ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: يُسارِقون النَّظرَ (١).
[حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. قال: يُسارِقون النظرَ] (٢).
واختَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فقال بعضُ نحويى أهلِ البصرةِ في ذلك: جعَل الطرْفَ العينَ، كأنه قال: ونظرُهم مِن عينٍ ضعيفةٍ. واللهُ أعلمُ. قال: وقال يونُسُ (٣): إِنَّ ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ مثلُ "بطرْفٍ"، كما تقولُ العربُ: ضرَبْتُه في السيفِ، و: ضرَبْتُه بالسيفِ.
وقال آخرُ منهم: إنما قيل: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. لأنه لا يَفْتَحُ عينَه، إِنما يَنْظُرُ ببعضِها.
وقال آخرون منهم: إنما قيل: ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. لأنهم ينْظُرون إلى النارِ بقلوبهم؛ لأنهم يُحْشَرون عُمْيًا.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ، وهو أن معناه: أنهم يَنْظُرون إلى النارِ مِن طرْفٍ ذليلٍ، وصَفه اللهُ جلَّ ثناؤُه بالخَفاءِ؛ للذلةِ التي قد ركِبَتهم، حتى كادت أعينُهم أَن تَغور فتَذْهَبَ.
وقولُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ
стр. 13932
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه: إن المَغْبُونين الذين عُبِنوا أنفسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ (١) الجنةَ.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: غُبِنوا أنفسَهم وأهليهم في الجنةِ.
وقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الكافرين يومَ القيامِة في عذابٍ لهم من اللهِ مُقيمٍ عليهم ثابتٍ، لا يَزولُ عنهم، ولا يَبِيدُ، ولا يَخِفُّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَكُنْ لهؤلاء الكافرين حينَ يُعَذَّبُهم الله يومَ القيامةِ أولياءُ يَمْنَعونهم من عذابِ اللهِ، ولا يَنْتَصِرون لهم من ربِّهم على ما نالهم به مِن العذابِ، مِن دونِ اللهِ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾. يقولُ: ومَن يَخْذُلْه اللهُ عن (٢) طريقِ الحقِّ فما له من طريقٍ إلى الوصولِ إليه؛ لأن الهدايةَ والإضلالَ بيدِه دونَ كلِّ أحدٍ سواه.
وقولُه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للكافرين به: أَجِيبوا أيُّها الناسُ داعىَ اللهِ وآمِنوا به، واتَّبِعوه على ما جاءكم به مِن عندِ رَبِّكُم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾. يقولُ: لا شيءَ يَرُدُّ مجيئَه إذا جاء اللهُ به، وذلك
стр. 13933
يومَ القيامةِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما لكم أيُّها الناسُ مِن مَعقِلٍ تَحْتَرزون فيه وتَلْجَئون إليه، فتَعْتَصِمون به مِن النازلِ بكم مِن عذابِ اللهِ، على كفرِكم به [في الدنيا] (١)، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: ولا أنتم تَقْدِرون لِمَا يَحِلُّ بكم مِن عقابِه يومَئذٍ على تغييرٍ، ولا على انتصارٍ منه، إذا عاقَبَكم بما عاقَبَكم به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾. قال: مَحْرَزٍ. وقولَه: ﴿مِنْ نَكِيرٍ﴾. قال: ناصرٍ يَنْصُرُكم (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ﴾ تَلْجَئون إليه، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾. يقولُ: مِن [غَيْرٍ تُغَيِّرون] (٣).
القول في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾
стр. 13934
يقولُ تعالى ذكرُه: فإن أعْرَض هؤلاء المشركون يا محمدُ، عما أتيْتَهم به مِن الحقَّ، ودعَوْتَهم إليه من الرُّشْدِ، فلم يَسْتَجِيبوا لك، وأَبَوْا قَبوله منك - فدَعْهم؛ فإنَّا لم (١) نُرْسِلْك إليهم رقيبًا عليهم تحْفَظْ عليهم أعمالَهم وتُحْصِيها، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. يقولُ: ما عليك يا محمدُ إلا أن تُبَلِّغَهم ما أَرْسَلْناك به إليهم من الرسالةِ، فإذا بلَّغْتَهم ذلك فقد قضَيْتَ ما عليك، ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا إذا أَغْنَيْنا ابنَ آدَمَ وأَعْطَيْناه من عندنا سَعَةً - وذلك هو الرحمةُ التي ذكَرها جلَّ ثناؤُه - ﴿فَرِحَ بِهَا﴾. يقولُ: سُرَّ بما أعْطَيْناه من الغِنَى، ورزَقْناه من السَّعةِ وكثرةِ المالِ، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. يقولُ: وإن أصابتهم فاقةٌ وفقرٌ وضيقٌ عيشٍ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: بما أسْلَفَ مِن معصيةِ اللهِ عقوبةً له على معصيتِه إياه - جحَد نِعَمَ اللهِ، ويَئِسَ من الخيرِ، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإن الإنسانَ جحودٌ نعمَ ربِّه، يُعَدِّدُ المصائبَ، ويَجْحَدُ النعَمَ. وإنما قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾. فأخرَج الهاءَ والميمَ مُخْرَجَ كنايةِ جمعِ الذكورِ، وقد ذكَر الإنسانَ قبلَ ذلك بلفظِ (٢) الواحدِ؛ لأنه بمعنى الجمعِ.
