← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 13896–13935 · переход к 13901.

стр. 13896

وتُعينوني على عدوِّى (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: يقولُ: إلا أن تَوَدُّوني في قَرابتي (٢)، كما تَوادُّون في قَرابتِكم، وتَواصَلون بها، ليس هذا الذي جئتُ به يَقْطَعُ ذلك عنى، فلسْتُ أبْتَغِى على هذا الذي جئتُ به أجرًا آخُذُه على ذلك منكم (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: أخبرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن عطاءِ بن دينارٍ في قولَه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. يقولُ: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّونى في قَرابتى منكم، وتَمْنَعونى من الناسِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنَ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: كلُّ قريشٍ قد كانت بينَهم (٤) وبينَ رسول الله ﷺ قرابةٌ، فقال: قل: لا أسْأَلكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدُّونى بالقرابةِ التي بينى وبينَكم (٥). وقال آخرون: بل معنى ذلك: قلْ لمن اتَّبَعك من المؤمنين: لا أسْأَلكم على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدُّوا قَرابتى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عُمارةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبان، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بن يحيى

стр. 13897

المُزَنِيُّ (١)، عن السديِّ، عن أبي الدَّيْلَمِ قال: لمَّا جِئ بعليٍّ بن الحسينِ ﵄ أسيرًا، فأُقيم على دَرَج دمشقَ، قام رجلٌ من أهلِ الشامِ فقال: الحمدُ للهِ الذي قتَلكم واسْتَأْصَلَكم، وقطَع قَرْنَ (٢) الفتنةِ. فقال له عليُّ بنُ الحسينِ: أقرَأْتَ القرآنَ؟ قال: نعم. قال: أقرأْتَ "آلَ حم"؟ قال: قرأتُ القرآنَ ولم أقْرَأْ "آل حم؟!. قال: ما قرَأْتَ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَم، عن ابن عباسٍ قال: قالت الأنصارُ: فعَلْنا وفعَلْنا، فكأنهم فخَروا، فقال ابن عباسٍ، أو العباسُ - شكٍّ عبدُ السلامِ -: لنا الفضلُ عليكم. فبلَغ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فأتاهم في مجالسِهم فقال: "يا معشرَ الأنصارِ، ألم تكونوا أذِلَّةٌ فأَعَزَّكم الله بي؟ "قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "ألم تكونوا ضُلَّالًا فهداكم اللهُ بي؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: "أفلا تُجِيبُونى؟ " قالوا: ما نقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "ألا تقولون: ألم يُخْرِجُك قومُك فَآوَيْناك، أو لم يُكَذِّبوك فصدَّقْناك، أو لم يَخْذُلوك فنصرناك؟ ". قال: فما زال يقولُ حتى جثوا على الرُّكَب وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا للهِ ولرسولِه. قال: فنزَلَت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مَرْوانُ، عن يَحْيَى بن كثيرٍ، عن أبي العاليةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: هي قُرْبَى رسولَ اللهِ ﷺ (٥).

стр. 13898

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ ومحمدُ بنُ خلفٍ، قالا: ثنا عُبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، قال: سأَلْتُ عمرَو بنَ شعيبٍ عن قول الله : ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: قُرْبَى النبيِّ ﷺ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل لا أسْأَلكم أيها الناسُ على ما جئتُكم به أجرًا، إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ، وتَتَقَرَّبوا بالعملِ الصالحِ والطاعةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ [ومحمدٌ ابنا داودَ] (٢) قالا: ثنا عاصمُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا قَرَعةُ بنُ سُوَيْدٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال (٣): ولا أَسْأَلُكم على ما أتَيْتُكم به مِن البيناتِ والهدى أجرًا، إلا أن تَودُّدُوا (٤) للهِ وتَتَقَرَّبوا إليه بطاعتِه (٥). حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ بن زاذان، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: القُرْبَى إلى اللهِ. حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: إلا التقربَ إلى اللهِ، والتودُّدَ إليه بالعملِ الصالحِ (٦).

стр. 13899

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قل: لا أَسْأَلُكم على ما جئتُكم به، وعلى هذا الكتاب أجرًا، ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾: إلا أن تَوَدَّدُوا (١) إلى الله بما يُقَرِّبُكم إليه، وعملٍ بطاعتِه. قال بشرٌ: قال يزيدُ: وحدثنيه يونُسُ، عن الحسن. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. [قال: قال الحسنُ: قل لا أسْأَلكم عليه أجرً] (٢) إلا أن تَوَدَّدُوا إلى اللهِ فيما يُقَرِّبُكم إليه (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا أن تَصِلوا قرابتكم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [ابن بشارٍ] (٤)، قال ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عبدِ اللهِ بن القاسمِ في قولِه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال: أُمِرتَ أن تصلَ قرابتَك. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، وأشبهُها بظاهر التنزيلِ قولُ مَن قال: معناه: قل لا أسْأَلكم عليه أجرًا يا معشرَ قريشٍ، إلا أن تودُّوني في قَرابتي منكم، وتَصِلوا الرحمَ التي بيني وبينَكم.

стр. 13900

وإنما قلتُ: هذا القولُ (١) أولى بتأويلِ هذه الآيةِ؛ لدخولِ "في" في قولِه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تَودُّوا قَرابتي. [أو على ما قاله من قال: إلا أن تَودَّدُوا وتَقرّبوا إلى اللهِ] (٢). لم يَكُنْ لدخولِ "في" في الكلامِ في هذا الموضعِ وجهٌ معروفٌ، ولَكان التنزيلُ: "إلا مودة القربَى". إن عُنِى به الأمرُ بمودةِ قَرابةِ رسولَ اللهِ، أو: "إلا المودة بالقربى"، أو: "و (٣) القربَي". إن عُنى به التودُّدُ بالتقرُّبِ (٤) [إلى اللهِ جلَّ وعزَّ بصالحِ الأعمالِ، أو عُنى به: إلا التودُّد والتقرُّبِ] (٥). وفي دخولِ (في) في الكلامِ أوضحَ الدليلِ على أن معناه: إلا مودَّتي في قَرابتي منكم. وأن الألفَ واللامَ في ﴿الْمَوَدَّةَ﴾ أُدْخِلَتَا بدلًا من الإضافةِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. ﴿إِلَّا﴾: إلَّا في هذا الموضع واستثناءٌ منقطعٌ. ومعنى الكلامِ: قل لا أسْأَلُكم عليه أجرًا، لكني أَسْأَلُكم المودةَ في القربى. فالمودةُ منصوبةٌ على المعنى الذي ذكَرْتُ. وقد كان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: هي منصوبةٌ بمضمرٍ من الفعلِ، بمعنى: إلا أن أَذْكُرَ مودةً قَرابتِي. وقولُه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يعملْ حسنةً - وذلك أن يَعمَلَ عملا يُطِيعُ الله فيه - من المؤمنين ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: نُضاعِفْ عمله ذلك الحسنَ، فَنَجْعَلْ له مكان الواحد عشرًا إلى ما شئْنا من الجزاءِ والثوابِ.

