← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14036–14075 · переход к 14041.

стр. 14036

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: هم الأربعةُ الذين أخرجهم بنو إسرائيل، يقولون في عيسى (١). وقال آخرون: بل هم اليهود والنصارى. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾. قال: اليهود والنصارى (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: معنى ذلك: فاختلف الفِرَقُ المختلفون في عيسى ابن مريمَ مِن بين مَن دَعاهم عيسى إلى ما دَعاهم إليه؛ مِن اتقاء الله والعمل بطاعته، وهم اليهود والنصارى، ومَن اختلف فيه من النصارى؛ لأن جميعهم كانوا أحزابا متشتتين (٣)، مُختلفى القول (٤)، مع بيانه لهم أمر نفسه، وقوله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. يقول تعالى ذكره: فالوادى السائلُ مِن القَيْحِ والصَّديدِ في جهنم للذين كفروا بالله، الذين قالوا في عيسى ابن مريم بخلاف ما وصف عيسى به نفسه في هذه الآية، ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ

стр. 14037

أَلِيمٍ﴾. يقول: من عذاب يوم [أليم عذابه] (١) عذابه، ووصف اليوم بالإيلام، إذ (٢) كان العذاب الذي يؤلمهم فيه، وذلك يوم القيامة. كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. قال: من عذاب يوم القيامة. وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾. يقولُ: هل ينظرُ هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى ابن مريم، القائلون فيه الباطل من القول، إلا الساعةَ التي فيها تقوم (٣) القيامة [أن تأتيهم] (٤) فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. يقولُ: وهم لا يعلمون بمجيئها؟ القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. يقول تعالى ذكره: المُتَخالُّون يومَ تقومُ الساعةُ على معاصى الله في الدنيا، بعضهم لبعض عدو، يتبرأ بعضُهم من بعض، إلا الذين كانوا تَخالُّوا فيها على تقوى الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني

стр. 14038

الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. قال (١): على معصية الله في الدنيا مُتَعادُون (٢). حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾؛ فكلُّ خُلَّةٍ في عداوةٌ إلا خُلَّةَ المتقين. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، أن عليًّا ﵁ قال: خليلان مؤمنان، وخَليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانًا كان يأمرنى بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخيرِ، ويَنْهاني عن الشَّرِّ، ويخبرُنى أنى مُلاقيك، يا ربِّ، فلا تُضِلَّه بعدى، واهْدِه كما هَديتنى، وأكرمه كما أكرمتنى. فإذا مات خليله المؤمن مجمع بينهما فيقول: ليُثْنِ أحدكما على صاحبه. فيقولُ: يا ربِّ، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخير، ويَنْهانى عن الشَّرِّ، ويخبرني أنى مُلاقيك. فيقولُ: نعم الخليل، ونعم الأخ، ونعم الصاحب. قال: ويموتُ أحد الكافرين فيقولُ: يا ربِّ، إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمُرُنى بالشَّرِّ، ويَنْهاني عن الخير، ويخبرني أنى غيرُ مُلاقيك. فيقولُ: بئس الأخُ، وبئسَ الخليل، وبئسَ الصاحبُ (٣).

стр. 14039

وقوله: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. وفى هذا الكلام محذوفٌ استغنى بدلالة ما ذكر عليه. ومعنى الكلام: الأخلاء يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين؛ فإنهم يقال لهم: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم مِن عِقابي، فإني قد أمَّنْتُكم منه برِضَاى عنكم، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، فإن الذي قَدِمتُم عليه خيرٌ لكم مما فارَقتُموه منها. وذُكِر أن الناسَ يُنادون هذا النداء يوم القيامة، فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى يسمع قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. فَيَيْئَسُ منها عندَ ذلك. [ذكرُ من قال ذلك] (١) حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال (٢): ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: سمعتُ أن الناس حينَ يُبعثون ليس منهم أحدٌ إلا فزع، فيُنادى منادٍ: يا عبادي (٣)، لا خوفٌ عليكم اليومَ ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناسُ كلهم. قال: فيُتبَعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. قال: فييئسُ الناسُ منها غير المسلمين (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾. يقول تعالى ذكره: يا عباد الذين آمنوا.

