ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. يقولُ: إن القرآنَ شَرَفٌ لك (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ مالكٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: يُقالُ للرجلِ: مِمَّن (٢) أنت؟ فيقولُ: مِن العربِ. فيقالُ: مِن أيِّ العربِ؟ فيقولُ: مِن قريشٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: وهو هذا القرآنُ (٤).
حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: شَرَفٌ لك ولقومِك، يعنى القرآنَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: أو لم تَكُنِ النبوةُ والقرآنُ الذي أنزَل على نبيِّه ﷺ ذكرًا له ولقومِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ
стр. 14002
دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. ومَن الذين أُمِر رسولُ الله ﷺ بمسألتِهم ذلك؟ فقال بعضُهم: الذين أُمِر بمسألتهم ذلك رسولُ الله ﷺ ، مُؤمنو أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: في قراءة عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا) (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. إنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنا) (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. يقولُ: سَلْ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ: هل جاءتْهم الرسلُ إلا بالتوحيدِ أن يوحِّدوا اللَّهَ وحدَه؟ قال: وفى بعضِ القراءةِ: (وَاسْأَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَنا قَبْلَك أَجعلَنا مِن دونِ الرحمن آلهَةً يُعْبَدُون).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في بعضِ الحروفِ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا). يقولُ: سَلْ أهلُ الكتاب؛
стр. 14003
أمَا كانت الرسلُ تأتيهم بالتوحيد؟ أمَا كانت تأتى بالإخلاصِ (١)؟
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتَ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾: في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وسَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُون الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ)، يعنى: مؤمنى أهلِ الكتابِ (٢).
وقال آخرون: بل الذين أُمِر بمسئلتِهم ذلك الأنبياءُ، الذين جُمِعوا له ليلةَ أُسْرِى به ببيتِ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية. قال: جُمِعوا له ليلةَ أُسْرِى به ببيتِ المقدسِ، فأمَّهم وصلَّى بهم. فقال اللَّهُ له: سَلْهُمْ. قال: فكان أشدَّ إيمانًا ويقينًا باللَّهِ وبما جاءه مِن اللَّهِ مِن أن يسألَهم. وقرأ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]. قال: فلم يَكُنْ فِي شَكٍّ، ولم يسألِ الأنبياءَ، ولا الذين يقرءُون الكتابَ. قال: "ونادَى جبريلُ ﵇. فقلتُ في نفسى: الآنَ يَؤُمُّنا أبونا إبراهيمُ". قال: "فدفَع جبريلُ في ظَهْرِى، وقال: تقدَّمْ يا محمدُ فصَلِّ"، وقرَأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، حتى بلغ: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٣) [الإسراء: ١].
стр. 14004
وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قولُ مَن قال: عُنى به: سَلْ مؤمنى أَهلِ الكتابين.
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سَل الرسل، فيكون معناه: سَل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أَتَوهم به عن ربهم، فالخبرُ عنهم وعما جاءوا به من ربهم، إذا صح، بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم، إذا كان المسئولُ مِن أهل العلم بهم، والصدقِ عليهم، وذلك نظيرُ أمرِ اللهِ إيَّانا بِرَدِّ ما تَنَازَعْنا فيه إلى الله والرسول، يقولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. ومعلوم أن معنى ذلك: فرُدُّوه إلى كتاب اللهِ وسُنَّةِ الرسولِ؛ لأن الردَّ إلى ذلك رَدٌّ إلى الله والرسول. وكذلك قولُه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾. إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلها (١)، فاسْتُغْنى بذكرِ الرسلِ مِن ذكرِ الكتب، إذ كان ذلك معلومًا معناه.
وقوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. يقولُ: أمرناهم بعبادة الآلهة من دونِ اللهِ، فيما جاءوهم به، أو أتوهم بالأمر بذلك من عندنا؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أَتتهم الرسلُ يأمرونهم بعبادة أحدٍ (٢) مِن دونِ اللَّهِ؟
стр. 14005
وقيل: ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، فأخرج الخبر عن الآلهة مُخرج الخبر عن ذكور بنى آدم، ولم يَقُلْ: تُعْبَدُ. ولا: يُعْبَدْنَ. فتؤنث وهى حجارةٌ، أو بعض الجماد، كما تفْعَلُ بالخبر (١) عن بعض الجمادِ، وإنما فُعِل ذلك كذلك، إذ كانت تُعبدُ وتُعَظَّمُ تعظيمَ الناسِ ملوكهم وسَرَاتَهم، فأُجْرِى الخبرُ عنها مُجْرَى الخبر عن الملوك والأشراف من بنى آدم (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: ولقد أرسلنا موسى يا محمد بحججنا إلى فرعون وأشراف قومه، كما أرسلناك إلى هؤلاء المشركين من قومك، فقال لهم موسى: إني رسولُ رب العالمين. كما قلت أنت لقومك من قريش: إنى رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾. يقولُ: فلما جاء موسى فرعون وملأه بحججنا وأدلتنا على [حقيقة ما دعاهم إليه كما جئتَ أنتَ قومك بحججنا على] (٣) صدق [قولك فيما تدعوهم] (٤) إليه من توحيدِ اللهِ، والبراءةِ من عبادة الآلهة - إذا فرعون وقومه مما جاءهم به موسى من الآياتِ والعِبَرِ يضحكون، كما أن قومك مما جئتهم به مِن الآيات والعبر يَسْخَرون. وهذا تَسْليةٌ من الله، ، نبيه ﷺ عما كان يَلْقَى من مشركي قومه، وإعلامٌ منه له أن قومه من أهل الشرك لن يَعْدُوا أن يكونوا كسائر الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رُسُلِه، ونَدْبٌ منه نبيَّه ﷺ
стр. 14006
إلى الاستنانِ في الصبر عليهم بسُنَنِ ذوى (١) العزم من الرسل، وإخبارٌ منه له أن عُقْبَى مَرَدَتِهم إلى البَوارِ والهلاكِ، كسُنَّتِه في المتمرِّدين عليه قبلهم، وإظفارِه بهم، وإعلائِه أمره، كالذى فعل بموسى ﵇، وقومه الذين آمنوا به؛ مِن إظهارهم على فرعون وملئه.
القولُ في تأويل قوله : ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾.
يقولُ : وما نُرِى فرعون وملاه آيةً، يعني: حُجَّةٌ لنا عليه بحقيقة ما يدعوه إليه رسولنا موسى، ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾. يقولُ: إلا التي نُرِيهِ مِن ذلك أعظم في الحجَّةِ عليهم، وأَؤكدُ مِن التي مَضَت قبلَها مِن الآياتِ، وأدلُّ على صحة ما يأمُرُه به موسى مِن توحيدِ اللهِ.
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾. يقولُ: وأنزلنا بهم العذابَ. وذلك كأخذه تعالى ذكره إياهم بالسنين، ونقص من الثمرات، وبالجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدمِ؛ ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣].
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. يقولُ: ليرجعوا عن كفرهم بالله، إلى توحيده وطاعته، والتوبة مما هم عليه مُقيمون من معاصيهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: يتوبون، أو: يَذَّكَّرون (٢).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ
стр. 14007
إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال فرعون ومَلَؤُه لموسى: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. وعَنَوا بقولهم: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بعهده الذي عهد إليك، أنَّا إنْ آمَنَّا بك واتَّبَعْناك، كشف عنا الرِّجُزُ.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ : ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾. قال: لئن آمَنَّا ليكشفنَّ عنا العذابُ (١).
إن قال لنا قائل: وما وجه قيلهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾؟ وكيفَ سَمَّوه ساحرًا وهم يَسْألونه أن يَدْعُو لهم ربَّه؛ ليكشف عنهم العذابَ؟ قيل: إن الساحر عندهم كان معناه: العالم، ولم يَكُن السحرُ عندَهم ذَمًّا، وإنما دَعوه بهذا الاسم؛ لأن معناه عندهم كان: يا أيها العالم.
وقوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. يقولُ: قالوا: إننا لمتَّبِعوك فمُصَدِّقوك فيما جئتنا به، ومُوَحِّدو الله، فمُبْصِرو سبيل الرشادِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾. قال: قالوا: يا موسى ادع لنا ربك
стр. 14008
لئن كشفتَ عَنَّا الرجزَ لنُؤمِنَنَّ لك.
وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: فلما رفعنا عنهم العذابَ الذي أنزَلْنا بهم، الذي وعدوا أنهم إن كُشف عنهم اهْتَدَوا لسبيل الحقِّ، إذا هم بعد كشفنا ذلك عنهم يَنْكُثون العهد الذي عاهَدونا. يقولُ: يغدرون ويُصِرُّون على ضلالهم، ويَتمادون في غَيِّهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾. إذا هم: يَغْدِرون (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾: مِن القِبْطِ، فقال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعنى بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾: مِن بين يَدَيَّ في الجنانِ.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾. قال: كانت لهم جنانٌ وأنهارُ ماءٍ (٢).
وقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: أفلا تبصرون أيها القومُ ما أنا فيه من
стр. 14009
النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعيِّ اللسان؟ افتخر بملكه مصر عدو الله، وما قد مُكِّنَ له في الدنيا، استدراجًا مِن الله له، وحَسِب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بأيده (١) وحَوْلِه (٢)، وأن موسى إنما لم يَصِل إلى الذي [هو فيه لضعفه] (٣)، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة، مُحْتَجا على جَهَلة قومِه بأن موسى ﵇ لو كان مُحِقًّا فيما يأتى به من الآيات والعبر، ولم يَكُنْ ذلك سِحْرًا، لأكسَبَ نفسَه مِن الملكِ والنعمة، مثل الذي هو فيه من ذلك، جهلا بالله، واغترارًا منه بإملائه إياه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ (٤) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾.
يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل فرعون لقومه، بعد احتجاجه عليهم بملكه وسُلْطانِه، وبيان لسانه، وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى؛ بالصفات التي وصف بها نفسَه وموسى: أنا خيرٌ أيُّها القوم، وصفتى هذه الصفة التي وصفت لكم، أم هذا الذي هُو مَهينٌ لا شيء له مِن المُلْكِ والأموال، مع العلة التي به في جسده، والآفة التي به بلسانه، فلا يكادُ مِن أجلها يُبينُ كلامه؟
وقد اختلف في معنى قوله: ﴿أم﴾ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: معناها: بل أنا خيرٌ، وقالوا: ذلك خبرٌ، لا استفهامٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى قوله: ﴿أَمْ أَنَا
стр. 14010
خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال: بل أنا خيرٌ من هذا.
وبنحو ذلك كان يقولُ بعضُ أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة.
وقال بعض نحويّي الكوفة: هو من الاستفهام الذي جعل بـ "أم"؛ لاتصاله بكلامٍ قبله. قال: وإن شئتَ رَدَدْتَه على قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؟ وإذا وُجِّه الكلام إلى أنه استفهام، وجب أن يكون في الكلام محذوف استغنى بذكر ما ذكر مما تُرك ذكره، ويكون معنى الكلام حينئذ: أنا خيرٌ أيُّها القومُ من هذا الذي هو مَهِينٌ، أم هو؟
وذكر عن بعض القرأة أنه كان يقرأُ ذلك: (أَمَا (١) أنا خَيْرٌ)؟
حُدِّثْتُ بذلك عن الفراءِ، قال: أخبرني بعضُ المشيخة، أنه بلغه أن بعض القرأة قرأه كذلك (٢).
ولو كانت هذه القراءةُ قراءةً مُسْتفيضةً في قَرَأةِ الأمصار، لكانت صحيحة، وكان معناها حَسَنًا، غير أنها خلافُ ما عليه قرأة الأمصار، فلا أستجيز القراءة بها، وعلى هذه القراءة، لو صحت، لا كُلْفةَ له في معناها ولا مُؤْنةَ.
والصوابُ مِن القراءة في ذلك ما عليه قرأة الأمصار.
فأولى التأويلات بالكلام، إذ كان ذلك كذلك، تأويلُ مَن جَعَل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ من الاستفهام الذي جعل بـ ﴿أم﴾؛ لاتصاله بما قبله من الكلام، ووَجهَه إلى أنه بمعنى: أأنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين أم هو؟ ثم ترك ذكره "أم هو"؛ لما في الكلام من الدليل عليه.
стр. 14011
وعنى بقوله: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾: من هذا الذي هو ضعيف لقِلَّةِ ماله، وأنه ليس له (١) من الملك والسلطان ما له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال: ضعيفٌ (٢).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال: المهينُ: الضعيف.
وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾. يقولُ: ولا يكادُ يُبينُ الكلامَ مِن عِي لسانه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
أي: عَييُّ اللسان (٣).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط،، عن السدى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: الكلام.
стр. 14012
وقوله: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ (١) مِنْ ذَهَبٍ). يقولُ: فهَلا أُلْقِيَ على موسى إن كان صادقًا أنه رسولُ ربِّ العالمين، أسورَةٌ مِن ذَهَبٍ، وهو جمعُ سوار، وهو [القَلْبُ الذي يُجْعَلُ] (٢) في اليدِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾. يقولُ: أَقْلِبَةٌ مِن ذهب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾. أي: أَقْلِبَةٌ مِن ذهب (٣).
واختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة والكوفة: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَساوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) (٤).
وذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرؤُه: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٥).
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندى ما عليه قَرَأَةُ الأمصار، وإن كانت الأخرى صحيحة المعنى.
стр. 14013
واختلف أهل العربية في واحدِ الأساورة، والأسورةِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: الأسورة جمعُ إسْوارٍ، قال: والأساورة جمع الأسْورةِ، وقال: ومَن قرأ ذلك: (أساورةٌ)، فإنه أراد أساوير، والله أعلم، فجعل "الهاء" عوضًا من الياء، مثل الزنادقة، صارت "الهاءُ" فيها عوضًا مِن الياء التي في زناديق.