стр. 13901

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾. قال: يَعْمَلْ حَسَنةً. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾. قال: مَن يَعْمَلْ خيرًا نَزِدْ له. الاقترافُ العملُ. وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. يقولُ: إن الله غفورٌ لذنوبِ عبادِه، شكورٌ لحسناتِهم وطاعتهم إياه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: للذنوبِ، ﴿شَكُورٌ﴾: للحسناتِ يُضاعِفُها (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. قال: غفر لهم الذنوبَ، وشكر لهم نعمًا هو أعْطاهم إياها وجَعَلها فيهم. القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: أم يقولُ هؤلاء المشركون بالله: افْتَرى محمدٌ على الله كذبًا، فجاء بهذا الذي يَتْلُوه علينا اخْتِلاقًا من قِبَلِ نفْسِه.

стр. 13902

وقولُه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ [يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. يقولُ جل ثناؤه لنبيِّه محمدٍ، ﵇ فإن يشأ اللهُ] (١) يا محمدُ يَطْبَعْ على قلبك، فتنسى هذا القرآن الذي أُنزِل (٢) إليك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾، فيُنْسِيَك القرآنَ (٣). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. قال: إن شاء (٤) أنساك ما قد آتاك (٥). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. قال: يَطبَعْ. وقولُه: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾. يقولُ: ويذهَبُ اللهُ بالباطل فيَمْحَقُه، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾، التي أنزلها إليك يا محمدُ فيُثْبتُه. وقولُه: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾. في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، ولكنه حُذِفَت منه الواوُ في المصحفِ، كما حُذِفَت من قولَه: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، ومن قولَه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. وليس يُجزم (٦) على العطفِ

стр. 13903

على ﴿يَخْتِمْ﴾. وقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علمٍ بما في صدورِ خَلْقِه، وما تَنْطَوِى عليه ضمائرهم، لا يَخْفَى عليه من أمورهم شيءٌ. يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : لو حدَّثْتَ نفسك أن تَفْتَرىَ عليَّ كذبًا، لطَبَعْتُ على قلبك، وأذْهَبْتُ الذي آتيتُك من وحيِى؛ لأنى أَمْحُو الباطل فأُذْهِبُه، وأُحِقُّ الحقَّ. وإنما هذا إخبارٌ مِن اللهِ الكافرين به، الزاعمين أن محمدًا افْتَرَى هذا القرآنَ مِن قِبل نفسه، فأَخْبَرهم أنه لو فعَل ذلك (١) لفَعَل به ما أَخْبَر في هذه الآيةِ. القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢) (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي يَقْبَلُ مُراجعةَ العبدِ إذا راجَع (٣) توحيدَ اللهِ وطاعتَه من بعدِ كفرِه، ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. يقولُ: ويَعْفُو له أن يُعاقبه على سيئاتِه مِن الأعمال؛ وهى معاصيه التي قد تاب منها. (ويعلَمُ ما يَفْعَلُونَ). اختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة: (يَفْعَلون) بالياء، بمعنى: ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُ عباده. وقَرَأَته عامة قرأةِ الكوفةِ: ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بالتاءِ، على وجهِ الخطابِ (٤). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار،

стр. 13904

مُتَقارِبنا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئُ فَمُصيبٌ، غير أن الياءَ أعجبُ إليَّ؛ لأن الكلامَ من قَبْلِ ذلك جرَى على الخبرِ، وذلك قولُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. ويعنى جلَّ ثناؤُه بقولَه: (ويعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ): ويَعْلَمُ ربُّكم أيُّها الناسُ مَا تَفْعَلون من خيرٍ وشرٍّ، لا يَخْفَى عليه من ذلك شيءٌ، وهو مُجازيكم على كلِّ ذلك جزاءه، فاتَّقوا الله في أنفسِكم، واحْذَروا أن تَرْكَبوا ما تَسْتَحِقُّون به منه العقوبةَ. حدَّثنا تميمُ بن المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن شَريكٍ، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، عن همامِ بن الحارثُ قال: أتَينا عبدَ اللهِ هذه الآيةِ: (وهو الذي يقبلُ التوبةَ عن عباده ويعفو عن السيئاتِ، ويعْلَمُ ما يفعلونَ). قال: فوجَدْنا عندَه أُناسًا أو رجالًا يَسْأَلونه عن رجلٍ أصاب من امرأةٍ حَرامًا ثم تزَوَّجَها، فتلا هذه الآيةَ: (وهو الذي يقبلُ التوبةَ عن عبادِه ويعفو عن السيئاتِ ويعْلَمُ ما يَفْعَلونَ (١). القولُ في تأويلِ قولَه: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: ويُجِيبُ اللهُ (٢) الذين آمنوا باللهِ ورسولهِ، وعمِلوا بما أمرَهم اللهُ به وانْتَهَوْا عما نهاهم عنه، لبعضهم دعاءَ بعضٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 13905

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن شَقِيقٍ بن سَلَمَةَ، عن سَلَمةَ بن سَبْرةَ، قال: خطَبَنا معاذٌ فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهلُ الجنةِ، واللهِ إنى لأَرْجُو أن مَن تُصِيبون مِن فارسَ والرومِ يَدْخُلون الجنةَ؛ ذلك بأن أحدَهم إذا عمِل لأحدِكم العملَ قال: أحسنتَ رحِمك اللهُ، أَحْسَنتَ غَفَر الله لك. ثم قرَأ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). وقولُه: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويزيدُ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ - مع إجابتِه إياهم دعاءَهم، وإعطائِه إياهم مسألتَهم - من فضلِه، على مسألِتهم إياه؛ بأن يُعْطِيَهم ما لم يَسْأَلُوه. وقيل: إن ذلك الفضلَ الذي ضمِن جلَّ ثناؤُه أَن يَزِيدَهموه، هو أن يُشَفِّعَهم في إخوانِ إخوانهم إذا هم شُفِّعوا في إخوانهم، فشَفَعوا فيهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، عن سعيدِ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن [أبى إبراهيمَ اللخميِّ] (٢)، في قولِ اللهِ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال: يُشَفَّعون في إخوانِهم، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال: يُشَفَّعون في إخوانِ إخوانهم (٣).

