحا إليه لم يَصبرِ الرجلُ حتى ذكَر ذلك له، فقال أيوبُ: لا أَدْرى ما تَقولُ، غيرَ أن الله يَعْلَمُ أنى كُنْتُ أمُرُّ على الرجلين يَتَنازعان فيَذْكُران الله فَأَرجِعُ إلى بيتى فأُكَفِّرُ عنهما، كراهيةَ أن يُذْكَرَ اللهُ إلا في حقٍّ. قال: وكان يَخرُجُ إلى حاجتِه، فإذا قضاها أَمْسَكَت امرأتُه بيدِه حتى يَبْلُغَ، فلما كان ذاتَ يومٍ أبطَأ عليها، وأُوحِيَ إلى أيوبَ في مكانِه: أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾. فاستبطَأَته، فتلقَّته تَنْظُرُ، وأقبَل عليها قد أذهَب اللهُ ما به من البلاءِ، وهو على أحسنِ ما كان، فلما رأَته
стр. 13508
قالت: أي بارَك اللهُ فيك، هل رأيتَ نبيَّ اللهِ هذا المُبْتَلَى؟ فواللهِ على ذلك ما رَأَيتُ أحدًا أشبهَ به منك إذ كان صحيحًا. قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أَنْدَرانِ (١)؛ أندرٌ للقمحِ، وأندرٌ للشعيرِ، فبعَث اللهُ سحابَتَينِ، فلما كانت إحداهما على أَنْدَرِ القمحِ، أفرَغت فيه الذهبَ حتى فاض، وأفرَغت الأخرى في أندرِ الشعيرِ الورِقَ حتى فاض" (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ وقتادةُ: فأحياهم (٣) اللهُ بأعيانِهم، وزاده (٤) مثلَهم معهم (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ جبيرٍ، قال: لما ابتُلى أيوبُ النبيُّ ﷺ بمالِه وولدِه وجسدِه، وطُرِح في المزبلةِ، جعَلتِ امرأتُه تَخْرُجُ تَكْسِبُ عليه ما تُطْعِمُه، فحسَده الشيطانُ على ذلك، وكان يأتى أصحابَ الخبزِ والشِّواءِ الذين كانوا يَتَصدَّقون عليها، فيقولُ: اطرُدوا هذه المرأةَ التي تَغْشَاكم، فإنها تُعالِجُ صاحبَها وتَلْمَسُه بيدِها، فالناسُ يتَقَذَّرون طعامَكم من أجلِ أنها تَأتيكم وتَغْشَاكم على ذلك، وكان يَلْقاها إذا خرَجت كالمحزونِ لما لقِىَ أيوبُ، فيقولُ: لجَّ صاحبُك، فأبى إلا ما أتى، فواللهِ لو
стр. 13509
تَكَلَّمَ بكلمةٍ واحدةٍ لكُشِف عنه كلُّ ضرٍّ، ولرجَع إليه مالُه وولدُه. فتَجِيءُ فتُخْبِرُ أيوبَ، فيقولُ لها: لَقِيَكِ عدوُّ الله فلقَّاك هذا الكلامَ، ويلَكِ إنما مثلُك كمثلِ المرأةِ الزانيةِ إذا جاء صديقُها بشيءٍ، قبَّلته وأدخَلته، وإن لم يَأْتِها بشيءٍ طرَدته وأغلَقت بابَها عنه؛ لمَّا أعطانا اللهُ المالَ والولدَ آمنَّا به، وإذا قبَض الذي له منا نَكْفُرُ به، ونُبَدِّلُ غيرَه؛ إن أقامني اللهُ من مرضى هذا لأجْلِدَنَّك مائةً. قال: فلذلك قال الله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١).
