والمسيءَ جزاءَه.
وفى قوله: ﴿أَنَّهُ﴾. وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ في موضعِ خفضٍ، على وجهِ تكريرِ الباءِ، فيكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: أو لم يَكْفِ بربِّك، بأنه (١) على كلِّ شيءٍ شهيدٌ؟ والآخرُ: أن يكونَ في موضعِ رفعٍ، رفعًا بقولِه: ﴿يَكْفِ﴾. فيكونَ معنى الكلامِ: أولم يَكْفِ بربِّك شهادتُه على كلِّ شيءٍ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: ألَا إن هؤلاء المكذِّبين بآياتِ اللَّهِ في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. يعنى: أنهم في شكٍّ مِن البعث بعدَ المَماتِ، ومَعادِهم إلى ربِّهم.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ: في شكٍّ [من لقاء ربِّهم] (٢).
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ألَا إن اللَّهَ بكلِّ شيءٍ مما خلَق محيطٌ علْمًا بجميعِه وقُدْرةً عليه، لا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ منه أراده فيَفوتَه، ولكنه المقتدرُ عليه، العالمُ بمكانِه.
آخرُ تفسير سورِة "حم السجدة"
والحمدُ للهِ وحدَه
стр. 13862
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "حم عسق"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾.
قد ذكَرْنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في معاني حروفِ الهِجاءِ التي افْتُتِحَت بها أوائلُ ما افْتُتِح بها مِن سورِ القرآنِ، وبيَّنا الصوابَ من قولِهم في ذلك عندَنا، بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتها في هذا الموضعِ، إذ كانت هذه الحروفُ نظيرةَ الماضيةَ منها (١).
وقد ذُكِر عن حُذيفةَ في معنى هذه خاصةً قولٌ، وهو ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَجدةَ الحَوْطيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحجاجِ الحِمْصيُّ، عن أرْطاةَ بن المنذرِ قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال له، وعندَه حُذيفةُ بنُ اليَمانِ: أَخْبِرْني عن تفسيرِ قولِ اللَّهِ:
﴿حم (١) عسق﴾. قال: فأطْرَق، ثم أعْرَض عنه، ثم كرَّر مقالتَه، فأعْرَض، فلم يُجِبْه بشيءٍ، وكرِه مقالتَه، ثم كرَّرها الثالثةَ، فلم يُجِبْه شيئًا، فقال له حذيفةُ: أنا أُنَبِّئُك بها، قد عرَفْتُ لمَ (٢) كرِهها (٣)؛ نزَلَت في رجلٍ مِن أهلِ بيتِه يقالُ له: عبدُ الإلهِ. أو: عبدُ اللَّهِ. يَنْزِلُ على نهرٍ مِن أنهارِ المشرقِ، يُبْنَى عليه مدينتان (٤)، يَشُقُّ النهرَ بينَهما شقًّا، فإذا
стр. 13863
أذِن اللَّهُ في زَوالِ ملكِهم، وانقطاعِ دولتِهم ومدتِهم، بعَث اللَّهُ على إحداهما نارًا ليلًا، فتُصْبحُ سوداءَ مظلمةً قد احْتَرَقَت، كأنها لم تَكُنْ مكانَها، وتُصْبحُ صاحبتُها مُتَعَجِّبةٌ كيف أفْلَتَت، فما هو إلا بياضُ يومِها ذلك حتى يَجْتَمِعَ (١) فيها كلُّ جبارٍ عنيدٍ منهم، ثم يَخْسِفُ اللَّهُ بها وبهم جميعًا، فذلك قولُه: ﴿حم (١) عسق﴾. يعنى: عزيمةٌ من الله وفتنة وقضاءٌ حُمَّ. "عينٌ" يعنى: عَدْلًا منه. "سينٌ" يعني: سيكونُ. و "قافٌ" (٢) يعنى: واقعٌ بهما (٣)؛ بهاتين المدينتين (٤).
وذكر عن ابن عباس أنه كان يَقْرَؤُه: (حم * سق) بغير عينٍ، ويقولُ: إن السينَ عُمْرُ كلِّ فرقةٍ كائنةٍ، وإن القافَ كلُّ جماعةٍ كائنةٍ، ويقولُ: إن عليًّا إنما كان يَعْلَمُ العينَ بها. وذُكِر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ على مثلِ الذي ذُكر عن ابن عباسٍ، مِن قراءتِه بغيرِ عينٍ (٥).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا يُوحِى إليك يا محمدُ وإلى الذين مِن قبلِك من أنبيائِه. وقيل: إن (حم عين سين ق) أُوحِيَت إلى كلِّ نبيٍّ بعث، كما أُوحِيَت إلى نبيِّنا ﷺ ، ولذلك قيل: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. في انتقامِه مِن أعدائِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيرِه خلقَه.
стр. 13864
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ ملكُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ مِن الأشياءِ كلِّها، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾. يقولُ: وهو ذو علوٍّ وارتفاعٍ على كلِّ شيءٍ، والأشياءُ كلُّها دونَه؛ لأنهم في سلطانِه، جاريةٌ عليهم قدرتُه، ماضيةٌ فيهم مشيئتُه، ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي له العظمةُ والكِبْرياءُ والجَبَرِيَّةُ (١).
وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَفَّقْنَ مِن فوقِ الأَرَضِينَ (٢)، مِن عظمةِ الرحمنِ وجَلالِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. قال: يعنى: من ثِقَلِ الرحمنِ وعظمتِه ﵎ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. أي: مِن عظمةِ اللَّهِ وجَلالِه.
стр. 13865
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾. قال: يَتَشَفَّقْنَ. في قوله: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. قال: مُنْشَقٌّ به (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ: يَتَصَدَّعْنَ من عظمةِ اللَّهِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ قال: جاء رجلٌ إلى كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أين ربُّنا؟ فقال له الناسُ: اتق اللَّهَ، أفتَسْأَلُ (٤) عن هذا؟ فقال كعبٌ: دَعُوه، فإِن يَكُ عالمًا ازْدادَ علمًا، وإن يَكُ جاهلًا تعَلَّمَ؛ سأَلْتَ أين ربُّنا، وهو على العرشِ العظيمِ مُتَّكِئٌ، واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى، ومسافةُ هذه الأرضِ التي أنت عليها مسيرةُ (٥) خمسِمائةِ سنةٍ، [ومِن الأرضِ إلى الأرضِ مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ] (٦)، وكثافتُها خمسِمائةِ سنةٍ، حتى تمَّ سبعُ أرَضِينَ، ثم مِن الأرضِ إلى السماءِ مسيرةُ خمسِمائةِ
стр. 13866
سنةٍ، وكثافتُها خمسُمائةِ سنةٍ، واللَّهُ على العرشِ متكئٌ، ثم تفَطَّرُ السماواتُ. ثم قال كعبٌ: اقْرَءوا إن شِئْتم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الآيةَ (١)
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والملائكةُ يُصَلُّون بطاعةِ ربِّهم وشكرِهم له، من هَيْبَةِ جَلالِه وعظمتِه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. قال: والملائكةُ يُسَبِّحون له من عظمتِه (٢).
