← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 13791–13830 · переход к 13796.

стр. 13791

كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: استوَى إلى السماءِ وهى دخانٌ، من تنفُّسِ (١) الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، [ثم فتَقَها] (٢) فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميسِ والجمعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجُمعةِ؛ لأنه جُمِع فيه خلقُ السماواتِ والأرضِ (٣). وقولُه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. يقولُ: وألقَى في كلِّ سماءٍ من السماواتِ السبعِ ما أراد من الخلقِ. [وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك] (٤) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: ما أمَر به وأرادَه (٥). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق في كلِّ سماءً خلْقَها من الملائكةِ والخلقِ الذي فيها؛ من البحارِ وجبالِ البَرَدِ، وما لا يُعلمُ (٦). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ

стр. 13792

سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾. قال: خلَق فيها شمسَها وقمرَها ونجومَها وصلاحَها (١). وقولُه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وزيَّنا السماءَ الدنيا إليكم أيُّها الناسُ بالكواكبِ، وهى المصابيحُ. كما (٢) حدَّثنا، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ قال: ثم زيَّن السماءَ الدنيا (٣) بالكواكبِ، فجعَلها زينةً، ﴿وَحِفْظًا﴾ من الشياطينِ. واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿وَحِفْظًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب بمعنى: وحفِظناها حِفْظًا، كأنه قال: ونحفظُها حفظًا. لأنه حينَ قال: زيَّنَّاها بمصابيحَ. قد أخبرَ أنه قد نظَر في أمرِها وتعهَّدها، فهذا يدلُّ على الحفظِ، كأنه قال: وحفظِناها حفظًا. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤) يقولُ: نُصِب ذلك على معنى: وحفظًا زيَّنَّاها؛ لأن الواوَ لو سقَطَت لكان: إنا زيَّنَّا السماءَ الدنيا حفظًا. وهذا القولُ الثاني أقربُ عندَنا إلى الصحةِ من الأولِ. وقد بيَّنا العلةَ في نظيرِ ذلك في غيرِ موضعٍ من هذا الكتابِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه. وقولُه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي وصَفتُ لكم من خَلْقىَ السماءَ والأرضَ وما فيهما، وتزيينيَ السماءَ الدنيا بزينةِ الكواكبِ، على ما بيَّنتُ (٥) - تقديرُ العزيزِ في نقمتِه من أعدائِه، العليمِ بسرائرِ عبادِه وعلانيتِهم، وتدبيرِهم على ما فيه صلاحُهم.

стр. 13793

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أعرَض هؤلاء المشركون عن هذه الحُججِ (١) التي بيَّنتَها لهم يا محمدُ، ونبَّهتَهم عليها، فلم يؤمِنوا بها، ولم يقِرُّوا أن فاعلَ ذلك هو اللهُ الذي لا إلهَ غيرُه، فقل لهم: أنْذَرتُكم أيُّها الناسُ صاعقةً تهلكُكم، مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ. وقد بيَّنا فيما مضَى أن معنى الصاعقةِ (٢) كلُّ ما أفسَد الشيءَ وغيَّرَه عن هيئتِه. وقيل: في هذا الموضع غنى بها وقيعةٌ (٣) من اللهِ وعذابٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. قال: يقولُ: أَنذَرْتُكم وقيعةٌ مثلَ وقيعةِ عادٍ وثمودَ (٤). [حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾] (٥). قال: عذابٌ مثلُ عذابِ عادٍ وثمودَ (٦). وقولُه: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾. يقولُ: فقل: أنذَرْتُكم صاعقةً مثلَ صاعقةِ عادٍ وثمودَ التي أهلكَتهم، إذ جاءت عادًا وثمودَ الرسلُ مِن بين أيديهم. فقولُه: ﴿إِذْ﴾ من صلةِ: ﴿صَاعِقَةِ﴾، وعُنِى بقولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾

стр. 13794

الرسلُ التي أَتَتْ إلى (١) الذين هلَكوا بالصاعقةِ من هاتين الأمَّتين، وعُنِى بقولِه: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من خلفِ الرسلِ الذين بُعِثوا إلى آبائِهم رسلًا إليهم، وذلك أن اللَّهَ بعث إلى عادٍ هودًا، فكذَّبوه من بعدِ رسلٍ [كانت قد جاءت آباءَهم فأهلكهم اللهُ ثم بعث صالحًا إلى ثمودَ من بعد رسلٍ] (٢) قد كانت تقدَّمَتْه إلى آبائِهم أيضًا، فكذبوهم (٣) فأُهلِكوا. [وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك] (٤) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ قال: الرسلُ التي كانت قبلَ هودٍ، والرسلُ الذين كانوا بعدَه، بعَث اللَّهُ قبلَه رسلًا، وبعَث من بعدِه رسلًا. وقولُه: هو ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: جاءتهم الرسلُ بألَّا تعبُدوا إلا اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فقالوا لرسلِهم إذ دعَوهم إلى الإقرارِ بتوحيدِ اللَّهِ: لو شاء ربُّنا أن نوحِّدَه، ولا نعبُدَ من دونِه شيئًا غيرَه (٥)، لأنزَل إلينا ملائكةً من السماءِ، رسلًا بما تدعوننا أنتم إليه، ولم يرسِلْكم وأنتم بشرٌ مثلُنا، ولكنه رضِى عبادتَنا ما نعبُدُ؛ فلذلك لم يرسِلْ إلينا بالنهى عن ذلك ملائكةً.

стр. 13795

وقوله: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾. يقول: قالوا لرسلهم: فإنا بالذي أرسَلَكم به ربُّكم إلينا جاحدون غير مصدِّقين به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ﴿فَأَمَّا عَادٌ﴾ قومُ هودٍ، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ على ربِّهم، وتجبَّروا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تكبُّرًا وعُتُوًّا بغيرِ ما أذِن اللَّهُ لهم به، وقالوا: مَنْ أشدُّ منَّا [بطشًا وأقوى أجسامًا. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه] (١): ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، وأعطاهم ما أعطاهم من عظَمِ الخلق وشدَّةِ البطشِ، ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ به فيحذَروا عقابَه، ويتَّقُوا سطوتَه بهم (٢)، لكفرِهم به، وتكذيبهم رسلَه، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ: وكانوا بأدلتنا وحججِنا عليهم يجحَدون. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأرسَلنا على عادٍ ريحًا صرصرًا. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الصرصرِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك أنها ريحٌ شديدةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٣)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: شديدةً.

