← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 13441–13480 · переход к 13446.

стр. 13441

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدى قولَه: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: المُسَبِّحُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الأَوَّابُ: التوابُ الذى يَتُوبُ إلى طاعةِ اللهِ ويَرْجِعُ إليها، ذلك الأَوَّابُ. قال: والأَوَّابُ المُطِيعُ (٢). وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ﴾ يُسَبِّحن (٣) مع داودَ ﴿بِالْعَشِيِّ﴾، وذلك من وقت العصر إلى الليل، ﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾، وذلك بالغَدَاةِ وَقتَ الضُّحَى. ذُكر أن داود كان إذا سَبَّح سبَّحَتْ معه الجبالُ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: يُسَبِّحْنَ مع داود إذا سبح بالعَشِى والإشراق (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾. قال: حينَ تُشْرِقُ الشمسُ وتَضْحَى (٥). حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا محمد بنُ بشرٌ، عن مِسْعَرٍ، عن (٦) عبد الكريم، عن

стр. 13442

موسى بنُ أبي كثير، عن ابنِ عباسٍ، أنه بَلَغه أن أمَّ هانئ ذكَرَت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلَّى الضُّحَى ثمانَ رَكَعَاتٍ، فقال ابن عباس: قد ظَنَنْتُ أن لهذه الساعةِ صلاةً؛ يقولُ الله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ (١). حدَّثنا ابن عبد الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: ثنا صَدَقَةُ، قال: ثنى سعيدٌ بنُ أبي عروبة، عن أبى المتوكل، عن أيوبَ بنِ صَفْوانَ، عن عبدِ الله بنُ الحارثِ بنِ نَوْفلٍ، أن ابنَ عباسٍ كان لا يُصَلِّى الضُّحَى. قال: فأَدْخَلْتُه على أمِّ هانئٍ، فقلتُ: أخبرى هذا بما أخبرتنى به. فقالت أم هانئٍ: دخل عليَّ رسول الله ﷺ يومَ الفتحِ فى بيتى، فأمر بماءٍ فصُبَّ (٢) في قَصعةٍ، ثم أمر بثوبٍ فأخذ بيني وبينَه، فاغتسل، ثم رَشَّ ناحيةَ البيتِ، فصلَّى ثمانَ ركعاتٍ، وذلك من الضُّحَى؛ قيامُهنَّ وركوعُهنَّ وسُجُودُهنَّ وجُلُوسُهِنَّ سواءٌ (٣)، قَريبٌ بعضُهن مِن بعضٍ. فخرج ابنُ عباسٍ وهو يقولُ: لقد قرأتُ ما بين اللَّوحَين فما عرَفتُ صلاةَ الضُّحَى إلا الآن: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وكنتُ أقولُ: أين صلاةُ الإشراقِ؟ ثم قال بَعْدُ: هُنَّ صلاة الإشراقِ (٤). حدَّثنا عمرو بنُ علي، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن مُتَوكَّل، عن أيوب بنُ صَفْوانَ، مولى عبدِ اللهِ بنِ الحارث، [عن عبدِ اللهِ بنِ الحارث] (٥)، أن أم هانئ ابنة أبي طالبٍ، حَدَّثَتْ أن رسول الله ﷺ يوم الفتحِ دخَل

стр. 13443

عليها. ثم ذكَر [نحوَه (١). وعن] (٢) ابن عباسٍ في قوله: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ﴾ مثل ذلك (٣). وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾. يقول تعالى ذكرُه: وسخَّرْنا الطيرَ يُسَبِّحْنَ معه محشورة، يعنى مجموعة له. ذُكر أنه ﷺ كان إذا سبَّح أجابته الجبال، واجْتَمَعَت إليه الطيرُ فَسَبَّحت معه، واجتماعُها إليه كان حَشْرَها (٤). وقد ذكرنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في معنى الحشرِ فيما مضَى (٥)، فكَرِهنا إعادته. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك في هذا الموضعِ ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: مُسَخَّرةً (٦). وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: كلُّ ذلك له مُطيعٌ، رَجَّاعٌ إلى طاعتِه وأمرِه. ويعنى بالكُلِّ: كلَّ الطير. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. أي: مُطيعٌ (٧).

стр. 13444

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. قال: كلٌّ له مُطِيعٌ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ ذلك للهِ مُسَبِّحٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: [﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: مُسَبِّحٌ للهِ (٢). وقوله] (٣): ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. [اخْتَلَف أهل التأويل في المعنى الذي به شُدِّد مُلكُه؛ فقال بعضُهم: شُدّد ذلك بالجنودِ والرجالِ] (٣)؛ فكان يَحْرُسُه كلَّ يومٍ وليلةٍ أربعةُ آلافٍ، [أربعة آلاف. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. قال: كان يحرُسُه كل يوم وليلةٍ أربعة [آلافٍ، أربعة آلاف]] (٤) (٥) (٦).

стр. 13445

وقال آخرون: كان الذى شُدَّد به مُلْكُه، أن أُعْطِي هَيبةً مِن الناسِ له؛ لقضيةٍ كان قَضاها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابنُ حربٍ، قال: ثنا موسى، قال: ثنا داودُ، عن [عِلْباءَ بنِ أَحمرَ] (١)، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أن رجلًا من بنى إسرائيل اسْتعْدَى على رجلٍ مِن عظمائِهم، فاجْتمَعا عندَ داودَ النبيِّ ﷺ ، فقال المُسْتَعْدِى: إِن هذا اغْتَصَبَنِى بَقَرًا لى. فسأل داودُ الرجلَ عن ذلك، فجحَده، فسأل الآخَرَ البَيِّنَةَ، فلم يَكُنْ له بَيِّنةٌ، فقال لهما داودُ: قُوما حتى أنظرَ فى أمرِكما. فقاما مِن عندِه، فأوحَى اللهُ إلى داودَ فى منامه أن يَقْتُلَ الرجلَ الذي اسْتُعْدِى عليه، فقال: هذه رُؤْيا، ولستُ أعجَلُ حتى أَتَثَبَّتَ. فأوحَى اللهُ إلى داودَ فى منامِه مرةً أخرى أن يقتُلَ الرجلَ، وأوحَى الله إليه الثالثة أن يقتله، أو تَأْتِيَه العقوبةُ مِن الله، فأَرْسَل داود إلى الرجلِ: إن الله قد أوحَى إليَّ أن أقتُلَك. فقال الرجلُ: تَقْتُلُنى بغير بينةٍ [ولا ثَبَتٍ] (٢)؟ فقال (٣) داود: نعم، واللهِ لأُنْفِذنَّ أمرَ اللهِ فيك. فلمَّا عرَف الرجلُ أنه قاتِلُه قال: لا تَعْجَلْ علىَّ حتى أُخْبِرَك؛ إنى واللهِ ما أُخِذتُ بهذا الذنبِ، ولكنِّى كنتُ اغْتَلْتُ والدَ هذا فقتلتُه، فبذلك قُتِلتُ. فأمَر به داودُ فقُتِل، فاشْتَدَّتْ هَيبةُ بنى إسرائيلَ عندَ ذلك لداودَ، وشُدِّد به مُلْكُه، فهو قولُ الله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (٤).