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويَسْأَلُون ربَّهم المغفرةَ لذنوبِ مَن في الأرضِ مِن أهلِ الإيمانِ به.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: للمؤمنين (٢).
يقولُ الله : ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ مؤمنى عبادِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم أن يُعاقِبَهم بعدَ توبتِهم منها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ يا محمدُ مِن
стр. 13867
مشركي قومِك من دونِ اللَّهِ آلهةً يَتَوَلَّوْنها ويَعْبُدونَها، ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ يُحْصِى عليهم أفعالَهم ويَحْفَظُ أعمالَهم؛ ليُجازِيهم بها يومَ القيامةِ جزاءَهم، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. يقولُ: ولسْتَ أنت يا محمدُ بالوكيلِ عليهم بحفظِ أعمالِهم، وإنما أنت منذرٌ، فبلِّغْهم ما أُرْسِلْتَ به إليهم، فإنما عليك البلاغُ، وعلينا الحسابُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهكذا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسانِ العربِ؛ لأن الذين أرْسَلْتُك إليهم قومٌ عربٌ، فأَوْحَيْنا إليك هذا القرآنَ بألسنتِهم؛ ليَفْهَموا ما فيه من حججِ اللَّهِ وذكرِه؛ لأنا لا نُرْسِلُ رسولًا إلا بلسانِ قومِه؛ ليُبَيِّنَ لهم - ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهى مكةُ، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. يقولُ: ومَن حولَ أمِّ القرى مِن سائرِ الناسِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾. قال: مكةَ (١).
وقولُه: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. يقولُ : وتُنْذِرَ عقابَ اللَّهِ في يومِ جمعِ (٢) عبادِه لموقفِ الحسابِ والعَرْضِ. وقيل: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. والمعنى:
стр. 13868
وتُنْذِرَهم يومَ الجمعِ، كما قيل: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، والمعنى: يُخَوِّفُكم أولياءَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. قال: يومَ القيامةِ (١).
وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. يقولُ: لا شكَّ فيه.
وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. يقولُ: منهم فريقٌ في الجنةِ، وهم الذين آمنوا باللَّهِ، واتَّبَعوا ما جاءَهم به رسولُه ﷺ ، ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. يقولُ: ومنهم فريقٌ في المُوقَدةِ مِن نارِ اللَّهِ المسعورةِ على أهلِها، وهم الذين كفَروا باللَّهِ، وخالَفوا ما جاءهم به رسولُه.
وقد حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي قَبِيلٍ المَعَافريِّ، عن شُفَيٍّ الأَصْبَحَيِّ، عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ قال: خرَج علينا رسولُ الله ﷺ وفي يدِه كتابان، فقال: "هل تدرون ما هذا؟ ". فقلْنا: لا، إلا أن تُخْبِرَنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: "هذا كتابٌ مِن ربِّ العالَمين، فيه أسماءُ أهلِ الجنةِ، وأسماءُ آبائِهم وقبائلِهم، ثم أُجْمِل على آخرِهم، فلا يُزادُ فيهم، ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا، وهذا كتابُ أهلِ النارِ بأسمائِهم وأسماء آبائِهم، ثم أُجْمِل على آخرِهم، فلا يُزادُ ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا". قال أصحابُ رسولِ الله ﷺ : ففيمَ
стр. 13869
إذن نَعْمَلُ إن كان هذا أمرًا (١) قد فُرِغ منه؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "بل سَدِّدوا وقارِبوا، فإن صاحبَ الجنةِ يُخْتَمُ له بعملِ أهلِ الجنةِ، وإن عمِل أيَّ عملٍ، وإن صاحبَ النارِ يُخْتَمُ له بعملِ النارِ، وإن عمل أيَّ عملٍ، فرَغ ربُّكُم مِن العبادِ". ثم قال رسول اللَّهِ ﷺ بيديه فنبَذَهما: "فرَغ ربُّكم مِن الخلقِ، فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ". قالوا: سبحانَ اللَّهِ! فلمَ نَعْمَلُ ونَنْصَبُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "العملُ إلى خَواتِمه" (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ وحَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن [يحيى بن أبى أَسِيدٍ] (٣)، أن أبا فِراسٍ حدَّثه أنه سمِع عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو يقولُ: إن الله تعالى ذكْرُه لما خلَق آدمَ نفَضه نفضَ المِزُودِ، فأخْرَج منه كلَّ ذريةٍ، فخرَج أمثالُ النَّغَفِ (٤)، فقبَضَهم قبضتين، ثم قال: شقيٌّ وسعيدٌ. ثم ألْقاهما، ثم قبَضَهما فقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٥).
قال: أَخْبَرَنى عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي سويدٍ (٦)، حدَّثه عن ابن حُجَيْرةَ، أنه
стр. 13870
بلغَه أن موسى قال: يا ربِّ، خلْقُك الذين خَلَقْتَهم، جعَلْتَ منهم فريقًا في الجنةِ، وفريقًا في السَّعيرِ، لو ما أدْخَلْتَهم كلَّهم الجنةَ؟ قال: يا موسى، ارْفَعْ زرعَك. فرفَع، قال: قد رفَعْتُ. قال: ارْفَعْ. فرفَع، فلم يَتْرُكْ شيئًا، قال: يا ربِّ، قد رفَعْتُ. قال: ارْفَعْ. قال: قد رفَعْتُ إلا ما لا خيرَ فيه. قال: كذلك أُدْخِلُ خلقى كلَّهم الجنةَ إلا ما لا خيرَ فيه (١).