стр. 14040

وهم الذين صدقوا بكتب الله ورُسُلِه، وعملوا بما جاءتهم به أنبياؤُهم، ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. يقول: وكانوا أهلَ خُضُوع لله بقلوبهم، وقبول منهم لما جاءتهم به رُسُلُهم عن ربِّهم على دين إبراهيم خليل الرحمن ﷺ ، حُنَفَاءَ لا يهود ولا نصارى، ولا أهل أوثان. وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾. يقول جل ثناؤه: ادخلوا الجنةَ أنتم أيها المؤمنون وأزواجُكم مَغبوطين بكرامة الله، مسْرورين بما أعطاكم اليوم ربُّكم. وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. وقد ذكرنا ما قد قيل في ذلك فيما مضى، وبينا الصحيح من القول فيه عندنا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١)، غير أنا نذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك مِن أقوال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾: أي تنعمون. حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. قال: تنعمون (٢). حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾. قال: تُكرمون (٣).

стр. 14041

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾. قال: تَنْعَمون. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ (١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾. يقول تعالى ذكره: يُطافُ على هؤلاء الذين آمنوا بآياته في الدنيا إذا دخلوا الجنةَ في الآخرة بصحافٍ من ذهب. وهي جمع للكثير من الصحفة، والصحفة: القصعةُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾. قال: القِصَاعُ (٢). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشْعَثَ بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيدٍ (٣)، قال: إن أدنى أهل الجنة منزلةً [مَن له] (٤) قصرٌ فيه سبعون ألف خادمٍ، في يدِ كلِّ خادمٍ منهم صحفةٌ سوى ما في يد صاحبها (٥)، لو فتح بابه فَضَافَه أهل الدنيا لأوسعهم (٦).

стр. 14042

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد، قال: إن أخسَّ (١) أهل الجنة منزلا من له سبعون ألفَ خادمٍ، مع كلِّ خادمٍ صحْفةٌ من ذهب، لو نزل به جميعُ أهل الأرض لأوسعهم، لا يستعين عليهم بشيءٍ مِن غيره، وذلك في قول الله ﵎: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا (٢)﴾ [ق: ٣٥]. ولهم فيها ما تَشْتَهى (٣) الأنفس. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأَزْدِيّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: ما من أحدٍ من أهل الجنة إلا يَسعى عليه ألفُ غلامٍ، كلُّ غلام على عمل ما (٤) عليه صاحبه. وقوله: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾. وهي جمع كوب، والكوب الإبريق المستدير الرأس، الذي لا أُذُنَ له ولا خُرطوم، وإياه عنى الأَعْشَى بقوله (٥): صريفيَّةً (٦) طَيِّبًا (٧) طَعْمُها … لها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ ودَنْ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾.

стр. 14043

قال: الأكواب التي ليست لها آذان (١). ومعنى الكلامِ: يُطافُ عليهم فيها بالطعام في صحاف (٢) مِن ذَهَبٍ، وبالشراب في أكواب من ذهب. فاستُغنى بذكرِ الصِّحافِ والأكواب من ذكر الطعام والشرابِ، الذي يكون فيها لمعرفة السامعين بمعناه. (وَفِيها ما تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الْأَعْيُنُ): يقول تعالى ذكره: لهم (٣) في الجنة ما تَشْتَهِي نفوسكم أيها المؤمنون، وتَلَذُّ أعينكم. ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يقولُ: وأنتم فيها ماكثون، لا تخرجون منها أبدًا. كما حدثنا [ابن بشار] (٤)، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن [ابن سابط] (٥)، أن رجلا قال: يا رسول الله، إنى أُحِبُّ الخيل، فهل في الجنة خَيْلٌ؟ فقال: "إن يُدْخِلْك الله الجنة إن شاء، فلا تشاء أن تَرْكَبَ فَرَسًا مِن ياقوتة حمراءَ تَطِيرُ بك في أي الجنة شئتَ، إِلا فَعَلْتَ". فقال أعرابي: يا رسولَ اللَّهِ، إنى أحبُّ الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: "يا أعرابي إن يُدْخِلْك اللَّهُ الجنةَ إن شاء اللَّهُ، ففيها ما اشْتَهَت نفسُك، ولَذَّتْ عَيناك" (٦). حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عمرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَبَارُ، عن محمدِ بن