стр. 13446

وأَولى الأقوالِ فى ذلك بالصواب أن يقالَ: إن الله ﵎، أخبر أنه شَدَّد مُلْكَ داودَ، ولم يَخُصَّ (١) ذلك مِن تَشْديده على التشديد بالرجال والجنود، دونَ الهيبةِ مِن الناسِ له، ولا على هيبة الناس له دونَ الجنودِ. وجائزٌ أن يكونَ تشديدُ (٢) ذلك كان ببعض ما ذَكَرْنا، وجائزٌ أن يكون كان بجميعِه (٣)، ولا قولَ أوْلَى فى ذلك بالصحةِ من قولِ اللهِ، إذ لم يَخُصَّ (٤) ذلك على بعضِ معانى التشديدِ خبرٌ يَجبُ التسليم له. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾، اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الحكمةِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضهم: عُنى بها النُّبوَّةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾. قال: النُّبُوَّةَ (٥). وقال آخرون: عُنِى بها أنه عُلِّمَ السُّنَنَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾: أى السُّنَّةَ (٦).

стр. 13447

وقد بَيَّنَّا معنى ذلك (١) في غيرِ هذا الموضعِ بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ. وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أنه عُلِّمَ القضاءَ والفَهْمَ به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: أُعْطِى الفهمَ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريس، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: إصابةُ القَضاءِ وفهمُه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: علمَ القضاءِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: الخُصوماتُ التي يُخاصِمُ الناسُ إليه؛ فصلُ ذلك الخطابِ: الكلامُ الفَهْمُ، وإصابةُ القضاءِ والبَيِّنَاتِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ،

стр. 13448

قال: سمعتُ أبا عبدِ الرحمنِ يقولُ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: فصلَ (١) القضاء (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، بتكليف المُدَّعى البينة، واليمين على المُدَّعَى عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال: ثنى الشعبيُّ أو غيره، عن شُريحٍ، أنه قال في قوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: بَيِّنةُ المُدَّعِي، أو يمينُ المُدَّعَى عليه (٣). حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بن أبي هند في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: نُبِّئتُ عن شُرَيحٍ أنه قال: شاهدان أو يمينٌ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ داودَ يقولُ: بلَغني أن شُرَيحًا قال: فصلُ الخطابِ: الشاهدان على المُدَّعِي، واليمينُ على المُنْكِرِ (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن كُرْدُوسٍ (٥)، أن شُرَيحًا قال لرَجُلٍ: إن هذا يَعيبُ عليَّ ما أُعْطِيَ داودُ؛ الشُّهودُ

стр. 13449

والأيمانُ (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن شُرَيحٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: الشهودُ والأيمانُ (٢). حدَّثنا عمرانُ بن موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: يمينٌ أو شاهدٌ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: البينة على الطالبِ، واليمينُ على المطلوبِ، هذا فصلُ الخطاب (٤). وقال آخرون: بل هو قولُ: أَمَّا بَعْدُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيل، عن الشعبيِّ فى قولِه: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾. قال: قولُ الرجلِ: أمَّا بعدُ (٥).

стр. 13450

وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله أخبر أنه آتَى داودَ -صلواتُ الله عليه- فصل الخطاب، والفصلُ هو القَطْعُ، والخطابُ هو المُخاطَبَةُ، ومِن قَطعِ مُخاطبةِ الرجلِ الرجلَ فى حالِ احْتِكامِ أحدهما إلى صاحبه -قَطْعُ المحتكم إليه الحُكْمَ بين المحتكم إليه وخَصْمِه، بصوابٍ مِن الحُكْمِ. ومِن قَطْعِ مُخاطَبَتِه أيضًا صاحبه إلزامُ المخاطَب في الحكم ما يجب عليه؛ إن كان مُدَّعِيًا فإقامة البينة على دَعواه، وإن كان مُدَّعًى عليه فتكليفُه اليمينَ إن طلبَ ذلك خَصْمُه، ومِن قَطْعِ الخطابِ أيضًا، الذى هو خُطْبَةٌ، عندَ انْقِضاءِ قصةٍ وابتداءٍ بأُخرَى، الفصلُ بينَهما بـ: أمَّا بعدُ. فإذ كان ذلك كلُّه مُحْتَمِلًا ظاهرَ الخبرِ، ولم تَكُنْ في الآيةِ دَلالةٌ على أيِّ ذلك المرادُ، ولا وَرَدَ به خبرٌ عن الرسول ﷺ ثابتٌ (١)، فالصواب أن يُعَمَّ الخبرُ كما عَمَّه الله، فيقالُ: أُوتى (٢) داود فصلَ الخطابِ فى القضاءِ والمُحاورةِ والخُطَبِ (٣). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ : وهل أتاك يا محمدُ خبرُ (٤) الخَصمِ. وقِيل: إنه عُنِى بالخَصمِ في هذا الموضعِ مَلَكانِ، وخرَج في لفظِ الواحدِ؛ لأنه مصدرٌ، مثلَ الزَّوْرِ والسَّفْرِ (٥)، لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ، ومنه

стр. 13451

قولُ لَبيدٍ (١): وخصم [يَعُدُّونَ الذُّحُولَ] (٢) كأَنَّهم … قُرُومٌ غَيَارَى كُلَّ أَزْهَرَ مُصْعَبِ (٣) وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. يقولُ: دخَلوا عليه مِن غيرِ بابِ المحراب، والمحرابُ مُقَدَّمُ كلِّ مجلس وبيتٍ وأَشْرَفُه. وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾؛ فكَرَّر "إذ" مرَّتَيْن. وكان بعضُ أهل العربيةِ يقولُ فى ذلك (٤): قد يكونُ معناهما كالواحدِ؛ كقولِك: ضَرَبْتُكَ إِذ دَخَلْتَ عليَّ إذ اجْتَرَأْت. فيكون الدخولُ هو الاجتراءَ، ويكونُ (٥) أن تجعلَ إحداهما على مذهبِ "لمَّا"، فكأنه قال: إذ تَسَوَّروا المحرابَ لمَّا دخلوا. قال: وإن شئت جعلت "لمَّا" في الأول. فإذا كان "لمَّا" أولاً أو (٦) آخرًا، فهى بعد صاحبتها (٧)، كما تقولُ: أعطيتُه لما سألني. فالسؤال قبلَ الإعطاءِ فى تقدُّمِه وتأخُّرِه. وقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾. يقول القائلُ: وما كان وجهُ فزعِه منهما وهما خَصْمان؟