стр. 13906

وقولُه: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: والكافرون باللهِ لهم يومَ القيامةِ عذابٌ شديدٌ على كفرِهم به. واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فقال [بعضُ نحويِّى البصرةِ: ويَستجيبُ الذين آمنوا] (١): أي: استجابوا (٢). فجعَلَهم هم الفاعلين، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ في قولِه رفعٌ، والفعلُ لهم. وتأويلُ الكلامِ على هذا المذهبِ: واسْتَجاب الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ لربِّهم إلى الإيمانِ به، والعملِ بطاعتهِ إذ دعاهم إلى ذلك. وقال آخرُ منهم: بل معنى ذلك: ويُجيبُ الذين آمنوا. وهذا القولُ يَحْتَمِلُ وجهين؛ أحدُهما النَّصبُ (٣)، بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. والآخرُ ما قاله صاحبُ القولِ الذي ذكَرناه. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤): ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يكونُ ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ نصبٍ بمعنى: ويُجِيبُ الله الذين آمنوا. وقد جاء في التنزيلِ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، والمعنى، [واللهُ أعلمُ: فأجابهم] (٥). ربُّهم، إلا أنك إذا قلتَ: استجاب. أدْخَلْتَ اللامَ في المفعولِ، وإذا قلتَ: أجاب. حذَفْتَ اللامَ، ويكونُ "اسْتَجابهم" بمعنى: اسْتَجاب لهم. كما قال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣]. والمعنى، والله أعلم: وإذا كالوا لهم أو وزَنوا لهم يُخْسِرُون. قال: ويكون ﴿الَّذِينَ﴾ في موضعِ رفعٍ إن يُجْعَلِ الفعلُ لهم، أي:

стр. 13907

الذين آمنوا يَسْتَجِيبون لله، ويزيدُهم على إجابِتهم والتصديقِ من فضلِه. وقد بيَّنا أن الصوابَ في ذلك مِن القولِ على ما تأوَّله معاذٌ ومَن ذكَرْنا قولَه فيه. القولُ في تأويلِ قولَه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾. ذُكِر أن هذه الآيةِ نزَلَت مِن أجلِ قومٍ مِن أهلِ الفاقَةِ من المسلمين تمَنَّوا سَعَةَ الدنيا والغنى، فقال جلَّ ثناؤُه: ولو بسَط اللهُ الرزقَ لهم (١) فوسَّعه وكثَّره عندَهم لبَغَوْا، فتَجاوزَوا الحدَّ الذي حدَّه الله لهم إلى غيرِ الذي حدَّه لهم في بلادِه، بركوِبهم في الأرضِ ما حظره عليهم، ولكنه يُنَزِّلُ رزقهم بقَدَرٍ لكفايتهم الذي يشاء منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال أبو هانئ: سمِعْتُ عمرَو بنَ حُرَيْثٍ وغيره يقولون: إنما أُنزِلت هذه الآيةُ في أصحابِ الصَّفّةِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾. ذلك بأنهم قالوا: لو أن لنا! فتمَنَّوُا الدنيا (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ سنان القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: ثنا حَيْوَةُ، قال: أخبَرني أبو هانئ، أنه سمِع عمرَو بن حُرَيْثٍ يقولُ: إنما نزَلَت هذه الآيةِ. ثم ذكر مثله (٣).

стр. 13908

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيةَ. قال: كان يقالُ: خيرُ الرزقِ ما لا يُطْغيك ولا يُلْهِيك. وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "أخوفُ ما أخافُ على أمتى زهرةُ الدنيا وكثرتُها". فقال له قائلٌ: يا نبيَّ اللهِ، هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ " فأنْزَل اللهُ عليه عندَ ذلك، وكان إذا نزل عليه كُرِب لذلك وترَبَّد وجهُه، حتى إذا سُرَّى عن نبيِّ اللهِ ﷺ قال: "هل يأتى الخيرُ بالشرِّ؟ ". يقولُها ثلاثًا، وإن الخيرَ لا يأتى إلا بالخير". يقولُها ثلاثًا، وكان ﷺ وَتِرَ الكلامِ - "ولكنه والله ما كان رَبيعٌ قطُّ إلا أحْبَط أو أَلَمَّ (١)؛ فأما عبدٌ أعْطاه اللهُ مالًا، فوضَعَه في سبيلِ اللهِ التي افْتَرَض وارْتَضَى، فذلك عبدٌ أريد به خيرٌ، وعُزِم له على الخيرِ؛ وأما عبدٌ أعْطاه اللهُ مالًا فوضعه في شَهَواتِه ولَذَّاتِه، وعدله (٢) عن حقِّ اللهِ عليه، فذلك عبدٌ أُرِيد به شرٌّ، وعُزم له على شرٍّ" (٣). وقولُه: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله بما يُصْلِحُ عبادَه ويُفْسِدُهم؛ مِن غنًى وفقرٍ، وسَعَة وإقتارٍ، وغيرِ ذلك مِن مصالحِهم ومضارِّهم، ذو خبرةٍ وعلمٍ، بصيرٌ بتدبيرِهم وصرفِهم فيما فيه صلاحُهم.