стр. 14044

سعد الأنصارى، عن [أبي ظَبْيَةَ السُّلَفى] (١)، قال: إن الشَّرْبَ (٢) مِن أهل الجنةِ لَتُظِلُّهم السحابة. قال: فتقول: ما أُمْطِرُكم؟ قال: فما يَدْعُو داعٍ من القومِ بشيءٍ إلا أمْطَرَتهم، حتى إن القائل منهم ليقولُ: أمْطِرِينا كواعب أترابًا (٣). حدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن علي بن [أبي الوليد] (٤)، قال: قيل لمجاهد: في الجنة سماعٌ؟ قال: فقال مجاهدٌ: إن فيها لشَجَرًا يقال له: العيص (٥). له سَماعٌ لم يسمع السامعون إلى مثله (٦). حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: أخبرنا معاويةُ بنُ صالح، قال: ثني سليم (٧) بن عامرٍ، قال: سمعت أبا أمامةَ يقولُ: إن الرجل من أهل الجنةِ لَيَشْتَهى الطائر وهو يطيرُ، فيقعُ مُتَفَلِّقًا (٨) نضيجًا في كفِّه، فيأكل منه حتى تنتهى نفسُه، ثم يطيرُ، ويَشْتَهى الشرابَ، فيقعُ الإبريق في يَدِه، ويشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه (٩).

стр. 14045

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والشام: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ﴾ بزيادة "هاءٍ"، وكذلك ذلك في مصاحفهم (١). وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ: (تَشْتَهِي) بغير "هاء"، وكذلك هو في مصاحفهم (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمُصِيبٌ. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾. يقول تعالى ذكره: يقال لهم: وهذه الجنةُ التي أورثكموها الله عن أهل النارِ الذين أدخلهم جهنم، بما كنتُم في الدنيا تعملون من الخيرات. ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾. يقولُ: لكم في الجنةِ، ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ مِن كُلِّ نوعٍ، ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. يقولُ: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾. وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر باللَّهِ، فأُجْرِموا (٣) به في الآخرةِ ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾. يقولُ: هم فيه ماكثون. ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: لا يُخفَّفُ عنهم العذاب. وأصلُ الفُتُورِ:

стр. 14046

الضعفُ، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. يقولُ: وهم في عذاب جهنم مُبْلسون، والهاء في ﴿فيه﴾ من ذكر العذاب. ويُذكَرُ أن ذلك في قراءة عبدِ اللَّهِ: (وهُمْ فيها مُبْلِسون) (١). بمعنى: وهم في جهنم مُبْلسون، والمُبْلس في هذا الموضع: هو: هو الآيس من النجاة، الذي قد قنط فاستسلم للعذاب والبلاء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: مستسلمون. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال: آيسون (٢). وقال آخرون بما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّى: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: متغير حالهم (٣). وقد بينا فيما مضى قبلُ معنى الإبلاس بشواهده، وذكر اختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما ظلَمْنا هؤلاء المجرمين بفعلنا بهم ما أخبرناكم أيها الناسُ أنا فعلنا بهم، من التعذيب بعذاب جهنم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾؛ بعبادتهم في الدنيا غيرَ مَن كان

стр. 14047

عليهم عبادته، وكفرهم باللَّهِ وجُحُودِهم توحيده. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾. يقول تعالى ذكره: ونادى هؤلاء المجرمون بعد ما أدخلهم الله جهنم، فنالهم فيها من البلاء ما نالهم، مالكًا خازن جهنم: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قالوا (١): ليمتنا ربُّك، فيَفْرُغ من إماتتنا. فذكر أن مالكًا لا يجيبهم وقت قيلهم له ذلك، ويَدَعُهم ألف عام بعد ذلك، ثم يجيبهم فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، فأجابهم بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٢). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء بن السائب، عن رجل من جيرانه يقال له: الحسنُ، عن نَوْفٍ في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: يتركهم مائة سنة مما تعدون، ثم يناديهم فيقولُ: يا أهل النار، إنكم ماكثون (٣). حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن سعيد، عن قتادة،