وقال بعضُ نحويى الكوفة (١): مَن قَرأ: (أساورةٌ) جعَل واحدها: إسوارٌ، ومن قرأ: ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ جعل واحدها: سوارٌ. وقال: قد تكونُ الأَساورةُ جمع أَسْورة، كما يقالُ في جمعِ الأسْقية: الأساقي. وفى جمعِ الأَكْرُعِ: الأَكَارِعُ. وقال آخر منهم: قد قيل في سوار اليد: يجوز فيه أُسْوارٌ وإسْوارٌ، قال: فيجوز على هذه اللغة أن يكونَ "أساورةٌ" جمعه. وحُكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: واحد الأساورة إسوارٌ. قال: وتصديقه في قراءةِ أُبَى بن كعبٍ: (فَلَولا أُلْقِيَ عليه أساورة من ذهب) فإن كان ما حكى من الرواية، مِن أنه يجوز أن يقال في سِوارِ اليد: إسوارٌ، فلا مُؤنةَ في جمعِه أَسَاوِرَةٌ، ولستُ أعلم ذلك صحيحًا عن العرب برواية عنها، وذلك أن المعروف في كلامهم من معنى الإسْوار: الرجلُ الرامي؛ الحاذق بالرَّمْي، من رجالِ العَجَمِ. وأما الذي يُلْبَسُ في اليدِ، فإن المعروف مِن أسمائه عندهم سوار.
فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بالأساورة أن يكون جمع أَسْورةٍ على ما قاله الذي ذكرنا قوله في ذلك.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. يقولُ: أَو هَلَّا إن كان صادقًا جاء معه الملائكةُ مقترنين، قد اقترن بعضُهم ببعض، فَتَتابعوا يشهدون له بأنه للَّهِ رسول إليهم؟
стр. 14014
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة على تأويله؛ فقال بعضُهم: يمشون معًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال: يمشون معا (١).
وقال آخرون: متتابعين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. أي: مُتتابعين.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله (٢).
وقال آخرون: يُقارِنُ بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. قال: يُقارِنُ بعضُهم بعضًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
стр. 14015
فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: فاستَخَفَّ فرعون حلوم (١) قومِه مِن القِبْطِ، بقوله الذي أخبر الله ﵎ عنه أنه قاله لهم، فقبلوا ذلك منه، فأطاعوه وكذَّبوا موسى. قال الله: وإنما أطاعوا فاسْتَجابوا لما دعاهم إليه عدو اللَّهِ مِن تَصْدِيقِه، وتَكذيب موسى؛ لأنهم كانوا قومًا عن طاعة الله خارِجين؛ بخذلانِه إيَّاهم، وطَبْعِه على قلوبهم. يقولُ الله ﵎: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. يعنى بقوله: آسَفُونا: أغضبونا (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. يقولُ: أسخطونا (٣).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. يقولُ: لما أغضَبونا (٤).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد
стр. 14016
قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال: أغضَبونا (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال: أغضَبوا ربهم.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
قال: أغضَبونا (٢).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾. قال: أغضبونا (٣)، وهو على قول يعقوب: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]. قال: يا حَزَنى على يوسفَ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. قال: أغضَبونا (٤).
وقوله: ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾. يقولُ: انتقمنا منهم بعاجل العذاب الذي عجلناه لهم، فأغرقناهم أجمعين في البحرِ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾.
اختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة غير عاصمٍ: (فجعلناهم سُلُفا) بضم السين واللام (٥)؛ توجيهًا ذلك منهم إلى جمع سليفٍ من
стр. 14017
الناس، وهو المتقدم أمام القوم، وحكى الفراء أنه سمع القاسم بنَ مَعْنٍ يَذكُرُ أنه سمع العرب تقولُ: مضَى سَلِيفٌ مِن الناسِ (١).
وقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة وعاصم: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام (٢). وإذا قُرِئ ذلك كذلك احتمل أن يكونَ مُرادًا به الجماعةُ والواحد، والذكر والأنثى؛ لأنه يقال للقوم: أنتم لنا سَلَفٌ. وقد يُجمعُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يذهب الصالحون أسلافًا" (٣).
وكان حميدٌ الأعرج يقرأُ ذلك: (فَجَعَلْناهُمْ سُلَفا) (٤) بضم السين، وفتح اللام؛ توجيهًا منه ذلك إلى سلفةٍ من الناس، مثل (٥) أمةٍ منهم، وقطعةٍ.
وأولى القراءاتِ في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام (٦)؛ لأنها اللغة الجودى، والكلام المعروف عند العرب. وأحقُّ اللغاتِ أن يُقرأ بها كتابُ اللهِ من لغاتِ العرب أفصحُها وأشهرُها فيهم. فتأويل الكلام إذن: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعونَ في البحرِ، مُقَدَّمَةً يَتَقَدَّمون إلى النارِ كفار قومك يا محمد من قريش، وكفارُ قومك لهم بالأَثَرِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
стр. 14018
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. قال: قوم فرعون كفارهم سلفٌ (١) لكفار أمة محمد ﷺ (٢).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: في النار.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمَرٍ، [عن قتادة] (٣): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾. قال: سَلَفًا إلى النار (٤).
وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. يقولُ: وعِبْرةً وعِظَةً يتعظ بهم من بعدهم من الأمم، فينتهوا عن الكفر بالله.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:
стр. 14019
﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (١). قال: عبرةً لَمَن بعدهم (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. أي: عِظَةً للآخرين (٣).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾. أي: عِظَةً لَمَن بعدهم.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾. قال: عبرةً.
وقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ولما شَبَّه الله عيسى - في إحداثه وإنشائه إياه من غيرِ فَحْلٍ - بآدم، فمثَّله به بأنه خلقه من تراب من غيرِ فَحْلٍ، إذا قومك يا محمد من ذلك يَضِجُّون (٤) ويقولون: ما يريدُ محمدٌ مِنَّا إلا أن نتخِذَه إلها نعبده، كما عبدت النصارى المسيح.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى
стр. 14020
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ : ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون. قال: قالت قريش: إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى (١).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قال: لما ذُكر عيسى ابن مريم جزعت قريشٌ من ذلك، وقالوا: يا محمد ما ذكرك (٢) عيسى ابن مريم؟ وقالوا: ما يريدُ محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم. فقال الله : ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: لما ذكر عيسى في القرآن قال مُشركو قريش: يا محمد ما أردتَ إلى ذكر عيسى؟ قال: وقالوا: إنما يريد أن نُحبّه كما أحَبَّت النصارى عيسى.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قول الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. [وقيل المشركين] (٤) عند نزولها: قد رَضِينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزير والملائكة؛ لأن كلَّ هؤلاء مما يُعبدُ مِن دونِ اللهِ. فقال الله : ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾.
стр. 14021
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾. قال: يعنى قريشًا لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨]. فقالت له قريشٌ: فما ابن مريم؟ قال: ذاك عبد الله ورسوله. فقالوا: والله ما يريدُ هذا إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتَّخَذَت النصارى عيسى ابن مريمَ رَبًّا. فقال الله : ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ (١).
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة، وجماعةٌ مِن قرأةِ الكوفة: (يَصِدُّونَ) بضمِّ الصادِ (٢).
وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة ﴿يَصِدُّونَ﴾ الله بكسر الصادِ (٣).
واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرقِ ما بين ذلك، إذا قُرِئَ بضم الصادِ، وإذا قُرِئ بكسرها؛ فقال بعض نحويى البصرة، ووافقه عليه بعضُ الكوفيين: هما لغتان بمعنى واحدٍ، مثلَ يَشِدُّ ويَشُدُّ، ويَنمُ ويَنُمُ مِن النميمة.
وقال آخرُ منهم: مَن كسر الصادَ فمجازها: يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فَمَجازُها: يَعْدِلون (٤). وقال بعضُهم: مَن كسرها فإنه أرادَ يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فإنه أراد الصدودَ عن الحقِّ.
стр. 14022
وحدثت عن الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بن عياشٍ، أن عاصمًا ترك (يَصُدُّون) من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾. قال: وقال أبو بكر: حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس قرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾. أي: يَضِجُّون (١).
قال: وفي حديث آخر أن ابن عباس لَقِى ابن أخي عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، فقال: إن عمَّك (٢) لعربيٌّ، فماله يَلحَنُ في قوله: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّون) إنما هي ﴿يَصِدُّونَ﴾ (٣)؟
والصوابُ مِن القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنى واحدٍ، ولم نجد أهل التأويل فرَّقوا بين معنى ذلك إذا قُرئ بالضمِّ والكسر، ولو كان مختلفًا معناه، لقد كان الاختلافُ في تأويله بين أهله موجودًا وجودَ اختلافِ القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يَضِجُّون ويجزعون، فبأى القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ.
ذكر [من قال] (٤) ما قلنا في تأويل ذلك
حدثني على، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 14023
أبيه، عن ابن عباس (١): ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة الضبي، عن الصعب بن عثمان قال: كان ابن عباس يقرأُ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. وكان يفسرها، يقولُ: يَضِجُّون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن (٢)، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبى رزين، عن ابن عباس: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يَضِجُّون (٣).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ الله : ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون (٤).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يجزعون ويضجُّون (٥).
стр. 14024
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر (١)، عن عاصم بن أبى النَّجودِ، عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿يَصِدُّونَ﴾. أي: يضجُّون (٢). وقرأ على ﵁: ﴿يَصِدُّونَ﴾ (٣).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون (٤).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. قال: يضجُّون (٥).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: وقال مُشركو قومك: يا محمد آلهتنا التي نعبُدُها خيرٌ أم محمد، فنعبد محمدا ونترك آلهتنا؟
وذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (أآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هَذَا).
стр. 14025
ذكرُ الرواية بذلك
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة أن في حرفِ أُبَيٍّ بن كعب: (وَقَالُوا أَآلهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا). يَعْنون محمدًا ﷺ .