стр. 13909

القولُ في تأويلِ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي يُنَزَّلُ المطر من السماءِ فيُغِيثُكم به أيُّها الناسُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. يقولُ: مِن بعدِ ما يَئِس الناسُ من نزولِه ومجيئِه، ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾. يقولُ: ويَنْشُرُ في خلقِه رحمتَه. ويعنى بالرحمةِ الغيثَ الذي يُنزِّلُه من السماءِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه قيل لعمرَ بن الخطابِ ﵁: أجْدَبَت الأرضُ وقنَطَ الناسُ. قال: مُطِروا إذن (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. قال: يئسوا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ذُكر لنا أن رجلًا أتَى عمرَ بنَ الخطابِ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قحط المطرُ وقنط الناسُ. قال: مُطِرْتُم، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾. وقولُه: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾. يقولُ: وهو الذي يَلِيكم أيها الناسُ

стр. 13910

بإحسانِه وفضلِه، الحميدُ بأياديه عندَكم، ونعمِه عليكم في خلقِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَجه عليكم أيُّها الناسُ بأنه القادرُ على إحيائِكم بعدَ فَنائِكم، وبعثِكم من قبورِكم من بعدِ بِلائِكم - خلقُه السماواتِ والأرضَ، ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. يعنى: وما فرَّق في السماواتِ والأرضِ من دابةٍ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. قال: الناسُ والملائكةُ (١) ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على جمْعِ ما بثَّ فيهما مِن دابة إذا يشاءُ جمعَه ذو قدرةٍ، لا يَتَعذَّرُ عليه، كما لم يَتَعذَّر عليه خلقُه وتفريقُه. يقولُ: فكذلك هو القادرُ على جمعِ خلقِه الحشرِ (٢) يوم القيامةِ بعد تفرُّقِ أوصالِهم في القبورِ. القول في تأويلِ قولَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يُصِيبُكم أيُّها الناسُ من مصيبةٍ في الدنيا في أنفسِكم أو أهليكم أو أموالِكم، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: فإنما يُصِيبُكم

стр. 13911

ذلك عقوبةً من اللهِ لكم بما اجْتَرَمْتُم مِن الآثامِ فيما بينَكم وبينَ ربِّكم، ويَعْفُو لكم ربُّكم عن كثيرٍ من إجرامِكم، ولا يُعاقبكم بها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، قال: قرأتُ في كتابِ أبي قلابة قال: نزَلَت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، وأبو بكرٍ يَأْكُلُ، فأمْسَك فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى لَراءٍ ما عمِلتُ مِن خيرٍ أو شرٍّ؟ فقال: "أرأيتَ ما رأيْتَ مما تَكْرَهُ، فهو من مَثاقيلِ ذرِّ (١) الشرِّ، وتُدَّخَرُ مثاقيلُ الخيرِ حتى تُعْطاه (٢) يوم القيامةِ" قال: قال أبو إدريسَ: فأَرَى مِصْداقها في كتابِ اللهِ. قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣). قال أبو جعفر: وحدَّث بهذا الحديثِ الهيثمُ بنُ الربيعِ؛ فقال فيه: أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ، أن أبا بكرٍ كان جالسًا عند النبيِّ ﷺ . فذكَر الحديثَ، وهو غلطٌ، والصوابُ عن أبي إدريسَ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ الآيةِ، ذُكِر لنا أن نبيّ اللهِ ﷺ ما كان يقولُ: "لا

стр. 13912

يُصِيبُ ابنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ، ولا عَثْرةُ قدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ، إلا بذنْبٍ، وما يَعْفُو عنه أكثرُ" (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال: تُعَجَّلُ للمؤمنين عقوبتُهم بذنوبِهم [في الدنيا] (٢)، ولا يُؤاخذون بها في الآخرةِ. وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: وما عُوقِبْتُم به في الدنيا من عقوبةٍ، بحدٍّ حُدِدْتُموه على ذنبٍ اسْتَوْجَبْتُموه عليه، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. يقولُ: فيما عمِلْتُم مِن معصية اللهِ، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، فلا يُوجِبُ عليكم فيها حدًّا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن عن الحسنِ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال: هذا في الحدودِ. وقال قتادةُ: بلَغَنا أنه ما مِن رجلٍ تُصيبه عَثْرةُ قدم، ولا خَدْشُ عودٍ أو كذا أو كذا، إلا بذنبٍ، أو يَعْفُو، وما يَعْفُو أَكثرُ (٣). وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: وما أنتم أيُّها الناسُ

стр. 13913

بمُفيتي (١) ربِّكم بأنفسكم إذا أراد عقوبتَكم على ذنوبِكم التي أذْنَبْتُموها، ومعصيتِكم إياه التي ركِبْتُموها؛ هربًا في الأرضِ، فمُعْجِزِيه حتى لا يَقْدِرَ عليكم، ولكنكم حيث كنتم في سلطانِه وقبضته، جاريةٌ فيكم مشيئتُه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: يليكم بالدفاعِ عنكم إذا أراد عقوبتَكم على معصيتِكم إياه، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾. يقولُ: ولا لكم من دونه نصيرٌ يَنْصُرُكم إذا هو عاقَبَكم، فيَنْتَصِرَ لكم منه. يقولُ (٢): فاحْذَروا أيُّها الناسُ معاصيَه، واتقوه أن تُخالفوه فيما أمَرَكم أو نهاكم، فإنه لا دافعَ لعقوبتِه عمن أحَلَّها به. القول في تأويلِ قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ (٣) فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومِن حُجَج الله أيُّها الناسُ عليكم بأنه القادرُ على كلِّ ما يَشاءُ، وأنه لا يَتعَذَّرُ عليه فعلُ شيءٍ أراده - السفنُ الجاريةُ في البحرِ. والجَوارى جمعُ جاريةٍ، وهى السائرةُ في البحرِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْجَوَارِ (٤) فِي الْبَحْرِ﴾. قال: السفن (٥).

стр. 13914

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْر﴾. قال: الجوارى: السفنُ (١). وقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾: يعنى: كالجبال. واحدُها عَلَمٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): [وإنَّ صخرًا لتأتمُّ الهُداةُ به] (٣) … كأنه عَلَمٌ في رأسِه نارُ يعني: جبلٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾. قال: كالجبالِ (٤). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: الأعلامُ: الجبالُ (٥). وقولُه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن يَشَأ اللهُ الذي جرَت (٦) هذه السفنُ في البحرِ بقدرتِه (٧) أن لا تَجْرِيَ فيه، أسْكَن الريحَ التي تَجْرِى بها فيه، فثبَتْنَ (٨) في موضعٍ واحدٍ ووقَفْنَ على

стр. 13915

ظهرِ الماءِ، لا تَجْرِى فتتقَدَّمَ ولا تَتَأَخَّرَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾: سفنُ هذا البحرِ تَجْرِى بالريحِ، فإذا أُمْسِكَت عنها الريحُ رَكَدَت، قال اللهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾: لا تَجْرِى. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ (٢). يقولُ: وقوفًا (٣). وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. يقولُ: إن في جَرْي هذه الجَوارِي في البحر بقُدرةِ اللهِ، لَعظةً وعبرةً وحجةً بينةً على قُدرةِ اللهِ على ما يَشاءُ، لكلِّ ذى صبرٍ على طاعتِه، شكورٍ لنعمه وأيادِيه عندَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 13916

خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أو يُوبِقْ هذه الجوارىَ في البحرِ؛ بما كسَبَتْ رُكْبانُها مِن الذنوبِ، واجْتَرَموا من الآثامِ. وجزَم ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾، عطفًا على ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾. ومعنى الكلامِ: إن يَشَأْ يُسْكِنِ الريحَ فيظْلَلنَ رَواكدَ على ظهرِه، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. ويعنى بقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. أو يُهْلِكُهن بالغرقِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. يقولُ: يُهْلِكُهن (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. أو يُهْلِكُهن (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾. قال: يُغْرقُهن (٣) بما كسَبوا (٤). وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾. قالوا أيضًا.

