← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 13756–13795 · переход к 13761.

стр. 13756

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). حدثنا عبد الحميد بن بيان السُّكّريُّ، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيلَ، عن سعيدِ بن جبير، قال: إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. فليَقُلْ: الحمدُ لله رب العالمين. ثم قرأ: ﴿فَادْعُوهُ (٢) مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). حدثني موسى (٤) بن عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جُبيرٍ، أنه كان يَسْتَحِبُّ إذا قال: لا إلهَ إلا الله. [أن يُتبعَها: الحمد لله رب العالمين] (٥). ثم قرأ هذه الآية: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). حدثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبرنا إسماعيلُ بن أبي خالد، عن عامر، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله وحدَه. فليَقُلْ بإثْرِها: الحمد لله ربِّ العالمين. ثم قرأ: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. القول في تأويل قوله : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : قُلْ يا محمد لمُشْرِكي قومك من قريشٍ: ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ أيُّها القومُ، ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهةِ

стр. 13757

والأوثان، ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي﴾. يقولُ: لما جاءني الآيات الواضحات من عند ربِّي. وذلك آيات كتاب الله الذي أنزَله عليه (١)، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأمرنى ربى أن أَذِلَّ لربِّ [العالمين ربِّ] (٢) كلِّ شيءٍ، ومالكِ كلِّ خلقٍ بالخضوع، وأَخْضَعَ له بالطاعةِ دون غيره من الأشياءِ. القول في تأويل قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [غافر: ٦٧]. يقول تعالى ذكرُه، آمرًا نبيّه محمدا ﷺ بتنَبْيِهِ مُشركي قومه على حُجَجه عليهم في وحدانيته: قُلْ يا محمد لقومِك: أُمِرتُ أن أُسلِمَ لربِّ العالمين، الذي صفته هذه الصفاتُ، وهى أنه خلق أباكم آدمَ من ترابٍ، ثم خلقكم من نُطْفَةٍ، ثم من علَقَةٍ بعد أن كنتم نُطَفًا، ثم يُخْرِجُكم طفلًا مِن بُطُونِ أمهاتكم صغارًا، ثم لتبلغوا أَشُدَّكم، فتتكاملَ قُوَاكم، ويَتناهَى شبابكم وتمام خلقكم، [ثم لتكونوا من بعد ما تَناهَى كمالُ قُواكم وتمام خلقكم] (٢) شُيوخًا، ومنكم من يُتوفّى من قبل أن يبلغ الشيخوخة، ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمَّى﴾. يقولُ: ولتَبْلُغُوا ميقاتًا مؤقَّتًا لحياتكم، وأجلا محدودًا لا تُجاوزونه، ولا تتقدَّمون قبله، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: وكى تَعْقِلُوا حجَجَ الله عليكم بذلك، وتتدبَّروا آياته، فتعرفوا بها أنه لا إله غيرُه فعل ذلك. القول في تأويل قوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾.

стр. 13758

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ : قُلْ لهم يا محمد: ﴿هُوَ الَّذِى يُحيِ وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: قُلْ لهم: ومِن صفتِه جلَّ ثناؤه أنه هو الذي يُحْيِي مَن يَشَاءُ بعد مماتِه، ويُميتُ مَن يشاءُ من الأحياءِ بعد حياتِه، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾. يقولُ: وإذا قضَى كونَ أمرٍ مِن الأمور التي يريد تكوينها، ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾. يعنى: للذى يريد تكوينه: ﴿كُن﴾. فيكون ما أراد تكوينه موجودا بغير مُعاناةٍ ولا كُلفةِ مؤنةٍ. وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾. يقول لنبيِّه محمد ﷺ : ألم تَرَ يا محمد إلى (١) هؤلاء المشركين من قومِك، الذين يُخاصمونك في حُجَحِ الله وآياته، ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. يقولُ: أَيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن الحقِّ، ويَعْدِلون عن الرُّشْدِ. كما حدثنا بشرٌ، قال ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾: أنى يُكَذِّبون ويَعْدِلُونَ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. قال: يُصْرَفون عن الحقِّ. واختلف أهل التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بها أهلُ القَدَرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن بشارٍ ومحمد بن المثنى، قالا: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن داود بن أبي هند، عن محمد بن سيرين، قال: إن لم تَكُنْ هذه الآية نزلت في القَدَريةِ فإنى لا أدرى فيمَن نزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى

стр. 13759

يُصْرَفُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَمْ نَكُن نَدْعُوا مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ﴾ (١). حدثني علي بن سهل، قال: ثنا زيد بن أبى الزرقاءِ، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن ابن سيرين، قال: إن لم يَكُنْ أهل القدر الذين يخوضون في آياتِ اللهِ فلا علم لنا به. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن (٢) الخير الزبادى (٣)، عن أبي قبيل، قال: أخبرني عقبة بن عامر الجُهَنيُّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "سَيَهْلِكُ من أُمتى أهل الكتاب وأهلُ اللَّبَنِ (٤). فقال عقبة: يا رسول الله، وما أهل الكتاب؟ قال: "قوم يتَعلَّمون كتاب الله يُجادِلون الذين آمنوا". فقال عقبةُ: يا رسول الله، وما أهلُ اللَّبَنِ (٤)؟ قال: "قومٌ يَتَّبِعون الشَّهَواتِ، ويُضَيِّعون الصَّلَواتِ" (٥). قال أبو قَبِيل: لا أحسَبُ المُكذِّبين بالقَدَرِ إلا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهلُ اللَّبَن (٤) فلا أحسبهم إلا أهل العمود (٦)، ليس عليهم إمام جماعةٍ، ولا يعرفون شهر رمضان. وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أهل الشركِ.

стр. 13760

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. قال: هؤلاء المشركون (١). والصوابُ مِن القول في ذلك ما قاله ابن زيد، وقد بيَّن الله حقيقة ذلك بقولِه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾، بكتابِ اللهِ، وهو هذا القرآنُ، و ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ في موضعِ خفضٍ ردًّا لها على ﴿الَّذِينَ﴾ الأُولى، على وجهِ النعتِ، ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾. يقولُ: وكذَّبوا أيضًا - مع تَكْذيبِهم بكتابِ اللهِ - بما أرسلنا به رُسُلَنا مِن إخلاصِ العبادة لله، والبراءةِ مما يُعبد من دونِه مِن الآلهة والأندادِ، والإقرارِ بالبعث بعدَ المماتِ للثواب والعقابِ. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾. وهذا تهديد من الله المشركين، يقولُ جلَّ ثناؤه: فسوف يعلم هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله، المكذِّبون بالكتاب، حقيقةَ ما تخبرهم به يا محمد، وصحةَ ما هم به اليوم