стр. 14048

عن [أبي أيوب، عن] (١) عبدِ الله بن عمرٍو، قال: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: فخلَّى عنهم أربعين عامًا لا يجيبهم، ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. قالُوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧]. فخلَّى عنهم مثلي الدنيا، ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. قال: فوالله ما نَبَس القومُ [بعدها بكلمة] (٢)، إن كان إلا الزفير والشهيق. حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوبَ الأَزْدى، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا أربعين عاما فلا يجيبهم، ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾. فيدَعُهم أو يخلّى عنهم مثل الدنيا، ثم يَردُّ عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾. قال: فما نَبَس القومُ بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم (٣). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكّام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحسن، عن نَوْفٍ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: يتركهم مائة سنة مما تعدون، ثم ناداهم، فاستجابوا له، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٤). حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله:

стр. 14049

﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: مالكٌ (١) خازن النار. قال: فمكثوا ألف سنة مما تعدُّون. قال: فأجابهم بعد ألف عام: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. قال: يُميتنا - القضاء ههنا: الموتُ - فأجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: لقد أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا محمدًا بالحق. كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾. قال: الذي جاء به محمدٌ ﷺ . ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: ولكن أكثركم لما جاءكم به محمد ﷺ من الحق [والهُدَى] (٢) كارهون. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ يقول تعالى ذكره: أم أبرم هؤلاء المشركون من قريش أمرًا فأحكموه، يكيدون به الحق الذي جئناهم به، فإنا مُحكمون لهم ما يُخْزِيهم ويُذِلُّهم من النكال. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

стр. 14050

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال: مُجْمِعون، إن كادوا شرًّا كدنا مثله (١). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال: أم أَجمعوا أمرًا فإنا مُجْمِعون (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾. قال: أم أحكموا أمرًا فإنا مُحكمون لأمرنا (٣). وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. يقولُ: أم يظنُّ هؤلاء المشركون بالله أنا لا نسمعُ ما أَخْفَوا عن الناسِ مِن مَنطقهم، وتَسَارُّوه (٤) بينهم، وتناجوا به دون غيرهم، فلا نعاقبهم عليه لخفائه علينا؟ وقوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: بلى (٥)، نحن نعلم ما تناجوا به بينهم، وأخفوه عن الناس من سرّ كلامهم، وحَفَظَتُنا ﴿لَدَيْهِمْ﴾. يعني: عندهم، يكتبون ما نطقوا به من منطق، وتكلموا به من كلام (٦).

стр. 14051

وذكر أن هذه الآية نزلت في نفر ثلاثة، تدارءوا في سماع الله ﵎ كلام عبادِه، جل الله وعزَّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عمرو بن سعيد بن يسار القرشي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عاصم بن محمد العُمَرى، عن محمد بن كعب القُرَظى، قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها؛ قُرَشيانِ وثَقَفى، أو ثَقَفِيان وقُرَشى، فقال واحدٌ مِن الثلاثة: ترون اللَّهَ يسمع كلامنا؟ فقال الأول: إذا جهرتم سمع، وإذا أسرَرْتم لم يسمع. قال الثاني: إن كان يسمعُ إذا أعلنتم، فإنه يسمعُ إذا أسررتم. قال فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (١). وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. قال: الحفَظَة (٢). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. أي: عندهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾.

стр. 14052

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قل يا محمد: إن كان للرحمن ولد، في قولكم وزعمكم أيها المشركون، فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم، والجاحدين ما قلتم من أن له ولدا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾: كما تقولون، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم (١). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال: قل: إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أوَّلُ مَن عبد الله ووحده وكذَّبكم (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين له بذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. يقول: لم يكن للرحمن ولد،

стр. 14053

فأنا أولُ الشاهدين (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك نفى، ومعنى "إن" الجَحْدُ، وتأويل ذلك: ما كان ذلك، ولا ينبغى أن يكونَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال قتادة: هذه كلمة من كلام العرب، ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: إنَّ ذلك لم يكن، ولا ينبغى (٢). حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال: هذا الإنكافُ (٣)، ما كان للرحمن ولدٌ، نكف الله أن يكون له ولد. و "إن" مثل "ما" إنما هي: ما كان للرحمن ولد؛ ليس للرحمن ولد. مثل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]. إنما هي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، فالذي أنزل الله من كتابه وقضَى مِن قضائه أثبتُ مِن الجبالِ. و "إن" هي "ما"، إن كان ما كان. تقولُ العرب: إن كان وما كان الذي تقول. وفي قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أوّلُ مَن تَعَبَّدَ (٤) الله بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمنِ ولد، على هذا أعبد الله. حدثنا ابن عبدِ الرحيم البرقى، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألتُ

стр. 14054

زهير (١) بن محمد عن قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. قال: ما كان. حدثنا ابن عبد الرحيم البرقى، قال: ثنا عمرو، قال: سألتُ (٢) ابن زيد بن أسلم عن قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾. قال: هذا من (٢) قول العربِ معروفٌ، إن كان ما كان، إن كان هذا الأمرُ قَطُّ، ثم قال: وقوله: وإن كان: ما كان (٣). وقال آخرون: معنى "إنْ" في هذا الموضع معنى المجازاة. قالوا: وتأويل الكلام: لو كان للرحمن ولد، كنتُ أول من عبده بذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. قال: لو كان له ولدٌ، كنتُ أَوّلَ مَن عَبَده بأنَّ له ولدا، ولكن لا ولد له (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: قل: إن كان للرحمن ولد، فأنا أوّلُ الآنفين من (٥) ذلك. ووجهوا معنى "العابدين" إلى: المنكرين الآبين، من قول العرب: قد عبد فلانٌ من هذا الأمر. إذا أَنف منه وغَضب وأباه، فهو يَعْبَدُ عَبَدًا، كما قال الشاعرُ: أَلَّا هَزِئَتْ (٦) أَمُّ الوَلِيدِ وأَصْبَحَتْ … لما أَبْصَرَتْ في الرأس مِنِّي تَعَبَّدُ

стр. 14055

وكما قال الآخرُ (١): متى ما يَشَأْ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ … ويَعْبَدُ عليهِ لا مَحَالَةَ ظَالِمًا وقد حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنى ابن أبي ذئبٍ، عن ابن (٢) قُسَيْط، عن بَعْجةَ بن زيد (٣) الجهني، أنّ امرأةً منهم دخلت على زوجها، وهو رجلٌ منهم أيضًا، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها (٤) لعثمان بن عفان، فأمر بها أن تُرْجَمَ، فدخل عليه عليُّ بن أبى طالب، فقال: إن الله يقولُ في كتابه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]. وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]. قال: فواللهِ ما عَبد عثمانُ أَن بعث إليها تُرَدُّ. قال يونس: قال ابن وهبٍ: عَبِدَ: اسْتَنكَف (٥). وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قول من قال: معنى "إن" الشرط الذي يقتضى الجزاء، على ما ذكرناه عن السديِّ، وذلك أنّ "إِنْ" لا تَعْدو في هذا الموضع أحد معنييْنِ؛ إما أن يكونَ الحرفُ الذي هو بمعنى الشرط، الذي يَطلُبُ الجزاء، أو تكونَ بمعنى الجَحْدِ، وهى إذا وُجِّهت إلى الجَحْدِ، لم يكن للكلام كبيرُ معنًى؛ لأنه يَصيرُ بمعنى: قل: ما كان للرحمن ولد. وإذا صار بذلك المعنى، أوهم

стр. 14056

أهل الجهلِ مِن أهل الشرك باللَّهِ أنه إنما نفى بذلك عن الله أن يكونَ كان (١) له ولدٌ قبل بعض الأوقاتِ، ثم حدث (٢) له الولد بعد أن لم يكن. مع أنه لو كان ذلك معناه، لقدر الذين (٣) أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهم: ما كان للرحمن ولد، فأنا أوّلُ العابدين. أن يقولوا له: صَدَقْتَ، وهو كما قُلْتَ، ونحن لم نَزْعُمُ أَنه لم يَزَلْ له ولدٌ. وإنما قلنا: لم يكن له ولدٌ، ثم خلق الجن فصاهَرهم، فحدث له منهم ولد. كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه، ولم يكن الله تعالى ذكره ليحتج لنبيه ﷺ على (٤) مكذبيه من الحجَّةِ بما يَقْدِرون على الطعن فيه، وإذ كان في توجيهنا "إِنْ" إلى معنى الجَحْدِ ما ذكرنا، فالذى هو أشبه المعنيين بها الشرط. وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنةٌ صحة ما نقولُ من أنّ معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أنّ الملائكة بناتُ اللهِ: إن كان للرحمن ولد فأنا أوَّلُ عابدِيه بذلك منكم، ولكنه لا ولدَ له، فأنا أعبده بأنه لا ولد له، ولا ينبغى أن يكون له (٥). وإذا وجِّه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه، لم يكن على وجه الشك، ولكن على وجه الإلطاف في الكلام، وحُسنِ الخطاب، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وقد علم أن الحق معه، وأن مخالفيه في الضلالِ المبين. وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يقول تعالى ذكره: تَبْرِئةٌ وتنزيها لمالك السماوات والأرض، ومالك العرش، المحيط بذلك كله، وما في ذلك من