стр. 13917

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. أي: بذنوبِ أهلِها. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: بذنوب أهلِها (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾. قال: يُوبِقْهن بما كسَب أصحابُهن. وقوله: ﴿وَيَعْفُ (٢) عَنْ كَثِير﴾. يقولُ: ويَصْفَحُ تعالى ذكرُه عن كثيرٍ من ذنوبِكم، فلا يُعاقِبْ عليها. وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويَعْلَمَ اللَّهُ الذين يُخاصِمون رسولَه محمدًا ﷺ مِن المشركين في آياتِه وعبرِه وأدلتِه على توحيدِه. واخْتَلَفت القرأةُ في قراءتِه، فقرأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (ويعْلَمُ الذين). رفعًا على الاستئنافِ، كما قال في سورةِ "براءة": ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [التوبة: ١٥]. وقرأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرة: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾. نصبًا، كما قيلَ في سورةِ "آل عمران": ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢] على الصرفِ (٣)، وكما قال

стр. 13918

النابغةُ الذُّبيانيُّ (١): فإِن يَهْلِكُ أبو (٢) قابُوسَ يَهْلِكْ … رَبيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ ونُمْسِكُ بعدَه بذِنابٍ عَنْسٍ (٣) … أَجَبِّ الظَّهْرِ ليس له سَنامُ [ويُروَى: "عيش"] (٤). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان مُتَقارِبنا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما لهم مِن مَحيدٍ عن (٥) عقابِ اللهِ، إذا عاقَبَهم على ذنوبِهم وكفرِهم به، ولا لهم منه ملجأٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال: ما لهم مِن مَلْجأٍ (٦). وقوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما أُعْطِيتُم أَيُّها الناسُ مِن شيءٍ مِن رِياشِ الدنيا، من المالِ والبنينَ ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: فهو متاعٌ

стр. 13919

لكم تتمَتعون به في الحياةِ الدنيا، وليس مِن دارِ الآخرةِ، ولا مما يَنْفَعُكم في مَعادِكم. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذي عندَ اللهِ لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به في الآخرةِ، خيرٌ مما أُوِتيتُموه في الدنيا من متاعِها وأَبْقَى؛ لأن ما أُوتِيتُموه في الدنيا فانٍ نافدٌ، وما عندَ اللهِ مِن النعيمِ في جِنانِه لأهلِ طاعتِه باقٍ غيرُ نافدٍ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ: وما عندَ اللهِ للذين آمنوا به، وعليه يتوكلون في أمورِهم، وإليه يُفَوِّضون (١) أسبابَهم، وبه يَثِقون - خيرٌ وأبقى مما أُوتِيتُموه مِن متاعِ الحياةِ الدنيا. القولُ في تأويل قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما عندَ اللهِ للذين آمَنوا، وللذين (٢) يجتَنبُونَ كبَائرَ الإثمِ. وكبائرُ (٣) الإثمِ قد بيَّنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيها، وبيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا فيها في سورةِ "النساء" (٤)، فأغْنَى ذلك عن إعادته ههنا. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾. قيل: إنها الزنى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ:

стр. 13920

﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾. قال: الفَواحِشُ الزنى (١). واختلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولَه: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾. فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿كَبَائِرَ﴾ (٢) على الجِماعِ، وكذلك التي في "النجمِ" (٣)، وقرأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (كبيرَ الإثمِ) على التوحيدِ فيهما جميعًا (٤)، وكأن مَن قرَأ ذلك كذلك عنَى بكبيرِ الإثمِ الشركَ. و (٥) كان الفراءُ يقولُ: كأني أَسْتَحِبُّ لمن قرَأ ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ أن يَخْفِضَ "الفواحش"؛ لتكونَ الكبائرُ مضافةً إلى مجموعٍ إذ كانت جمعًا. قال: وما سمِعتُ أحدًا من القرأةِ خفَض "الفواحشَ" (٦). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَى أنهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ مِن القرأةِ، على تقارُبِ معنييهما، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا ما غضِبوا على مَن اجْتَرَم إليهم جُرْمًا، هم يَغفِرون لمن اجتَرم إليهم ذنبَه، ويَصْفَحون عنه عقوبةَ ذنبِه. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللذين أجابوا لربِّهم حينَ دعاهم إلى توحيدِه، والإقرارِ بوحدانيتِه، والبراءةِ مِن

стр. 13921

عبادةِ كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِه، وأقامُوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: وإذا حزَبهم أمرٌ تَشاوَرُوا بينَهم، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. يقولُ: ومِن الأموالِ التي رزَقْناهم يُنْفِقون في سبيلِ اللهِ، ويُؤَدُّون ما فرَض اللَّهُ عليهم فيها (١) مِن الحقوقِ لأهلها؛ من زكاةٍ ونفقةٍ على من يَجِبُ عليه نفقتُه. وكان ابن زيدٍ يقولُ: عُنِى بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ الآية: الأنصارُ. حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زِيدٍ، وقرأَ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. قال: فبدَأ بهم ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾: الأنصارُ، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: وليس فيهم رسولُ اللهِ ﷺ ، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾: ليس فيهم رسولُ اللهِ ﷺ أيضًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذين إذا بغَى عليهم باغٍ واعْتَدَى * عليهم هم يَنْتَصِرون. اختَلَف أهلُ التأويلِ في الباغى الذي حِمد تعالى ذكرُه المنتصرَ منه بعدَ بغيِه عليه؛ فقال بعضُهم: هو المشرِكُ إذا بغَى على المسلمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ: ذكَر المهاجرين