стр. 13452

فإِنَّ فَزَعَه منهما كان لدخولِهما عليه [من غير الباب الذى منه (١) كان المَدْخَلُ عليه] (٢)، فَراعَه دخولُهما كذلك عليه. وقيل: إن فزعَه كان منهما؛ لأنهما دخَلا عليه ليلًا في غير وقتِ نظره بين الناسِ، ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال له الخصمُ: لا تَخَفْ يا داودُ. وذلك لمَّا رأياه قد ارْتاعَ من دخولِهما عليه من غيرِ البابِ. وفي الكلام محذوفٌ اسْتُغْنِيَ بدَلالة ما ظهَر من الكلام منه، وهو مُرافِعُ (٣) "خَصْمان"، وذلك "نحن". وإنما جازَ تركُ إظهار ذلك مع حاجة الخصمين إلى المُرافِعِ؛ لأن قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ فعلٌ للمتكلِّم، والعرب تُضمِرُ للمتكلم والمُكلَّمِ المخاطبِ (٤) ما يَرْفَعُ أفعالهما، ولا يكادون أن يفعلوا ذلك بغيرِهما، فيقولون للرجلِ يُخاطبونه: أمُنطَلِقٌ يا فلانُ؟ ويقولُ المتكلِّمُ لصاحبِه: أُحْسِنُ إليك ومُجْمِلٌ (٥). وإنما يفعلون ذلك كذلك فى المتكلم والمكلَّم؛ لأنهما حاضِران يَعْرِفُ السامعُ مرادَ المتكلِّم إذا حُذف الاسمُ، وأكثرُ ما يَجيءُ ذلك في الاستفهام -وإن كان جائزًا في غير الاستفهام- فيُقالُ: أجالسٌ، أراكِبٌ (٦)؟ فمن ذلك قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾، ومنه قول الشاعر (٧): وَقُولا إِذا جاوَزْتُما أَرضَ عامرٍ … وجاوَزْتُما الحَيَّيْنِ نَهْدًا وَخَثْعَما

стр. 13453

نَزِيعانِ (١) مِن جَرْمِ بنِ زَبَّانَ (٢) إنهم … أبوا أن يُمِيرُوا فى الهَزَاهِزِ مِحْجَما (٣) وقول الآخر (٤): تقولُ ابنةُ الكَعْبيِّ يومَ لَقِيتُها … أمُنْطَلِقٌ في الجيش أمْ مُتَثاقِلُ ومنه قولُهم: مُحْسِنَةٌ فَهيلى (٥). وقول النبي ﷺ : "آيبُون تائِبُون" (٦). وقولُه: "جاءَ يومَ القيامة مكتوبٌ بين عينيه: آيسٌ من رحمة الله" (٧). كلُّ ذلك بضميرٍ رَفَعَه. وقولُه : ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. يقولُ: تَعَدَّى أحدُنا على صاحبه

стр. 13454

بغير حقٍّ، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: فاقض بينَنا بالعَدْلِ، ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. يقولُ: ولا تَجرُ ولا تُسْرف في حُكْمِك، بالمَيْلِ منك مع أحدِنا على صاحبِه. وفيه لغتان: أشَطَّ، و: شَطَّ. ومن الإشْطاطِ قولُ الأحوصِ (١): ألا يا لَقَومٍ قد أَشَطَّتْ عَوَاذِلي … ويَزْعُمْنَ أَنْ أَوْدَى بِحَقِّى باطِلى (٢) ومسموعٌ من بعضهم: شَطَطْتَ عليَّ في السَّومِ. فأما في البُعْدِ فإن أكثرَ كلامهم: شَطَّتِ الدارُ، فهي تَشِطُّ. كما قال الشاعرُ (٣): تَشِطُّ غدًا دارُ جيرانِنا … [وللدَّارُ] (٤) بَعْدَ غَدٍ أَبْعَدُ وقوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ يقولُ: وأرشِدْنا إلى قَصْدِ الطريقِ المستقيمِ. وبنحوِ الذي قُلْنَا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: أى لا تَمِلْ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 13455

السديِّ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. يقولُ: لا تَحِفْ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: تُخالِفْ عن الحقِّ. وكالذي قلنا أيضًا في قوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ قالوا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: إلى عدلِه (٢) وخيرِه (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: إلى عدلِ القضاءِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. قال: إلى الحقِّ الذى هو الحقُّ؛ الطريقِ المستقيمِ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: تَذْهَبْ إِلى غيرِها. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهبِ ابنِ مُنَبِّهِ: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: أي: احْمِلْنا على الحقِّ، ولا تُخالِفْ بنا إلى غيرِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾.

стр. 13456

وهذا مَثَلٌ ضرَبه الخَصْمُ المُتسَوِّرُونَ على داودَ مِحْرابَه له؛ وذلك أن داودَ كانت له -فيما قيل- تسعٌ وتسعون امرأةً، وكانت للرجلِ الذى أغْزاه حتى قُتِل امرأةٌ واحدةٌ، فَلَمَّا قُتِل نكَح -فيما ذُكر- داودُ امرأتَه، فقال له أحدُهما: إن هذا أخى (١): على ديني. كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾. أى: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. وذُكر أن ذلك فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (إِنَّ هذا أخي (٢) له تسعٌ وتسعونَ نعجة أُنْثَى). وذلك على سبيلِ توكيدِ العربِ الكلمةَ، كقولِهم: هذا رجلٌ ذكرٌ. ولا يَكادون أن يفعَلوا ذلك إلا فى المؤنثِ والمذكرِ الذي تذكيره وتأنيثُه في نفسه؛ كالمرأةِ والرجل والناقة، ولا يكادون أن يقولوا: هذه دارٌ أُنثى، و: مِلْحَفَةٌ أُنثَى. لأن تأنيثها في اسمها لا في معناها. وقيل: عُنى بقوله: أُنثى. أنها حَسَنةٌ (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن المُحاربيِّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: (إن هذا أخي له تسعٌ وتسعونَ نعجةً أُنْثَى)؛ يَعْنى بتَأْنيثها حُسْنَها.

стр. 13457

وقولُه: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. يقولُ: فقال لى: انْزِلْ عنها لي، وضُمَّها إليَّ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾. قال: أعْطِنيها؛ طَلِّقْها لى أنْكِحْها، وخَلِّ سبيلها (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن بعض أهلِ العلمِ، عن وهب بن مُنَبِّهِ: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. أى: احْمِلْنى عليها (٢). وقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. يقولُ: وصار أعَزَّ مني في مخاطبته إياى؛ لأنه إن تَكلَّم فهو أبْينُ منى، وإن بَطَش كان أشدَّ منى فقَهَرَنى. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن أبى الضُّحَى، عن مسروق، قال: قال عبد الله فى قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: ما زادَ داودُ على أن قال: انزِلْ لى عنها (٣). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني أبي، عن المسعودىِّ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: ما زادَ على أن قال: انْزِلْ لى عنها (٤).

стр. 13458

وحدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: ما زادَ داودُ على أن قال: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ (١). حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: إن دعوتُ ودَعا كان أكثر، وإن بطشتُ وبطش كان أشدَّ منى. فذلك قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. أى: ظلمنى وقهرني. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: قهَرني. ذلك (٢) العزُّ. قال: والخطابُ: الكلامُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقِ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهِ: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. [أى: قهَرني في الخطابِ] (٤)، وكان أقوى منى، فحازَ نعجتي (٥) إلى نِعاجِه، وترَكني لا شيءَ

стр. 13459

لي (١). حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: إن تكلَّم كان أبْيَنَ منى، وإن بطَش كان أشدَّ مني، وإن دَعا كان أكثرَ منى (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ يقول تعالى ذكرُه: قال داودُ للخَصْمِ المُتظلِّمِ مِن صاحبِه: لقد ظَلَمك [صاحبك بسؤاله] (٣) نعجتَك إلى نعاجِه. وهذا مما حُذِفت منه "الهاءُ"، فأُضِيفَ بسقوطِ "الهاء" منه إلى المفعول به، ومثله قوله : ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]. والمعنى: من دُعائِه بالخيرِ. فلما أُلقيت "الهاء" من الدعاءِ، أُضِيفَ إلى الخيرِ، وأُلْقِيَ مِن الخير "الباء"، وإنما كَنَى بالنعجة هاهنا عن المرأةِ، والعربُ تفعلُ ذلك (٤)، ومنه قولُ الأعشى (٥): قد كنتُ رائِدَها وشاةِ مُحاذِرٍ … حَذَرًا يُقِلُّ بِعَيْنِهِ إِغْفَالَهَا (٦)