وقيل: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾. فرفَع. وقد تقدَّم الكلامُ قبلَ ذلك بقولِه: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ بالنصبِ؛ لأنه أُرِيد به الابتداءُ، كما يقالُ: رأَيْتُ العسكرَ؛ مقتولٌ أو منهزمٌ. بمعنى: منهم مقتولٌ، ومنهم منهزمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أراد الله أن يَجْمَعَ خلقه على هُدًى، ويَجْعَلَهم على ملةٍ واحدةٍ لَفعَل، ولجعَلَهم ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: أهلَ ملةٍ واحدةٍ، وجماعةً مجتمعةً على دينٍ واحدٍ، ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: لم يَفْعَلْ ذلك فيَجْعَلَهم أمةً واحدةً، ولكن يُدْخِلُ مَن يَشاءُ مِن عباده في رحمتِه. يعني أنه يُدْخِلُه في رحمته بتوفيقه إياه للدخولِ في دينه الذي ابْتَعَث به نبيَّه محمدًا ﷺ ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: والكافرون باللَّهِ ما لهم مِن وليٍّ يَتَوَلَّاهم يومَ القيامةِ، ولا نصيرٍ يَنْصُرُهم من عقابِ اللَّهِ حِينَ يُعاقِبُهم، فيُنْقِذَهِم مِن عذابِه، ويَقْتَصَّ لهم ممن عاقَبَهم. وإنما قيل هذا الرسولِ الله ﷺ ؛ تسليةً له عما كان يَنالُه مِن الهمِّ بتوليةِ قومِه عنه، وأمرًا له بتركِ إدخالِ المكروهِ على نفسِه، من أجلِ إدبارِ مَن أَدْبَر عنه منهم، فلم يَسْتَجِبْ لما دعاه إليه من الحقِّ، وإعلامًا له أن أمورَ عبادِه
стр. 13871
بيدِه، وأنه الهادى إلى الحقِّ من شاء، والمُضِلُّ مَن أراد دونَه ودونَ كلِّ أحدٍ سواه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أتَّخَذ (١) هؤلاء المشركون باللَّهِ من دونِ اللَّهِ أولياءَ يَتَوَلَّوْنهم، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. يقولُ: فاللَّهُ هو وليُّ أوليائِه، وإياه فلْيَتَّخِذوا وليًّا، لا الآلهةَ والأوثانَ، ولا ما لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا ولا نفعًا، ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾. يقولُ: واللَّهُ يُحْيِي الْمَوتى مِن بعدِ مَماتِهم، فيَحْشُرُهم يومَ القيامةِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾. يقولُ: واللَّهُ القادرُ على إحياءِ خلقِه مِن بعدِ مماتِهم، وعلى غيرِ ذلك، إنه ذو قدرةٍ على كلِّ شيءٍ (٢).
وقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما اخْتَلَفْتُم أيُّها الناسُ فيه من شيءٍ، فتنازَعْتُم بينَكم، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ هو الذي يَقْضِى فيه بينَكم، ويَفْصِلُ فيه الحكمَ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. قال ابن عمرٍو في حديثِه: فهو يَحْكُمُ فيه. وقال الحارثُ: فاللَّهُ يَحْكُمُ فيه (٣).
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ
стр. 13872
لهؤلاء المشركين باللَّه: هذا الذي هذه الصفاتُ صفاته ربي، لا [هذه الآلهةُ] (١) التي تَدْعُون مِن دونِه، التي لا تَقْدِرُ على شيءٍ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في أمورى، وإليه فوَّضْتُ أسبابي، وبه وثقْتُ، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. يقولُ: وإليه أَرْجِعُ في أمورى، وأتوبُ من ذنوبى.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، خالقُ السماواتِ السبعِ والأرضِ.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خالقُ (٢).
وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: زوَّجكم ربُّكم مِن أنفسِكم أزواجًا. وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾. لأنه خلَق حَوَّاءَ مِن ضِلَعِ آدمَ، فهن (٣) مِن الرجالِ. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجعَل لكم مِن الأنعامِ أزواجًا؛ من الضأنِ اثنين، ومِن المَعْزِ اثنين، ومِن الإبلِ اثنين، ومِن البقرِ اثنين، ذُكورًا وإناثًا، ومن كلَّ جنسٍ من ذلك، ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: يَخْلُقُكم فيما جعَل لكم من أزواجِكم، ويُعِيشُكم فيما جعَل لكم من الأنعامِ.
стр. 13873
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يَخْلُقُكم فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: نَسْلٌ بعدَ نَسْلٍ مِن الناسِ والأنعامِ (١).
حدَّثنا محمدٌ (٢)، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾. قال: يَخْلُقُكم (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: نَسْلٌ (٤) بعدَ نَسْلٍ من الناسِ والأنعامِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يَخْلُقُكم.
وقال آخرون: بل معناه: يُعِيشُكم فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 13874
أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: يَجْعَلُ لكم فيه معيشةً تَعِيشون بها (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: يُعِيشُكم فيه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾. قال: عيش من اللَّهِ يُعِيشُكم فيه.
وهذان القولان وإن اخْتَلَفا في اللفظِ مِن قائلَيْهما، فقد يَحْتَمِلُ توجيهُهما إلى معنًى واحدٍ، وهو أن يكونَ القائلُ في معناه: يُعِيشُكم فيه. أراد بقولِه ذلك: يُحْيِيكم بعيشِكم به كما يُحْيِي مَن لم يَخْلُق بتكوينه إياه، ونفخِه الروحَ فيه حتى يَعِيشَ حيًّا.
وقد بيَّنْتُ معنى: ذرَأ اللَّهُ الخلقَ. فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِه (٣).
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فيه وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: ليس [كهو شيءٌ] (٤). وأُدْخِل الْمِثلُ في الكلامِ توكيدًا للكلامِ؛ إذِ اخْتَلَف اللفظُ به وبالكافِ، وهما بمعنًى واحدٍ، كما قيل (٥):
* ما إن نَدِيتُ بشيءٍ أنت تَكْرَهُهُ (٦) *
стр. 13875
فأُدْخِل على "ما" وهى حرفُ جَحْدٍ "إن"، وهي أيضًا حرفُ جَحْدٍ؛ لاختلافِ اللفظِ بهما، وإن اتَّفَق معنياهما (١) توكيدًا للكلامِ. وكما قال أَوْسُ بنُ حَجَرٍ (٢):
وقَتْلَى كَمِثْل جُذوعِ النَّخيلِ … تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ
ومعنى ذلك: كجذوعِ النخيلِ، وكما قال الآخرُ:
سعدُ بنُ زيدٍ إذا أبْصَرْتَ فضلَهُمُ … ما إنْ كمثلِهِمُ في الناسِ مِن أحدِ
والآخرُ: أن يكونَ معناه: ليس مثلَه شيءٌ. وتكونَ الكافُ هي المُدْخَلةَ في الكلامِ، كقولِ الراجزِ (٣):
وصالياتٍ ككَمَا يُؤَثْفَيْنْ
فأدْخَل على الكافِ كافًا؛ توكيدًا للتشبيهِ، وكما قال الآخرُ (٤):
تنْفِي الغَيادِيقَ على الطريقِ
قَلَّصَ عَن كبيضةٍ في نيقِ (٥)
فأَدْخَل الكافَ مع "عن".