стр. 13922

صنفين؛ صنفًا عفا، وصنْفًا انْتَصَر. وقرَأ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. قال: فبدَأ بهم: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: وهم الأنصارُ. ثم ذكَر الصنفَ الثالثَ فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ من المشركين (١). وقال آخرون: بل هو كلُّ باغٍ بغَى، فحمِد المنتصرَ منه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. قال: ينتَصِرون ممن بغَى عليهم مِن غيرِ أن يَعْتَدُوا (٢). وهذا القولُ الثاني أولى في ذلك بالصوابِ؛ لأن الله لم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دون معنًى، بل حمِد كلَّ منتصِرٍ بحقٍّ مَمَن بغَى عليه. فإن قال قائلٌ: وما في الانتصارِ مِن المدحِ؟ قيل: إن في إقامةِ الظالمِ على سبيلِ الحقِّ وعقوبتِه بما هو له أهلٌ تقويمًا (٣) له، وفى ذلك أعظمُ المدحِ. وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وقد بيَّنَّا فيما مضَى معنى ذلك (٤)، وأن معناه: وجزاءُ سيئةِ المسئِ عقوبتُه بما أوْجَبه اللهُ عليه، فهي وإن كانت عقوبةً مِن اللهِ أوْجَبها عليه فهى مَساءةٌ له. والسيِّئة إنما هي الفَعْلةُ مِن السُّوءِ، وذلك نظيرُ قولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].

стр. 13923

وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يُجابَ القائلُ الكلمةَ القَزِعةَ (١) بمثلِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: قال لى أبو بشرٍ: سمِعتُ ابن أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال: يقولُ: أخْزاه الله. فيقولُ: أخْزاه اللهُ (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. قال: إذا شتَمَك بشَتِيمةٍ فاشْتُمْه مثلَها، مِن غيرِ أن تَعتَدِيَ (٣). وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ مِن المشركين، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا﴾ الآية: ليس أمَرَكم أن تَعْفُوا عنهم لأنه أحَبَّهم، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ثم نسَخ هذا كلَّه، وأمَرَه بالجهادِ (٤). فعلى قولِ ابن زيدٍ هذا تأويلُ الكلامِ: وجزاءُ سيئةٍ مِن المشركين إليكم سيئةٌ مثلُها منكم إليهم، وإن عفَوتُم وأَصْلَحْتُم في العفوِ، فأجرُكم في عفوِكم عنهم إلى

стр. 13924

اللهِ، إنه لا يُحِبُّ الظالمين (١). وهذا على قولِه كقولِ اللهِ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وللذى قال مِن ذلك وجهٌ. غيرَ أن الصوابَ عندَنا أن تُحمَل (٢) الآية على الظاهرِ ما لم يَنْقُلْه إلى الباطنِ ما يَجِبُ التسليمُ له، وأن لا يُحْكَمَ بحكمٍ (٣) في آيةٍ بالنسخِ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ، أو حجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، ولم تَثْبُتْ حجةٌ في قولِه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، يَجِبُ أنه مرادٌ به المشركون دونَ المسلمين، ولا بأنَّ هذه الآية منسوخةٌ، فنُسلِّمَ لها بأنَّ ذلك كذلك. وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمَن عفا عمن أساء إليه إساءتَه إليه، فغفرَها له ولم يُعاقِبْه بها، وهو على عقوبتِه عليها قادرٌ، ابتغاءَ وجهِ اللهِ، فأجرُ عفوِه ذلك على اللهِ، واللهُ تعالى مُثِيبُه عليه ثوابَه. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: إن الله لا يُحِبُّ أهلَ الظلمِ الذين يَتَعدَّوْن على الناسِ، فيُسِيئون إليهم بغيرِ ما أذِن اللهُ لهم فيه. القولُ في تأويلِ قولَه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولَمَن انتصَرَ ممَّن ظلمَه مِن بعدِ ظلمِه إياه، ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: فأولئك المُنْتَصِرون منهم، لا سبيلَ للمُنتَصَرِ منهم عليهم بعقوبةٍ ولا أذىً؛ لأنهم انْتَصَروا منهم بحقٍّ، ومَن أخذ حقَّه ممن وجَب ذلك له.

стр. 13925

عليه، [فلم يَتَعدَّ ولم يَظلِمْ] (١)، فيكونَ عليه سبيلٌ. وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به كلُّ مُنْتَصِرٍ ممن أساء إليه، مسلمًا كان المسيءُ أو كافرًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا معاذٌ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: كنتُ أَسألُ عن الانتصارِ، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيةَ، فحدَّثني عليُّ بنُ زِيدِ بن جدعانَ، عن أمِّ محمدٍ امرأةِ أبيه (٢) - قال ابن عونٍ: زعَموا أنها كانت تدْخُلُ على أم المؤمنين - قالت: قالت أمُّ المؤمنين: دخَل علينا (٣) رسولُ الله ﷺ وعندَنا زينبُ بنتُ جَحْشٍ، فجعَل يَصْنَعُ بيدِه شيئًا، ولم يَفْطَنْ لها، فقلتُ بيدِه حتى فطَّنْتُه فأَمْسَك، وأَقْبَلَت زينبُ تَقَحَّمُ (٤) لعائشةَ، فنهاها فأبَتْ أَن تَنْتَهِيَ، فقال لعائشةَ: "سُبِّيها"، فسبَّتْها فغلَبَتها، وانْطَلَقَتْ زينب فأتَت عليًّا، فقالت: إن عائشةَ تَقَعُ بكم وتَفْعَلُ بكم. فجاءت فاطمةُ، فقال لها: "إنها حِبَّةُ أبيك وربِّ الكعبةِ". فانْصَرَفَت وقالت لعليٍّ: إنى قلتُ له كذا و كذا، فقال كذا وكذا. قال: وجاء عليٌّ إلى النبيِّ ﷺ فكلَّمه في ذلك (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ

стр. 13926

بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾. الآيةَ، قال: هذا في الخَمْشِ (١) يكونُ بينَ الناسِ (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قال: هذا فيما يكونُ بينَ الناسِ مِن القِصاصِ، فأما لو ظلَمَك رجلٌ لم يَحِلُّ لك أن تَظْلِمه (٢). وقال آخرون (*): بل عُنِى به الانتصارُ مِن أهلِ الشركِ، وقال: هو منسوخٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قال: لَمَنِ انْتَصَر بعد ظلمِه؛ من المؤمنين انتَصَر مِن المشركين. قال: وهذا قد نُسِخ، وليس هذا في أهلِ الإسلامِ، ولكن في أهل الإسلامِ الذي قال اللهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنه معنيٌّ به كلُّ منتِصرٍ مِن ظالمِه. وإن الآيةَ مُحْكَمةٌ غيرُ مَنْسوخةٍ؛ للعلةِ التي بيَّنْتُ في الآيةِ قبلَها. وقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنما الطريقُ لكم أيُّها الناسُ على الذين يَتَعَدَّون على الناسِ ظلمًا وعُدْوانًا، بأن