стр. 13460

يعنى بالشاةِ: امرأةَ رجلٍ يَحْذَرُ الناسَ عليها. وإنما يعنى: لقد ظَلَمَك (١) بسؤالِ امرأتِك الواحدة إلى التسع والتسعين من نسائِه. وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. يقولُ: وإن كثيرًا من الشركاءِ لَيَتَعَدَّى بعضُهم على بعض، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بطاعةِ اللهِ، وانتهوا إلى أمرِه ونَهْيِه، ولم يَتَجاوَزُوه، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ وفى "ما" التى فى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، وجهان؛ أحدهما: أن تكون صلةً بمعنى: وقليلٌ، هم، فيكونَ إثباتها وإخراجها من الكلامِ لا يُفسِدُ معنى الكلام. والآخَرُ: أن تكون اسمًا، و"هم" صلةً لها، بمعنى: وقليلٌ ما تجدُهم. كما يُقالُ: قد كنتُ أحْسَبُك أعقلَ مما أنت. فتكونَ "أنت" صلةً لـ"ما"، والمعنى: كنتُ أحسبُ عقلك أكثرَ مما هو. فتكونُ "ما" والاسمُ مصدرًا، ولو لم [ترد [المصدر] (٢) لكان الكلامُ بـ"مَنْ"؛ لأن "مَن" التي تكونُ للناس وأشباههم. ومَحْكىٌّ عن العربِ: قد كنتُ [أراك أعقل منك] (٣). مثل كلمة (٤): قد كنتُ] (٥) أرى أنه غيرُ ما هو. بمعنى: كنتُ أراه على غير ما رأيتُ. وروى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ،

стр. 13461

عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. يقولُ: وقليلٌ الذين هم (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. قال: قليلٌ مَن يَتَّقى (٢). فعلى هذا التأويل الذى تَأَوَّله ابنُ عباس، مَعْنَى الكلام: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ، وقليلٌ الذين هم كذلك. بمَعْنَى: الذين لا يَبغِى بعضُهم على بعضٍ، و"ما" على هذا القول بمعنى "مَنْ". وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. يقولُ: وعلم داود أنما ابتَلَيناه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾: علم داود (٣). حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسن: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ (٤) أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾. قال: ظَنِّ أَنمَا [ابْتُغِي بذلك] (٥) (٦). حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾: اخْتبَرْناه (٧).

стр. 13462

والعربُ تُوجِّه الظنَّ -إذا أدخَلَتْه على الإخبار- كثيرًا، إلى العلم الذي هو مِن غيرِ وَجْهِ العيانِ. وقوله: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾. يقولُ: فسأل داود ربَّه غفران ذنبه، ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾. يقولُ: وخَرَّ ساجدًا لله، ﴿وَأَنَابَ﴾. [يقولُ: و] (١) رجع إلى رِضا ربِّه، وتابَ مِن خطيئته. واخْتُلِف فى سببِ البَلاءِ الذى ابتُلى به نبي الله داودُ ﷺ ؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك أنه تَذَكَّر ما أعطى اللهُ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ مِن حُسْنِ الثناءِ الباقي لهم فى الناسِ، فتَمَنَّى مثلَه، فقِيل له: إنهم امْتُحِنوا فصَبَرُوا. فسأل أن يُبْتَلى كالذي ابتُلُوا، ويُعْطَى كالذي أعْطُوا إن هو صبَر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾. قال: إن داودَ قال: يا ربِّ قد أعطيتَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ من الذِّكرِ ما لوَدِدتُ (٢) أنك أعطيتني مثله (٣). قال الله: إنى ابْتَلَيْتُهم بما لم أبْتَلِكَ به، فإن شئتَ ابتليتُك بمثلِ ما ابتليتُهم به، وأعطيتُك كما أعطيتُهم. قال: نعم. قال له: فاعْمَلْ حتى أرَى بلاءَك. فكان ما شاءَ الله أن يكونَ، وطال ذلك عليه، فكاد أن يَنْساه، فبينَا هو في مِحْرابِه، إذ وقعَت عليه حمامةٌ (٤) فأراد أن يأخُذَها، فطارتْ إلى كُوَّةِ المحراب،

стр. 13463

فذهب ليأخذَها، فطارت، فاطَّلع من الكُوَّةِ، فرأى امرأةً تغتسلُ، فنزل نبي الله ﷺ من المحرابِ، فأرْسَل إليها فجاءَتْه، فسألها عن زوجها وعن شأنها (١)، فأخبَرَتْه أن زوجها غائبٌ، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ (٢) أن يُؤمِّرَه على السَّرايا؛ ليَهْلِكَ زوجُها، ففعل، فكان يُصاب أصحابُه وينجو، وربما نُصِروا، وإن الله لما رأى الذى وقع فيه داودُ، أرادَ أن يَسْتَنْقِذَه، فبينما داود ذاتَ يوم في محرابِه، إذ تَسوَّر عليه الخَصمان من قِبَل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأُ، فزع وسكت، وقال: لقد استُضْعِفتُ في مُلْكِى، حتى إن الناسَ يَتَسَوَّرون علىَّ مِحْرابي. قالا له: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾، ولم يَكُنْ لنا بدٌّ مِن أن نأتيك، فاسمَعْ مِنَّا. قال أحدهما: (إنَّ هذا أخى له تسعٌ وتسعون نعجةً أُنثَى ولى نعجةٌ واحدةٌ فقال أكفلنيها) (٣)؛ يريدُ أن [يُتَمِّمَ بها مائةً] (٤)، ويَتْرُكَنى ليس لى شيءٌ، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال: إن دعوتُ ودَعا كان أكثرَ منى (٥)، وإن بطَشَتُ وبطش كان أشدَّ منى. فذلك قولُه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. قال له داودُ: أنت كنتَ أحوج إلى نعجتك منه، ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. ونَسِي نفسه ﷺ ، فنظر المَلَكان أحدُهما إلى الآخرِ، حين قال ذلك، فتبسَّم أحدُهما إلى الآخرِ، فرَآه داودُ، فظَنَّ (٦) أنما فُتِن، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ أربعين ليلةً، حتى نَبَتَت الخُضْرةُ مِن دموعِ عينيه، ثم