стр. 13796

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾: شديدةَ السمومِ عليهم (١). وقال آخرون: بل عُنِى بها أنها باردةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: الصرصر: الباردةُ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: باردةً (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. قال: باردةً ذاتَ الصوت (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾. يقولُ: ريحٌ فيها بردٌ شديدٌ. قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ؛ وذلك أن قولَه: ﴿صَرْصَرًا﴾. إنما هو صوتُ الريحِ إذا هبَّت بشدةٍ، فسُمِع لها (٤)، كقولِ قائلٍ: "صرَّر" (٥). ثم جُعِل ذلك من أجلِ التضعيفِ الذي في الراءِ، فقال: ثم أُبدِلت إحدى الراءاتِ صادًا لكثرةِ الراءاتِ، كما قيل في ردَّده: ردْرَده. وفي نهَّهه (٦):

стр. 13797

نهنهه. كما قال رؤبة (١): فَالْيَوْمَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهى وأَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بالمُسَفَّهِ وكما قيل في كفَّفَه: كفْكَفه. كما قال النابغةُ (٢): أُكَفْكِفُ عَبْرَةً غَلَبَتْ عَزَائي (٣) … إِذا نَهْنَهْتُها عادَتْ ذُباحا (٤) وقد قيل: إن النهَرَ الذي يُسمَّى صَرْصرًا، إنما سُمِّي بذلك لصوتِ الماءِ الجارِى فيه، وإنه "فعلل" مِن "صرَّر" [نظيرُ الريحِ الصرصرِ] (٥). وقولُه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ النَّجِسات؛ فقال بعضُهم: غُنِى بها: المتتابِعاتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: أيامٍ متتابِعاتٍ، أَنزَلَ اللَّهُ فيهنَّ (٦) العذابَ. وقال آخرون: عُنِى بذلك: المشائيمُ (٧). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 13798

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: مشائيمَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾: أيامٍ واللَّهِ كانت مشئوماتٍ على القومِ. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: النحِساتُ: المشئوماتُ النَّكِداتُ (٢) حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: أيام مشئوماتٍ عليهم (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: أيامٍ ذاتِ شرٍّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: النَّحْسُ: الشرُّ، أرسل عليهم ريحَ شرٍّ، ليسَ فيها من الخيرِ شيءٌ. وقال آخرون: النَّحِساتُ: الشِّدادُ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. قال: شِدادٍ (٤).

стр. 13799

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بها أنها (١) مشائيمُ ذاتُ نحوسٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معنى النحسِ في كلامِ العربِ. وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّة قرأةِ الأمصارِ، غيرَ نافعٍ وأبى عمرٍو: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ بكسرِ الحاءِ. وقرَأه نافعٌ وأبو عمرٍو: (نَحْساتٍ) بسكونِ الحاء. وكان أبو عمرٍو، فيما ذُكر لنا عنه، يحتجُّ لتسكينهِ الحاءَ بقولِه: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]. وأن الحاءَ فيه ساكنةٌ (٢). والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ مع اتفاقِ معنيَيهما، وذلك أن تحريكَ الحاءِ وتسكينَها في ذلك لغتانِ معروفَتانِ، يقالُ: هذا يوم نحِسٌ، ويومٌ نَحْسٌ. بكسرِ الحاءِ وسكونِها، قال الفرَّاءُ: أنشَدني بعضُ العربِ: أبْلِغْ جُذَامًا وَلَخْمًا أنَّ إخْوَتَهُمْ … طَيًّا وبَهْرَاءَ قَوْمٌ نَصْرُهُمْ نَحِسُ (٣) وأما من السكون فقولُ اللَّهِ: ﴿يَوْمِ نَحْسٍ﴾، ومنه قولُ الراجزِ: يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسًا نَجْمَيْنِ بالسَّعْدِ ونَجْمًا نَحْسا فمن كان من (٤) لغتِه: يوْمُ نَحْسٌ. قال: (فِي أيامٍ نَحْساتٍ). ومن كان من (٤) لغتِهِ: يَوْمٌ نَحِسٌ قال: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾. وقد قال بعضُهم: النحِسَ بسكونِ الحاءِ: هو الشؤمُ نفسه، وإن إضافةَ اليومِ إلى النحْسِ، إنما هو إضافةٌ إلى الشؤمِ، وأن النحِسَ بكسرِ الحاءِ نعتٌ لليومِ بأنه مشئومٌ؛ ولذلك قيل: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾؛ لأنها أيامٌ مشائيمُ.

стр. 13800

وقوله تعالى ذكرُه: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه لننالَهم بهوانٍ في حياتِهم الدنيا بما نزَل بهم من العذابِ، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾] (١). يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولَعذابُنا إياهم في الآخرةِ أخزَى لهم وأشدُّ إهانةً وإذلالًا، ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. يقولُ: وهم، يعنى عادًا، لا ينصرُهم من اللَّهِ يومَ القيامةِ إذا عذَّبهم ناصرٌ، فينقِذَهم منه، أو ينتصرَ لهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: [وأمَّا ثمود] (١) فبينا لهم سبيلَ الحقِّ وطريقَ الرشدِ. كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: بيَّنا لهم (٢). [حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. أي: بيَّنا لهم سبيلَ الخيرِ والشرِّ] (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: بيَّنا لهم (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:

стр. 13801

﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾. قال: أعلَمْناهم الهدى والضلالة، ونهيناهم أن يتَّبعوا الضلالةَ، وأمرناهم أن يتَّبِعوا الهدى. وقد اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿ثَمُودُ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الأعمشِ وعبد اللَّهِ بن أبي إسحاقَ برفعِ "ثمودُ"، وتركِ إجرائِها، على أنها اسمٌ للأمةِ التي تُعرَفُ بذلك. وأما الأعمشُ فإنه ذُكِر عنه أنه كان يُجرِى ذلك في القرآنِ كلِّه إلا في قولِه: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]. فإنه كان لا يُجريه في هذا الموضعِ خاصةً من أجلِ أنه في خطِّ المصحفِ في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ، وكان يوجهُ "ثمودَ" إلى أنه اسمُ رجلٍ بعينِه معروفٍ، أو اسمُ جبلٍ (١) معروفٍ. وأما ابن إسحاقَ فإنه كان يقرؤُه: (وأما ثمود) نصبًا بغيرِ إجراءٍ (٢). وذلك وإن كان له في العربية وجهٌ (٣)، فإن أفصحَ منه وأصحَّ في الإعرابِ عندَ أهلِ العربيةِ الرفعُ؛ لطلبِ "أمّا" الأسماءَ، وأن الأفعالَ لا تليها، وإنما تُعمِلُ العربُ الأفعالَ التي بعدَ الأسماءِ فيها إذا حسُن تقديمُها قبلَها، والفعلُ في "أمَّا" لا يحسُنُ تقديمهُ قبلَ الاسمِ، ألا ترَى أنه لا يقالُ: وأما هدَينا فثمودَ. كما يقالُ: (وأمَّا ثَمُودَ فَهَديْناهُمْ). والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندنا الرفعُ وتركُ الإجراءِ، أما الرفعُ فلِما وصَفتُ، وأما تركُ الإجراءِ فلأنه اسمُ الأمةِ (٤). وقولُه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. يقولُ: فاختاروا العمَى على البيانِ الذي بيَّنتُ لهم، والهدى الذي عرَّفتُهم، بأخذِهم طريقَ الضلالِ ﴿عَلَى الْهُدَى﴾. يعنى: على البيانِ الذي بيَّنْتُه (٥) لهم، من توحيدِ اللَّهِ.

стр. 13802

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: اختارُوا الضلالةَ والعمَى على الهدى. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: أرسَل اللَّهُ إليهم الرسلَ بالهدى، فاستحَبُّوا العمَى على الهدى. حَّدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾. يقولُ: بيَّنا لهم، فاستحبُّوا العمَى على الهدى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. قال: استحبُّوا الضلالةَ على الهدى. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾. إلى آخر الآية [الأنعام: ١٠٨]. قال: فزُيِّن لثمودَ عملُها القبيحُ. وقرَأ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [فاطر: ٨]. وقولُه: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. يقولُ: فأهَلَكتهم من العذابِ المذلِّ المهينِ لهم مُهْلكةٌ أَذلَّتْهم وأَخْزَتْهم. والهُونُ: هو الهوانُ. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ:

стр. 13803

﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾. قال: الهوانُ (١). وقولُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الآثامِ بكفرِهم باللَّهِ قبلَ ذلك، وخلافِهم إياه، وتكذيبِهم رسلَه. وقولُه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: ونجَّينا (٢) من العذابِ الذي أخَذهم بكفرِهم باللَّهِ الذين وحَّدوا اللَّهَ، وصدَّقوا رسلَه ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقولُ: وكانوا يخافون اللَّهَ أن يُحِلُّ بهم من العقوبةِ على كفرِهم لو كفَروا، ما حلَّ بالذين هلَكوا منهم، فآمَنوا اتِّقاءَ اللَّهِ وخوفَ وعيدِه، وصدَّقوا رسلَه، وخلَعوا الآلهةَ والأندادَ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُجْمَعُ هؤلاء المشرِكون، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾: إلى نارِ جهنمَ، فهم يُحْبَسُ أَوَّلُهم على آخرِهم. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: يُحبسُ أوَّلُهم على آخرِهم (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. قال: عليهم وَزَعَةٌ تردُّ أُولاهم على أُخراهم (٤).

стр. 13804

وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾. يقولُ: حتى إذا ما جاءوا النارَ، شهِد عليهم سمعُهم بما كانوا يُصغُون به في الدنيا إليه ويستمِعون له، وأبصارُهم بما كانوا يُبصِرون به، وينظُرون إليه في الدنيا، ﴿وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد قيل: عُنِى بالجلودِ في هذا الموضعِ الفروجُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن الحَكَمِ الثقفيِّ، عن (١) رجلٍ من آلِ أبى عَقِيلٍ رَفَع الحديثَ: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾: إنما عَنَى فروجَهم، ولكن كنَّى عنها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنا حرملةُ، أنه سمِع عبيدَ اللَّهِ بنَ أبى جعفرٍ يقولُ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾. قال: جلودُهم: الفروجُ (٢). وهذا القولُ الذي ذكَرنا عمن ذكَرنا عنه في معنى الجلودِ، وإن كان معنًى يحتمِلُه التأويلُ، فليس بالأغلبِ على معنى الجلودِ، ولا بالأشهَرِ، وغيرُ جائزٍ نقلُ معنى ذلك المعروفِ على [ألسنِ العربِ] (٣) إلى غيرِه، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾.

стр. 13805

يقولُ تعالى ذكرُه: وقال هؤلاء الذين يُحشَرون إلى النارِ من أعداءِ اللَّهِ لجلودِهم، إذ شهِدت عليهم بما كانوا في الدنيا يعمَلون من معاصى اللهِ (١): ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ بما كنا نعملُ في الدنيا؟ فأجابتهم جلودُهم: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فنطَقنا. وذُكِر أن هذه الجوارحَ تشهدُ على أهلِها عندَ استشهادِ اللَّهِ إيَّاها (٢) عليهم، إذا هم أنكَروا الأفعالَ التي كانوا فعَلوها في الدنيا مما (٣) يُسخط اللَّهَ، وبذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . ذكرُ الأخبارِ التي رُوِيت بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ - حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ قادمٍ الخُزاعيُّ (٤)، قال: أخبَرنا شريكٌ، عن عبيدٍ المُكْتِبِ، عن الشعبيِّ، عن أنسٍ، قال: ضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يومٍ حتى بدَتْ نواجذُه، ثم قال: "ألا تسألُونى مِمَّ ضحِكتُ؟ ". قالوا: ممَّ ضحِكتَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عجِبتُ من مجادلةِ العبد ربَّه تعالى ذكره يومَ القيامةِ". قال: "يقولُ: يا ربِّ، أليسَ وعَدْتَنى أن لا تظلِمَني؟ ". قال: فإِنَّ لك ذلك. قال: فإنى لا أقبلُ عَلى شاهدًا إلا من نفسى. قال: أوَ ليس كفَى بى شهيدًا، وبالملائكةِ الكرامِ الكاتِبين؟ ". قال: "فيُختَمُ على فِيهِ، وتتكلَّمُ أركانُه بما كان يعملُ". قال: "فيقولُ لهن: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، عنكُنَّ كنتُ أجادِلُ" (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عبيدٍ المُكْتِبِ، عن