стр. 13927

تُعاقبوهم (١) بظلمِهم، لا على مَن انتَصَر ممن ظلَمَه وأخَذ منه حقَّه. وقوله: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يقولُ: ويتَجاوَزون في أرضِ اللهِ الحدَّ الذي أباح لهم ربُّهم إلى ما لم يَأْذَنْ لهم فيه، فيُفْسِدون فيها بغير الحقِّ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فهؤلاء الذين يَظْلِمون الناسَ ويَبْغُون في الأرض بغير الحقِّ، لهم عذابٌ مِن اللهِ يومَ القيامةِ في جهنمَ مُؤْلِمٌ مُوجعٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولمن صبَر على إساءةِ مَن أساء إليه، وغفَر للمسيءِ إليه جُرْمَه إليه، فلم يَنْتَصِر منه، وهو على الانتصارِ منه قادرٌ، ابتغاءَ وجهِ اللهِ وجزيلِ ثوابِه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. يقولُ: إن صبرَه ذلك وغفرانَه ذنبَ المسيءِ إليه ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. [يقولُ: لَمن الأمورِ] (٢) التي ندَب إليها عبادَه، وعزَم عليهم العملَ بها (٣). ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾. يقولُ جل ثناؤه: ومَن خذَله اللهُ عن الرَّشادِ، فليس له مِن وليٍّ يَلِيه، فيَهْدِيَه لسبيلِ الصوابِ، ويُسَدِّدَه لها (٤) من بعدِ إضلالِ اللهِ إياه، ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وتَرَى الكافرين بالله يا محمدُ يومَ القيامة لمّا عايَنوا عذابَ اللهِ يقولون لربِّهم: هَلْ لنا يا ربُّ إلى مرَدٍّ [إلى الدنيا] (٢) مِنْ سبيلٍ؟ وذلك كقولِه:

стр. 13928

﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. اسْتَعتَب المساكينُ في غيرِ حينِ الاستعتابِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: إلى الدنيا (١). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ "إنَّ" في قولِه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، مع دخولِ اللامِ في قولِه: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾. فكان بعضُ (٢) نحويِّ أهلِ البصرةِ يقولُ في ذلك: أما اللامُ التي في: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ فلامُ الابتداءِ، وأمّا ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾، فمعناه واللهُ أعلمُ: إنَّ ذلك منه مِن عزمِ الأمورِ. وقال: قد تقول: مرَرْتُ بالدارِ الذراعُ بدرهمٍ. أي: الذراعُ منها بدرهمٍ، ومرَرْتُ ببُرٍّ قَفيزٌ بدرهمٍ. أي: قفيزٌ منه بدرهمٍ. قال: وأما ابتداءُ "إِنَّ" في هذا الموضعِ فمثلُ: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، يجوزُ ابتداءُ الكلامِ، وهذا إذا طال الكلامُ في هذا الموضعِ. وكان بعضُهم يَسْتَخْطِئُ هذا القولَ، ويقولُ: إِنَّ العربَ إذا أَدْخَلَت اللامَ في أوائلِ الجزاءِ أجابَته بجواباتِ الأيمانِ؛ بـ "ما"، و "لا"، و "إنَّ"، و "اللامِ"، قال: وهذا مِن ذاك، كما قال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا

стр. 13929

يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢]. فجاء بـ "لا"، وبـ "اللام" جوابًا للامِ الأولى. قال: ولو قال: لئن قُمْتَ إني لَقائمٌ. لجاز، ولا حاجةَ به إلى العائدِ؛ لأن الجوابَ في اليمينِ قد يكونُ فيه العائدُ وقد لا يكونُ، ألا ترَى أنك تقولُ: لكن قمتَ لأقُومَنَّ، و لا أقومُ، و: إني لَقائمٌ. فلا تَأْتى بعائدٍ. قال: وأما قولُهم: مررْتُ بدار الذراعُ بدرهمٍ، و: ببُرٍّ قَفِيرٌ بدرهمٍ، فلابد مِن أن يَتَّصِلَ بالأولِ (١) بالعائدِ، وإنما يُحْذَفُ (٢) العائدُ فيه؛ لأن الثانيَ تبعيضٌ للأولِ؛ مرَرْتُ ببُرٍّ بعضٌ (٣) بدرهمٍ و: بعضُه، بدرهمٍ، فلما كان المعنيُّ التبعيضَ حذَف العائدَ. قال: وأما ابتداءُ "إنّ" في كلِّ موضعٍ إذا طال الكلامُ، فلا يَجوزُ أَن يُبْتَدأَ [إلا لمعنى] (٤): ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، فإنه جوابٌ للجزاءِ، كأنه قال: ما فرَرْتُم منه من الموتِ فهو مُلاقِيكم. وهذا القولُ الثاني عندى أولى بالصوابِ في ذلك، للعلل التي قد ذكَرْناها. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى يا محمد الظالمين يُعْرَضون على النارِ، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. يقولُ: حَاضِعِين مُتَذَلِّلين. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الخشوعُ:

стр. 13930

الخوفُ والخشيةُ اللهِ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ إلى قولَه: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. قال: قد أذَلَّهم الخوفُ الذي نزَل بهم، وخشَعوا له (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿خَاشِعِينَ﴾. قال: خاضِعِين من الذلِّ. وقوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. يقولُ: يَنْظُرُ هؤلاء الظالمون إلى النارِ حينَ يُعْرَضون عليها من طَرْفِ خَفِيٍّ. واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الله؛ فقال بعضُهم: معناه: من طرْفٍ ذَليلٍ. وكأن معنى الكلام: مِن طَرْفٍ قد خَفِى مِن ذُلِّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. يعني بالخَفيِّ: الذليلَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، الحارثُ، وحدَّثني قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: ذليلٍ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يُسارِقون النَّظَرَ.