стр. 13464

شدَّد اللهُ له مُلْكَه (١) (٢). حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾. قال: كان داودُ قد قَسَم الدهرَ ثلاثةَ أيامٍ؛ يومًا (٣) يَقْضِى فيه بينَ الناسِ، ويومًا (٤) يخلو فيه لعبادة ربِّه، ويوما (٣) يَخْلو فيه لنسائِه، وكان له تسعٌ وتسعون امرأةً، وكان فيما يقرأُ من الكتبِ، أنه كان يجدُ فيه فضلَ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، فلما وجَد ذلك فيما يَقْرأُ مِن الكتبِ، قال: يا ربِّ، أَرَى (٥) الخير كلَّه قد ذهَب به آبائي الذين كانوا قبلى، فأعطني مثلَ ما أعطيتَهم، وافْعَلْ بي مثلَ ما فعلتَ بهم. قال: فأوحَى اللهُ إليه: إن آباءَكَ ابْتُلُوا ببَلايا لم تُبْتَل بها؛ ابتلى إبراهيمُ بذَبْحِ ابنِه، وابتلى إسحاقُ بذَهابِ بصرِه، وابتُلِى يعقوبُ بحُزْنِه على يوسفَ، وإنك لم تُبْتَلَ مِن ذلك بشيءٍ. قال: يا ربِّ ابْتَلنى بمثلِ ما ابتليتهم به، وأعطنى مثلَ ما أعطيتَهم. قال: فأُوحِى إليه: إنك مُبْتَلى، فاحْتَرِسُ. قال: فمكث بعد ذلك ما شاء اللهُ أن يَمكُثَ، إذ جاءَه الشيطانُ قد تَمَثَّل في صورةِ حمامةٍ من ذهبٍ، حتى وقَع عندَ رِجلَيْه وهو قائمٌ يُصَلِّى. قال: فمَدَّ يدَه ليأخُذَه

стр. 13465

فتَنَحَّى، فتَبِعَه فتَباعَد، حتى وقع في كُوَّةٍ، فذهَب ليأخُذَه فطارَ مِن الكُوَّةِ، فنظَر أين يقعُ فَيَبْعَثَ في أثره. قال: فأبْصَر امرأة تغتسل على سطح [لها، فرأى امرأةً من أجملِ الناسِ خَلْقًا، فحانَتْ منها التفاتةٌ فأبصَرَتْه] (١)، فألقَتْ شعرَها فاسْتَتَرَتْ به. قال: فزادَه ذلك فيها رغبةً، قال: فسأل عنها فأُخبر أن لها زوجًا، وأن زوجها غائبٌ بمَسْلَحَةِ كذا وكذا. قال: فبعَث إلى صاحب المَسْلَحَةِ يَأْمُرُه (٢) أن يَبْعَثَ أهريا إلى عدوِّ كذا وكذا، قال: فبعَثه ففُتِح له. قال: وكتب إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلى عدوِّ كذا وكذا، أشدَّ منهم بأسًا. قال: فبعَثه ففُتِح له أيضًا. قال: فكتَب إلى داودَ بذلك. قال: فكتَب إليه: أن ابعثْه إلى عدوِّ كذا وكذا. فبعَثه. قال: فقُتِل المرةَ الثالثةَ. قال: وتَزَوَّج امرأته، فلَمَّا دخَلَتْ عليه لم تَلْبَثْ عندَه إلا يسيرًا حتى بعث اللهُ مَلَكَيْن في صورةِ إنْسِيَّيْن، فَطَلَبا أن يَدْخُلا عليه، فوَجَداه في يوم عبادتِه، فمَنَعَهما الحرسُ أن يدخُلا [عليه، فتَسَوَّرا] (٣) عليه المحرابَ. قال: فما شَعَر وهو يُصلَّى إِذ (٤) هو بهما بينَ يَدَيه جالسَيْن. قال: ففَزِع منهما، فقالا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾؛ يقولُ: لا تَحِفْ (٥). ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾؛ إلى عدلِ القضاءِ. قال: فقال: قُصَّا على قصتَكما. قال: فقال أحدُهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، فهو يريدُ أن يأخذَ نَعْجَتي فيُكمل بها نِعاجَه مائةً. قال: فقال للآخرِ: ما تقولُ؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجةً، ولأخى هذا نعجةٌ واحدةً، فأنا أريد أن أخُذَها منه فأُكْمِلَ بها نِعاجى مائةً. قال:

стр. 13466

وهو كارِهٌ؟ [قال: وهو كارِهٌ] (١). قال: إذن لا نَدَعُك وذاك. قال: ما أنت على ذلك بقادرٍ. قال: فإن ذهبتَ ترومُ ذلك، أو تريد ذلك (٢)، ضَرَبْنا منك هذا وهذا [وهذا] (٣). وفَسَّر أسباطُ؛ طَرَفَ الأنف، [وأصل الأنف] (٣)، والجبهةَ. قال: يا داودُ، أنت أحقُّ أن يُضربَ منك هذا وهذا [وهذا] (٣)؛ حيث لك تسعٌ وتسعون (٤) امرأةً، ولم يَكُنْ لأهريا إلا امرأةٌ واحدةٌ، فلم تَزَلْ به تُعرِّضُه للقتل حتى قَتَلْتَه (٥)، وتزوَّجتَ امرأتَه. قال: فنظر فلم يَرَ شيئًا، فعَرَف ما قد وقَع فيه، وما قد ابتُلى به. قال: فخَرَّ ساجدًا. قال: فبكَى. قال: فمكَث يَبْكى ساجدًا أربعين يومًا، لا يرفع رأسَه إلا الحاجة [لابدَّ] (٦) منها، ثم يقعُ ساجدًا يبْكى، ثم يَدْعو، حتى نبَت العُشْبُ مِن دموعِ عينَيه. قال: فأوحَى اللهُ إليه بعدَ أربعين يومًا: يا داودُ، ارفع رأسَك، فقد غفرتُ لك. فقال: يا ربِّ، كيف أعلم أنك قد غفرت لي، وأنت حَكَمٌ عَدْلٌ لا تَحِيفُ في القضاء؛ إذا [جاءَ أهريا] (٧) يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تَشْحُبُ أَوْداجه دما في قِبَلِ عرشِك يقولُ: يا ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قَتَلَنى؟ قال: فأوحى [اللهُ إليه] (٨): إذا كان ذلك دَعوتُ أهريا، فأستَوهِبُك منه، فيهبُك لي، فأُثِيبُه بذلك الجنةَ. قال: ربِّ، الآنَ علمتُ أنك قد غفرتَ لي. قال: فما استطاعَ أن يملأَ عينيه مِن السماءِ حَياءً مِن ربِّه حتى قُبِض ﷺ (٩).