القول في تأويلِ قولِه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: للهِ سلطانُ السماواتِ السبعِ والأرضِ (٣)، يَفعَلُ في سلطانِه ما يَشاءُ، ويَخْلُقُ ما يُحِبُّ خلقَه، يَهَبُ لمن يشاءُ مِن خلقِه من الولدِ الإناثَ
стр. 13935
دونَ الذكورِ، بأن يَجْعَلَ كلَّ ما حَمَلتْ زوجتُه من حَمْلٍ منه أنثَى، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. يقولُ: ويَهَبُ لمن يَشاءُ منهم الذكورَ، بأن يَجْعَلَ كُلَّ حملٍ حَمَلتْه امرأتُه ذكرًا لا أنثَى فيهم. [﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾] (١). يقولُ: أو يجعلُ له ذُكرانُا وإناثًا؛ بأن يجعلَ حَمْلَ زوجتِه مرةً ذكرًا ومرةَ أنثى، فذلك هو التزويجُ، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: ويجعلُ مَن يَشَاءُ منهم لا لقاحَ له ولا ولدَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى، قال ثنا عوفٌ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. قال: يَهَب لمن يشاءُ ذكورًا كلَّها لا إناثَ فيهم، ويهبُ لَمن يشاء إناثًا لا ذكورَ فيهم، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. قال: عقيمًا لا يولدُ له.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا الجوارى، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾. يقولُ: لا يولدُ له إلا الغلمانُ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: يولدُ له الجوارى والغلمانُ فذلك تزويجُهم (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه] (١):
стр. 13936
[﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يهبُ لمن يشاءُ إناثًا فلا يكونُ له إلا أنثى، وولدُه كلُّهم إناثٌ، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ فلا يكونُ له إلا ذكورٌ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. يقولُ: يجمعُ لهم الذكرانَ والإناثَ، فيهبُ لمن يشاءُ ذُكرانًا وإناثًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا يولدُ له (١)] (٢).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يَخْلِطُ بينَهم. يقولُ: التزويجُ أَن تَلِدَ المرأةُ غلامًا ثم تَلِدَ جاريةً، ثم تَلِدَ غلامًا ثم تَلِدَ جاريةً (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُور﴾: قادرٌ واللهِ ربُّنا على ذلك؛ أَن يَهَبَ للرجلِ [ذكورًا ليست معهم أنثى، وأن يَهَب للرجل إناثًا ليس معهنَّ ذكورٌ ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ فيهَبُ] (٤) للرجلِ ذُكْرانًا وإناثًا، فيَجْمَعُهم له جميعًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، في قولِ الله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: ليس معهم إناثٌ، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: يَهَبُ لهم إناثًا وذكرانًا، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ
стр. 13937
عَقِيمًا﴾ لا يُولَدُ له (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾. يقولُ: لا يُلْقِحُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:
﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: لا يلدُ واحدًا ولا اثنين.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾. [يقولُ: ليس فيهنَّ ذكَرٌ] (٣)، ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾: ليست فيهم أنثى، ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾: تلدُ المرأةُ ذكرًا مرَّةً وأنثى مرَّةً، ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾: لا يُولَدُ له (٤).
وقال ابن زيدٍ في معنى قولِه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾. ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾. قال: أو يجعَلُ في البطنِ الواحدِ ذكرًا وأنثى توءَمًا، هذا قولُه: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ (٥).
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله ذو علم بما يخلُقُ، وقُدرةٍ على خلقِ ما يشاءُ، لا يعزُبُ عنه علمُ شيءٍ مِن خلقِه، ولا يُعجِرُه خَلْقُ شيءٍ
стр. 13938
أراد خلْقَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما ينبَغى لبشرٍ مِن وَلَدِ آدمَ أن يكلمه ربُّه إلا وحيًا يُوحِى إليه كيف شاء؛ إمّا (١) إلهامًا، وإما غيرَه، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: أو يكلِّمه بحيث يسمَعُ كلامَه ولا يراه، كما كلَّم موسى نبيَّه ﵇، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾. يقولُ: أو يرسِلَ إليه مِن ملائكتِه رسولًا؛ إما جبريلَ، وإما غيرَه، ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. يقولُ: فيوحىَ ذلك الرسولُ (٢) المُرْسَلُ إليه بإذنِ ربِّه الذي أرسلَه ﴿مَا يَشَاءُ﴾. يعنى: ما يشاءُ ربُّه أن يوحيَه إليه مِن أمرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك من الرسالةِ والوحْيِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قَولِ اللهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾: يُوحِي إليه، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: موسى كلَّمه اللهُ مِن وراءِ حجابٍ، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾. قال: جبريلُ يأتى بالوحِي.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ﴾؛ فقرأَته عامةُ
стр. 13939
قرأَةِ الأمصارِ: ﴿فَيُوحِيَ﴾ بنصبِ الياءِ، عطفًا على ﴿يُرْسِلَ﴾، ونصَبوا ﴿يُرْسِلَ﴾ (١) عطفًا بها على موضعِ الوحيِ ومعناه، لأن معناه: وما كان لبشرٍ أن يكلِّمَه اللهُ إلا أن يوحِىَ إليه، أو يرسِلَ إليه رسولًا، فيوحِيَ بإذنِه ما يشاءُ.
وقرَأ ذلك نافعٌ المدنيُّ: (فيُوحِي) بإرسالِ الياءِ، بمعنى الرفعِ، عطفًا به على (يُرْسِل)، وبرفعِ (يُرْسِلُ) على الابتداءِ (٢).
قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنه - يعنى نفسَه جلّ وعزّ -: ذو علوٍّ على كلِّ شيءٍ وارتفاعٍ عليه واقتدارٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾: يقولُ: ذو حكمةٍ في تدبيرِه خلْقَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. وكما كنا نوحِي إلى (٣) سائرِ رسلِنا، كذلك أوحَينا إليك يا محمدُ هذا القرآنَ، ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. يقولُ: وحيًا ورحمةً مِن أمرِنا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرُّوحِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الرحمةُ.
стр. 13940
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. قال: رحمةً مِن أمرِنا (١).
وقال آخرون: معناه: وحيًا مِن أمرِنا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. قال: وحيًا مِن أمرِنا (٢).
وقد بيَّنا معنى "الرُّوحِ" فيما مضى بذكرِ اختلافِ أهلِ التأويلِ فيها بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).
وقولُه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ما كنتَ تدرى يا محمدُ أيَّ شيءٍ الكتابُ ولا الإيمانُ اللَّذَين أعطَيناكهما، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾. يقولُ: ولكن جعَلنا هذا القرآنَ، وهو الكتاب ﴿نُورًا﴾. يعنى ضياءً للناس يستضيئون بضوئِه الذي بيَّن اللَّهُ فيه، وهو بيانُه الذي بيَّن فيه مما لهم، في (٤) العمل به الرشادُ، ومِن النارِ النجاةُ، ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. يقولُ: نهدى بهذا القرآنِ. والهاءُ في قولِه: ﴿بِهِ﴾ مِن ذكرِ الكتابِ.
стр. 13941
ويعنى بقولِه: ﴿نَهْدِي﴾: نُرشِدُ به ونسدِدُ إلى سبيلِ الصوابِ، وذلك الإيمانُ باللَّهِ، ﴿مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. يقولُ: نهدِى به مَن نشاءُ هدايتَه إلى الطريقِ المستقيمِ مِن عبادِنا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾: يعني محمدًا ﷺ ، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾: يعنى القرآن (١).
وقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾. فوحَّد الهاءَ، وقد ذكَر قبلُ الكتابَ والإيمانَ؛ لأنه قصَد به الخبرَ عن الكتابِ. وقد قال بعضُهم: عَنى به الإيمانَ والكتابَ، ولكنه وحَّد الهاءَ؛ لأن أسماءَ الأفعالِ يجمعُ جميعَها الفعلُ، كما يقالُ: إقبالُك وإدبارُك يعجبُنى. فيوحَّدُ وهما اثنان.
وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإنك يا محمدُ لتهدِى إلى طريقٍ مستقيمٍ عبادَنا، بالدعاءِ إلى اللَّهِ، والبيان لهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قال اللهُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]: داعٍ يدعوهم إلى اللَّهِ تعالى ذِكرُه (٢).
стр. 13942
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: لكلِّ قومٍ هادٍ (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: تدعو إلى دينٍ مستقيمٍ.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإنك لتهدى إلى صراطٍ مستقيمٍ، وهو الإسلامُ؛ طريقُ اللَّهِ الذي دعا إليه عبادَه، الذي له مُلكُ جميع ما في السماواتِ وما في الأرضِ، لا شريكَ له في مُلْكِ ذلك، والصراطُ الثاني ترجمةٌ عن الصراطِ الأوّل.
وقوله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُور﴾. يقولُ ﷻ : أَلَا إِلى اللَّهِ أَيُّها الناسُ تصيرُ أمورُكم في الآخرةِ، فيقضِى بينَكم بالعدلِ.
فإن قال قائلٌ: أو ليست أمورُهم في الدنيا إليه؟ قيل: هي وإن كان إليه تدبيرُ جميع ذلك، فإن لهم حُكَّامًا ووُلاةً ينظرون بينَهم، وليس لهم يومَ القيامةِ حاكمٌ ولا سلطانٌ غيرُه؛ فلذلك قيل: إليه تصيرُ الأمورُ هنالك، وإن كانت الأمورُ كلُّها له، وبيدِه قضاؤُها وتدبيرُها في كل حالٍ.
آخر تفسير سورة "حم * عسق * "
стр. 13943
تفسير سورة "الزُّخْرُفِ"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد بيَّنا فيما مضى معنى قولِه: ﴿حم﴾. بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١).
وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. قسمٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه أقسَم بهذا الكتابِ الذي أنزلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، فقال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ لمن تدبَّره وفكَّر في عبرِه وعظاتِه؛ هُداه ورُشْدِه وأدلَّتِه على حقيقتِه (٢)، وأنه تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ، لا اختلاقٌ من محمدٍ ﷺ ، ولا افتراءٌ مِن أحدٍ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. يقولُ: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا بلسانِ العربِ، إذ كنتم أيُّها المنذَرون به مِن رهطِ محمدٍ ﷺ عَرَبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: لتعقِلوا (٣) معانيَه وما فيه من مواعظَ، ولم يُنزِلْه بلسانِ العجمِ فيجعلَه أعجميًّا، فتقولوا (٤): نحن عربٌ، وهذا كلامٌ أعجميٌّ لا نفقهُ معانيَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 13944
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: [هو هذا الكتابُ المبينُ.
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾] (١): مُبينٌ والله بركته وهُداه ورشدَه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا الكتاب في (٢) أصل الكتاب الذي نُسخ منه هذا الكتابُ عندنا، ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. يقولُ: لذو علوٍّ ورفعةٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾: قد أُحكمت آياتُه ثم فصِّلت، فهو ذو حكمةٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن هشام الدَّسْتُوائيِّ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، قال: ثنا عروةُ بنُ عامرٍ، أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ: إِنَّ أول ما خلق الله القلم، فأَمَره أن يكتب ما يريدُ أن يخلُقَ، قال: فالكتاب (٣) عنده، قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤).