وقد بيَّنا هذا في موضعٍ غيرِ هذا المكانِ، بشرحٍ هو أبلغُ من هذا الشرحِ، فلذلك تجَوَّزْنا في البيانِ عنه في هذا الموضعِ (٦).
стр. 13876
وقولُه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه واصفًا نفسَه بما هو به: وهو - يعنى نفسه - السميعُ لما يَنْطِقُ (١) به خلقُه مِن قولٍ، البصيرُ لأعمالِهم، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، ولا يَعْرُبُ عنه علمُ شيءٍ منه، وهو محيطٌ بجميعِه، مُحْصٍ صغيرَه وكبيرَه؛ لتُجْزَى (٢) كلُّ نفسٍ بما كسَبَتْ مِن خيرٍ أو شرٍّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ، وبيدِه مَغاليقُ الخيرِ والشرِّ ومفاتيحُها، فما يَفْتَحْ من رحمةٍ فلا مُمْسِكَ لها، وما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ له من بعدِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: مفاتيحُ، بالفارسيةِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: مفاتيح السماوات والأرض. وعن الحسنِ بمثل ذلك (٤).
стр. 13877
حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: خزائنُ السماواتِ والأرضِ (١).
وقولُ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: يُوسِّعُ رزقَه وفضلَه على على من يشاءُ مِن خلقه، ويَبْسُطُ له، ويُكْثِرُ مالَه ويُغْنِيه، ﴿وَيَقْدِرُ﴾. يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يشاءُ منهم، فيُضيقُه ويُفْقِرُه، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: إِن اللَّهَ ﵎ بكلِّ ما يَفْعَلُ؛ مِن توسيعه على مَن يُوَسِّعُ، وتَقْتِيرِه على مَن يُقَتِّرُ، ومَن الذي يُصْلِحُه البَسْطُ عليه في الرزق ويُفْسِدُه مِن خلقِه، والذي يُصْلِحُه التقتيرُ عليه ويُفسده، وغير ذلك من الأمورِ، ذو علمٍ، لا يَخْفَى عليه موضعُ البسطِ والتقتيرِ وغيرُه مِن صلاحِ تدبيرِ خلقِه.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإلى مَن له مقاليدُ السماواتِ والأرضِ، الذي صفتُه ما وصَفْتُ لكم في هذه الآياتِ أيُّها الناسُ فارْغَبوا، وإياه فاعْبُدوا، مُخْلِصين له الدينَ، لا الأوثانَ والآلهةَ والأصنامَ، التي لا تَمْلِكُ لكم ضرًّا ولا نفعًا.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ ربُّكم أيُّهَا النَّاسُ، ﴿مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ أن يَعْمَلَهُ، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وشرَع لكم مِن الدينِ الذي أوحينا إليك يا محمدُ [وأمَرْناك] (٢) به، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ
стр. 13878
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يقولُ: شرَع لكم من الدينِ أن أقيموا الدينَ. فـ ﴿أَنْ﴾ إذ كان ذلك معنى الكلام - في موضعِ نصبٍ على الترجمةِ بها عن ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. ويَجوزُ أن تكونَ في موضعِ خفضٍ ردًّا على الهاءِ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾، وتفسيرًا عنها، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: شرَع لكم مِن الدينِ ما وصَّى به نوحًا، بأن (١) أقِيموا الدينَ ولا تَتَفَرَّقوا فيه. وجائزٌ أن تكونَ في موضعِ رفعٍ على الاستئنافِ، فيكونَ معنى الكلام حينَئذٍ: شرَع لكم من الدينِ ما وصَّى به، وهو أن أَقِيموا الدينَ. وإذ كان معنى الكلامِ ما وصَفْتُ، فمعلومٌ أن الذي أوْصَى به جميع هؤلاء الأنبياءِ وصيةٌ واحدةٌ، وهى إقامةُ الدينِ الحقِّ، ولا تَتَفَرَّقوا فيه.
وبنحوِ الذي قلنا الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال: ما (٢) أوْصاك به وأنبياءَه كلَّهم دينٌ واحدٌ (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ في قولِه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال: هو الدينُ كلُّه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ
стр. 13879
الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾: بُعث نوحٌ حينَ بُعث (١) بالشريعةِ بتحليلِ الحلالِ، وتحريمِ الحرامِ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال (٣): ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال: الحلالَ والحرامَ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: حَسْبُك ما قيل لك.
وعُنى بقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾: اعْمَلوا به على ما شرَع لكم وفرَض. كما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٥) [البقرة: ٤٣].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾. قال: اعْمَلُوا به (٦).
وقوله: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. يقولُ: ولا تَخْتلِفوا في الدين الذي أُمِرْتُم بالقيام به كما اخْتَلَف الأحزابُ مِن قبلِكم.
стр. 13880
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. تَعَلَّموا أن الفُرْقةَ هَلَكَةٌ، وأن الجماعةَ ثقةٌ (١).
وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : كَبُر على المشركين باللَّهِ مِن قومِك يا محمدُ ما تَدْعُوهم إليه مِن إخلاصِ العبادة للَّهِ، وإفرادِه بالأُلوهَةِ، والبراءةِ مما سواه مِن الآلهةِ والأندادِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. قال: أَنْكَرَها المشركون، وكبر عليهم شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ، فصادَمها إبليسُ وجنودُه، فأبَى اللَّهُ ﵎ إلا أن يُمْضِيَها، ويَنْصُرَها، ويُفْلِجَها، ويُظْهِرَها على مَن ناوَأَها (١).
وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: اللَّهُ يَصْطَفِي إِليه مَن يشاءُ مِن خلقه، ويَخْتارُ لنفسه ووَلايتِه مَن أَحَبَّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجَاهِدٍ قولَه: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾. يقولُ: ويُوَفِّقُ للعملِ بطاعتِه، واتباعِ
стр. 13881
ما بعَث به نبيَّه ﷺ مِن الحقِّ من أقْبَل إلى طاعتِه، وراجَع التوبةَ مِن مَعاصِيه (١).
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾: مَن يُقبلُ إلى طاعة اللَّهِ (٢).