стр. 13467

حدَّثنى عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن عبدِ الرحمن بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، قال: ثنى عطاءٌ الخراسانيُّ، قال: نقَش داودُ خطيئته في كفِّه لكيلا يَنْساها، فكان [إذا رآها] (١) خَفَقَتْ يدُه واضطَرَبَتْ (٢). وقال آخرون: بل كان ذلك لعارضٍ كان عرَض في نفسِه، مِن ظَنِّ أنه يُطِيقُ يومًا (٣) أن يُتِمَّ يومًا لا يُصيبُ فيه حَوْبَةً (٤)، فابْتُلى بالفتنةِ التي ابتُلي بها في اليومِ الذي طَمِع في نفسه بإتمامه بغير إصابة ذنبٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مَطَر، عن الحسن: إن داودَ جَزَّأَ الدهرَ أربعة أجزاء؛ يومًا لنسائِه، ويومًا لعبادتِه، ويومًا لقضاءِ بني إسرائيلَ، ويومًا لبنى إسرائيلَ، يُذاكرهم ويُذاكِرُونه، ويُبْكيهم ويُبْكونه، فلما كان يومُ بنى إسرائيلَ قال: ذَكِّروا. فقالوا: هل يأتى على الإنسان يوم لا يُصيبُ فيه ذنبًا؟ فَأَضْمَر داود في نفسه أنه سيُطيقُ ذلك، فلَمَّا كان يومُ عبادتِه، غَلَّق (٥) أبوابه، وأمر أن لا يُدْخَلَ عليه أحدٌ، وأكبَّ على التوراةِ، فبينما هو يقرؤُها إذا (٦) حمامةٌ من ذهبٍ فيها من كلِّ لونٍ حسنٍ، قد وقَعَتْ بين يَدَيْه، فأهْوَى إليها ليأخذَها. قال: فطارَتْ فوقعَتْ غير بعيدٍ، من غير أن تُؤيسَه مِن نفسها. قال: فما زالَ يَتْبَعُها حتى أشرفَ على امرأةٍ

стр. 13468

تَغْتَسِلُ، فأَعْجَبَه خَلْقُها وحُسْنُها. قال: فَلَمَّا رأتْ ظِلِّه في الأرضِ، جَللَتْ نفسَها بشَعْرِها، فزاده ذلك أيضًا إعجابًا بها، وكان قد بعث زوجَها على بعضِ جيوشِه، فكتب إليه أن يسيرَ إلى مكان كذا وكذا. مكانٌ إذا سارَ إليه لم يَرْجِعْ. قال: ففعَل فأُصِيب، فخَطَبها فتَزَوَّجها. قال (١): وقال قتادةُ: بَلَغَنا أنها أُمُّ سليمانَ. قال: فبينَما هو في المحراب إذ تسوَّر الملَكان عليه، وكان الخَصْمان إذا أتَوه يَأْتونه من باب المحرابِ، ففَزِع منهم حينَ تَسَوَّروا المحرابَ، فقالوا: ﴿لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾. أي: لا تَمِلْ، ﴿وَاهْدِنَا إِلَّى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. أي: أعدله وخَيْرِه، ﴿إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، وكان لداود تسعٌ وتسعون امرأةً، ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾. قال: وإنما كان للرجلِ امرأةٌ واحدةٌ. ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. أي: ظلَمنى وقهرني. فقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُوَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾. ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ﴾: فعلِم داودُ أنما صُمِدَ (٢) له، أي: عُنِى به ذلك. فخَرَّ راكعا وأناب. قال: وكان في حديثِ مَطَرٍ، أنه سجَد أربعين ليلةً، حتى أوحَى اللهُ إليه: إنى قد غفرتُ لك. قال: ربِّ، كيف (٣) تغفرُ لي وأنت حَكَمٌ عدلٌ لا تظلمُ أحدًا؟ فقال: إنى أقضِيك له، ثم أستوهِبُه دمَك، أو ذنبَك (٤)، ثم أُثِيبُه حتى يرضَى. قال: الآن طابَت نفسى، وعلمتُ أنك قد غفرتَ لي (٥).

стр. 13469

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن مُنَبِّهٍ اليَمَانى، قال: لما اجْتَمَعتْ بنو إسرائيل على داود، أنزَل الله عليه الزَّبورَ، وعَلّمه صَنْعَةَ الحديد فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يُسَبِّحْن معه إذا سبَّح، ولم يُعْطِ الله -فيما يذكرون- أحدًا من خلقه مثلَ صوتِه، كان إذا قرَأ الزبور -فيما يَذْكُرون- تَدْنو له الوحوشُ (١)، حتى يأخُذ بأعناقِها، وإنها لمُصِيخَةٌ تَسمعُ (٢) لصوتِه، وما صنعت الشياطين المزامير والبَرابط والصُّنُوجَ (٣)، إلا على أصنافِ صوتِه، وكان شديدَ الاجتهادِ، [دائبَ العبادةِ، [فأقامَ في بني إسرائيلَ يحكمُ فيهم بأمر الله نبيًّا مُسْتَخْلفًا، وكان شديد الاجتهاد] (٤) من الأنبياء] (٥)، كثيرَ البكاءِ (٦)، ثم عرَض من فتنة تلك المرأة ما عرَض له، وكان له مِحْرابٌ يَتَوَحَدُ فيه لتلاوةِ الزَّبورِ، ولصلاته إذا صلَّى، وكان أسْفَلَ منه جُنَيْنَةٌ لرجلٍ من بنى إسرائيلَ، [وكان] (٧) عند ذلك الرجل المرأةُ التي أصابَ داودُ فيها ما أصابَهُ (٨). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، أن داودَ حينَ دخَل محرابَه ذلك اليوم قال: لا يدْخُلَنَّ

стр. 13470

عليَّ محرابي اليوم أحدٌ حتى الليلِ، ولا يَشْغَلْنى شيءٌ عما خَلَوتُ له حتى أُمْسِيَ. ودخل مِحْرابَه ونشَر زَبورَه يَقْرَؤُه، وفى المحرابِ كُوَّةٌ تُطْلِعُه على تلك الجنينة، فبَيْنَا هو جالسٌ يقرأُ زبورَه، إذ أقبلت حمامةٌ من ذهب، حتى وقَعَتْ في الكُوَّةِ، فرفَع رأسه فرَآها، فأَعْجَبَتْه. ثم ذكَر ما كان قال؛ لا يَشْغَلُه شَيْءٌ عما دخَل له، فنَكَّس رأسَه وأَقْبَل على زَبورِه، فتَصَوَّبَتِ الحمامةُ، للبلاءِ والاختبارِ، مِن الكُوَّةِ، فوقَعَتْ بين يديه، فتناولها بيده فاسْتَأْخَرَتْ غيرَ بعيدٍ، فَاتَّبَعَها، فنَهَضَت إلى الكُوَّةِ، فتناوَلها في الكُوَّةِ فتصَوَّبَتْ إلى الجنينةِ، فأَتْبَعَها بصرَه أين تَقَعُ، فإذا المرأةُ جالسةٌ تَغْتَسلُ، بهيئةٍ الله أعلمُ بها في [الجمالِ والحُسنِ والخَلْقِ] (١). فيَزْعُمون أنها لمَّا رَأته نَقَضَتْ رأسَها فوارَتْ به جسدَها منه واختطَفَتْ قلبَه، ورجَع إلى زبورِه ومجلسِه وهى من شأنه، لا يُفارِقُ قلبه ذكرُها، وتَمادَى به البلاءُ حتى أغزَى زوجَها، ثم أمرَ صاحبَ جيشه (٢) -فيما يزعُمُ أهل الكتابِ- أن يُقدِّم زوجها للمهالكِ، حتى أصابه بعضُ ما أرادَ به من الهلاكِ، ولداودَ تسعٌ وتسعون امرأةٌ، فلمَّا أُصِيب زوجها خطَبها داود، فنَكَحَها، فبعث اللهُ إليه وهو في محرابِه مَلَكَيْن يَخْتَصمان إليه، مثلاً يَضْرِبُه له ولصاحبِه، فلم يُرعْ داود إلا بهما واقفَين على رأسِه في محرابِه، فقال: ما أَدْخَلَكما عليَّ؟ قالا: لا تَخَفْ، لم ندخل لبأسٍ ولا لريبةٍ، ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ فجئناك لتَقْضِيَ بينَنَا، ﴿فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾. أي: احْمِلْنا على الحقِّ، ولا تُخالِف بنا إلى غيره. قال المَلَكُ الذى يتكلَّمُ عن أوريا ابنِ حنانيا، زوجِ المرأة: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي]. أي: على ديني، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾. أي: احمِلني عليها، ثم ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾. أي قهرنى في الخطابِ، وكان أقوى منى هو وأعزَّ، فحازَ نَعْجتي إلى نعاجِه،