стр. 13761

مُكَذِّبون من هذا الكتاب، حينَ تُجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم في جهنم. وقرأت قرأةُ الأمصار: ﴿وَالسَّلَاسِل﴾ برفعها، عطفًا بها على ﴿الأَغْلَالُ﴾، على المعنى الذي بيَّنتُ، وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤه: (والسَّلاسِلَ يَسْحَبون) بنصب السلاسلِ [وفتح (يَسْحَبُون)، بمعنى: ويَسْحَبون السلاسلَ] (١)، ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ (٢). وقد حكى أيضًا عنه أنه كان يقولُ: إنما هو: وهم في السلاسلِ يُسْحَبون (٣). ولا يُجيرُ أهل العلم بالعربية خفض الاسم والخافض مضمرٌ. وكان بعضهم (٤) يقول في ذلك: لو أن مُتَوَهِّمًا قال: إنما المعنى: إذ أعناقهم في الأغلال وفي (٥) السلاسلِ يُسْحَبون. جازَ الخفضُ في "السلاسلِ" على هذا المذهب. وقال: مثله مما رُدَّ إلى المعنى قول الشاعر (٦): قد سالَمَ الحيَّاتُ منه القَدَما … الأُفْعُوانَ والشُّجَاعَ الأَرْقَما (٧) فنصب الشُّجاعَ، والحياتُ قبل ذلك مرفوعةٌ؛ لأن المعنى: قد سالَمت رِجْلَه الحياتُ وسالمتها، فلما احتاجَ إلى نصب القافيةِ، جعل الفعلَ من القدم واقعا على الحيَّاتِ.

стр. 13762

والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحجةِ عليه، وهو رفع "السلاسلِ" عطفًا بها على ما في قوله: ﴿فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ مِن ذكرِ ﴿الْأَغْلَالُ﴾. وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾. يقولُ: يَسحب هؤلاء الذين كذَّبوا في الدنيا بالكتاب زبانية العذاب يوم القيامة ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾؛ وهو ما قد انتهى حرُّه، وبلَغ غايتَه. وقوله: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. يقولُ: ثم هم (١) في نار جهنم يُحرقون، يقولُ: تُسْجَرُ بهم (٢) جهنم. أي: توقَدُ بهم. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يُسْجَرُونَ﴾. قال: تُوقَدُ بهم النارُ (٣). حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ: عن السُّديِّ: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال: يُحْرَقون في النارِ (٤). حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ فِي

стр. 13763

النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. قال: يُسْجَرون في النارِ؛ يُوقَدُ عليهم فيها. وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِن دُونِ اللَّهِ﴾. يقولُ: ثم قيل لهم (١): أين الذين كنتم تُشركون بعبادتكم إياهم (٢) من دونِ اللهِ، مِن آلهتِكم وأوثانِكم، حتى يُغيثوكم فيُنْقِذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذابِ، فإن المعبود يُغِيثُ مَن عبَده وخدَمه؟! وإنما يقالُ لهم هذا توْبيخًا وتَقْريعًا على ما كان منهم في الدنيا من الكفر بالله وطاعة الشيطانِ، فأجاب المساكين عند ذلك فقالوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾. يقولون (٣): عَدَلوا عنا، فأخذوا غير طريقنا، وتركونا في هذا البلاء، بل ما ضَلُّوا عَنَّا، ولكنا لم نَكُنْ نَدْعُو من قبل في الدنيا شيئًا. أي: لم نكن نعبد شيئًا. يقول الله تعالى ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَفِرِينَ﴾. يقولُ: كما أضلَّ هؤلاء الذين ضَلَّ عنهم في جهنم ما كانوا يعبدون في الدنيا من دونِ الله من الآلهة والأوثان آلهتهم وأوثانهم، كذلك يُضِلُّ الله أهل الكفر به عنه، وعن رحمته وعبادته، فلا يرحمهم فيُنَجِّيَهم من النارِ، ولا يُغِيتُهم فيُخَفِّفَ عنهم ما هم فيه من البلاء. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾. يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: هذا الذي فعلنا بكم أيها القومُ اليومَ؛ مِن تَعْذيبناكم العذابَ الذي أنتم فيه - بفَرَحِكم الذي كنتم تفرَحونه في الدنيا، بغير ما أذِن الله لكم به من الباطلِ والمعاصى، وبمرحكم فيها. والمرحُ: هو الأمرُ والبَطَرُ.

стр. 13764

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. قال: الفَرحُ والمَرحُ: الفَخْرُ والخُيَلاءُ، والعملُ في الأرضِ بالخطيئةِ، وكان ذلك في الشركِ، وهو مثلُ قولِه لقارونَ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وذلك في الشركِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾. قال: تَبْطَرون وتَأْشَرُون (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿تَمْرَحُونَ﴾. قال: تَبْطَرون. وقولُه: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ (٣) لهم: ادخُلوا أبوابَ جهنمَ السبعةَ، من كلِّ بابٍ منها جزءٌ مقسومٌ منكم خالدين فيها، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. يقولُ: فبئسَ مَنْزِلُ المُتَكبرين في الدنيا على اللهِ أن يُوَحِّدوه ويؤمِنوا برُسُلِه اليومَ - جهنمُ.

стр. 13765

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فاصبِرْ يا محمدُ على ما يُجادِلُك به هؤلاء المشركون في آياتٍ اللهِ التي أنزَلْناها عليك، وعلى تَكْذيبهم إياك، فإن الله مُنْجِزٌ لك فيهم ما وَعَدك؛ مِن الظَّفَرِ بهم (١) والعُلُوِّ عليهم، وإحلالِ العذابِ (٢) بهم، سُنَّتَنا (٣) في موسى بن عمرانَ ومَن كذَّبه، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإما نُرِيَنَّك يا محمدُ في حياتِك بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العذابِ والنِّقْمةِ أن يَحِلَّ بهم، ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ أن يَحِلَّ ذلك بهم، ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: فإلينا مصيرُك ومصيرُهم، فنحكُمُ عند ذلك بينَك وبينَهم بالحقِّ؛ بتَخْليدِناهم في النارِ، وإكرامِناك بجوارِنا في جناتِ النعيمِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ يا محمدُ، ﴿رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى أممِها، ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾. يقولُ: مِن أولئك الرسلِ (٤) الذين أرسلناهم (٥) إلى أممِهم مَن قَصَصْنا عليك نبأَهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ نبأَهم.