стр. 13806

فضيلِ (١) بن عمرٍو، عن الشعبيِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٢). حدَّثني عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ (٣)، عن شبلٍ، قال: سمِعت أبا قَزَعةَ يحدِّثُ عمرَو بنَ دينارٍ، عن حكيمٍ بن معاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال، وأشار بيدِه إلى الشامِ، قال: "هاهُنا إلى هاهُنا تُحْشَرون رُكبانًا ومشاةً على وجوهِكم يومَ القيامةِ، على أفواهِكم الفِدامُ (٤)، تُوَفُّون سبعين (٥) أُمةً أنتم آخِرُها وأكرمُها على اللَّهِ، وإن أولَ ما يُعْرِبُ من أحدِكم فَخِذُه" (٦). حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا الجُرَيريُّ، عن حكيمِ بن معاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "تجيئون يومَ القيامةِ على أفواهِكم الفِدامُ، وإنَّ أولَ ما يتكلَّمُ من الآدميِّ (٧) فَخِذه وكَفُّه" (٨). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن بَهْزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ما لي أُمسِكُ بحُجَزِكم من النارِ؟ ألا إن ربى

стр. 13807

داعيَّ، وإنه سائلى: هل بَلَّغتُ عبادَه؟ وإنى قائلٌ: رَبِّ قد بَلْغتُهم، فَيُبَلِّغُ شَاهِدُكم غائِبَكم، ثم إنكم مَدْعوُّون (١) مُفَدَّمةً أفواهُكم بالفِدامِ، ثم إن أولَ ما يُبِينُ عن أحدِكم لَفَخِذه وكَفُّه" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ خارجةَ، عن إسماعيلَ بن عياشٍ، عن ضمضمِ بن زُرْعةَ، عن شريحِ بن عبيدٍ، عن عقبةَ، سمِع النبيَّ ﷺ يقولُ: "إن أولَ عَظْمٍ يتكلَّمُ من الإنسانِ يومَ يُختمُ على الأفواهِ، فَخِذُه من الرِّجُلِ الشِّمالِ" (٣). وقولُه: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ خلَقكم الخلقَ الأوَّلَ ولم تكونوا شيئًا، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه مصيرُكم من بعدِ مماتِكم. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ في الدنيا ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ يومَ القيامةِ ﴿سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾. واخْتلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: وما كنتم تَسْتَخْفُون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. أي: تَسْتَخْفُون منها (٤).

стр. 13808

وقال آخرون: معناه: وما كنتم تتَّقون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. قال: تتَّقون (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما كنتم تظنُّون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. يقولُ: وما كنتم تظنُّون ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُ﴾ حتى بلَغ: ﴿كَثِيرًا مِمَّا (٢) تَعْمَلُونَ﴾. واللَّهِ إن عليك يا بنَ آدمَ لشهودًا (٣) غير مُتَّهمةٍ من بدنِك، فراقِبْهم، واتقِ اللَّهِ في سرِّ أمرِك وعلانيتِك، فإنه لا يخفَى عليه خافيةٌ، الظلمةُ عنده ضوءٌ، والسرُّ عندَه علانيةٌ، فمن استطاع أن يموتَ وهو باللَّهِ حسَنُ الظنِّ فليفعَلْ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ (٤). قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معنى ذلك: وما كنتم تَسْتَخفُون، فتترُكوا ركوبَ محارمِ اللَّهِ في الدنيا، حَذارَ (٥) أن يشهَدَ عليكم

стр. 13809

سمعُكم وأبصارُكم اليومَ. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ؛ لأن المعروفَ من معاني الاستتارِ (١) الاستخفاءُ. فإن قال قائلٌ: وكيف يستخفِى الإنسانُ عن نفسِه بما (٢) يأتى؟ قيل: قد بيَّنا أن معنى ذلك إنما هو ألَّا يأتى الذنبَ (٣)، وفى تركِه إتيانَه إخفاؤُه عن نفسِه. وقولُه: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولكن حسِبتم حينَ ركِبتم في الدنيا ما ركِبتم من معاصى اللَّهِ، أَن اللَّهَ لا يعلَمُ كثيرًا مما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ؛ فلذلك لم تَسْتَتِروا أن يشهَدَ عليكم سمعُكم وأبصارُكم وجلودُكم، فتتركوا ركوبَ ما حرَّم اللَّهُ عليكم. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت من أجلِ نفرٍ تَدَارءُوا بينَهم في علمِ اللَّهِ، بما يقولونه ويتكلَّمون به سرًّا. ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثني محمدُ بن يحيى القُطَعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا قيسٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ الأزديِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: كنتُ مستتِرًا بأستارِ الكعبةِ، فدخَل ثلاثةُ نفرٍ، ثَقَفِيَّان وقُرشيٌّ، أو قُرَشِيَّان وثَقَفيٌّ، كثيرٌ شحومُ بطونِهما، قليلٌ فقهُ قلوبِهما، فتكلَّموا بكلامٍ لم أفهَمْه، فقال أحدُهم: أتُرَون أن اللَّهَ يسمعُ ما نقولُ؟ فقال الرجلانِ: إذا رفَعنا أصواتَنا سمِع، وإذا لم نرفَعْ أصواتَنا (٤) لم يسمَعْ. فأتَيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فذكَرْتُ له ذلك، فنزَلت هذه الآيةُ:

стр. 13810

﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآية (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى الأعمشُ، عن عُمارةَ بن عميرٍ، عن وهبِ بن ربيعةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: إنى لمستتِرٌ بأستارِ الكعبةِ، إذ دخَل ثلاثةُ نفرٍ؛ ثقفيٌّ وخِتناه قُرَشِيَّان، قليلٌ فقهُ قلوبِهما، كثيرةٌ شحومُ بطونِهما، فتحدَّثوا بينَهم بحديثٍ، فقال أحدُهم: أتَرى اللَّهَ يسمعُ ما قلنا؟ فقال الآخرُ: إنه يسمعُ إذا رفَعنا، ولا يسمعُ إذا خفَضنا. وقال الآخرُ إن كان يسمعُ منه شيئًا فإنه يسمعه كلَّه، قال: فأتَيتُ رسولَ اللَّهَ ﷺ ، فذكَرتُ ذلك له، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾، فقرأ حتى بلَغ: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه (٣). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا، من ظنِّكم أن اللَّهَ لا يعلمُ كثيرًا مما تعمَلون من قبائحٍ أعمالِكم ومساوئِها - هو ظنُّكم الذي ظَننتم بربِّكم في

стр. 13811

الدنيا، ﴿أَرْدَاكُمْ﴾. يعنى: أهلَككم. يقالُ منه: أردَى فلانًا كذا وكذا. إذا أهلَكه، ورَدِيَ هو: إذا هلَك (١) فهو يردَى رَدًى، ومنه قولُ الأعشى (٢): أفى الطَّوفِ خِفتِ عليَّ الرَّدَى … وكم من ردٍ أهلَه لم يَرِمْ يعني: وكم من هالكٍ أهله لم يَرِمْ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾. قال: أهلَككم. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمر، قال: تلَا الحسنُ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾. فقال: [قال الله جل ثناؤه: "عبدي أنا عند ظنِّه بي، وأنا معه إذا دعانى". ثم نطق الحسنُ فقال] (٣): إنما عملُ [ابن آدمَ] (٤) على قدرِ [ظنَّه بربِّه] (٥)، فأما المؤمنُ فأحسَن باللَّهِ الظنَّ، فأحسَن العملَ، وأما الكافرُ والمنافقُ، فأساء الظنَّ، فأساء العملَ، قال ربُّكم: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ حتى بلَغ: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ (٦). قال معمر: وحدَّثني رجلٌ: إنه يؤمَرُ برجلٍ إلى النارِ، فيلتفتُ فيقولُ: يا ربِّ ما كان هذا ظني بك. قال: "وما كان ظنُّك بى"؟ قال: كان ظني أن تغفرَ لي ولا تعذِّبَنى. قال: "فإني عندَ ظنِّك بي" (٧).

стр. 13812

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الظنُّ ظنَّان؛ فظنٌّ منجٍ، وظنٌّ مُرْدٍ؛ قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]. قال: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]. وهذا الظنُّ المنجى، ظنَّ (١) ظنًّا يقينًا، وقال هاهنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾. هذا ظنٌّ مُرْدٍ (٢). وقوله: وَقالَ الكافِرُونَ: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ ويروِى ذلك عن ربِّه: "عبدى عندَ ظنِّه بي، وأنا معه إذا دعاني" (٣). وموضعُ قولِه: ﴿وَذَلِكُمْ﴾. رفعٌ بقولِه: ﴿ظَنُّكُمُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، كان قولُه: ﴿وَذَلِكُمْ﴾. في موضعِ نصبٍ، بمعنى: مُردِيًا لكم. وقد يحتمِلُ أن يكون في موضعِ رفع بالاستئنافِ، بمعنى: مُردٍ لكم، كما قال: (تلكَ آيَاتُ الكِتابِ الحَكيمِ هُدًى وَرَحْمَةٌ) [لقمان: ٢، ٣]. في قراءةِ من قرَأه بالرفعِ (٤). فمعنى الكلام: وهذا الظنُّ الذي ظنَنتم بربِّكم من أنه لا يعلمُ كثيرًا مما تعمَلون، هو الذي أهلَككم؛ لأنكم من أجلِ هذا الظنِّ اجترَأتم على محارمِ اللَّهِ، فتقدَّمْتم (٥) عليها، وركِبتم ما نهاكم اللَّهُ عنه، فأهلَككم ذلك وأرداكم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. يقولُ: فأصبَحتم اليومَ من الهالِكين؛ قد غُبِنتم ببيعِكم منازلَكم من الجنةِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ، من النارِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾.

стр. 13813

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن يصبِرْ هؤلاء الذين يُحْشَرُون إلى النارِ [على النارِ] (١)، فالنارُ مسكنٌ لهم ومنزلٌ، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾. يقولُ: وإن يسأَلوا العُتْبَى، وهى الرجْعةُ، لهم إلى الذي يُحِبُّون بتخفيف العذاب عنهم. ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾. يقولُ: فليسوا بالقومِ الذين يُرجَعُ بهم إلى الجنة، فيُخَفَّفُ عنهم ما هم فيه من العذابِ، وذلك كقوله جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. إلى قوله: ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨]. وكقولِهم الخَزَنَةِ جهنمَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠]. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾. يعني تعالى ذكرهُ بقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾: وبعَثنا لهم نُظراءَ من الشياطيِن، فجعَلْناهم لهم قرناءَ قرناهم بهم، يُزَيِّنون لهم قبائحَ أعمالهم، فزيَّنوا لهم ذلك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾. قال: الشياطيَن (٢).

стр. 13814

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾. قال: شياطينَ (١). وقولُه: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: فزيَّن لهؤلاء الكفارِ قرناؤُهم من الشياطينِ ما بينَ أيديهم من أمرِ الدنيا، فحسَّنوا ذلك لهم، وحبَّبوه إليهم، حتى آثَروه على أمرِ الآخرةِ. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. يقولُ: وحسَّنوا لهم أيضًا ما بعدَ مماتِهم؛ بأن دعَوهم إلى التكذيبِ بالمعادِ، وأن من هلَك منهم فلن يُبْعَثَ، وألَّا ثوابَ ولا عقابَ حتى صدَّقوهم على ذلك، وسهُل عليهم فعلُ كلِّ ما يَشْتَهونه، وركوبٌ كلَّ ما يَلْتَذُّونه من الفواحشِ، باستحسانِهم ذلك لأنفسِهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمرِ الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمرِ الآخرةِ (٢). وقولُه: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ووجَب لهم (٣) العذابُ بركوبِهم ما ركِبوا مما زيَّن لهم قرناؤُهم، وهم من الشياطينِ. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَحَقَّ

стр. 13815

عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾. قال: العذابُ، ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وحقَّ على هؤلاء الذين قيَّضنا لهم قُرَناءَ من الشياطينِ، فزيَّنوا لهم ما بيَن أيديهم وما خلفَهم - العذابُ في أممٍ قد مضَت قبلَهم من ضُرَبائِهم، حقٌّ عليهم من عذابِنا مثلُ الذي حقَّ على هؤلاء، بعضِهم من الجنِّ وبعضِهم من الإِنسِ. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾. يقولُ: إن تلك الأممَ الذين حقَّ عليهم عذابُنا من الجنِّ والإنسِ - كانوا مغبونين ببيعِهم رضا اللَّهِ [بسخطِه ورحمتَه بعذابِه] (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه من مشرِكي قريشٍ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾. يقولُ: قالوا للذين يُطِيعونَهم من أوليائِهم من المشرِكين: لا تَسْمَعوا لقارِئُ هذا القرآنِ إذا قرَأه، ولا تُصْغُوا له، ولا تَتَّبِعوا ما فيه، فتَعْمَلوا به. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾. قال: هذا قولُ المشرِكين، قالوا: لا تَتَّبعوا هذا القرآنَ والغَوْا (٢) عنه (٣). وقولُه: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾. يقولُ: الغَطُوا بالباطلِ من القولِ إذا سمِعتُم قارِئَه يَقْرَؤُه؛ كَيْما لا يَسْمَعوه (٤) ولا يَفْهَموا (٥) ما فيه.

стр. 13816

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. قال: المُكاءُ والتصفيرُ وتخليطٌ من القولِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، إذا قرَأ، قريشٌ تَفْعَلُه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾. قال: بالمُكاءِ والتصفيرِ والتخليطِ في المنطقِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، إذا قرَأ القرآنَ، قريشٌ تَفْعَلُه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. أي: اجحَدوا به وأَنْكِروه وعادُوه، قال: هذا قولُ مشرِكى العربِ (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال بعضُهم في قولِه: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾. قال: تَحَدَّثوا وضِجُّوا (٣) كَيْما لا يَسْمَعوه (٤).

стр. 13817

وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. يقولُ: لعلكم بفعِلكم ذلك تَصُدُّون من أراد استماعَه عن استماعِه، فلا يَسْمَعُه، وإذا لم يَسْمَعْه ولم يَفْهَمْه لم يَتَّبِعْه، فتَغْلبون بذلك من فعلِكم محمدًا ﷺ . قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ باللَّهِ من مشرِكى قريشٍ الذين قالوا هذا القولَ - عذابًا شديدًا في الآخرةِ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ولنُثِيبَنَّهم على فعِلهم ذلك وغيرِه من أفعالِهم بأقبحِ جزاءِ أعمالِهم التي عمِلوها في الدنيا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الجزاءُ الذي نَجْزِى به هؤلاء الذين كَفروا بآياتِنا (١) من مشرِكى قريشٍ - جزاءُ أعداءِ اللَّهِ. ثم ابتَدَأ جل ثناؤه الخبرَ عن صفةِ ذلك الجزاءِ، وما هو؟ فقال: هو النارُ. فالنارُ بيانٌ عن الجزاءِ، وترجمةٌ عنه، وهى مرفوعةٌ بالردِّ عليه، ثم قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾. يعني: لهؤلاء المشرِكين باللَّهِ في النارِ ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾. يعني: دارُ المَكْثِ واللُّبثِ إلى غيرِ نهايةٍ ولا أمدٍ. والدارُ التي أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنها لهم في النارِ، هي النارُ، وحسُن ذلك لاختلافِ اللفظين، كما يُقالُ: لك من بلدتِك دارٌ صالحةٌ، ومن الكوفةِ دارٌ كريمةٌ. والدارُ: هي الكوفةُ والبلدةُ، فيَحْسُنُ ذلك لاختلافِ الألفاظِ. وقد ذُكِرَ (٢) أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (ذَلكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ دَارُ الخُلْدِ). ففى ذلك تصْحيحُ ما قلْنا من التأويلِ في ذلك، وذلك أنه تَرْجَمَ بالدارِ عن النارِ. وقولُه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. يقولُ: فِعْلُنا هذا الذي فعَلْنا

стр. 13818

بهؤلاء، من مُجازاتِنا إيَّاهم النارَ على فعلِهم - جزاءٌ منا لهم بجحودِهم في الدنيا بآياتِنا التي احتَجَجْنا بها عليهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين كفَروا باللَّهِ ورسولِه يومَ القيامةِ بعدَ ما أُدْخِلُوا جهنمَ: يا ربَّنا أَرِنا اللذَيْنِ أَضَلَّانا من خلقِك؛ من جنِّهم وإنسِهم. وقيل: إن الذي هو من الجنِّ إبليسُ، والذي هو من الإنسِ ابن آدمَ الذي قتَل أخاه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ الحدادِ، عن حَبَّةَ العُرَنيِّ (١)، عن عليّ بن أبى طالبٍ ﵁ في قولِه: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: إبليسَ الأبالسةِ وابنَ آدمَ الذي قتَل أخاه (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ عن سلمةَ، عن مالكِ بن حصينٍ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: إبليسَ، وابنَ آدمَ الذي قتَل أخاه (٣). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَلَمةَ بن

стр. 13819

كُهَيلٍ، عن أبي مالكٍ أو (١) ابن مالكٍ، عن أبيه، عن عليٍّ ﵁: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾. قال: ابنَ آدمَ الذي قتَل أخاه، وإبليسَ الأبالسةِ. حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عليّ بن أبى طالبٍ ﵁ في قولِه: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية، فإنهما ابن آدمَ القاتلُ، وإبليسُ الأبالسِ (٢). فأما ابن آدمَ، فيَدْعو به كلُّ صاحبِ كبيرةِ دخَل النارَ من أهلِ (٣) الدعوةِ، وأما إبليسُ فيَدْعو به كلُّ صاحبِ شركٍ، [يدعو بهما] (٤) في النارِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ هو الشيطانُ، وابنُ آدمَ الذي قتَل أخاه (٦). وقولُه: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾. يقولون: نَجْعَلْ هَذَيْنِ اللذَيْنِ أضلَّانا تحتَ أقدامنا؛ لأن أبوابَ جهنمَ بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وكلٌّ ما سفَل منها فهو أشدُّ على أهلِه، وعذابُ أهلِه أغلظُ، ولذلك سأَل هؤلاء الكفارُ ربَّهم أن يُرِيَهم اللذَيْنِ أضلَّاهم، ليَجْعَلُوهما أسفلَ منهم؛ ليَكونا في أشدِّ العذابِ في الدركِ الأسفلِ من النارِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾.