وقال آخرون: بل عُنى بذلك: آلهتنا خيرٌ أم عيسى؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ في قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا (١) جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. قال: خاصَمُوه. فقالوا: تزعُمُ أن كلَّ مَن عُبِد مِن دونِ اللَّهِ في النارِ، فنحن نرضى أن تكون آلهتُنا مع عيسى وعُزيرٍ والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا مِن دونِ اللهِ. قال: فأنزل الله براءةَ عيسى (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾. قال: عبد هؤلاء عيسى، ونحن نعبد الملائكة. وقرأ (٣): ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ إِلى: ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
وقوله تعالى ذكره: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾. يقول تعالى ذكره: ما مَثَّلُوا لك هذا المثل يا محمد، ولا قالوا لك هذا القول إلا جدلًا وخصومةً يُخاصمونك به، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. يقول جل ثناؤه: ما بقومك يا محمد هؤلاء
стр. 14026
المشركين، في محاجَّتهم إياك بما يُحاجُّونك به طلب الحقِّ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: يَلْتَمِسون الخصومة بالباطل.
وذُكر عن النبي ﷺ أنه قال: "ما ضَلَّ قوم عن الحقِّ إلا أُوتوا الجدل".
ذكرُ الرواية بذلك
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعْلى، قال: ثنا الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما ضَلَّ قوم بعدَ هُدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل". ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١).
حدثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ الكِنْدِى وأبو كريب، قالا: ثنا محمد بن بشرٍ، قال: ثنا حجاج بن دينارٍ، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٢).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبَّادِ بن عبَّادٍ، عن جعفر، عن (٣) القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ ، خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبًا شديدًا، حتى كأنما صُبَّ على وجهه الخلّ ثم قال ﷺ : "ولا تَضْرِبوا كتابَ اللهِ بعضه ببعضٍ، فإنه ما ضَلَّ قومٌ قط إلا أُوتوا
стр. 14027
الجدل". ثم تلا: " ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ " (١).
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾. يقول تعالى ذكره: فما عيسى إلا عبدٌ من عبادنا، أنعَمنا عليه بالتوفيق والإيمانِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: وجعلناه آيةً لبنى إسرائيل، وحُجَّةً لنا عليهم، بإرسالناه إليهم بالدعاء إلينا، وليس هو كما تقولُ فيه النصارى من أنه ابن اللهِ، [تَعالى الله عن ذلك] (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾: يعنى بذلك عيسى ابن مريم، ما عدا ذلك عيسى ابن مري [أن كان] (٣) عبدا أنعم الله عليه، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أي: آيةً.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، [عن معمرٍ] (٤)، عن قتادة: ﴿مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أحسبه قال: آية لبنى إسرائيل (٥).
وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: ولو نشاء معشرَ بني آدم أهلكناكم، فأفْنَينا جميعكم، وجعلنا بَدَلًا منكم في
стр. 14028
الأرضِ ملائكة يخلُفُونكم فيها يعبدوننى. وذلك نحو قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣].
وكما قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن منهم من قال: معناه: يخلُفُ بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾. يقولُ: يخلُفُ بعضُهم بعضًا (١).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. قال: يَعْمُرُون الأرضَ بدلا منكم (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. قال: يخلُفُ بعضُهم بعضًا، مكانَ بنى آدم (٣).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا
стр. 14029
مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: لو شاء الله لجعل في الأرض ملائكة يخلُفُ بعضُهم بعضًا.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾. قال: خلفًا منكم (١).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾.
اختلف أهل التأويل في "الهاءِ" التي في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾، وما المعنى بها، ومِن ذِكْرِ ما هي؛ فقال بعضُهم: هي من ذكر عيسى، وهى عائدة عليه. وقالوا: معنى الكلام: وإن عيسى ظهوره عَلَمٌ يُعلَمُ به مجئ الساعة؛ لأن ظهوره من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزِينٍ، عن أبي (٢) يحيى، عن ابن عباس: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: خروج عيسى ابن مريم (٣).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي
стр. 14030
رزين، عن ابن عباس بمثله، إلا أنه قال: نزول عيسى ابن مريم (١).
حدثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا غالب بن فائد (٢)، قال: ثنا قيس، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) (٣). قال: نزول عيسى ابن مريم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن فُضَيل بن مرزوق، عن جابر، قال: كان ابن عباس يقولُ: ما أَدْرِى أعلم الناسُ تفسير هذه الآية، أم لم يفطنوا لها؟ (وإنه لعلمٌ للساعةِ). قال: نزول عيسى ابن مريم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: يعنى (٤): عيسى ابن مريم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالكٍ، وعوفٌ، عن الحسن أنهما قالا في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. قالا: نزول عيسى ابن مريم. وقرأها أحدهما: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) (٥).
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 14031
قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: آية للساعة؛ خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة (١).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعة؛ القيامةِ (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعةِ (٣).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: خروج عيسى ابن مريمَ قبل يوم القيامةِ (٤).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). يعنى خروج عيسى ابن مريم ونزوله من السماء قبل يوم القيامة (٥).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة). قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعة حينَ يَنزِلُ (٦).