стр. 13471

وترَكني لا شيء لي. فَغَضِب داود، فنظر إلى خَصْمِه الذي لم يتكلَّم، فقال: لئن كان صدَقنى ما يقولُ لأَضْرِبنَّ بين عينيك بالفأسِ. ثم ارْعَوَى داود فعرف أنه هو الذي يُرادُ؛ بما صنَع في امرأة أوريا، فوقع ساجدًا تائبًا مُنِيبًا باكيًا، فسجد أربعين صباحًا صائمًا لا يأكُلُ فيها ولا يشرَبُ، حتى أنْبَت دمعُه الخَضِرَ تحتَ وجهه، وحتى أنْدَب السجود في لحمِ وجهِه، فتابَ اللهُ عليه، وقَبِل منه. فيَزْعُمون أنه قال: أي ربِّ هذا غفرَتَ ما جنيتُ في شأن (١) المرأةِ، فكيف بدم القتيل المظلومِ؟ فقيل له: يا داود -فيما زعَم أهلُ الكتابِ- أما إن ربَّك لم (٢) يَظْلِمُه بدمِه، ولكنَّه سيسألُه إيَّاك فيُعْطِيه، فيَضَعُه عنك. فلما فُرِّج عن داودَ ما كان فيه، رسم (٣) خطيئته في كفِّه اليمنى؛ بطن راحتِه، فما رفَع إلى فِيهِ طعامًا ولا شرابًا قَطُّ إلا بكَى إذا رآها، وما قامَ خطيبًا في الناس قط إلا نشَر راحتَه، فاستقبل بها الناسَ، ليَرَوْا رسم (٣) خطيئته في يده (٤). حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ لَيْثًا يذكرُ عن مجاهد قال: لما أصابَ داود الخطيئة خَرَّ لله ساجدًا أربعين يوما، حتى نبت من دموعِ عينيه من البَقْلِ ما غَطَّى رأسَه، ثم نادَى: ربِّ قَرح الجبين، وجَمَدتِ العينُ، وداود لم يُرجع إليه في خطيئته شيءٌ. فنُودِى: أجائعٌ فتُطْعَمَ، أم مريضٌ فتشفى، أم مظلومٌ فيُنْتَصَرَ لك؟ قال: فنَحَب نَحْبةً هاجَ كلّ شيءٍ كان نَبَت، فعند ذلك غُفِر له، وكانت خطيئته مكتوبةً بكفّه يقرؤُها، وكان يؤتَى بالإناءِ ليشربَ فلا يشربُ إلا ثلثَه أو نصفَه، وكان يذكُرُ خطيئته، فيَنْتَحِبُ (٥) النَّحْبة تكادُ مفاصلُه يزولُ بعضُها مِن

стр. 13472

بعضٍ، ثم ما يُتِمُّ شرابَه حتى (١) حتى يملأَه من دموعِه، وكان يقالُ: إن دمعةَ داودَ تَعْدِلُ دمعة الخلائقِ، ودمعةَ آدم تعدلُ دمعة داود ودمعة الخلائق. قال: فهو يجيءُ يومَ القيامة خطيئته مكتوبةٌ بكفِّه، فيقولُ: ربِّ ذنبي ذنبي، قَدِّمْني. قال: فيُقَدَّمُ، فلا يَأْمَنُ، فيقولُ: ربِّ أَخُرْنى. فيُؤَخِّرُ فلا يأمن (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني ابن لَهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن يزيد الرَّقاشيِّ، عن أنس بن مالك، سمعه يقولُ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "إن داود النبي ﷺ حين نَظَر إلى المرأةِ فَأَهِمَّ، قطَع على بني إسرائيلَ بَعْثًا (٣) فأوصى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدوّ، فقَرَّبْ فلانًا بينَ يَدَى التابوتِ. وكان التابوتُ في ذلك الزمانِ يُسْتَنْصَرُ به؛ مَن قُدِّمَ بينَ يَدَى التابوتِ لم يَرْجِعْ حتى يُقْتَلَ أو يَنْهَزِمَ عنه الجيشُ، فقُتِل زوج المرأة، ونزل الملكان على داودَ يَقُصَّانِ عليه قصته، ففَطِن داود، فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا، حتى نبت الزرعُ مِن دموعِه على رأسه، وأكَلَت الأرضُ جَبينَه، وهو يقولُ في سُجُودِه -فلم أُحْصِ مِن الرَّقاشِيِّ إلا هؤلاء الكلمات-: رَبِّ، زَلَّ داودُ زَلَّةٌ أَبْعَدَ مِمَّا (٤) بينَ المشرقِ والمغرب (٥)، إن لم تَرْحَمْ ضعف داودَ وتَغْفِرْ ذنبه، جعلت ذنبه حديثا في

стр. 13473

الخُلُوفِ مِن بعدِه. فجاءه جبريلُ مِن بعدِ أربعين (١) ليلةً، فقال: يا داودُ إن اللهَ قد غفر لك الهَمَّ الذى هَمَمْتَ به. فقال داودُ: قد (٢) علمتُ أن الربَّ قادرٌ على أن يغفر لي الهَمَّ الذى هَمَمْتُ به، وقد عرَفتُ أن اللهَ عَدْلٌ لا يميلُ، فكيف بفلانٍ إذا جاء يومَ القيامةِ فقال: يا ربِّ دَمِى الذى عند داودَ؟ فقال جبريلُ: ما سألتُ ربَّك عن، ولئن شئتَ لأفْعَلَنَّ. قال: نعم. فعَرَج جبريلُ وسجَد داود، فمكَث ما شاء اللهُ، ثم نزَل فقال: قد سألتُ اللهَ يا داودُ عن الذى أَرْسَلْتَنى فيه. فقال: قُلْ لداودَ: إن اللهَ يَجْمَعُكما يومَ القيامة فيقولُ: هَبْ لي دمَك الذى عندَ داودَ. فيقولُ: هو لك يا ربِّ. فيقولُ: فإن لك في الجنةِ ما شئتَ وما اشتهيتَ عِوَضًا" (٣). حدَّثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بن مسلمٍ، قال: ثنا ابنُ جابرٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، أن كتابَ صاحبِ البعثِ جاء يَنْعِى مَن قُتِلَ، فَلَمَّا قَرَأَ داودُ نَعْيَ رجلٍ منهم رجَّع (٤)، فلمَّا انتَهى إلى اسمِ الرجلِ قال: كتَب اللهُ على كلِّ نفسٍ الموتَ. قال: فلما انْقَضَتْ عِدَّتُها خَطَبها. القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ

стр. 13474

شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: فَعَفَوْنا عنه، وصَفَحْنا له عن أن نُؤاخِذَه بخطيئته وذنبه ذلك، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى﴾. يقولُ: وإِن له عندَنا لَلْقُرْبَةَ منَّا يومَ القيامةِ. وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾: الذنب (١). وقولُه: ﴿وَحُسْنَ مَتَابٍ﴾. يقولُ: مَرْجعٍ ومُنْقَلَبٍ ينقلبُ إليه يومَ القيامة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك] (٢) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحُسْنَ مَتَابٍ﴾. أي: حُسْنَ مصيرٍ (٣).