стр. 13820

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحدَه لا شريكَ له، وتبرءوا من الآلهةِ والأندادِ، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيدِ اللَّهِ، ولم يَخْلِطوا توحيدَ اللَّهِ بشركِ غيرِه به، وانتَهوا إلى طاعتِه فيما أمَر ونهَى. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول اللَّهِ ﷺ ، وقاله أهلُ التأويلِ على اختلافِ منهم في معنى قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. ذكرُ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ - حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سَلْمُ (١) بنُ قتيبةَ [أبو قتيبةَ] (٢)، قال: ثنا سُهَيْلُ (٣) ابن أبى حزمٍ القُطَعِيُّ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ ما قرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: قد قالها الناسُ، ثم كفَر أكثرُهم، فمن مات عليها فهو ممن استَقامَ (٤). [واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾] (٥)؛ فقال بعضُهم: معناه: ثم (٦) لم يُشْرِكوا به شيئًا، ولكن بَقُوا (٧) على التوحيدِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ،

стр. 13821

عن عامرِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن نِمْرانَ (١)، قال: قرَأَتُ عندَ أبى بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: هم الذين لم يُشْرِكوا باللَّهِ شيئًا (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ بإسنادِه، عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁ مثلَه. قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن أبي بكرِ بن أبى موسى، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن أبي بكرٍ ﵁ أنه قال لأصحابِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: قالوا: ربُّنا اللَّهُ ثم عمِلوا بها، قال: لقد حمَلْتُمُوها على غيرِ المَحْمَلِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ الذين لم يَعْدِلُوها بشركٍ ولا غيرِه (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن أبى بكرِ بن أبى موسى، عن الأسودِ بن هلالٍ المحاربيِّ، قال: قال أبو بكرٍ ﵁: ما تَقولون في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: فقالوا: ربُّنا اللَّهُ ثم استَقاموا من ذنبٍ، قال: فقال أبو بكرٍ: لقد حمَلتُم على غيرِ المحمَلِ، قالوا ربُّنا اللَّهُ ثم استقاموا، فلم يَلْتَفِتوا إلى إلهٍ غيرِه.

стр. 13822

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: أي على لا إلهَ إلا اللَّهُ (١). قال: ثنا حكَّامٌ عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: أسلَموا ثم لم يُشْرِكوا به حتى لحِقوا به (٢). قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: هم الذين قالوا ربُّنا اللَّهُ ثم لم يُشْرِكوا به حتى لقُوه. قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن جامعِ بن شدادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ مثلَ ذلك. حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: تَمُّوا على ذلك. حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ (٣) بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استَقاموا على شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استَقاموا للهِ على طاعتِه.

стр. 13823

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن الزهريِّ، قال: تلا عمرُ ﵁ على المِنبَرِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استَقاموا واللَّهِ للهِ (١) بطاعتِه، ولم يَرُوغوا روغانَ الثعالبِ (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استَقاموا على طاعةِ اللَّهِ. وكان الحسنُ إذا تَلاها قال: اللَّهُمَّ أنت ربُّنا فارزُقْنا الاستقامةَ (٣). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. يقولُ: على أداءِ فرائضِه (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. قال: استقاموا على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِه (٥). وقولُه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. يقولُ: تتهبَّطُ عليهم الملائكةُ [من عندِ اللهِ] (٦) عندَ نزولِ الموتِ بهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 13824

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. قال: عندَ الموتِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: عندَ الموتِ (٢). وقولُه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. يقولُ: تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكةُ بألَّا تَخافوا ولا تَحْزَنوا، فـ "أن" في موضعِ نصبٍ إذ (٣) كان ذلك معناه. وقد ذُكِر عن عبدِ اللَّهِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ لا (٤) تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ بمعنى: تَتَنَزَّلُ عليهم قائلةً: لا تَخافوا ولا تَحْزَنوا. وعَنَى بقولِه: [﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾] (٥). ما تَقْدَمون عليه من بعدِ مماتِكم، ولا تحزنوا على ما تُخَلِّفونه وراءَكم.

стр. 13825

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. قال: لا تَخافوا ما أمامَكم، ولا تَحْزَنوا على ما بعدَكم. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمِ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾. قال: لا تَخافوا ما تَقْدَمون عليه من أمرِ الآخرةِ، ولا تَحْزَنوا على ما خَلَّفتم من دنياكم من أهلٍ [أو ولدٍ أو دينٍ] (١)، فإنا نَخْلُقُكم في ذلك كلِّه (٢). وقيل: إن ذلك في الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ فذلك في الآخرةِ (٣). وقولُه: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: وسُرُّوا بأن لكم في الآخرةِ الجنةَ التي كنتم تُوعَدُونَها في الدنيا، على إيمانِكم باللَّهِ واستقامتِكم على طاعتِه.