وقال آخرون: "الهاءُ" التي في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ مِن ذكرِ القرآن. وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآنَ لعَلَمٌ للساعةِ يُعْلِمُكم بقيامها، ويخبركم عنها وعن أهوالها.
стр. 14032
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقولُ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: هذا القرآنُ (١).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان ناس يقولون: القرآنُ عَلَمٌ للساعة (٢).
واجتمعت قرأةُ الأمصار في قراءةِ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾. على كسرِ العين من العلم.
وروى عن ابن عباس ما ذكرتُ عنه من فتحها، وعن قتادة والضحاكِ.
والصواب من القراءة في ذلك الكسر في العين؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه. وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (وإنه لذكر للساعة)، فذلك مُصحح قراءةَ الذين قرءوا بكسر العين من قوله: ﴿لَعِلْمٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. يقول: فلا تَشُكُّنَّ فيها وفى مجيئها أيُّها الناس.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. قال: تَشُكون فيها (٣).
وقوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾. يقول تعالى ذكره: وأطيعون فاعملوا بما أمرتكم به،
стр. 14033
وانتهوا عما نهيتكم عنه، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: اتباعكم إِيَّاى أَيُّهَا النّاسُ في أمرى ونَهْيِي، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: طريق لا اعوجاج فيه، بل هو قويمٌ.
وقوله: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾. يقول جل ثناؤه: ولا يَعْدِلَنَّكم الشيطان عن طاعتي فيما آمركم وأنهاكم، فتخالفوه إلى غيره، وتجوروا عن الصراط المستقيم فتَضِلُّوا، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. يقولُ: إن الشيطان لكم عدوٌّ يدعُوكم إلى ما فيه هلاككم، ويَصُدُّكم عن قصد السبيل؛ ليُوردَكم المهالك، ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبانَ لكم عداوته، بامتناعه من السجودِ لأبيكم آدم ﵇، وإدلائه إياه بالغرور حتى أخرجه من الجنة حسدًا وبغيًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولما جاء عيسى بني إسرائيل، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. يعنى: بالواضحات من الأدلة. وقيل: عُنى بالبيِّنات الإنجيل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾. أي: بالإنجيل (١).
وقوله: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. قيل: عُنى بالحكمة في هذا الموضع النبوة.
стр. 14034
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾. قال: النبوة (١).
وقد بينت معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، وذكرتُ اختلاف المختلفين في تأويله، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٢).
وقوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فيه﴾. يقولُ: ولأبين لكم معشر بني إسرائيل بعضَ الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾. قال: من تبديل التوراة (٣).
وقد قيل: إن معنى "البعض" في هذا الموضع بمعنى الكُلِّ، وجعلوا ذلك نظير قول لبيد (٤):
تراك أمكنة إذا لم أرْضَها … أو يَعْتَلِق بعض النُّفُوسِ حِمامُها
قالوا: الموتُ لا يعتلقُ بعض النفوس، وإنما المعنى: أو يعتلق (٥) النفوس حمامها. وليس لما قال هذا القائلُ كبيرُ معنى؛ لأن عيسى إنما قال لهم: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ لأنه قد كان بينهم اختلاف كثير في أسباب
стр. 14035
دينهم ودنياهم، فقال لهم: أُبيِّنُ لكم بعض ذلك. وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم؛ فلذلك خَصَّ ما أخبرهم أنه يُبَيِّنُه لهم.
وأما قولُ لبيد: أو يَعْتَلِق بعض النفوس. فإنه إنما قال ذلك أيضا كذلك؛ لأنه أراد: أو يعتلق نفسه حِمامُها، فنفسه من بين النفوسِ لا شك أنها بعض لا كلٌّ.
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. يقولُ: فاتَّقُوا رَبَّكم أيها الناسُ بطاعته، وخافوه باجتناب معاصيه، وأطيعون فيما أمرتكم به مِن اتِّقاءِ اللَّهِ واتباع أمرِه، وقبولِ نَصيحتي لكم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. يقول: إن الله الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهة، وإخلاص الطاعة له، ربِّي وربُّكم جميعا، فاعبدوه وحده، لا تُشْرِكوا معه في عبادته شيئًا، فإنه لا يصلح، ولا ينبغى أن يُعبد شيءٌ سواه.
وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. يقولُ: هذا الذي أمرتكم به؛ مِن اتقاء الله وطاعتى وإفرادِ اللَّهِ بالألوهةِ، هو الطريق المستقيم، وهو دينُ اللَّهِ الذي لا يقبلُ مِن أحدٍ مِن عبادِه غيره.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.
اختلف أهل التأويل في المعنيِّين بالأحزاب، الذين ذكرهم الله في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجماعةُ التي تناظرت في أمر عيسى فاختلفت فيه.
стр. 14036
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: هم الأربعةُ الذين أخرجهم بنو إسرائيل، يقولون في عيسى (١).