стр. 13945
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ أبى، عن عطية بن سعد في قول الله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يعنى: القرآن في أمِّ الكتاب الذي عند الله منه نُسِخَ.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ مالكًا يروى عن عمران، عن عكرمة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾. قال: أمُّ الكتاب القرآنُ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾. قال: أم الكتاب: أصل الكتاب وجُملتُه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾. أي: جملة الكتاب؛ أي: أصل الكتاب.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾. يقولُ: في الكتاب الذي عند الله في الأصل.
وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وقد ذكَرْنا معناه (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لَدَيْنَا﴾: [أي: عندنا] (٣)، ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يخبرُ عن منزلته وفضلِه وشرفِه (٤).
стр. 13946
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾.
اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: أفنُعرضُ (١) عنكم ونتركُكم أيُّها المشركون فيما تحسبون، فلا نُذكِّرُكم بعقابنا من أجل أنكم قومٌ مشركون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: تكذِّبون بالقرآنِ، ثم (٢) لا تعاقبون عليه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد الله بنُ موسى، قال: أخبرنا سفيانُ، إسماعيل، عن أبي صالحٍ قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: بالعذاب (٤).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: أفنَضْرِبُ عنكم العذاب (٥).
стр. 13947
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾. يقولُ: أفحَسبتم أن نصفح عنكم ولمَّا تفعلوا ما أُمرتم به (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفنتركُ تذكيرَكم بهذا القرآن، ولا نذكِّركم به، لأن كنتم قومًا مشركين (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: أي: مشركين، والله لو كان هذا القرآنُ رُفع حين ردّه أوائلُ هذه الأمة لهلكوا، [ولكنَّ الله عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم] (٣) فدعاهم إليه عشرين سنةً، أو ما شاء اللَّهُ مِن ذلك (٤).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. قال: لو أن أول (٥) هذه الأمة لم يؤمنوا، لضرب عنهم الذكرُ صفحًا.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾] (٦). قال: الذكرُ ما أُنزِل عليهم مما أمرهم الله
стр. 13948
به ونهاهم، ﴿صَفْحًا﴾، لا نذكرُ لكم منه شيئًا (١).
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من تأوّله: أفنَضْرِبُ عنكم العذاب فنترككم ونُعرِضَ عنكم؛ لأن كنتم قومًا مشركين (٢)، لا تؤمنون بربِّكم.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن الله ﵎ أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمة (٣) التي توعَّدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلَّ بها من نقمته، ففى ذلك دليل على أن قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ وعيدٌ منه للمخاطبين به من أهل الشرك، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم.
واختلفت القرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه عامة قرأة المدينة والكوفة: (إِنْ كُنتُمْ قومًا مُسرفين) بكسر الألف من "إن" (٤) بمعنى: أفنَضْرِبُ عنكم الذكر صفحًا إذ كنتم قومًا مسرفين. وقرأه بعضُ قرأَةِ (٥) أهل مكة والكوفة، وعامةُ قرأَةِ البصرة: ﴿أَنْ﴾ بفتح الألف من ﴿أَنْ﴾ (٦)، بمعنى: لأن كنتم.
واختلف أهلُ العربية في وجه فتح الألف من ﴿أَنْ﴾ في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: فُتحت لأن معنى الكلام: لأن كنتم.
وقال بعض نحويى الكوفة (٧): مَن فَتحها فكأنه أراد شيئًا ماضيًا. قال: وأنت
стр. 13949
تقولُ في الكلام: أتيتُك (١) أَنْ حَرَمْتَنى. تريدُ: إِذ حَرَّمْتَنى. وتَكْسِرُ إِذا أَردْتَ: أتيتُك إن تَحْرِمْنى. قال: ومثلُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢]. و: (إِنْ صَدُّوكُمْ). يُكْسَرُ، ويُفْتحُ، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦]. [و (أن لم يؤمنوا)] (٢). قال: والعربُ تُنْشِدُ قول الفرزدق (٣):
أَتَجْزَعُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا … جهارًا ولَمْ تَجْزَعْ لَقَتْلِ ابن حَازِمِ
قال: ويُنْشَدُ (٤):
أتَجْزَعُ أَنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ … وَحَبْلُ الصَّفا مِنْ عَزَّةَ المُتَقَطِّعُ
قال: وفي كلِّ واحدٍ من البيتين ما في صاحبه، من الكسر والفتح.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قرأَةِ الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن العرب إذا تقدَّم "أن" - وهى بمعنى الجزاء - فعلٌ مستقبلٌ كسروا ألِفَها أحيانًا فمحَّضوا لها الجزاء، فقالوا: أقومُ إن قمْتَ. وفتحوها أحيانًا وهم ينوون ذلك المعنى، فقالوا: أقوم أن قمتَ. بتأويل: لأن قمتَ. فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضيا لم يتكلَّموا إلَّا بفتح الألفِ مِن "أَنْ" فقالوا: قمتُ أَنْ قمتَ. وبذلك جاء التنزيلُ وتتابع شعرُ الشعراء.