стр. 13931

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: يُسارِقون النَّظرَ (١). [حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: يُسارِقون النظرَ] (٢). واختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فقال بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ في ذلك: جعَل الطرْفَ العينَ، كأنه قال: ونظرُهم مِن عينٍ ضعيفةٍ. واللهُ أعلمُ. قال: وقال يونُسُ (٣): إِنَّ ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ مثلُ "بطرْفٍ"، كما تقولُ العربُ: ضرَبْتُه في السيفِ، و: ضرَبْتُه بالسيفِ. وقال آخرُ منهم: إنما قيل: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. لأنه لا يَفْتَحُ عينَه، إِنما يَنْظُرُ ببعضِها. وقال آخرون منهم: إنما قيل: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. لأنهم ينْظُرون إلى النارِ بقلوبهم؛ لأنهم يُحْشَرون عُمْيًا. والصوابُ مِن القولِ في ذلك القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ، وهو أن معناه: أنهم يَنْظُرون إلى النارِ مِن طرْفٍ ذليلٍ، وصَفه اللهُ جلَّ ثناؤُه بالخَفاءِ؛ للذلةِ التي قد ركِبَتهم، حتى كادت أعينُهم أَن تَغور فتَذْهَبَ. وقولُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ

стр. 13932

يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه: إن المَغْبُونين الذين عُبِنوا أنفسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ (١) الجنةَ. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: غُبِنوا أنفسَهم وأهليهم في الجنةِ. وقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الكافرين يومَ القيامِة في عذابٍ لهم من اللهِ مُقيمٍ عليهم ثابتٍ، لا يَزولُ عنهم، ولا يَبِيدُ، ولا يَخِفُّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَكُنْ لهؤلاء الكافرين حينَ يُعَذَّبُهم الله يومَ القيامةِ أولياءُ يَمْنَعونهم من عذابِ اللهِ، ولا يَنْتَصِرون لهم من ربِّهم على ما نالهم به مِن العذابِ، مِن دونِ اللهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: ومَن يَخْذُلْه اللهُ عن (٢) طريقِ الحقِّ فما له من طريقٍ إلى الوصولِ إليه؛ لأن الهدايةَ والإضلالَ بيدِه دونَ كلِّ أحدٍ سواه. وقولُه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للكافرين به: أَجِيبوا أيُّها الناسُ داعىَ اللهِ وآمِنوا به، واتَّبِعوه على ما جاءكم به مِن عندِ رَبِّكُم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا شيءَ يَرُدُّ مجيئَه إذا جاء اللهُ به، وذلك

стр. 13933

يومَ القيامةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما لكم أيُّها الناسُ مِن مَعقِلٍ تَحْتَرزون فيه وتَلْجَئون إليه، فتَعْتَصِمون به مِن النازلِ بكم مِن عذابِ اللهِ، على كفرِكم به [في الدنيا] (١)، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: ولا أنتم تَقْدِرون لِمَا يَحِلُّ بكم مِن عقابِه يومَئذٍ على تغييرٍ، ولا على انتصارٍ منه، إذا عاقَبَكم بما عاقَبَكم به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾. قال: مَحْرَزٍ. وقولَه: ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾. قال: ناصرٍ يَنْصُرُكم (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئون إليه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: مِن [غَيْرٍ تُغَيِّرون] (٣). القول في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾

стр. 13934

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أعْرَض هؤلاء المشركون يا محمدُ، عما أتيْتَهم به مِن الحقَّ، ودعَوْتَهم إليه من الرُّشْدِ، فلم يَسْتَجِيبوا لك، وأَبَوْا قَبوله منك - فدَعْهم؛ فإنَّا لم (١) نُرْسِلْك إليهم رقيبًا عليهم تحْفَظْ عليهم أعمالَهم وتُحْصِيها، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. يقولُ: ما عليك يا محمدُ إلا أن تُبَلِّغَهم ما أَرْسَلْناك به إليهم من الرسالةِ، فإذا بلَّغْتَهم ذلك فقد قضَيْتَ ما عليك، ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا إذا أَغْنَيْنا ابنَ آدَمَ وأَعْطَيْناه من عندنا سَعَةً - وذلك هو الرحمةُ التي ذكَرها جلَّ ثناؤُه - ﴿فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ: سُرَّ بما أعْطَيْناه من الغِنَى، ورزَقْناه من السَّعةِ وكثرةِ المالِ، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. يقولُ: وإن أصابتهم فاقةٌ وفقرٌ وضيقٌ عيشٍ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: بما أسْلَفَ مِن معصيةِ اللهِ عقوبةً له على معصيتِه إياه - جحَد نِعَمَ اللهِ، ويَئِسَ من الخيرِ، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن الإنسانَ جحودٌ نعمَ ربِّه، يُعَدِّدُ المصائبَ، ويَجْحَدُ النعَمَ. وإنما قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. فأخرَج الهاءَ والميمَ مُخْرَجَ كنايةِ جمعِ الذكورِ، وقد ذكَر الإنسانَ قبلَ ذلك بلفظِ (٢) الواحدِ؛ لأنه بمعنى الجمعِ. القول في تأويلِ قولِه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ (٣)، يَفعَلُ في سلطانِه ما يَشاءُ، ويَخْلُقُ ما يُحِبُّ خلقَه، يَهَبُ لمن يشاءُ مِن خلقِه من الولدِ الإناثَ

стр. 13935

دونَ الذكورِ، بأن يَجْعَلَ كلَّ ما حَمَلتْ زوجتُه من حَمْلٍ منه أنثَى، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. يقولُ: ويَهَبُ لمن يَشاءُ منهم الذكورَ، بأن يَجْعَلَ كُلَّ حملٍ حَمَلتْه امرأتُه ذكرًا لا أنثَى فيهم. [﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾] (١). يقولُ: أو يجعلُ له ذُكرانُا وإناثًا؛ بأن يجعلَ حَمْلَ زوجتِه مرةً ذكرًا ومرةَ أنثى، فذلك هو التزويجُ، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: ويجعلُ مَن يَشَاءُ منهم لا لقاحَ له ولا ولدَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال ثنا عوفٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. قال: يَهَب لمن يشاءُ ذكورًا كلَّها لا إناثَ فيهم، ويهبُ لَمن يشاء إناثًا لا ذكورَ فيهم، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. قال: عقيمًا لا يولدُ له. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا الجوارى، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا الغلمانُ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: يولدُ له الجوارى والغلمانُ فذلك تزويجُهم (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه] (١):
следующие страницы →