[القولُ في تأويلِ قولِه] (٣): ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما تفَرَّق المشركون باللَّهِ في أديانِهم فصاروا أحزابًا، إلا مِن بعدِ ما جاءهم العلم بأن الذي أمَرَهم اللَّهُ به، وبعَث به نوحًا، هو إقامةُ الدينِ الحقَّ، وأَلّا يَتَفَرَّقوا فيه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، [قال: تلا] (٤) قتادةُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾. فقال: إياكم والفُرْقةَ، فإنها هَلَكَةٌ (٥).
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بغيًا مِن بعضِهم (٦) على بعضٍ، وحسدًا وعداوةً على طلبِ الدنيا، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولولا قولٌ سبَق يا محمدُ مِن ربِّكَ أَلَّا (٧) يُعاجِلَهم بالعذابِ، ولكنه أخَّر ذلك إلى أجلٍ مُسَمًّى. وذلك الأجلُ المُسَمَّى فيما ذُكِر يومَ القيامةِ.
стр. 13882
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: يومِ القيامةِ.
وقوله: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: لَفرَغ ربُّك من الحُكْمِ بينَ هؤلاء المختلفين في الحقِّ الذي بعَث به نوحًا نبيَّه من بعدِ عليهم به، بإهلاكِه أهلَ الباطلِ منهم، وإظهارِه أهلَ الحقِّ عليهم.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. يقولُ: وإن الذين آتاهم اللَّهُ، مِن بعدِ هؤلاء المختلفين في الحقِّ، كتابَه؛ التوراةَ والإنجيلَ، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. يقولُ: لفى شكٍّ مِن الدين الذي وصَّى اللَّهُ به نوحًا، وأوحاه إليك يا محمدُ، وأمر كُما بإقامته - ﴿مُرِيبٍ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولِه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. قال: اليهودَ والنصارى (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾
стр. 13883
يقولُ تعالى ذكرُه: فإلى ذلك الدين الذي شرع لكم ربُّكم (١)، ووصَّى به نوحًا، وأوْحاه إليك يا محمدُ - فادْعُ عباد الله، واسْتَقِمْ على العملِ به، ولا تَزِغْ عنه، واثْبُتْ عليه كما أمَرَك ربُّك بالاستقامةِ. وقيل: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾. والمعنى: فإلى ذلك. فوُضِعَت اللامُ موضع "إلى"، كما قيل: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]. وقد بيَّنا ذلك في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا (٢).
وكان بعضُ أهل العربيةِ يُوَجِّهُ معنى "ذلك" في قولِه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ إلى معنى "هذا"، ويقولُ: معنى الكلامِ: فإلى هذا القرآنِ فادْعُ واسْتَقِمْ. والذي قال مِن (٣) هذا القول قريبُ المعنى مما قلْناه، غيرَ أن الذي قلنا في ذلك أولى بتأويلِ الكلامِ؛ لأنه في سياق خبرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عما شرَع (٤) مِن الدين لنبيِّه محمد ﷺ وأمتِه (٥)، ولم يَأْتِ مِن الكلامِ ما يَدلُّ على انصرافِه عنه إلى غيرِه.
وقولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَتَّبِعْ يا محمدُ أهواءَ [هؤلاء الذين] (٦) الذي شكُّوا في الحقِّ الذي شرَعه اللَّهُ لكم، مِن الذين أُورِثوا الكتابَ مِن بعدِ القرونِ الماضيةِ قبلَهم، فتَشُكَّ فيه كالذى شكُّوا فيه.
وقولُه: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقل لهم يا محمدُ: صدَّقْتُ بما أَنْزَل اللَّهُ من كتاب كائنًا ما كان ذلك الكتابُ، توراةً كان أو إنجيلًا أو زَبورًا أو صحفَ إبراهيمَ، لا أُكَذَّبُ بشيءٍ من ذلك تكذيبَكم ببعضِه معشرَ الأحزابِ، وتصدِيقَكم ببعضٍ.
стр. 13884
وقولُه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقلْ لهم يا محمدُ: وأمرني ربى أن أعْدِلَ بينكم معشرَ الأحزابِ، فأَسِيرَ فيكم جميعًا بالحقِّ الذي أمَرَنى به، وبعَثَنى بالدعاءِ إليه.
كالذي حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. قال: أُمِر نبيُّ اللهِ ﷺ أن يَعْدِلَ، فعدل حتى مات صلواتُ اللهِ عليه والعدلُ ميزانُ اللهِ في الأرضِ، به يُأخُذُ (١) للمظلومِ مِن الظالم، وللضعيفِ من الشديدِ، وبالعدل يُصَدِّقُ اللهُ الصادقَ، ويُكَذِّبُ الكاذبَ، وبالعدلِ يَرُدُّ المعتدىَ ويُوَبِّخُه (٢). ذُكِر لنا أن [نبيَّ اللهِ داودَ ما كان يقولُ] (٣): ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه أَعْجَبَنى (٤) جدًّا؛ القصدُ في الفاقةِ والغِنَى، والعدلُ في الرضا والغضبِ، والخشيةُ في السرِّ والعَلانيةِ، وثلاثٌ مَن كُنَّ فيه أَهْلَكْنَه؛ شُحٌ مُطَاعٌ، وهَوَى مُتَّبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِه، وأربعٌ مَن أُعْطِيهن فقد أُعْطِى خيرَ الدنيا والآخرة؛ لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وبدنٌ صابرٌ، وزوجةٌ مؤمنةٌ (٥).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى اللامِ التي في قولِه: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معناها: "كى"، وأُمِرْتُ كى أَعْدِلَ. وقال غيرُه: معنى الكلامِ وأُمِرْتُ بالعدلِ. والأمرُ واقعٌ على ما بعدَه، وليست اللامُ التي في ﴿لِأَعْدِلَ﴾ بشرط. قال: ﴿وَأُمِرْتُ﴾ تَقَعُ على "أن"، وعلى "كى" واللام؛ أُمِرْتُ أَن أَعْبُدَ، وكى أَعْبُدَ، ولأَعْبُدَ. قال: وكذلك كلُّ ما طالَب الاستقبالُ ففيه (٦) هذه الأوجهِ الثلاثة.
стр. 13885
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن الأمرَ عاملٌ في معنى ﴿لِأَعْدِلَ﴾؛ لأن معنَاه: وأُمِرْتُ بالعدلِ بينكم.
وقولُه: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾. يقولُ: الله مالِكُنا ومالِكُكم معشرَ الأحزابِ مِن أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ، ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. يقولُ: لنا ثوابُ ما اكْتَسَبْناه مِن الأعمالِ، ولكم ثوابُ ما اكْتَسَبْتُم منها.