стр. 13950
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وكم أرسلنا من نبيٍّ يا محمد في القرون الأوّلين، الذين مضوا قبل قرنك الذي بُعثت فيه، كما أرسلناك في قومك من قريش،
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وما كان يأتى قرنًا من أولئك القرون، وأمةً من تلك (١) الأمم الأوّلين لنا، من نبيٍّ يدعوهم إلى الهدى وطريق الحقِّ، إلا كان الذين يأتيهم ذلك النبيُّ (٢) من تلك الأم يُنِّبئُهم (٣) الذي أُرسلُه إليهم، يستهزئون سُخرية منهم به (٤)، كاستهزاء قومك بك يا محمدُ. يقولُ: فلا يَعْظُمَن عليك ما يفعل بك قومُك، ولا يَشُقَّنَّ عليك؛ فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مَسْلكَ سُلَّافهم، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فأهلكنا أشدَّ من هؤلاء المستهزئين بأنبيائهم بطشًا إذا بطشوا، فلم يعجزونا بقواهم وشدَّة بطشهم، ولم يقدروا على الامتناع من بأسنا إذ أتاهم، فالذين هم أضعفُ منهم قوةً أحرى أن لا يقدروا على الامتناع مِن غِيَرِنا (٥) إذا حلّت بهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤه: ومضى لهؤلاء المشركين.
стр. 13951
المستهزئين بك ولمن قبلهم مِن ضُربائهم - مَثَلُنا الذي مثَّلناه لهم في أمثالهم من مكذبي رسلنا الذين أهلكناهم، يقولُ: فليتوقع هؤلاء الذين يستهزئون بك يا محمدُ من عقوبتنا مِثْلَ الذي أحللناه بأولئك إن (١) أقاموا على تكذيبك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: عقوبة الأولين (٢).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال: سُنَّتُهم (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (٤) وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: مَن
стр. 13952
خلق السماوات [السبع والأرضين] (١)، فأحدثهنّ وأنشأهنَّ؟ ليقولُنَّ: خلَقهنَّ العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه، العليمُ بهنّ وبما فيهنّ مِن الأشياء، لا يخفى عليه شيءٌ.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (٢). يقول: الذي مهد لكم الأرضَ، فجعلها لكم وطاءً تَطَئُونها بأقدامكم، وتمشون عليها بأرجُلِكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. يقولُ: وسهل لكم فيها طرُقًا تتطرّقونها من بلدة إلى بلدة؛ لمعايشكم ومتاجركم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: أي: طرقًا (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾. قال: بِساطًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. قال: الطُّرُق.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. يقولُ: لكى تهتدوا بتلك السبل إلى حيثُ أردتم من البلدان والقُرى والأمصار، ولولا ذلك لم تُطيقوا براع أفنيتكم ودوركم، ولكنها نعمةٌ أنعم بها عليكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾. يعنى: ما نزّل
стр. 13953
جلّ ثناؤه من الأمطار من السماء، ﴿بِقَدَرٍ﴾. يقول: بمقدار حاجتكم إليه، فلم يجعله كالطوفان، فيكون عذابًا مغرقًا (١)، كالذى أنزَل على قومِ نوحٍ، ولا جعَله قليلًا لا ينبتُ به النباتُ والزرعُ من قلَّتِه، ولكنه جعَله غينًا مُغِيثًا، وحَيًّا للأرضِ الميتة مُحييًا، ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً (٢) مَيْتًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: فأحيينا به بلدةً من بلادِكم ميتًا، يعنى: مُجْدِبةً لا نباتَ بها (٣) ولا زرْعَ، قد درست من الجُدُوبِ، وتعفَّت من القُحُوطِ، ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: كما أخرجنا بهذا الماء الذي نزّلناه من السماءِ مِن هذه البلدة الميتة بعد جُدُوبها وقُحُوطِها - النبات والزرع، كذلك أيُّها الناسُ تُخْرَجون من بعدِ فنائكم ومصيركم في الأرضِ رفاتًا، بالماء الذي أنزله إليها؛ لإحيائكم من بعد مماتكم - منها أحياءً كهيئتكم التي كنتم بها قبل مماتكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: كما أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك تُبعثون يوم القيامة.
وقيل: أنشرنا به؛ لأن معناه: أحيينا به. ولو وصفت الأرضَ بأنها حييت، قلتَ: نَشَرَتِ الأرضُ. كما قال الأعشى (٤):
стр. 13954
حتى يَقُولَ النَّاسُ مُمَّا رأَوْا … يا عجبا للْمَيِّتِ النَّاشِرِ
وقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾. يقول تعالى ذكره: والذي خلق كلَّ شيءٍ فزوَّجه؛ بأن خلق للذكور (١) من الإناث أزواجًا، وللإناث (٢) من الذكور أزواجًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾. وهى السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾. وهى البهائم، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾. يقولُ: جعَل لكم من السفن ما تركبونه في البحار، إلى حيث قصدتم واعتمدتم في سيركم فيها لمعايشكم ومطالبكم، ومن الأنعام ما تركبونه في البرِّ، إلى حيث أرَدتم من البُلدانِ؛ كالإبل والخيل والبغال والحمير.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.
يقول جلَّ ثناؤه: كي تستووا على ظهور ما تركبون.
واختلف أهل العربية في وجهِ توحيدِ الهاء في قوله: ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وتذكيرها؛ فقال بعض نحويِّى البصرة: تذكيرُه يجوز (٣) على ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾، وما هو مذكرٌ، كما تقولُ: عندى من النساءِ من يوافقُك ويسرُّك. وقد تُذكَّرُ الأنعام وتؤنَّثُ، وقد قال في موضعٍ آخرَ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. وقال في موضعٍ آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١].