стр. 13766

وذُكر عن أنسٍ أنهم ثمانيةُ آلافٍ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا عليُّ بنُ شعيبٍ السِّمْسَارُ، قال: ثنا معنُ بنُ عيسى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المهاجرِ بن مِشمارٍ، عن محمدِ بن المُنْكَدرِ، عن يزيدَ بن أبانٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بُعِث النبيُّ ﷺ بعدَ ثمانيةِ آلافٍ مِن الأنبياء؛ منهم أربعةُ آلافٍ مِن بني إسرائيلَ (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن عُتْبَةَ بن عُتيبةَ البصريِّ العَبْدِيِّ، عن (٢) أبي سهلٍ، عن وهبِ بن عبدِ اللهِ بن كعبِ بن سَورٍ الأَزْدِيِّ، عن سَلْمَى (٣)، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "بعَث اللهُ أربعةَ آلافٍ نبيٍّ" (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ الحسينِ التِّرمِذِيِّ، قال: ثنا آدمُ بن أبي إياسٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عبدِ الله بن نُجِيٍّ (٥)، عن عليّ بن أبي طالبٍ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾. قال: بعَث اللهُ عبدًا حَبَشِيًّا نَبِيًّا، فهو الذي لم نَقْصُصْ (٦) عليك (٧).

стр. 13767

وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَلنا لرسولٍ ممن أرسَلناه من قبلِك، الذين قَصَصْناهم عليك، والذين لم نَقْصُصْهم عليك، إلى أممِها، أن يأتىَ قومَه بآيةٍ فاصلةٍ بينَه وبينَهم، إلا بإذنِ اللهِ له بذلك، فيأتِيَهم بها، يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه: فلذلك لم نجعلْ لك أن تأتىَ قومَك بما يَسْألونك من الآياتِ دونَ إذْننِا لك بذلك، كما لم نجعلْ لمَن قبلَك مِن رُسُلِنا، إلا أن نأذنَ له به، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾. [يقولُ: فإذا جاء قضاءُ اللهِ بينَ رسلِه وأممِها قُضِى بالحقِّ] (١). يعنى: بالعدلِ، وهو أن يُنَجِّيَ رُسُلَه والذين آمنَوا معهم، ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾. يقولُ: وهَلَك هنالك الذين أَبطَلوا؛ في قيلِهم الكذبَ، وافترائِهم على اللهِ، وادعائِهم له شريكًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ﴾ الذي لا تصلُحُ الأُلوهةُ إلا له، أيُّها المشركون به مِن قريشٍ، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾؛ مِن الإبلِ والبقرِ والغنمِ والخيلِ، وغيرِ ذلك مِن البهائمِ التي يَقْتَنيها أهلُ الدنيا (٢)؛ لمَرْكَبٍ أو لَمَطْعَمٍ، ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾. يعنى الخيلَ [والبغالَ] (١) والحميرَ، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يعنى الإبلَ والبقرَ والغنمَ. وقال: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾. ومعناه: لتركَبوا منها بعضًا، ومنها بعضًا تأكُلون. فحُذِف (٣) استغناءً بدلالةِ الكلامِ على ما حُذف.

стр. 13768

وقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾. [يقولُ: ولكم في الأنعامِ التي جعَلها لكم منافعُ] (١)، وذلك أنْ جعَل لكم من جلودِها ﴿بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وقولُه: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾. يقولُ: ولتَبْلُغوا بالحَمُولةِ على بعضِها؛ وذلك الإبلُ، ﴿حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾، لم تكونوا لِتَبْلُغوها (٢)، لولا هي، إلا بشِقِّ أنفسِكم. كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾. يعنى: الإبلُ تحملُ أثقالَكم إلى بلدٍ (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾: لحاجتِكم ما كانت (٤). قولُه: ﴿وَعَلَيْهَا﴾. يعنى: على هذه الإبل وما جانسها من الأنعامِ المركوبةِ، ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾. يعني: وعلى السفنِ، ﴿تُحْمَلُونَ﴾. يقولُ: نحملُكم على هذه في البَرِّ، وعلى هذه في البحرِ، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يقولُ: ويُرِيكُم حُجَجَه، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾. يقولُ: فأَيَّ حُجَجِ اللهِ التي يُرِيكم أيُّها الناسُ في السماءِ وفي

стр. 13769

الأرضِ تُنْكِرون صحتَها، فتكذِّبون من أجل فسادِها بتوحيدِ اللهِ، وتَدْعون مِن دونِه إلهًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أفلم يَسِرْ يا محمدُ هؤلاء المُجادِلوك (١) في آياتِ اللهِ مِن مُشركي قومِك في البلادِ، فإنهم أهلُ سفرٍ إلى الشامِ واليمنِ - رحلتُهم في الشتاءِ والصيفِ - فينظُروا فيما وَطِئوا من البلادِ إلى وقائِعنا بمَن أوقَعنا به مِن الأممِ قبلَهم، ويَرَوا ما أَحْلَلْنا بهم من بأسِنا بتكْذيبِهم رُسُلَنا وجُحُودِهم آياتِنا، كيف كان عُقْبَى تَكْذيبِهم؟ ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾. يقولُ: كان أولئك الذين من قبلِ هؤلاء المُكَذِّبيك مِن قريشٍ أكثرَ عددًا مِن هؤلاء، وأشدَّ بَطْشًا، وأقوى قوةً، وأبقَى في الأرضِ آثارًا؛ لأنهم كانوا يَنْحِتون مِن الجبالِ بيوتًا، ويتخِذون مصانعَ. وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾: المَشْيَ بأرجلِهم (٢). ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فلما جاءهم بأسُنا وسطوتُنا، لم يُغْنِ عنهم الذي كانوا يعمَلون من البيوتِ في الجبالِ، ولم يدفَعْ ذلك عنهم شيئًا، ولكنهم بادُوا جميعًا فهلَكوا. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾: فأَيُّ شيءٍ أغنَى عنهم؟ وعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ "ما" الأولى في موضعِ نصبٍ، والثانيةُ في موضعِ رفعٍ. يقولُ: فلهؤلاء المُجادِليك مِن قومِك يا محمدُ في أولئك مُعْتَبَرٌ إِن اعْتَبَروا، ومُتَّعَظٌ إِن اتَّعَظوا، وإِنَّ بِأسَنا إذا حلَّ

стр. 13770

بالقومِ المجرمين لم يدفعه دافعٌ، ولم يمنعْه مانعٌ، وهو بهم إن لم يُنِيبوا إلى تَصْديقِك واقعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءت هؤلاء الأممَ الذين مِن قبلِ قريشٍ المُكذِّبةَ رُسُلَها - رُسُلُهم الذين أرسَلهم اللهُ إليهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، يعنى: بالواضحاتِ مِن حُجَجِ اللهِ ، ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: فرِحوا، جهلًا منهم، بما عندَهم من العلمِ، وقالوا: لن نُبْعَثَ، ولن يُعَذِّبَنا اللهُ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. قال: قولُهم: نحن أعلمُ منهم، لن نُعَذَّبَ، ولن نُبْعَثَ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾: بجهالتِهم (٢). وقولُه: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وحَلَّ (٣) بهم مِن عذابِ اللهِ ما كانوا يَسْتَعْجِلون رُسُلَهم به؛ استهزاءً به وسخريةً.