وقولُه: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. يقولُ: لا خصومةَ بينَنا وبينَكم. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. قال: لا خُصومة (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾. قال: [نهاه الله أن يجادِل، ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾] (٢): لا خُصومةَ بينَنا وبينَكم. وقرَأ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٣) [العنكبوت: ٤٦].
وقولُه: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾. يقولُ: اللَّهُ يَجْمَعُ بينَنا يومَ القيامةِ، فيَقْضِى بينَنا بالحقِّ فيما اختَلَفْنا فيه، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وإليه المَعادُ والمَرْجِعُ بعدَ مَماتِنا.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾.
стр. 13886
يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يُخاصِمون في دينِ اللهِ الذي ابْتَعَث به نبيَّه محمدًا ﷺ مِن بعد ما اسْتَجاب له الناسُ فدخلوا فيه، من الذين أُورثِوا الكتابَ - ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾. يقولُ: خصومتُهم التي يُخاصِمون فيه، باطلةٌ ذاهبةٌ عندَ ربِّهم، ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾. يقولُ: وعليهم مِن اللهِ غضبٌ، ولهم في الآخرةِ عذابٌ شديدٌ، وهو عذابُ النارِ.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في قوِم مِن اليهودِ، خاصَموا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ دينِهم، وطمِعوا أن يَصُدُّوهم عنه، ويَرُدُّوهم عن الإسلامِ إلى الكفرِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك عمن ذُكِر ذلك عنه
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، كانوا يُجادِلون المسلمين، ويَصُدُّونهم عن الهدى مِن بعدِ ما اسْتَجابوا للهِ. وقال: هم قومٌ مِن أهل الضلالةِ، كان اسْتُجيب لهم على ضلالتِهم، وهم يَتَرَبَّصون بأن تَأْتِيَهم الجاهليةُ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾. قال: طمِع رجالٌ بأن تعودَ الجاهليةُ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن
стр. 13887
مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾. قال: بعدما دخل الناسُ في الإسلامِ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، قالوا: كتابُنا قبلَ كتابِكم، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم، ونحن خيرٌ منكم (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ﴾ الآيةِ، قال: هم اليهودُ والنصارى، حاجُّوا أصحابَ النبي ﷺ فقالوا: كتابنا قبلَ كتابِكم، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم، ونحن أولى باللهِ منكم.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: نهاه عن الخصومةِ.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الله الذي أَنزَلَ هذا الكِتابَ. يعني: القرآنَ ﴿بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. يقولُ: وأنزل الميزانَ، وهو العدلُ؛ ليَقْضِيَ بينَ الناسِ بالإنصافِ، ويَحْكُم فيهم بحكمِ اللهِ الذي أمَر به في كتابِه.
стр. 13888
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. قال: العدَل (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. قال: الميزانُ العدلُ (٢).
وقولُه: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ شيءٍ يُدْرِيك ويُعْلِمُك، لعلَّ الساعةَ التي تقومُ فيها القيامةُ قريبٌ
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾. يقولُ: يَسْتَعْجِلُك يا محمدُ بمجيئِها الذين لا يُوقنون بمجيئها؛ ظنًّا منهم أنها غيرُ جائيةٍ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾. يقولُ: والذين صدَّقوا بمجيئِها، ووعْدِ اللَّهِ إياهم الحشرَ فيها، ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾. يقولُ: وَجِلون من مجيئِها، خائفون مِن قيامها؛ لأنهم لا يَدْرون ما اللهُ فاعلٌ بهم فيها، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾. يقولُ: ويُوقنون أن مجيقها الحقُّ اليقينُ، لا يَمْتَرون في مجيئِها، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الذين يُخاصِمون في قيامِ الساعةِ ويُجادِلون فيه، ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: لَفَي جَوْرٍ عن طريق الهُدَى، وزَيْغٍ عن سبيلِ الحقِّ والرشادِ، بعيدٍ من الصوابِ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ
стр. 13889
الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الله ذو لطفٍ بخلقِه (١)، يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ فَيُوَسِّعُ عليه، ويَقتُرُ على مَن يَشَاءُ منهم، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ الذي لا يَغْلِبُه ذو [أَيْدٍ لشدتِه] (٢)، ولا يَمتَنِعُ عليه إذا أراد عقابه بقدرته، ﴿الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه إذا انْتَقَم مِن أهلِ معاصِيه.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: من كان يُرِيدُ بعمله الآخرة، ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. يقولُ: نَزِدْ له في عمله الحسنِ، فنَجْعَلْ له بالواحدةِ عَشْرًا، إلى ما شاء ربُّنا من الزيادةِ، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يقولُ: ومَن كان يُرِيدُ بعمله الدنيا، ولها يَسْعَى، لا للآخرةِ، نُؤْتِه منها ما قسَمْنا له منها، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. يقولُ: وليس لمن طلب بعملِه الدنيا، ولم يُرِدِ الله به، في ثوابِ اللهِ لأهلِ الأعمالِ التي أرادوه بأعمالهم في الدنيا - حظٌّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ إلى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. قال: يقولُ: مَن كان إنما يَعْمَلُ للدنيا نُؤْتِه منها (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ
стр. 13890
حَرْثَ الْآخِرَةِ (١) نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ الآيةِ، يقولُ: مَن آثَر دنياه على آخرته، لم نَجعَل (٢) له نصيبًا في الآخرة إلا النارَ، ولم نَزِدْه بذلك مِن الدنيا شيئًا، إلا رزقًا قد فُرِغ منه، وقُسِم له (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. قال: مَن كان يُرِيدُ الآخرة وعملها نَزِدْ له في عمله، ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: مَن أراد الدنيا وعملَها آتَيْناه منها، ولم نَجْعَل له في الآخرةِ من نصيبٍ. الحرثُ: العملُ، مَن عمِل للآخرةِ أعطاه اللهُ، ومَن عمل للدنيا أعطاه اللهُ.
حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّى قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. قال: مَن كان يُرِيدُ عمل الآخرةِ نَزِدْ له في عملِه، [ومن كان يُريدُ عمل الدنيا نُؤتِه (٤) منها] (٥)، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ [مِنْ نَصِيبٍ] (٦)﴾. قال: للكافرِ عذابٌ أليمٌ.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: أم لهؤلاء المشركين باللهِ شركاءُ في شركِهم وضَلالتهم، ﴿شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾. يقولُ: ابْتَدَعوا لهم من الدينِ ما لم يُبِح اللهُ لهم ابتداعَه، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ
стр. 13891
تعالى ذكرُه: ولولا السابقُ مِن اللهِ في أنه لا يُعَجِّلُ لهم العذابَ في الدنيا، وأنه مضَى مِن قيلهِ أنهم مُؤَخَّرون بالعقوبة إلى قيامِ الساعةِ، لَفُرِغ من الحكمِ بينَكم وبينَهم، بتعجيلِنا العذابَ لهم في الدنيا، ولكن لهم في الآخرةِ العذابُ الأليمُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: وإن الكافرين باللهِ لهم يومَ القيامةِ عذابٌ مُؤلِمٌ مُوجِعٌ.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : تَرَى يا محمدُ الكافرين باللهِ يوم القيامةِ و ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾. يقولُ: وَجِلين خائفين من عقابِ اللهِ على ما كسَبوا في الدنيا مِن أعمالِهم الخبيثةِ، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. يقولُ: والذي هم مُشْفِقون منه مِن عذابِ اللهِ نازلٌ بهم، وهم ذائِقوه لا محالة.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين آمنوا باللهِ وأطاعوه فيما أمَر ونهى في الدنيا في رَوْضاتِ البساتينِ في الآخرةِ. ويعنى بالروضاتِ: جمع رَوْضة، وهى المكانُ الذي يَكْثُرُ نَبْتُه، ولا تقولُ العربُ لمواضعِ الأشجارِ: رياضٌ. ومنه قولُ أبى النَّجْمِ (١):
والنِّغْضُ مِثلَ الأَجْرب المُدَجَّل … حدائقَ الرَّوْضِ التي لم تُحْلَلِ (٢)
стр. 13892
ويعنى بالروضِ: جمعَ رَوْضةٍ. وإنما عنى جلَّ ثناؤُه بذلك الخبرَ عما هم فيه من السرورِ والنَّعيمِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: في رياضِ الجنةِ ونعيمِها.
وقولُه: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقولُ: للذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ عند ربِّهم في الآخرةِ ما تَشْتَهِيه أنفسهم، وتَلَذُّه أعينُهم، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أعطاهم اللهُ مِن هذا النعيمِ وهذه الكرامةِ في الآخرة ﴿هُوَ الْفَضْلُ﴾ مِن اللهِ عليهم، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي يَفْضُلُ كلَّ نعيمٍ وكرامةٍ في الدنيا، من بعضِ أهلِها على بعضٍ.
القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخْبَرْتُكم أيُّها الناسُ أنى أعْدَدْتُه للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرةِ من النعيمِ والكرامة - البُشْرَى التي يُبَشِّرُ اللهُ بها عبادَه الذين آمنوا به في الدنيا، وعمِلوا بطاعتِه فيها، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ للذين يُمارُونك في الساعةِ من مُشْرِكي قومِك: لا أسْألكم أيُّها القومُ على دِعايتِكم (١) إلى ما أدْعُوكم إليه من الحقِّ الذي جئتُكم به، والنصيحةِ التي أنْصَحُكم - ثوابًا وجزاءً وعِوَضًا من أموالِكم تُعْطُونَنِيهِ (٢) ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.
стр. 13893
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولَه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَصِلوا رَحِمى بينى وبينَكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن الشعبيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال: لم يَكُنْ بطنٌ مِن بطونِ قريشٍ إلا وبينَ رسول اللهِ ﷺ وبينَهم قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلُكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى في القرابةِ التي بينى وبينَكم (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن (٢) شعبةُ، عن عبد الملك بن مَيْسَرةَ، عن طاوس في قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: سُئِل عنها ابن عباسٍ، فقال ابن جبيرٍ: هم قُرْبَى آلِ محمدٍ. فقال ابن عباسٍ: عجِلْتَ (٣)، إن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَكُنْ بطنٌ من بطونِ قريشٍ إلا وله فيهم قَرابةٌ. قال: فنزَلَت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قال: إلا القرابةَ التي بيني وبينَكم أن تَصِلوها (٤) حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كان لرسولِ اللهِ ﷺ قَرابةٌ في جميعِ قريشٍ، فلما كذَّبوه وأبَوْا أن يُبايعوه، قال: "يا قومِ، إذ أبَيْتُم أن تُبايعونى فاحْفَظوا قَرابتي فيكم، لا يَكُنْ غيرُكم من العربِ أولى بحفظى ونُصْرتى منكم" (٥)
стр. 13894
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. يعنى: محمدًا ﷺ ، قال لقريشٍ: و لا أسْأَلُكم مِن أموالِكم شيئًا، ولكن أسْأَلكم أن لا تُؤذونى؛ لقرابة ما بينى وبينَكم، فإنكم قومى وأحقُّ من أطاعنى وأجابني" (١).
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن عكرمةَ، قال: إن النبيَّ ﷺ كان واسطًا في قريشٍ، وكان له في كلِّ بطنٍ مِن قريشٍ نسبٌ، فقال: "لا أسْأَلُكم (٢) على ما أدْعُوكم إليه إلا أن تَحفظُونى في قَرابتي، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣).
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ واسطَ النسبِ من قريشٍ، ليس حيٌّ من أحياءِ قريشٍ إلا وقد ولَدوه. قال: فقال اللهُ : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ [عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] (٤)﴾: إلا أن تَوَدُّونى؛ لقَرابتي منكم وتَحْفَظونى (٥).
حدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن يونُسَ، قال: ثنا عَبْرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كان رسولُ الله ﷺ من بنى هاشمٍ، وأمُّه مِن بني زُهْرَةَ، وأمُّ أبيه من بني مَخْزومٍ، فقال: "احْفظُوني في قَرابتي".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَميٌّ (٦)، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبرني عُمارة، عن
стр. 13895
عكرمةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: تَعْرِفون قَرابتي، وتُصَدِّقُونى بما جئتُ به، وتَمْنَعونى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. وإن الله ﵎ أمَر محمدًا ﷺ أن لا يَسْأَل الناسَ على هذا القرآنِ أجرًا إلا أن يَصِلوا ما بينَه وبينَهم من القَرابةِ، وكلُّ بُطُونِ قريشٍ قد ولَدَته، وبينَه وبينَهم قرابةٌ (١)
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: قال: أن تَتَّبِعونى، وتُصَدِّقونى، وتصلوا قَرابتي (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: [ثنا أحمدُ، قال] (٣): ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: لم يَكُنْ بطنٌ مِن بُطُونِ قريشٍ إلا الرسولِ اللهِ ﷺ ما فيهم ولادةٌ، فقال: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّوني؛ لقَرابتي منكم (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، يعنى قريشًا. يقولُ: إنما أنا رجلٌ منكم، فأعِينونى على عدوِّى، واحْفَظوا قَرابتي، وإن الذي جئتُكم به لا أسْألُكم عليه أجرًا إلا المودةَ فى القربي، أن تَوَدُّوني لقَرابتي،
стр. 13896
وتُعينوني على عدوِّى (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: يقولُ: إلا أن تَوَدُّوني في قَرابتي (٢)، كما تَوادُّون في قَرابتِكم، وتَواصَلون بها، ليس هذا الذي جئتُ به يَقْطَعُ ذلك عنى، فلسْتُ أبْتَغِى على هذا الذي جئتُ به أجرًا آخُذُه على ذلك منكم (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: أخبرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن عطاءِ بن دينارٍ في قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَمْنَعونى من الناسِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كلُّ قريشٍ قد كانت بينَهم (٤) وبينَ رسول الله ﷺ قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى بالقرابةِ التي بينى وبينَكم (٥).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قلْ لمن اتَّبَعك من المؤمنين: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّوا قَرابتى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبان، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بن يحيى
стр. 13897
المُزَنِيُّ (١)، عن السديِّ، عن أبي الدَّيْلَمِ قال: لمَّا جِئ بعليٍّ بن الحسينِ ﵄ أسيرًا، فأُقيم على دَرَج دمشقَ، قام رجلٌ من أهلِ الشامِ فقال: الحمدُ للهِ الذي قتَلكم واسْتَأْصَلَكم، وقطَع قَرْنَ (٢) الفتنةِ. فقال له عليُّ بنُ الحسينِ: أقرَأْتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أقرأْتَ "آلَ حم"؟ قال: قرأتُ القرآنَ ولم أقْرَأْ "آل حم؟!. قال: ما قرَأْتَ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ قال: قالت الأنصارُ: فعَلْنا وفعَلْنا، فكأنهم فخَروا، فقال ابن عباسٍ، أو العباسُ - شكٍّ عبدُ السلامِ -: لنا الفضلُ عليكم. فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فأتاهم في مجالسِهم فقال: "يا معشرَ الأنصارِ، ألم تكونوا أذِلَّةٌ فأَعَزَّكم الله بي؟ "قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "ألم تكونوا ضُلَّالًا فهداكم اللهُ بي؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "أفلا تُجِيبُونى؟ " قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "ألا تقولون: ألم يُخْرِجُك قومُك فَآوَيْناك، أو لم يُكَذِّبوك فصدَّقْناك، أو لم يَخْذُلوك فنصرناك؟ ". قال: فما زال يقولُ حتى جثوا على الرُّكَب وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا للهِ ولرسولِه. قال: فنزَلَت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن يَحْيَى بن كثيرٍ، عن أبي العاليةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: هي قُرْبَى رسولَ اللهِ ﷺ (٥).
стр. 13898
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ ومحمدُ بنُ خلفٍ، قالا: ثنا عُبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، قال: سأَلْتُ عمرَو بنَ شعيبٍ عن قول الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: قُرْبَى النبيِّ ﷺ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسْأَلكم أيها الناسُ على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ، وتَتَقَرَّبوا بالعملِ الصالحِ والطاعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ [ومحمدٌ ابنا داودَ] (٢) قالا: ثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا قَرَعةُ بنُ سُوَيْدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال (٣): ولا أَسْأَلُكم على ما أتَيْتُكم به مِن البيناتِ والهدى أجرًا، إلا أن تَودُّدُوا (٤) للهِ وتَتَقَرَّبوا إليه بطاعتِه (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ بن زاذان، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: القُرْبَى إلى اللهِ.
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: إلا التقربَ إلى اللهِ، والتودُّدَ إليه بالعملِ الصالحِ (٦).
стр. 13899
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قل: لا أَسْأَلُكم على ما جئتُكم به، وعلى هذا الكتاب أجرًا، ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: إلا أن تَوَدَّدُوا (١) إلى الله بما يُقَرِّبُكم إليه، وعملٍ بطاعتِه.
قال بشرٌ: قال يزيدُ: وحدثنيه يونُسُ، عن الحسن.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. [قال: قال الحسنُ: قل لا أسْأَلكم عليه أجرً] (٢) إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ فيما يُقَرِّبُكم إليه (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تَصِلوا قرابتكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [ابن بشارٍ] (٤)، قال ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبدِ اللهِ بن القاسمِ في قولِه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: أُمِرتَ أن تصلَ قرابتَك.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، وأشبهُها بظاهر التنزيلِ قولُ مَن قال: معناه: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا يا معشرَ قريشٍ، إلا أن تودُّوني في قَرابتي منكم، وتَصِلوا الرحمَ التي بيني وبينَكم.
стр. 13900
وإنما قلتُ: هذا القولُ (١) أولى بتأويلِ هذه الآيةِ؛ لدخولِ "في" في قولِه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تَودُّوا قَرابتي. [أو على ما قاله من قال: إلا أن تَودَّدُوا وتَقرّبوا إلى اللهِ] (٢). لم يَكُنْ لدخولِ "في" في الكلامِ في هذا الموضعِ وجهٌ معروفٌ، ولَكان التنزيلُ: "إلا مودة القربَى". إن عُنِى به الأمرُ بمودةِ قَرابةِ رسولَ اللهِ، أو: "إلا المودة بالقربى"، أو: "و (٣) القربَي". إن عُنى به التودُّدُ بالتقرُّبِ (٤) [إلى اللهِ جلَّ وعزَّ بصالحِ الأعمالِ، أو عُنى به: إلا التودُّد والتقرُّبِ] (٥).
وفي دخولِ (في) في الكلامِ أوضحَ الدليلِ على أن معناه: إلا مودَّتي في قَرابتي منكم. وأن الألفَ واللامَ في ﴿الْمَوَدَّةَ﴾ أُدْخِلَتَا بدلًا من الإضافةِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. ﴿إِلَّا﴾: إلَّا في هذا الموضع واستثناءٌ منقطعٌ. ومعنى الكلامِ: قل لا أسْأَلُكم عليه أجرًا، لكني أَسْأَلُكم المودةَ في القربى. فالمودةُ منصوبةٌ على المعنى الذي ذكَرْتُ. وقد كان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: هي منصوبةٌ بمضمرٍ من الفعلِ، بمعنى: إلا أن أَذْكُرَ مودةً قَرابتِي.
وقولُه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يعملْ حسنةً - وذلك أن يَعمَلَ عملا يُطِيعُ الله فيه - من المؤمنين ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: نُضاعِفْ عمله ذلك الحسنَ، فَنَجْعَلْ له مكان الواحد عشرًا إلى ما شئْنا من الجزاءِ والثوابِ.