وقولُه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. يقولُ: وقلْنا لأيوبَ: خُذْ بيدِك ضغثًا. وهو ما يُجْمَعُ من شيءٍ، مثلُ حُزْمَةِ الرُّطْبَةِ، وكملءِ الكفِّ من الشجرِ أو الحشيشِ والشماريخِ، ونحوِ ذلك مما قام على ساقٍ، ومنه قولُ عوفِ بن الخَرِعِ (٢):
وأسفلَ مِنِّي نَهْدةً قد ربَطتُها … وأَلْقَيتُ ضِغْثًا من خَلًى (٣) مُتَطَيَّبِ
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. يقولُ: حُزْمةً (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. قال: أُمِر أن
стр. 13510
يَأْخُذَ ضِغْثًا من رُطبةٍ بقدرِ ما حلَف عليه، فيَضْرِبَ به.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. قال: عِيدانًا رَطْبةً.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المهاجرِ، عن أبيه، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. قال: هو الأَثْلُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ الآية، قال: كانت امرأتُه قد عرَضت له بأمرٍ، وأرادها إبليسُ على شيءٍ، فقال: لو تكلَّمتِ بكذا وكذا. وإنما حمَلها عليها الجزَعُ، فحلَف (٢) لئن شفاه اللهُ ليَجْلِدَنَّها مِائةَ جلدةٍ، قال: فأُمِر بغصنٍ فيه تسعةٌ وتسعون قضيبًا، والأصلُ تكملةُ المِائةِ، فضرَبها ضربةً واحدةً، فأبرَّ نبيُّ اللهِ، وخفَّف اللهُ عن أَمَتِه، واللهُ رحيمٌ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾. يعنى: ضِغْثًا من الشجرِ الرَّطْبِ، كان حلَف على يمينٍ، فأخَذ من الشجرِ عددَ ما حلَف عليه، فضرَب به ضربةً واحدةً فبرَّت يمينُه، وهو اليومَ في الناسِ يمينُ أيوبَ، مَن أخَذ بها فهو حسنٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. قال: ضِغْثًا واحدًا من الكلأِ فيه أكثرُ من مائةِ
стр. 13511
عودٍ، فضرَب به ضربةً واحدةً، فذلك مائةُ ضربةٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ جُبَيرٍ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾. [يعنى بالضِّغْثِ القبضةَ من المكانسِ] (١)(٢).
[وقولُه: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾] (٣). يقولُ: فاضرِبْ زوجتَك بالضِّغْثِ، لتَبَرَّ في يمينِك التي حلَفت بها عليها أن تَضْربَها. ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾. يقولُ: ولا تحنثْ في يمينِك.
وقولُه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. يقولُ: إنا وجَدْنا أيوبَ صابرًا على البلاءِ، لا يحمِلُه البلاءُ على الخروجِ عن طاعةِ اللهِ والدخولِ في معصيتِه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إنه إلى طاعةِ اللهِ مقبلٌ، وإلى رِضاه رَجَّاعٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا (٤) إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿عِبَادَنَا﴾؛ فقرَأته قرأةُ الأمصارِ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا﴾. على الجماعِ غيرَ ابن كثيرٍ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأه: (واذكُرْ عبدَنا). على التوحيدِ (٥)، كأنه يُوجِّهُ الكلامَ إلى أن إسحاقَ ويعقوبَ من ذرِّيةِ إبراهيمَ، وأنهما
стр. 13512
ذُكِرا من بعدِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، سمِع ابنَ عباسٍ يَقْرَأُ: (واذكُرْ عبدَنا إبراهيمَ (١)). قال: إنما ذكِر إبراهيمُ، ثم ذُكِر ولدُه بعدَه (٢).