وقال بعضُ نحويِّى الكوفة (٤): أُضِيفَتِ "الظهورُ" إلى الواحد؛ لأن ذلك
стр. 13955
الواحد في معنى جمع، بمنزلة الجُندِ والجيش. قال: فإن قيل: فهلَّا قلتَ: لتستووا على ظهره. فجعلت الظهر واحدًا إذا أضفته إلى واحدٍ؟ قلتُ: إن الواحد فيه معنى الجمع، فرُدَّتِ "الظهورُ" إلى المعنى، ولم يقل: ظهره. فيكون كالواحد الذي معناه ولفظه واحدٌ. وكذلك تقولُ: قد كثُر نساءُ الجند. وقلت: ورفع الجندُ أعينه. ولا تَقُل: عينه. قال: وكذلك كلُّ ما أضفت إليه من الأسماء الموصوفة، فأخْرِجُها على الجمع، فإذا أضفت إليه اسمًا في معنى فعلٍ، جاز جمعه وتوحيده، مثل قولك: رفع العسكر صوته، وأصواته أجود، وجاز هذا لأن الفعل لا صورة له في الاثنين إلا كصورته في الواحد.
وقال آخر منهم: قيل: لتستووا على ظهوره؛ لأنه وصفٌ للفُلْكِ، ولكنه وحَّد الهاءَ؛ لأن الفُلكَ بتأويل جمعٍ، فجمع الظهور ووحَّد الهاء، لأن أفعال كلِّ واحدٍ تأويله الجمعُ تُوحَّدُ وتُجمَعُ، مثل: الجند منهزمٌ، ومُنْهزمون. فإذا جاءتِ الأسماء خرج على العددِ (١) لا غير، فقلت: الجندُ رجالٌ. فلذلك جمعت "الظهورُ" ووحِّدت الهاء، ولو كان مثل الصوتِ وأشباهه، جاز: الجندُ رافعٌ صوته، وأصواته.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾. يقول تعالى ذكره: ثم تذكروا نعمة ربِّكم التي أنعمها عليكم بتسخيره ذلك لكم مراكب في البرِّ والبحر، ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، فتعظِّموه وتُمجِّدوه، وتقولوا تنزيها للهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الذي ركبناه من هذه الفُلك والأنعام، مما يصفه به المشركون ويُشرَكُ به معه في العبادة من الأوثان والأصنام، ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
стр. 13956
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريب وعبيدُ بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قالا: ثنا المحاربيُّ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، قال: ركبتُ دابة فقلتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. فسمعنى رجلٌ من أهل البيت - قال أبو كُريب (١) والهبَّاريُّ: قال المحاربيُّ: فسمعتُ سفيان يقولُ: هو الحسنُ بنُ عليٍّ رضوان الله تعالى عليهما - فقال: أهكذا أُمِرتَ؟ قال: قلتُ: كيف أقولُ؟ [قال: أُمِرْتُم أن تذكروا نعمة ربكم إذا استويتُم عليه. قال: قلتُ: كيف أقولُ] (٢)؟ قال: تقول: الحمدُ للهِ الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحمد ﵊، الحمد لله الذي جعلنا في خير أُمَّةٍ أُخرجت للناس. فإذا أنت قد ذكرت نعما عظامًا، ثم تقولُ بعد ذلك: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجْلَز، أن الحسن بن عليٍّ ﵄، رأى رجلًا ركب دابةٌ، فقال: الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا. ثم ذكر نحوه (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾: يعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم؛ في
стр. 13957
الفلك تقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١].
وإذا ركبتم الإبل قلتم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. ويعلِّمكم ما تقولون إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعًا، تقولون: اللهمَّ أَنزِلْنا مُنزلًا مباركًا وأنت خير المُنزلين.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه أنه كان إذا ركب قال: اللهم هذا مِن مَنّك وفضلك. ثم يقولُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقولُ: وما كنا له مُطِيقين ولا ضابطين. من قولهم: قد أقرنتَ (٢) لهذا. إذا صرت له قرنًا وأطقته، وفلانٌ مُقْرِنٌ لفلانٍ، أي: ضابطٌ له مُطيقٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. يقولُ: مُطِيقين (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ
стр. 13958
في قولِ اللَّهِ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾. قال: الإبل والخيل والبغال والحميرُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي مُطِيقين، لا والله، لا في الأيدى، ولا في القوة (٢).
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال: في القوة (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال: مُطِيقين (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾. قال: لسنا له بمُطيقين. قال: لا نُطِيقُها إلا بك، لولا أنت ما قوينا عليها ولا أطقناها (٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: ولتقولوا أيضًا: وإنا إلى ربِّنا بعد مماتنا لصائرون، وإليه راجعون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: وجعَل هؤلاء المشركون للَّهِ مِن خلقه نصيبًا، وذلك قولهم
стр. 13959
للملائكة: هم بناتُ اللهِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. قال: ولدًا، وبنات من الملائكة (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. قال: البنات.
وقال آخرون: عُنى بالجزء في هذا الموضع: العِدْلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. أي: عِدْلًا (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن، ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾. أي: عِدْلًا (٣).
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك؛ لأن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أَتبع ذلك
стр. 13960
قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. توبيخًا لهم على قولهم ذلك، فكان معلومًا أن توبيخَه إياهم بذلك إنما هو عمَّا أخبر عنهم من قيلهم ما قالوا في إضافةِ البناتِ إِلى اللهِ .
وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لذو جَحْدٍ لنعَمِ ربِّه التي أنعَمها عليه، ﴿مُبِينٌ﴾. يقولُ: يَبِينُ كفرانُه نِعمَه عليه لمن تأمَّله بفكرِ قلبِه، وتدبُّرِ حالِه.
وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾. يقولً جلّ ثناؤُه مُوَبِّخًا هؤلاء المشركين الذين وصفوه بأن الملائكةَ بناتُه: أتَّخذ ربُّكم أيُّها الجاهلون مما يخلُقُ بناتٍ، وأنتم لا تَرضَونهن لأنفسِكم؟ ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾. يقولُ: وأَخلَصكم بالبنينَ، فجعَلهم لكم؟
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا بُشِّر أحدُ (١) هؤلاء الجاعلين لله من عبادِه جُزءًا، ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. يقولُ: بما مثَّل للهِ، فشبَّههُ شَبَهًا، وذلك ما وصَفه به مِن أن له بَناتٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾. قال: ولدًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: بما جعَل للَّهِ.
стр. 13961
وقولُه: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ظلَّ وجهُ هذا الذي بُشِّر بما ضَرَب للرحمنِ مثلًا من البناتِ، مُسْودًا من سوءِ ما بُشِّر به، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: وهو حَزينٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾. يقولُ: وهو حَزينٌ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: أَوَ مَن يُنَبَّتُ [ويربَّى] (٢) في الحِلْيَةِ ويُزِيَّنُ بها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾. يقولُ: وهو في مخاصمة من خاصمه عند الخصام غيرُ مبين مَن (٣) خصمه ببرهان وحجة، لعجزه وضعفه، جعلتموه جُزْءًا للَّهِ مِن خَلْقِه، وزعمتم أنه نصيبُه منهم؟! وفى الكلام متروكٌ استُغنى بدلالة ما ذُكر منه، وهو ما ذكرتُ.
واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجوارى والنساءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: يعنى المرأة (٤).
стр. 13962
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن مجاهدٍ، قال: رُخص للنساء في الحرير والذهب. وقرأ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾. قال: الجوارى، جعلتموهنَّ للرحمن ولدًا، كيف تحكمون (٢)؟!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: الجوارى، يُسفِّهُهُنَّ بذلك، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾. بضعفهنَّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾. يقولُ: جعلوا له البنات، وهم إذا بُشِّر أحدهم بهنَّ [ولى على] (٣) وجهه مُسودًّا وهو كظيمٌ. قال: وأما قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. يقولُ: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها (٤).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿أَوَمَنْ
стр. 13963
يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: النساء.
وقال آخرون: عُنى بذلك أوثانُهم التي كانوا يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: هذه تماثيلُهم التي يضربونها من فضةٍ وذهبٍ يعبدونها، هم الذين أنشئوها، ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾. قال: لا يتكلَّم. وقرأ: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (١) [يس: ٧٧].
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنى به الجوارى والنساءُ. لأن ذلك عقيب خبرِ اللَّهِ عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلَّةِ معرفتهم بحقِّه، ونحلتهم (٢) إياه من الصفاتِ والنِّحَلِ (٣)، وهو خالقُهم ومالكُهم ورازقُهم، والمنعمُ عليهم النعم التي عدَّدها في أوَّلِ هذه السورة - ما لا يرضونه لأنفسهم؛ فإتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرًا له، أشبه وأولى مِن إتباعه ما لم يَجْرِ له ذكرٌ.
واختلفت القرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة وبعضُ المكيِّين والكوفيِّين: (أو مَنْ يَنشَأُ). بفتح الياء والتخفيف (٤)، من: نشَأ ينشَأُ. وقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿يُنَشَّأُ﴾. بضمِّ الياء
стр. 13964
وتشديد الشين (١)، من: نَشَّأتُه فهو يُنشَّأُ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى؛ لأن المُنَشَّأ من الإنشاء ناشيءٌ، والناشئُ مُنْشَأٌ، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. وقد ذكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أَوْ مَنْ لا يُنَشَّأُ إِلَّا فِي الْحِلْيَةِ) (٢).
وفى ﴿مَنْ﴾ وجوه من الإعراب؛ الرفعُ على الاستئناف به، والنصبُ على إضمار "يجعلون"؛ كأنه قيل: أو مَن يُنشَّأُ في الحليةِ يُجعلون بناتِ اللَّهِ؟ وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على الردّ على قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾. فيُردُّ ﴿مَنْ﴾ على البنات، والخفضُ على الردِّ على "ما" التي في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا (٣) خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بالله ملائكته الذين هم عبادُ الرحمن.
واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينة: (الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ) (٤) بالنون، وكأنهم تأوَّلوا في ذلك قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده ويسبِّحونه ويقدِّسونه إناثًا، فقالوا: هم بناتُ اللهِ. جهلًا
стр. 13965
منهم بحقِّ الله، وجُرْأَةً منهم على قيل الكذب والباطل. وقرأ ذلك عامة قرأَةِ الكوفة والبصرة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾. بمعنى: جمعُ عَبْدٍ. فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خَلْقُه وعبادُه، بناتِ الله، فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناثٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.