стр. 13475

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿وَحُسْنَ مَئَابٍ﴾. قال: حسنَ المُنْقَلَبِ (١). وقوله: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلنا لداودَ: يا داودُ إنا اسْتَخْلَفْناك في الأرضِ، مِن بعدِ مَن كان قبلَك مِن رُسُلِنَا، حَكَمًا بين أهلها. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾: مَلَّكَه في الأرضِ. [وقوله:] (٢) ﴿فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. يقول (٣): بالعدل والإنصافِ، ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾. يقولُ: ولا تُؤْثِرُ هَواك، في قضائك بينهم، على [العدلِ والحقِّ] (٤) فيه، فتَجُورَ عن الحقِّ، ﴿فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فيميلَ بك اتِّباعُك هَواك، في قضائِك، على العدلِ والعملِ بالحقِّ - عن طريقِ اللهِ الذى جعَله لأهل الإيمان به، فتكونَ مِن الهالكين بضلالك عن سبيل الله. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين يَميلون عن سبيلِ اللهِ، وذلك: الحقُّ الذى شرَعه لعبادِه وأمَرهم بالعمل به، فيجورُون عنه في الدنيا -لهم في الآخرة، يومَ الحسابِ، عذابٌ شديدٌ على ضلالِهم عن سبيلِ اللهِ؛ ﴿بِمَا نَسُوا﴾ أمرَ الله. يقولُ:

стр. 13476

بما ترَكوا القضاءَ بالعدلِ، والعملَ بطاعةِ اللهِ [﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾] (١). و (٢) "يومَ الحسابِ" من صلةِ العذابِ الشديدِ. وبنحو الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العَوَّامُ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: هذا من التقديمِ والتأخيرِ، يقولُ: لهم يومَ الحسابِ عذابٌ شديدٌ بما نسُوا (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾. قال: نسُوا: ترَكوا (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما خلَقنا السماءَ والأرضَ وما بينهما عَبَثًا ولعبًا (٥)، ما خلَقناهما إلا ليُعْمَلَ فيهما بطاعتِنا، ويُنتهى إلى أمرِنا ونَهْينا.

стр. 13477

﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: [إن ظنًّا] (١) أنا خلَقنا ذلك باطلا ولَعِبًا ظَنُّ الذين كفروا بالله فلم يوحِّدوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنَّه لا ينبغى (٢) أن يَعْبَثَ، فيَتَيقَّنوا بذلك أنه لا يخلُقُ شيئًا باطلًا، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾. يعنى: مِن نارِ جهنمَ. وقوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أنجعَلُ (٣) الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه وعمِلوا بما أمَر الله به، وانتهوا عما نهَاهم، ﴿كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: كالذين يُشرِكون بالله ويعضُونه ويُخالفون أمرَه ونهيَه، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين اتَّقوا الله بطاعته وراقَبوه، فحَذِروا معاصيَه، ﴿كَالْفُجَّارِ﴾. يعني: كالكفارِ (٤) المُنتَهِكِين حرماتِ اللهِ. وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ : [وهذا القرآن] (٥) كتابٌ أنزَلناه إليك يا محمدُ مباركٌ، ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ليتَدبَّروا حُجَجَ اللهِ التى فيه، وما شرَع فيه مِن شرائعِه، فيَتَّعِظوا ويعمَلوا به. واختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿لِّيَدَّبَّرُوا﴾ بالياءِ، يعني: ليتَدَبَّرَ هذا القرآنَ مَن أرَسلناك إليه مِن قومِك يا محمدُ. وقَرأه أبو جعفرٍ وعاصمٌ: (لِتَدَبَّرُوا آياته) بالتاءِ (٦)، بمعنى: لتَتَدبَّرَه (٧) أنت يا محمدُ وأتباعُك.

стр. 13478

وأَولى القراءتَين عندَنا بالصوابِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان صَحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَاب﴾. يقولُ: وليعتبرَ أولو العقولِ والحِجا ما في هذا الكتابِ من الآياتِ، فيَرْتدعوا عما هم عليه مُقيمون مِن الضلالةِ، ويَنْتَهُوا إلى ما دَلَّهم عليه مِن الرشادِ وسبيلِ الصوابِ. وبنحو الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿أُولُوا الأَلْبَبِ﴾ قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أُولُوا الأَلْبَابِ﴾. قال: أَولو العقولِ مِن الناسِ. وقد بَيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ﴾ ابنَه ولدًا، [﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. يقولُ (٢): نعم العبدُ سليمانُ، ﴿إنَّهُ أَوَّابٌ﴾. يقولُ: إنه رجَّاعٌ إلى طاعةِ اللَّهِ،

стр. 13479

توَّابٌ إليه مما يكرهُه منه. وقيل: إنه عُنى به أنه كثيرُ الذكرِ للهِ والصلاةِ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: الأَوَّابُ المُسبِّحُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: كان مُطِيعًا للهِ، كثيرَ الصلاةِ (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّى قولَه: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾. قال: المُسَبِّحُ (٣). والمُسبِّح قد يكون في الصلاةِ والذكرِ، وقد بَيَّنَّا معنى الأوَّابِ، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه هاهنا (٤). وقولُه: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: إنه توَّابٌ (٥) إلى اللهِ مِن خطيئتِه التى أخْطأها إذْ عُرض عليه بالعشيِّ الصافناتُ] (٦). ف ﴿إِذْ﴾ مِن صلة ﴿أَوَّابٌ﴾، والصَّافنات جمعُ الصَّافِنِ من الخيل، والأنثى صافِنةٌ، والصافن منها عند بعضِ العرب: الذى يجمعُ بين يديه، ويَثْنِي طَرَفَ سُنْبُكِ إحدَى رجلَيه، وعندَ آخرين: الذي يجمعُ يدَيه، وزعَم الفراءُ أن

стр. 13480

الصافنَ هو القائمُ، يقالُ منه: صَفَنَتِ الخيلُ تَصْفِنُ صُفُونًا (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللهِ: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجَيَادُ﴾. قال: صُفُونُ الفرسِ رَفْعُ إحدى يَدَيْه، حتى يَكونَ على طرفِ الحافِرِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: صَفَن الفرسُ: رفع إحدَى يدَيه، حتى يكونَ على طرَفِ الحافِرِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. يعنى: الخيلَ، وصُفُونُها: قيامُها وبَسْطُها قوائمها (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾. قال: الخيلُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾. قال: الخيلُ، أخرجها الشيطان لسليمانَ، مِن مَرْج مِن مُرُوج البحر. قال: الخيلُ والبغالُ والحميرُ تَصْفِنُ، والصَّفْنُ أن تقومَ على ثلاثٍ، وترفعَ رجْلاً واحدةً، حتى يكونَ طرَفُ الحافِرِ على الأرضِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾:
следующие страницы →