стр. 13826

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ ملائكتِه التي تتنَزَّلُ على هؤلاء المؤمنين به الذين استَقاموا على طاعتِه عندَ موتِهم: نحن أولياؤُكم * أيُّها القومُ، في الحياةِ الدنيا كنا نتولَّاكم فيها. وذُكر أنهم الحفَظَةُ الذين كانوا يَكْتُبون أعمالَهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: نحن الحَفَظةُ الذين كنَّا معَكم في الدنيا، ونحن أولياؤُكم في الآخرةِ (١). وقولُه: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾. يقولُ: وفي الآخرةِ أيضًا نحن أولياؤُكم كما كنا لكم في الدنيا أولياءَ. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾. يقولُ: ولكم في الآخرةِ عندَ اللَّهِ ما تَشْتَهى أنفسُكم من اللذّاتِ والشهواتِ. وقولُه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ ?. يقولُ: ولكم في الآخرةِ ما تدَّعون. وقولُه: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. يقولُ: أعطاكم ذلك ربُّكم، نزلًا لكم من ربِّ غفورٍ لذنوبِكم، رحيمٍ

стр. 13827

بكم أن يُعَاقِبَكم بعدَ توبِتكم. ونصَب "نُزُلًا" على المصدرِ من معنى قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾. لأن في ذلك تأويلَ أنزَلكم ربُّكم بما تَشْتَهون من النعيمِ "نُزُلًا". القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن أحسنُ أيُّها الناسُ قولًا ممن قال: ربُّنا اللَّهُ، ثم استَقام على الإيمانِ به، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه، ودعا عبادَ اللَّهِ إلى ما قال وعمِل به من ذلك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: تلا الحسنُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾. قال: هذا حبيبُ اللَّهِ، هذا وليُّ اللَّهِ، هذا صفوةُ اللَّهِ، هذا خِيرةُ اللَّهِ، هذا أحبُّ الخلقِ إلى اللَّهِ، أَجابَ اللَّهَ في دعوتِه، ودعا الناسَ إلى ما أجاب اللَّهَ فيه من دعوتِه، وعمِل صالحًا في إجابتِه، وقال: إنني من المسلمين، فهذا خليفةُ اللَّهِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 13828

قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. الآية، قال: هذا عبدٌ صدَّق قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيتُه، وشاهدَه مغيبُه، وإن المنافقَ عبدٌ خالَف قولَه عملُه، ومولجَه مخرجُه، وسرَّه علانيتُه وشاهدَه مغيبُه (١). واختلَف أهلُ العلمِ في الذي أُريد بهذه الصفةِ من الناسِ، فقال بعضُهم: عُنِى بها نبيُّ اللَّهِ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. قال: محمدٌ ﷺ حينَ دعا إلى الإسلامِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال: هذا رسولُ اللَّهِ ﷺ (٣). وقال آخرون: عُنِى به المؤذِّنُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني داودُ بنُ سليمانَ بن يزيدَ المُكْتِبُ البصريُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ جريرٍ البَجَليُّ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن قيسِ بن أبى حازمٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾. قال: المؤذنُ. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. قال:

стр. 13829

الصلاة ما بيَن الأذانِ إلى الإقامةِ (١). وقولُه: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾. يقولُ: وقال: إننى ممن خضَع للَّهِ بالطاعةِ، وذلَّ له بالعبودةِ، وخشَع له بالإيمانِ بوحدانيتِه. وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَسْتَوِى حسنةُ الذين قالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فأحسَنوا في قولِهم، وإجابتِهم ربَّهم إلى ما دعاهم إليه من طاعتِه، ودعَوا عبادَ اللَّهِ إلى مثلِ الذي أجابوا ربَّهم إليه، وسَيِّئةُ الذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ [فصلت: ٢٦]. فكذلك لا تَسْتَوِى عندَ اللَّهِ أحوالُهم ومنازلُهم، ولكنها تَخْتَلِفُ كما وصَف جل ثناؤُه أنه خالَف بينَهما، وقال جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾. فكرَّر "لا"، والمعنى: لا تَسْتَوى الحسنةُ والسيئةُ؛ لأن كلَّ ما كان غيرَ مساوٍ شيئًا، فالشيءُ الذي هو له غيرُ مُساوٍ؛ غيرُ مُساوِيه، كما أن كلَّ [ما كان غيرَ مساويًا لشيءٍ] (٢) فالآخرُ الذي هو له مساوٍ له، فيقالُ: فلانٌ مساوٍ فلانًا، وفلانٌ له مساوٍ، فكذلك فلانٌ ليس مساويًا لفلانٍ، ولا فلانٌ مساويًا له، فلذلك كُرِّرت "لا" مع السيئةِ، ولو لم تَكُنْ مكررةً معها كان الكلامُ صحيحًا. وقد كان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَقُولُ: يجوزُ أن يُقالَ: الثانيةُ زائدةٌ؛ يُريدُ: لا يَسْتَوِى عبدُ اللَّهِ وزيدٌ، فزِيدَت "لا" توكيدًا، كما قال: لِئَلَّا ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩]. أي: لأن يَعْلَمَ، وكما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢)﴾ [القيامة: ١، ٢]. وقد كان بعضُهم يُنكِرُ قولَه هذا ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، وفى قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾، فيقول: "لا" الثانيةُ في قولِه:

стр. 13830

﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ رُدَّت إلى موضعِها؛ لأن النفىَ إنما لحِق "يَقْدِرون" لا العلمَ، كما يُقالُ: لا أظنُّ زيدًا لا يقومُ، بمعنى: أظنُّ زيدًا لا يقومُ؛ قال: وربما استوثَقوا فجاءوا به أوَّلًا وآخرًا، وربما اكتَفَوا بالأولِ من الثاني. وحُكِى سماعًا من العربِ: ما كأنى (١) أَعْرِفُها: أي كأني لا أُعْرِفُها. قال: وأما "لا" في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾. فإنما هي (٢) جوابٌ، والقسمُ بعدَها مُسْتَأْنَفٌ، ولا يَكونُ حرفُ الجحدِ مُبْتَدأ صلةٍ. وإنما عَنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾: ولا يَسْتَوِى الإيمانُ باللَّهِ والعملُ بطاعتِه، والشركُ به والعملُ بمعصيتِه. وقولُه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ادفَعْ يا محمدُ بحلمِك جهلَ مَن جهِلَ عليك، وبعفوِك عمَّن أساءَ إليك إساءةَ المسئِ، وبصبِرك عليهم مكروهَ ما تَجِدُ منهم ويَلْقاك من قِبَلِهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في تأويلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. قال: أمَر اللَّهُ المؤمنين بالصبرِ عندَ الغضبِ، والحلمِ والعفوِ عند الإساءةِ، فإذا فعَلوا ذلك عصَمهم اللَّهُ من الشيطانِ، وخضَع لهم عدوُّهم، كأنه وليٌّ حميمٌ (٣).
следующие страницы →