стр. 13771

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: ما جاءتهم به رُسُلُهم مِن الحقِّ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما رَأَت هذه الأممُ المُكَذِّبةُ رُسُلَها ﴿بَأْسَنَا﴾. يعنى: عقابَ اللهِ الذي وَعَدتْهم رُسُلُهم قد حَلَّ بهم. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾. قال: النَّقِمات التي نزَلت بهم. وقولُه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. يقولُ: قالوا: أقرَرْنا بتوحيدِ اللهِ، وصَدَّقْنا أنه لا إلهَ غيرُه، ﴿وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾. يقولُ: قالوا (٢): وجَحَدنا الآلهةَ التي كُنَّا قبلَ وقتِنا هذا تُشْرِكُها في عبادتِنا الله، ونعبدُها معه، ونتخذُها آلهةً، فبَرِئْنا منها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلم يَكُ ينفعُهم تَصْدِيقُهم في الدنيا بتوحيدِ اللهِ، عندَ معاينتِهم عقابَه قد نزَل، وعذابَه قد حَلَّ؛ لأنهم صدَّقوا حين لا ينفعُ التَّصْدِيقُ

стр. 13772

مُصَدِّقًا، إذ كان قد مضَى حكمُ اللهِ في السابقِ من علمِه أن مَن تَابَ بعدَ نزولِ العذابِ به (١) مِن اللهِ على تكذيبِه، لم تنفعْه توبتُه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾: لمَّا رَأَوا عذابَ اللهِ في الدنيا، لم ينفعْهم الإيمانُ عندَ ذلك (٢). وقولُه: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. يقولُ: تَرَك اللهُ ﵎ إقالتَهم، وقبولَ التوبةِ منهم، ومراجعتَهم الإيمانَ باللهِ، وتصديقَ رُسُلِهم، بعدَ مُعاينتِهم بأسَه قد نزَل بهم؛ سُنَّتَه التي قد مضَت في خلقِه، فلذلك لم يُقِلْهم، ولم يقبلْ توبتَهم في تلك الحالِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾. يقولُ: كذلك كانت سنةُ اللهِ في الذين خَلَوا مِن قبلُ، إذا عايَنوا عذابَ اللهِ لم ينفعْهم إيمانُهم عندَ ذلك (٢). وقولُه: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهلَك عندَ مجيءِ بأسِ اللهِ، فغَبِنت صَفْقتُه، ووَضُع في بيعِه الآخرةَ بالدنيا، والمغفرةَ بالعذابِ، والإيمانَ بالكفرِ - الكافرون بربِّهم، الجاحِدون توحيدَ خالقِهم، المُتَّخِذون مِن دونِه آلهةً يعبُدونها مِن دونِ بارئِهم. آخرُ تفسيرِ سورةِ "حم المؤمن"

стр. 13773

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورةِ "فصلت" (١) القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد تقدَّم القولُ مِنَّا فيما مضَى قبلُ في معنى: ﴿حم﴾، والقولُ في هذا الموضعِ كالقولِ في ذلك (٢). وقولُه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا القرآنُ تنزيلٌ من عندِ الرحمنِ الرحيمِ، نزَّله على نبيِّه محمدِ ﷺ . ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. يقولُ: كتابٌ بُيِّنَت آياتُه. [كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾. قال: بُيِّنَت آياتُه] (٣). وقولُه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فُصِّلت آياتُه هكذا. وقد اختَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ "القرآنِ"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قولُه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾: الكتابُ خبرٌ (٤) لمبتدإ، أخبَر أن التنزيلَ

стр. 13774

كتابٌ، ثم قال: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ شغَل الفعلَ بالآياتِ حتى صارَت بمنزلةِ الفاعلِ، فنصَب "القرآنَ". وقال: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. على أنه صفةٌ (١)، وإن شئتَ جعلتَ نصبَه على المدحِ، كأنه حينَ ذكَره أقبَل في مدحِه (٢)، فقال: ذكَرنا قرآنًا عربيًّا بشيرًا ونذيرًا، وذكَرناه قرآنًا عربيًّا. وكان فيما مضَى مِن ذكرِه، دليلٌ على ما أضمرَ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: نصَب ﴿قُرْآنًا﴾ على الفعلِ، أي: فُصِّلت آياتُه كذلك. قال: وقد يكونُ النصبُ فيه على القطعِ؛ لأن الكلامَ تامٌّ عندَ قولِه: ﴿آيَاتُهُ﴾. قال: ولو كان رفعًا على أنه مِن نعتِ "الكتابِ" كان صوابًا، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]. قال (٣): وكذلك قولُه: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فيه ما في ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٤). وقولُه: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: فُصِّلت آياتُ هذا الكتابِ قرآنًا عربيًّا لقومٍ يعلَمون اللسانَ العربيَّ، ﴿بَشِيرًا﴾ لهم يُبَشِّرُهم إن هم آمَنوا به، وعمِلوا بما أُنزل فيه مِن حدودِ اللهِ وفرائضِه - بالجنةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾. يقولُ: ومُنْذِرًا مَن كذَّب به ولم يعملْ بما فيه، بأسَ (٥) اللهِ في عاجلِ الدنيا، وخلودَ الأبدِ في نارِ جهنمَ في آجلِ الآخرةِ. وقولُه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاستكبَر عن الإصْغاءِ له، وتَدبُّرِ ما فيه مِن حُجَجِ اللهِ، وأعرَض عنه، أكثرُ هؤلاء القومِ الذين أَنزل [اللهُ إليهم] (٦) هذا القرآنَ بشيرًا لهم ونذيرًا، وهم قومُ رسولِ اللهِ ﷺ ، ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. يقولُ: فهم لا يُصْغُون له فيسْمَعوه؛ إعراضًا عنه واستكبارًا.

стр. 13775

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء (١) المُعرضون عن آياتِ اللهِ مِن مُشْركي قريشٍ إذ دَعاهم محمدٌ نبيُّ اللهِ إلى الإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، و [التصديقِ بما] (٢) في هذا القرآنِ مِن أمرِ اللهِ ونهيِه، وسائرِ ما أُنزل فيه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾. يعني: في أَغْطيةٍ مما تَدْعُونا يا محمدُ إليه مِن توحيدِ اللهِ، وتَصْديقِك فيما جِئْتَنا به، لا نفقَهُ ما تقولُ، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾، وهو الثِّقْلُ، لا نسمعُ ما تَدْعُونا إليه. استثقالًا لِما يَدْعو إليه وكراهةً له. وقد مضَى البيانُ قبلُ عن معاني هذه الأحرفِ بشواهدِه، وذكرُ ما قال أهلُ التأويلِ فيه، فكَرِهنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (٣). وقد حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾. قال (٤): كالجَعْبةِ للنَّبْلِ (٥). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾. قال: عليها أَغْطِيةٌ، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾. قال: صَمَمٌ (٦). وقولُه: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾. يقولون: ومِن بينِنا وبينِك يا محمدُ