واختلفوا أيضًا في قراءة قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، فقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ المدينة: (أشْهِدُوا (١) خَلْقَهُمْ)؟ بضمِّ الألف، على وجه ما لم يسمَّ فاعلُه، بمعنى: أَأَشْهَد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثًا خَلْقَ ملائكته الذين هم عندَه، فعلموا ما هم وأنهم إناثٌ، فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم، وبرؤيتهم إياهم؟! ثم رُدَّ ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، [وقرأه بعد عامةُ قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾] (٢). بفتح الألفِ، بمعنى: أشهدوا هم ذلك فعلموه؟
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
وقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾. يقول تعالى ذكرُه: ستُكتبُ شهادة هؤلاء القائلين: الملائكةُ بناتُ اللهِ - في الدنيا، بما شهدوا به عليهم، ويُسْئَلون عن شهادتهم تلك في الآخرة، أن يأتوا ببرهان على حقيقتها، ولن يجدوا إلى
стр. 13966
ذلك سبيلًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون من قريشٍ: لو شاء الرحمن ما عبدنا أوثاننا التي نعبدها من دونه، وإنما لم تَحِلَّ بنا منه عقوبةٌ على عبادتنا إياها، لرضاه منا بعبادتناها.
كما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: للأوثان، يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (١).
[وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾] (٢). يقول: ما لهم من علمٍ بحقيقة ما يقولون من ذلك، وإنما يقولونه تخرُّصًا وتكذُّبًا؛ لأنهم لا خبر عندهم منى بذلك ولا برهان، وإنما يقولونه ظنًّا وحُسْبانًا. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. يقولُ: ما هم إلا متخرِّصون هذا القول الذي قالوه، وذلك قولُهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾.
وكان مجاهدٌ يقول في تأويل ذلك، ما حدَّثني به محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء،
стр. 13967
جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يعلمون قدرةَ اللهِ على ذلك (١).
وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾. يقول تعالى ذكره: أآتينا (٢) هؤلاء المتخرِّصين القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبدنا الآلهة - [كتابًا بحقيقة] (٣) ما يقولون من ذلك، من قبل هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد، ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟ يقولُ: فهم بذلك الكتاب الذي جاءهم من عندى من قبل هذا القرآن مستمسكون؛ يعملون به، ويدينون بما فيه، ويحتجُّون به عليك؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: ما آتينا هؤلاء القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبدنا هؤلاء الأوثان، بالأمر بعبادتها - كتابًا من عندنا، ولكنهم قالوا: وجدنا آباءنا الذين كانوا قبلنا يعبدونها، فنحن نعبدُها كما كانوا يعبدونها.
وعَنى جلَّ وعزَّ بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾: بل وجدنا آباءنا على دين وملةٍ، وذلك هو عبادتهم الأوثان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
стр. 13968
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾. قال: مِلةٍ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. يقولُ: وجَدنا آباءنا على دين (٢).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. قال: قد قال ذلك مشركو قريشٍ؛ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين] (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ عن السديِّ قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾. قال: على دين (٤).
واختلفت القراةُ في قراءة قوله: ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصار ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾ بضمِّ الألف، بالمعنى الذي وصفتُ، من الدين والملة والسنة.
وذكر عن عمر بن عبد العزيز ومجاهدٍ أنهما قرآه (على إمَّةٍ) بكسرِ الألف (٥).
стр. 13969
وقد اختُلف في معناها إذا كُسرت ألفُها؛ فكان بعضُهم (١) يوجِّه تأويلها إذا كُسرت، إلى (٢) أنها الطريقةُ، وأنها مصدرٌ من قول القائل: أممتُ القومَ فأنا أؤمُّهم إمّةً. وذُكر عن العرب سماعًا: ما أحسنَ عِمَّتَه وإمَّتَه وجلسته. إذا كان مصدرًا، ووجَّهه بعضُهم إذا كُسِرتْ ألفُها إلى أنها الإمَّةُ التي بمعنى النعيم والملكِ، كما قال عَدِيُّ بنُ زِيدٍ (٣):
ثُمَّ بَعْدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ والإمَّـ … ـــة وَارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ
وقال (٤): أراد إمامة الملكِ ونعيمه.
وقال بعضُهم: الأُمَّةُ بالضمِّ والإمَّةُ بالكسْرِ بمعنًى واحدٍ.
والصوابُ من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيزُ غيره، الضمُّ في الألفِ؛ لإجماع الحجّة من قرأة الأمصار عليه. وأما الذين كسروها فإني لا أُراهم قصدوا بكسرها إلا معنى الطريقة والمنهاج، على ما ذكرنا قبلُ، لا النعمة والملك؛ لأنه لا وجه لأن يقال: إنا وجدنا آباءنا على نعمةٍ، ونحن لهم مُتَّبعون في ذلك؛ لأن الاتباع إنما يكون في الملل والأديان وما أشبه ذلك، لا في المُلكِ والنعمةِ؛ لأن الاتَّباع في المُلكِ ليس بالأمر الذي يصِلُ إليه كلُّ مَن أراده.
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: وإنا على آثارِ آبائنا فيما كانوا عليه من دينهم مهتدون. يعنى: لهم مُتَّبعون على منهاجهم.
стр. 13970
كما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: ونحن على دينهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. يقول: وإنا مُتَّبعوهم على ذلك (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.
يقول جلَّ وعزَّ: وهكذا كما فعل هؤلاء المشركون من قريشٍ، فعل من قبلهم من أهل الكفر بالله، وقالوا مثل قولهم، لم نُرسل من قبلك يا محمد ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾. يعني: إلى أهلها - ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾] (٢) ينذرهم عقابنا على كفرهم بنا، فأنذروهم وحذّروهم سُخطنا، وحلول عقوبتنا بهم، ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، وهم رؤساؤهم وكبراؤهم.
كما حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾. قال: رؤساؤهم وأشرافُهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: قاداتُهم ورءوسُهم في الشرك (٤).