والصوابُ عندَنا في ذلك من القراءةِ (٣) قراءةُ مَن قرَأه على الجماعِ، على أن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ بيانٌ عن العبادِ، وترجمةٌ عنهم (٤)؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
وقولُه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. ويعنى بالأيدى القوَّةَ، يقولُ: أهلَ القوةِ على عبادةِ اللهِ وطاعتِه. ويعنى بالأبصارِ أنهم أهلُ أبصارِ القلوبِ، يعنى به: أولى العقولِ للحقِّ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك نحوًا مما قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: أولى القوةِ والعبادةِ، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: الفقهِ في الدينِ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 13513
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: فُضِّلوا بالقوَّةِ والعبادةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: القوَّةِ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: القوةِ في أمرِ اللهِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: الأيدى: القوةُ في أمرِ اللهِ، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: العقولِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾. قال: القوةِ في طاعةِ اللهِ. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: قال: البصرِ في الحقِّ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: أُعطوا قوةً في العبادةِ، وبصرًا في الدينِ (٤).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أُولِي
стр. 13514
الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ في طاعةِ اللهِ. ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾: البصرِ بعقولِهم في دينِهم (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾. قال: الأيدى: القوةُ، والأبصارُ: العقولُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما الأيدى من القوةِ، والأيدى إنما هي جمعُ يدٍ، واليدُ جارحةٌ؟ وما العقولُ من الأبصارِ، وإنما الأبصارُ جمعُ بصرٍ؟ قيل: إن ذلك مَثَلٌ. وذلك أن باليدِ البطشَ، وبالبطشِ تُعرَفُ قوَّةُ القَوِيِّ؛ فلذلك قيل للقويِّ: ذو يَدٍ. وأما البصرُ فإنه عنَى به بصرَ القلبِ، وبه تُنالُ معرفةُ الأشياءِ، فلذلك قيل للرجلِ العالمِ بالشيءِ: بصيرٌ به. وقد يُمكِنُ أن يكونَ عنَى بقولِه: ﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾: أولى الأيدى عندَ اللهِ بالأعمالِ الصالحةِ. فجعَل اللهُ أعمالَهم الصالحةَ التي عمِلوها في الدنيا أيديًا لهم عندَ اللهِ، تمثيلًا لها باليدِ تكونُ عندَ (٢) الرجلِ لآخرَ.
وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ أنه كان يقرؤُه: (أُولى الأَيدِ) بغيرِ ياءٍ (٣). وقد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك من التأييدِ، وأن يكونَ بمعنى الأيدى، ولكنه أسقَط منه الياءَ، كما قيل: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ [ق: ٤١]. بحذفِ الياءِ (٤).
وقولُه: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا خصَصْناهم بخاصةٍ ذكرى الدارِ.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ
стр. 13515
المدينةِ: (بخالِصَةِ ذِكرَى الدَّارِ) (١). بإضافةِ "خالصةِ" إلى "ذكرى الدارِ". بمعنى أنهم أُخلِصوا بخالصةِ (٢) الذكرى، و"الذكرى" إذا قُرِئ كذلك غيرُ "الخالصةِ"، كما "المتكبرُ" إذا قُرِئ: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٣٥]. بإضافةِ "القلبِ" إلى "المتكبرِ"، هو الذي له القلبُ وليس بالقلبِ. وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ العراقِ: ﴿بِخَالِصَةِ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. بتنوينِ قولِه: "خالصةٍ"، وردِّ ﴿ذِكْرَى﴾ عليها (٣). على أن الدارَ هي الخالصةُ، فردُّوا "الذكرى" وهي معرفةٌ على "خالصةٍ" وهى نكرةٌ، كما قيل: ﴿لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ﴾ [ص: ٥٥، ٥٦]. فردَّ "جهنمَ" وهى معرفةٌ على "المآب" وهى نكرةٌ (٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إِنَّا أخلَصْناهم بخالصةٍ هي ذكرى الدارِ، أي أنهم كانوا يُذَكِّرون الناسَ الدارَ الآخرةَ، ويَدْعُونهم إلى طاعةِ اللهِ، والعملِ للدارِ الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾. قال: بهذه أخلَصَهم اللهُ، كانوا يَدْعون إلى الآخرةِ وإلى اللهِ (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك أنه أخلَصهم بعملِهم للآخرةِ وذِكْرِهم لها.