стр. 13776

ساترٌ، لا نجتمعُ مِن أجلِه نحن وأنت فيَرى بعضُنا (١) بعضًا، وذلك الحجابُ هو اختلافُهم في الدينِ؛ لأن دينَهم كان عبادةَ الأوثانِ، ودينَ محمدٍ ﷺ عبادةُ اللهِ وحدَه لا شريكَ له، فذلك هو الحجابُ الذي زعَموا أنه بينَهم وبينَ نبيِّ اللهِ، وذلك هو خِلافُ بعضِهم بعضًا في الدينِ. وقولُه: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾. يقولُ: قالوا له ﷺ : فاعمَلْ يا محمدُ بدينِك وما تقولُ إنه الحقُّ، إننا عامِلون بدينِنا وما نقولُ إنه الحقُّ، ودَعْ دعاءَنا إلى ما تَدْعونا إليه مِن دينِك، فإنا نَدَعُ دعاءَك إلى دينِنا. وأُدخلت "من" في قولِه: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾. والمعنى: وبينَنا وبينَك حجابٌ، توكيدًا للكلامِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُعرِضين عن آياتِ اللهِ مِن قومِك: أَيُّها القومُ، ما أنا إلا بشرٌ مِن بنى آدمَ مثلُكم في الجنسِ والصورةِ والهيئةِ (٢)، لستُ بمَلَكٍ، ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾. يقولُ: يوحِى اللهُ إليَّ ألَّا معبودَ لكم تصلُحُ عبادتُه إلا معبودٌ واحدٌ، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾. يقولُ: فاستقيموا إليه بالطاعةِ، ووَجِّهوا إليه وجوهَكم بالرغبةِ والعبادةِ، دونَ الآلهةِ والأوثانِ، ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾. يقولُ: وسَلُوه العفوَ لكم عن ذنوبِكم التي سلَفت منكم بالتوبةِ (٣) مِن شركِكم، يَتُبْ عليكم، ويغفرْ لكم.

стр. 13777

وقولُه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وصديدُ أهلُ النارِ، وما يسيلُ منهم للمُدَّعِين للهِ شريكًا، العابدين الأوثانَ دونَه، الذين لا يُؤتون الزكاةَ. فاختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: الذين لا يُعْطُون الله الطاعةَ التي تُطَهِّرُهم وتزكِّى، أبدانَهم، ولا يوحِّدونه، وذلك قولٌ يُذْكَرُ عن ابن عباسٍ. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال: هم الذين لا يَشْهَدون ألّا إلهَ إلا اللهُ (١). حدَّثني سعدُ (٢) بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: الذين لا يقولون: لا إله إلا اللهُ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين لا يُقِرُّون بزكاةِ أموالِهم التي فرَض (٤) اللهُ فيها، ولا يعطُونها أهلَها. وقد ذكَرنا أيضًا قائلى ذلك قبلُ (٥).

стр. 13778

وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال: لا يقرُّون بها ولا يؤمِنون بها، وكان يقالُ: إن الزكاةَ قَنْطرةُ الإسلامِ، فمَن قطَعها نجا، ومَن تخَلَّف عنها هلَك. وقد كان أهلُ الرِّدَّةِ بعد نبيِّ اللهِ قالوا: أما الصلاةُ فنصلِّي، وأما الزكاةُ فواللهِ لا نُغْصَبُ (١) أموالَنا. قال: فقال أبو بكرٍ: واللهِ لا أفرِّقُ بَينَ شَيءٍ جمَع اللهُ بينَه، واللهِ لو منَعونا (٢) عِقالًا مما فرَض اللهُ ورسولُه، لقاتَلْناهم عليه (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال: لو زكَّوا وهم مشرِكون لم ينفَعْهم. قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدُّون زكاة أموالِهم. وذلك أن ذلك هو الأشهرُ من معنى الزكاةِ، وإن في قولِه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. دليلًا على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفارَ الذين عُنُوا بهذه الآية كانوا لا يشهَدون ألّا إله إلا اللهُ، فلو كان قولُه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. مرادًا به الذين لا يشهَدون ألّا إله إلا اللهُ، لم يكُنْ لقولِه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. معنًى؛ لأنه معلومٌ أَنَّ مَن لا يشهدُ ألّا إِلهَ إِلَّا اللهُ لا يؤْمِنُ بالآخرة، وفي إتْباعِ اللهِ قولَه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. قولَه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. ما يُنبِئُ عن أن الزكاةَ في هذا الموضعِ معنيٌّ بها زكاةُ الأموالِ. وقولُه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾. يقولُ: وهم بقيامِ الساعةِ وبعْثِ اللهِ خلْقَه أحياءً من قبورِهم مِن بعدِ بلائِهم وفنائِهم (٤) - منكِرُون.

стр. 13779

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وعمِلوا بما أمرَهم اللهُ به ورسولُه، وانتهَوا عما نهَيَاهم (١) عنه، وذلك هو الصالحاتُ من الأعمالِ - ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: لَمَن فعَل ذلك أجرٌ غيرُ منقوصٍ عما وعَدهم أن يأجُرَهم عليه. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، وقد بيَّناه فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه (٢). وقد حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾: قال بعضُهم: غير منقوصٍ. وقال بعضُهم: غيرُ ممنونٍ عليهم (٣). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ: غيرُ منقوصٍ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 13780

قولَه: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. قال: محسوبٍ (١). وقولُه: ﴿قُلْ (٢) أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: قلْ يا محمدُ لهؤلاء المعرِضين عن آياتِنا من قومِك: إنكم أيُّها القوم لتكفرون بالذي خلَق الأرضَ في يومين] (٣). وذلك يومُ الأحدِ ويومُ الاثنينِ، وبذلك جاءت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَته العلماءُ، وقد ذكَرنا كثيرًا من ذلك فيما مضَى قبلُ (٤)، ونذكرُ بعضَ ما لم نذكُرْه قبلُ إن شاء اللهُ. ذكرُ بعضِ ما لم نذكُرْ فيما مضَى من الأخبارِ بذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو بكرِ بن عيَّاشٍ، عن أبي سعدٍ (٥) البقالِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ - قال هنادٌ: قرأتُ سائرَ الحديثِ على (٦) أبي بكرٍ - أن اليهودَ أتَتِ النبيَّ ﷺ فسأَلته عن خلقِ السماواتِ والأرضِ، قال: "خلَق اللهُ الأرضَ يومَ الأحَدِ والاثنينِ، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ وما فيهنَّ من منافِعَ، وخلَق يومَ الأربعاءِ الشجرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخرابَ، فهذه أربعَةٌ". ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. لِمَن سأل". قال: "وخلَق يومَ الخميسِ السماءَ، وخلَق يومَ الجُمُعةِ النجومَ والشمسَ والقمرَ والملائكةَ إلى ثلاثِ ساعاتٍ بقيَتْ منه، [فخلَق في أولِ ساعةٍ من هذه الثلاثةِ الآجالَ؛ حينَ يموتُ مَنْ ماتَ] (٧)، وفى الثانيةِ ألْقَى