وقال آخرون: بل هم اليهود والنصارى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: اليهود والنصارى (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: معنى ذلك: فاختلف الفِرَقُ المختلفون في عيسى ابن مريمَ مِن بين مَن دَعاهم عيسى إلى ما دَعاهم إليه؛ مِن اتقاء الله والعمل بطاعته، وهم اليهود والنصارى، ومَن اختلف فيه من النصارى؛ لأن جميعهم كانوا أحزابا متشتتين (٣)، مُختلفى القول (٤)، مع بيانه لهم أمر نفسه، وقوله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. يقول تعالى ذكره: فالوادى السائلُ مِن القَيْحِ والصَّديدِ في جهنم للذين كفروا بالله، الذين قالوا في عيسى ابن مريم بخلاف ما وصف عيسى به نفسه في هذه الآية، ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ
стр. 14037
أَلِيمٍ﴾. يقول: من عذاب يوم [أليم عذابه] (١) عذابه، ووصف اليوم بالإيلام، إذ (٢) كان العذاب الذي يؤلمهم فيه، وذلك يوم القيامة.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. قال: من عذاب يوم القيامة.
وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾. يقولُ: هل ينظرُ هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى ابن مريم، القائلون فيه الباطل من القول، إلا الساعةَ التي فيها تقوم (٣) القيامة [أن تأتيهم] (٤) فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعلمون بمجيئها؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: المُتَخالُّون يومَ تقومُ الساعةُ على معاصى الله في الدنيا، بعضهم لبعض عدو، يتبرأ بعضُهم من بعض، إلا الذين كانوا تَخالُّوا فيها على تقوى الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني
стр. 14038
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال (١): على معصية الله في الدنيا مُتَعادُون (٢).
حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾؛ فكلُّ خُلَّةٍ في عداوةٌ إلا خُلَّةَ المتقين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، أن عليًّا ﵁ قال: خليلان مؤمنان، وخَليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانًا كان يأمرنى بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخيرِ، ويَنْهاني عن الشَّرِّ، ويخبرُنى أنى مُلاقيك، يا ربِّ، فلا تُضِلَّه بعدى، واهْدِه كما هَديتنى، وأكرمه كما أكرمتنى. فإذا مات خليله المؤمن مجمع بينهما فيقول: ليُثْنِ أحدكما على صاحبه. فيقولُ: يا ربِّ، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخير، ويَنْهانى عن الشَّرِّ، ويخبرني أنى مُلاقيك. فيقولُ: نعم الخليل، ونعم الأخ، ونعم الصاحب. قال: ويموتُ أحد الكافرين فيقولُ: يا ربِّ، إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمُرُنى بالشَّرِّ، ويَنْهاني عن الخير، ويخبرني أنى غيرُ مُلاقيك. فيقولُ: بئس الأخُ، وبئسَ الخليل، وبئسَ الصاحبُ (٣).
стр. 14039
وقوله: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. وفى هذا الكلام محذوفٌ استغنى بدلالة ما ذكر عليه. ومعنى الكلام: الأخلاء يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين؛ فإنهم يقال لهم: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم مِن عِقابي، فإني قد أمَّنْتُكم منه برِضَاى عنكم، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، فإن الذي قَدِمتُم عليه خيرٌ لكم مما فارَقتُموه منها.
وذُكِر أن الناسَ يُنادون هذا النداء يوم القيامة، فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى يسمع قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. فَيَيْئَسُ منها عندَ ذلك.
[ذكرُ من قال ذلك] (١)
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال (٢): ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: سمعتُ أن الناس حينَ يُبعثون ليس منهم أحدٌ إلا فزع، فيُنادى منادٍ: يا عبادي (٣)، لا خوفٌ عليكم اليومَ ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناسُ كلهم. قال: فيُتبَعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: فييئسُ الناسُ منها غير المسلمين (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقول تعالى ذكره: يا عباد الذين آمنوا.
стр. 14040
وهم الذين صدقوا بكتب الله ورُسُلِه، وعملوا بما جاءتهم به أنبياؤُهم، ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. يقول: وكانوا أهلَ خُضُوع لله بقلوبهم، وقبول منهم لما جاءتهم به رُسُلُهم عن ربِّهم على دين إبراهيم خليل الرحمن ﷺ ، حُنَفَاءَ لا يهود ولا نصارى، ولا أهل أوثان.
وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾. يقول جل ثناؤه: ادخلوا الجنةَ أنتم أيها المؤمنون وأزواجُكم مَغبوطين بكرامة الله، مسْرورين بما أعطاكم اليوم ربُّكم.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. وقد ذكرنا ما قد قيل في ذلك فيما مضى، وبينا الصحيح من القول فيه عندنا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١)، غير أنا نذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك مِن أقوال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾: أي تنعمون.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. قال: تنعمون (٢).
حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. قال: تُكرمون (٣).