стр. 13781

الآفةَ (١) على كلِّ شيءٍ مما يَنتفِعُ به الناسُ، وفى الثالثة آدمَ وأسْكَنه الجنةَ، وأمَر إبليسَ بالسجودِ له، وأخرَجه منها في آخرِ ساعةٍ". ثم قالت اليهودُ: ثم ماذا يا محمدُ؟ قال: "ثم اسْتَوَى على العرشِ". قالوا: قد أصَبتَ لو أتْمَمتَ. قالوا: ثم استراحَ. فغضِب النبيُّ ﷺ غضبًا شديدًا، فنزَل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (٢). حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن غالبِ بن غيلانَ (٣)، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إن الله خلَق يومًا واحدًا فسمَّاه الأحدَ، ثم خلَق ثانيًا فسمَّاه الاثنينِ، ثم خلَق ثالثًا فسمَّاه الثلاثاءَ، ثم خلَق رابعًا فسمَّاه الأربعاء، ثم خلَق خامسًا فسمَّاه الخميسَ. قال: فخَلَق الأرضَ في يومين؛ الأحد والاثنين، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ، فذلك قولُ الناسِ: هو يومٌ ثقيلٌ. وخلَق مواضعَ الأنهارِ والشجرَ (٤) يومَ الأربعاءِ، وخلَق الطيرَ والوحوشَ والهوامَّ والسباعَ يومَ الخميسِ، وخلَق الإنسانَ يومَ الجُمعةِ، [ففرَغ من خلقِ كلِّ شيءٍ يومَ الجمعةِ] (٥). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: في الأحدِ والاثنينِ. وقد قيل غيرُ ذلك، وذلك ما حدَّثنى القاسمُ بنُ بشرِ بن معروفٍ والحسينُ بنُ عليٍّ، قالا: ثنا حجاجٌ، قال ابن جريج: أخبَرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن أيوبَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن رافعٍ مولى أمِّ سلمة، عن أبي هريرةَ، قال: أخَذ

стр. 13782

رسولُ اللهِ ﷺ بيدى، فقال: "خلَق اللهُ التربةَ (١) يومَ السبتِ، وخلَق فيها الجبالَ يومَ الأحدِ، وخلَق الشجرَ يومَ الاثنينِ، وخلَق المكروهَ يومَ الثلاثاءِ، وخلَق النورَ يومَ الأربعاءِ، وبثَّ فيها الدوابَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ بعدَ العصرِ مِن يوم الجُمُعةِ آخِرَ خلْقٍ، في آخرِ ساعةٍ من ساعاتِ الجُمُعةِ، فيما بينَ العصرِ إلى الليلِ" (٢) وقولُه: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. يقولُ: وتجعَلون لمَن خلَق ذلك كذلك أندادًا. وهم الأكْفَاءُ مِن الرجالِ، [كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، عن أسباطَ، عن السديِّ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال: أكفاءً من الرجالِ] (٣)، تطيعُونهم في معاصى اللهِ (٤). وقد بيَّنا معنى النِّدِّ بشواهدِهِ فيما مضَى قبلُ (٥). وقولُه: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: الذي فعل هذا الفعلَ، وخلَق الأرضَ في يومين، مالكُ جميعِ الجنِّ والإنسِ، وسائرِ أجناسِ الخلقِ، وكلُّ ما دونَه مملوكٌ له، فكيف يجوزُ أن يكونَ له نِدٌّ، وهل يكونُ المملوكُ العاجزُ الذي لا يقدرُ على شيءٍ نِدًّا لمالكِه القادرِ عليه؟! القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل في الأرضِ التي خلَق في يومين جبالًا رواسيَ، وهى الثوابتُ في الأرضِ، ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾. يعني: من فوقِ الأرضِ على ظهرِها.

стр. 13783

وقولُه: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾. يقولُ: وبارَك في الأرضِ، فجعَلها دائمةَ الخيرِ لأهلِها. وقد ذُكِر عن السديِّ في ذلك ما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾. قال: أنبَت شجرَها. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: وقدَّر فيها أقواتَ أهلِها، يعنى أرزاقَهم ومعايشَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: أرزاقَها (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: قدَّر فيها أرزاقَ العبادِ؛ تلك الأقواتُ (٢). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. يقولُ: [أقواتَ أهلِها] (٣). وقال آخرون: بل معناه: وقدَّر فيها ما يُصلِحُها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن خُلَيدِ بن دَعْلَجٍ، عن قتَادةَ قولَه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: صلاحَها (٤).

стр. 13784

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدَّر فيها جبالَها وأنهارَها وأشجارَها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: خلَق فيها جبالَها وأنهارَها وبحارَها وشجرَها، وسكانَها من الدوابِّ كلِّها. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: جبالَها ودوابَّها وأنهارَها وبحارَها (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدَّر فيها أقواتَها من المطرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: من المطرِ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وقدَّر في كلِّ بلدةٍ منها ما (٣) لم يجعَلْه في الآخرِ منها؛ ليعيشَ (٤) بعضُهم من بعضٍ بالتجارةِ من بلدةٍ إلى بلدةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا أبو محصنٍ، قال: ثنا حصينٌ (٥)،

стр. 13785

عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: اليمانيُّ باليمنِ، والسابِريُّ بسابورَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو محصنٍ، عن حصينٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: اليمانيةُ باليمنِ، والسابريةُ بسابورَ، وأشباهُ هذا. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ حصينًا، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: في كلِّ أرضٍ قوتٌ لا يصلُحُ في غيرِها؛ اليمانيُّ باليمنِ، والسابريُّ بسابورَ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: البلدُ يكونُ فيه القوتُ أو الشيءُ لا يكونُ لغيرِه، ألَا ترى أن السابريَّ إنما يكونُ بسابورَ، وأن العَصْب (٣) إنما يكونُ باليمنِ، ونحوُ ذلك. حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ (٤) بنُ زيادٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: السابريُّ بسابورَ، والطيالِسةُ (٥) من

стр. 13786

الرَّيِّ (١). حدَّثني إسماعيلُ، قال: ثنا أبو النضرِ (٢) صاحبُ البصريِّ، قال: ثنا أبو عَوانة، عن مُطَرِّفٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. قال: السابريُّ بسابورَ، والطِيالسةُ من الرَّيِّ، والحِبَرُ من اليمنِ (٣). قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ أنه قدَّر في الأرضِ أقواتَ أهلِها، وذلك ما يَقوتُهم من الغذاءِ، ويُصلحُهم من المعاشِ، ولم يخصُصْ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾. أنه قدَّر فيها قوتًا دونَ قوتٍ، بل عمَّ الخبرَ عن تقديرِه فيها جميعَ الأقواتِ، ومما يقوتُ أهلَها ما لا يُصلحُهم غيرُه من الغذاءِ، وذلك لا يكونُ إلا بالمطرِ والتصرفِ في البلادِ؛ لما خصَّ به بعضًا دونَ بعضٍ، ومما أخرَج من الجبالِ من الجواهرِ، ومن البحرِ من المآكلِ والحليِّ، ولا قولَ في ذلك أصحُّ مما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قدَّر في الأرضِ أقواتَ أهلِها. لما وصَفنا من العلةِ. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾؛ لما ذكَرنا قبلُ من الخبرِ الذي رُوِّينا عن ابن عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وأن الله فرَغ من خلقِ الأرضِ وجميعِ أسبابِها ومنافِعها؛ من الأشجارِ والماءِ والمدائنِ والعمرانِ والخرابِ في أربعةِ أيامٍ، أولُهن يومُ الأحدِ، وآخرُهن يومُ الأربِعاءِ (٤). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: خلَق الجبالَ فيها وأقواتَ أهلِها وشجرَها وما ينبغِى لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربِعاءِ (٥).

стр. 13787

وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: قال: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. ثم قال: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾. لأنه يعنى أن هذا مع الأوّلِ أربعةُ أيامٍ، كما تقولُ: تزوَّجتُ أمسِ امرأةً، واليومَ ثِنتَينِ. وإحداهما التي تزوَّجتَها أمسِ. وقولُه: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: سواءٌ لمَن سأَل عن مبلغِ الأجلِ الذي خلَق اللهُ فيه الأرضَ، وجعَل فيها الرواسيَ من فوقِها والبرَكةَ، وقدَّر فيها الأقواتَ لأهلِها (١)، وجَده كما أخبَر اللهُ أربعةَ أيامٍ، لا يزِدْنَ على ذلك ولا يَنقُصْنَ منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾: مَن سأَل عن ذلك وجَده كما قال اللهُ تعالى. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. قال: مَن سأَل فهو كما قال اللهُ (٢). حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. يقولُ: مَن سأَل فهكذا الأمرُ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: سواءٌ لَمَن سأَل ربَّه شيئًا مما به الحاجةُ إليه من الرزقِ، فإن الله قد قدَّرَ له من الأقواتِ في الأرضِ، على قدرِ مسألةِ كلِّ سائلٍ منهم لو سأَله؛ [لما نفَذ] (٤) من عليه فيهم قبلَ أن يخلُقَهم.

стр. 13788

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾. قال: قدَّر ذلك على قدرِ مسائلِهم؛ يعلمُ ذلك أنه لا يكونُ من مسائِلهم شيءٌ، إلا شيءٌ قد علِمه قبلَ أن يكونَ. واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ، غيرَ أبي جعفرٍ والحسنِ البصريِّ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنصبِ. وقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ: (سَوَاءٌ) بالرفعِ. وقرأ الحسنُ (سَوَاءٍ) بالخفضِ (١). والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك قراءتُه بالنصبِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، ولصحةِ معناه، وذلك أن معنى الكلامِ: وقدَّر فيها أقواتَها سواءً لسائلِيها، على ما بهم إليه الحاجةُ، وعلى ما يُصلحُهم. وقد ذُكِر عن ابن مسعودٍ أنه كان يقرَأُ ذلك: (وَقَسَّم فيها أَقْوَاتَها) (٢). وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ ﴿سَوَاءً﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: من نصَبه جعَله مصدرًا، كأنه قال: استواءً. قال: وقد قُرِئ بالجرِّ، وجُعِل اسمًا للمستوياتِ، أي: في أربعةِ أيامٍ تامَّةٍ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: مَن خفَض ﴿سَوَاءً﴾ جعَلها من نعتِ الأيامِ، وإن شئتَ من نعتِ الأربعةِ، ومَن نصَبها جعَلها متصلةً بالأقواتِ. قال: وقد تُرفعُ كأنه ابتداءٌ، كأنه قال: ذلك سَوَاءٌ للسائلينَ. يقولُ: لمن أراد علمَه. والصوابُ من القولِ في ذلك أن يكون نصبُه إذا نُصِب حالًا من الأقواتِ، إذ كانت ﴿سَوَاءً﴾ قد شُبِّهت بالأسماءِ النكرةِ، فقيل: مرَرتُ بقومٍ سواءٍ. فصارت

стр. 13789

تتبعُ النكراتِ، وإذا تبِعت النكراتِ انقطَعت من المعارفِ، فنُصِبت، فقيل: مرَرتُ بإخوتِك سواءً. وقد يجوزُ أن يكونَ إذا لم يدخُلْها تثنيةٌ ولا جمعٌ أن تُشبَّهَ بالمصادرِ. وأما إذا رُفِعت، فإنما تُرفعُ ابتداءً بضميرِ ذلك ونحوِه. وإذا جُرَّت فعلى الإتباعِ للأيامِ، أو للأربعةِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: ثم ارتفَع إلى السماءِ. وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى قبلُ (١). [﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾. قيل إن ذلك الدخانَ من تنفس الماءِ حين تنفَّس. وقد بينَّا أقوالَ أهلِ العلمِ في ذلك فيما مضى قبلُ] (٢). وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقال اللهُ للسماءِ والأرضِ: جيئا بما خَلَقْتُ فيكما؛ أمَّا أنتِ يا سماءُ فَأَطْلِعي ما خلَقتُ فيكِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وأمَّا أنتِ يا أرضُ فأخرِجى ما خلَقتُ فيكِ من الأشجارِ والثمارِ والنباتِ، وتشقَّقى عن الأنهارِ، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾: جئنا بما أحْدَثَتَ فينا من خلقِكَ، مستجِيبينَ لأمرِكَ، لا نعصِى أمرَكَ. كما (٣) حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن سليمانَ بن موسى، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. قال: قال اللهُ للسماواتِ: أطلعِي شمسي وقمرى، وأطلعِي نجومي. وقال للأرضِ: شقِّقى أنهارَك، وأخرِجي ثمارَك. فقالتا: أعْطَيْنا (٤)

стр. 13790

طائِعين (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليَّةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن سليمانَ الأحولِ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿ائْتِيَا﴾: أعطِيَا، وفي قولِه: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾: قالتا: أعطَينا (٢). وقيل: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. ولم يُقَلْ: طائِعتَين. والسماءُ والأرضُ مؤنَّثتان (٣)؛ لأن النونَ والألفَ اللتين هما كنايةُ أسمائِهما في قولِه: ﴿أَتَيْنَا﴾. نظيرةُ كنايةِ أسماءِ المخبِرين من الرجالِ عن أنفسِهم، فأُجْرِىَ قولُه: ﴿طَائِعِينَ﴾ على ما جرَى به الخبرُ عن الرجالِ كذلك. وقد كان بعضُ أهلُ العربيةِ يقولُ: ذهَب به إلى السماواتِ والأرضِ ومَن فيهن. وقال آخرون منهم: قيل ذلك كذلك؛ لأنهما لما تكلَّمتا أشبَهتا الذكورَ من بني آدمَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ففرَغ من خلقِهن سبعَ سماواتٍ في يومين، وذلك يومُ الخميسِ ويومُ الجُمعةِ.

стр. 13791

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: استوَى إلى السماءِ وهى دخانٌ، من تنفُّسِ (١) الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، [ثم فتَقَها] (٢) فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميسِ والجمعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجُمعةِ؛ لأنه جُمِع فيه خلقُ السماواتِ والأرضِ (٣). وقولُه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. يقولُ: وألقَى في كلِّ سماءٍ من السماواتِ السبعِ ما أراد من الخلقِ. [وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك] (٤) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: ما أمَر به وأرادَه (٥). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق في كلِّ سماءً خلْقَها من الملائكةِ والخلقِ الذي فيها؛ من البحارِ وجبالِ البَرَدِ، وما لا يُعلمُ (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ

стр. 13792

سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق فيها شمسَها وقمرَها ونجومَها وصلاحَها (١). وقولُه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وزيَّنا السماءَ الدنيا إليكم أيُّها الناسُ بالكواكبِ، وهى المصابيحُ. كما (٢) حدَّثنا، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال: ثم زيَّن السماءَ الدنيا (٣) بالكواكبِ، فجعَلها زينةً، ﴿وَحِفْظًا﴾ من الشياطينِ. واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب بمعنى: وحفِظناها حِفْظًا، كأنه قال: ونحفظُها حفظًا. لأنه حينَ قال: زيَّنَّاها بمصابيحَ. قد أخبرَ أنه قد نظَر في أمرِها وتعهَّدها، فهذا يدلُّ على الحفظِ، كأنه قال: وحفظِناها حفظًا. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤) يقولُ: نُصِب ذلك على معنى: وحفظًا زيَّنَّاها؛ لأن الواوَ لو سقَطَت لكان: إنا زيَّنَّا السماءَ الدنيا حفظًا. وهذا القولُ الثاني أقربُ عندَنا إلى الصحةِ من الأولِ. وقد بيَّنا العلةَ في نظيرِ ذلك في غيرِ موضعٍ من هذا الكتابِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه. وقولُه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفتُ لكم من خَلْقىَ السماءَ والأرضَ وما فيهما، وتزيينيَ السماءَ الدنيا بزينةِ الكواكبِ، على ما بيَّنتُ (٥) - تقديرُ العزيزِ في نقمتِه من أعدائِه، العليمِ بسرائرِ عبادِه وعلانيتِهم، وتدبيرِهم على ما فيه صلاحُهم.

стр. 13793

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أعرَض هؤلاء المشركون عن هذه الحُججِ (١) التي بيَّنتَها لهم يا محمدُ، ونبَّهتَهم عليها، فلم يؤمِنوا بها، ولم يقِرُّوا أن فاعلَ ذلك هو اللهُ الذي لا إلهَ غيرُه، فقل لهم: أنْذَرتُكم أيُّها الناسُ صاعقةً تهلكُكم، مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ. وقد بيَّنا فيما مضَى أن معنى الصاعقةِ (٢) كلُّ ما أفسَد الشيءَ وغيَّرَه عن هيئتِه. وقيل: في هذا الموضع غنى بها وقيعةٌ (٣) من اللهِ وعذابٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. قال: يقولُ: أَنذَرْتُكم وقيعةٌ مثلَ وقيعةِ عادٍ وثمودَ (٤). [حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾] (٥). قال: عذابٌ مثلُ عذابِ عادٍ وثمودَ (٦). وقولُه: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. يقولُ: فقل: أنذَرْتُكم صاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ التي أهلكَتهم، إذ جاءت عادًا وثمودَ الرسلُ مِن بين أيديهم. فقولُه: ﴿إِذْ﴾ من صلةِ: ﴿صَاعِقَةِ﴾، وعُنِى بقولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾

стр. 13794

الرسلُ التي أَتَتْ إلى (١) الذين هلَكوا بالصاعقةِ من هاتين الأمَّتين، وعُنِى بقولِه: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من خلفِ الرسلِ الذين بُعِثوا إلى آبائِهم رسلًا إليهم، وذلك أن اللَّهَ بعث إلى عادٍ هودًا، فكذَّبوه من بعدِ رسلٍ [كانت قد جاءت آباءَهم فأهلكهم اللهُ ثم بعث صالحًا إلى ثمودَ من بعد رسلٍ] (٢) قد كانت تقدَّمَتْه إلى آبائِهم أيضًا، فكذبوهم (٣) فأُهلِكوا. [وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك] (٤) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ قال: الرسلُ التي كانت قبلَ هودٍ، والرسلُ الذين كانوا بعدَه، بعَث اللَّهُ قبلَه رسلًا، وبعَث من بعدِه رسلًا. وقولُه: هو ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: جاءتهم الرسلُ بألَّا تعبُدوا إلا اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقالوا لرسلِهم إذ دعَوهم إلى الإقرارِ بتوحيدِ اللَّهِ: لو شاء ربُّنا أن نوحِّدَه، ولا نعبُدَ من دونِه شيئًا غيرَه (٥)، لأنزَل إلينا ملائكةً من السماءِ، رسلًا بما تدعوننا أنتم إليه، ولم يرسِلْكم وأنتم بشرٌ مثلُنا، ولكنه رضِى عبادتَنا ما نعبُدُ؛ فلذلك لم يرسِلْ إلينا بالنهى عن ذلك ملائكةً.

стр. 13795

وقوله: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقول: قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسَلَكم به ربُّكم إلينا جاحدون غير مصدِّقين به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ قومُ هودٍ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ على ربِّهم، وتجبَّروا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تكبُّرًا وعُتُوًّا بغيرِ ما أذِن اللَّهُ لهم به، وقالوا: مَنْ أشدُّ منَّا [بطشًا وأقوى أجسامًا. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه] (١): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، وأعطاهم ما أعطاهم من عظَمِ الخلق وشدَّةِ البطشِ، ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ به فيحذَروا عقابَه، ويتَّقُوا سطوتَه بهم (٢)، لكفرِهم به، وتكذيبهم رسلَه، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ: وكانوا بأدلتنا وحججِنا عليهم يجحَدون. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسَلنا على عادٍ ريحًا صرصرًا. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الصرصرِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنها ريحٌ شديدةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٣)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: شديدةً.
следующие страницы →