стр. 14057

خلق، مما يصفه به هؤلاء المشركون من الكَذِبِ، ويُضيفون إليه من الولد، وغير ذلك من الأشياء التي لا ينبغى أن تُضاف إليه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: يَكْذِبون (١). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾. يقول تعالى ذكره: فَذَرْ يا محمد هؤلاء المفترين على ربهم، الواصفيه بأن له ولدًا، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. وذلك يومَ يُضليهم الله - بفريتهم عليه - جهنم، وهو يومُ القيامة. كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾. قال: يوم القيامةِ. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وهو الذي له الألوهةُ؛ في السماء معبود، وفى الأرض (٢) كما هو في السماء معبودٌ، لا شيء سواه تصلح عبادته. يقول تعالى ذكره: فأَفردوا لمن هذه صفته العبادة، ولا تشركوا به شيئًا غيره.

стр. 14058

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. قال: يُعبد في السماءِ، ويُعبد في الأرض (١). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. أي: يُعبد في السماءِ وفى الأرضِ (٢). وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. يقولُ: وهو الحكيم في تدبيره خَلْقَه، [وتسخيرهم لما يشاء] (٣)، العليم بمصالحهم. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾. يقول تعالى ذكره: وتبارك الذي له سلطان السماوات السبع والأرض، وما بينهما من الأشياء كلِّها، جارٍ على جميع ذلك حكمه، ماضٍ فيهم قضاؤُه. يقولُ: فكيف يكون له شريكًا مَن كان في سلطانه، وحكمه فيه نافذ؟! ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾. يقولُ: وعنده علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، ويُحشَرُ فيها الخَلْقُ من قبورهم لموقف الحساب. وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: وإليه أيُّها الناسُ تُرَدُّون من بعدِ

стр. 14059

مماتكم، فتصيرون إليه، فيُجازِى المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته. القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعُزَيرٌ والملائكةُ الذين يَعْبُدوهم هؤلاء المشركون بالله (١) - الشفاعة عند الله لأحدٍ، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [يعني به عندَهم: إلا لمن شَهِد بالحقِّ] (٢)، فوحد اللَّهَ جل وعز وأطاعه، [على علمٍ منه ويقين بتوحيد الله، وصحة ما] (٣) جاءت به رسله. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾. قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ (٤)، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾. قال: كلمة الإخلاص، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله حقٌّ؛ [عيسى] (٥) وعُزير والملائكة. يقول: لا يشفع عيسى وعُزيرٌ والملائكة إلا لمن (٦) شهد بالحقِّ، وهو يعلم الحق (٧).

стр. 14060

وقال آخرون: عُنى بذلك: ولا تملك الآلهة التي يدعوها المشركون، ويعبدونها من دونِ الله - الشفاعة، إلا عيسى وعُزيرٌ وذووهما والملائكة الذين شهدوا بالحقِّ، فأقروا به، وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾: الآلهة (١)، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: الملائكة وعيسى وعزيز، قد عُبدوا مِن دونِ اللهِ، ولهم شفاعةٌ عند الله تعالى ومنزلةٌ. حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: هو ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾. قال: الملائكة وعيسى ابن مريم وعُزيرٌ، فإن لهم عند الله شهادة (٢). وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لا يملك الذين يعبدهم المشركون مِن دونِ اللَّهِ الشفاعة عنده لأحدٍ، إِلَّا مَن شهد بالحقِّ، وشهادته بالحق هو إقراره بتوحيدِ اللَّهِ، وإنما يعنى بذلك: إلا من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده. ولم يَخصُصْ بأن الذي لا يملك تلك (٣) الشفاعة منهم بعض مَن كان يُعْبدُ مِن دونِ اللهِ [دونَ بعضٍ] (٤)، فذلك على جميع من كان تعبُدُ قريشٌ مِن دون الله يوم نزلت هذه الآية، وغيرهم، وقد كان منهم (٥) من يعبدُ مِن دونِ اللهِ الآلهة، وكان منهم (٦) من يعبد من دونِه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون

стр. 14061

في قوله: ولا يملك الذين تدعو قريش وسائر العرب مِن دونِ اللَّهِ الشفاعة عندَ اللَّهِ. ثم استثنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: وهم الذين يشهدون شهادة الحقِّ، فيوحدون الله، ويُخلصون له الوحدانية، على علمٍ منهم ويقينٍ بذلك أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. فأَثْبت تعالى ذكره للملائكة وعيسى وعُزيرٍ (١) ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان، باستثنائه الذي استثناه. القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: من خلقهم؟ ليقولُن: خلقنا الله. ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يقولُ: فَأَيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن عبادة الذي خلقهم، ويُحرمون (٢) إصابة الحقِّ في عبادتِه. وقوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. اختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿وَقِيلِهِ﴾؛ فقرأته عامه قرأَةِ المدينة ومكة والبصرة: (وَقيله) بالنصب (٣). وإذا قُرى ذلك كذلك، كان له وجهان في (٤) التأويل؛ أحدهما: العطف على قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، ونسمعُ قيلَه: يا ربِّ؟ والثانى: أن يُضْمَر له ناصبٌ، فيكون معناه حينئذ: وقال قوله: يا ربِّ إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون. وشكا محمد شكواه إلى ربِّه. وقرأته عامةُ

стр. 14062

قرأَةِ الكوفة: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالخفض على معنى: وعنده علم الساعة، وعلم قيله (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. فتأويل الكلام إذن: وقال محمدٌ قيله شاكيًا إلى ربِّه قومه الذين كذَّبَوه، وما يَلْقى منهم: يا رب إن هؤلاء الذين أمرتني بإنذارهم، وأرسلتنى إليهم لدعائهم إليك - قومٌ لا يؤمنون. كما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: فأبَّر الله قول محمدٍ ﷺ (٢). حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: هذا قول نبيكم يشكو قومه إلى ربِّه (٣). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾. قال: هو قول النبي ﷺ : ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤). القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ، جوابًا له عن دعائه إياه إذ قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، وأَعرِضْ عن أذاهم لك،

стр. 14063

وقل لهم: سلام عليكم. ورُفع "سلامٌ" بضمير: عليكم، أو: لكم. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: (فَسَوْفَ تَعْلَمونَ) بالتاءِ (١)، على وجه الخطاب، بمعنى أمر الله نبيه ﷺ أن يقول ذلك للمشركين، مع قوله: ﴿سَلَامٌ﴾. وقرأَ ذلك عامة قرأَةِ الكوفة وبعضُ قرأَةِ مكةَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بالياء (٢) على وجه الخبر، وأنه وعيدٌ من الله للمشركين. فتأويله على هذه القراءةِ: فاصفَحْ عنهم يا محمد، وقُل: سلامٌ. ثم ابتدأ تعالى ذكره الوعيد لهم، فقال: فسوف يعلمون ما يَلْقَون مِن البلاء والنَّكال والعذاب على كفرهم. ثم نسخ الله جل ثناؤُه هذه الآيةَ، وأَمر نبيَّه ﷺ بقتالهم. كما حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾: قال: اصفح عنهم. ثم أمره بقتالهم (٣). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال اللَّهُ يُعزِّى نبيَّه محمدًا ﷺ : ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. آخرُ تفسير سورة الزُّخْرُفِ

стр. 14064

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أولُ سورةِ الدخانِ القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾. قال أبو جعفرٍ: قد تقدَّم بيانُنا (١) معنى قولِه: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٢). وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. أقسَم ربُّنا جلّ ثناؤُه بهذا الكتابِ أنه أنزَله في ليلةٍ مباركةٍ. واختُلِف (٣) في تلك الليلةِ أيُّ ليلةٍ من ليالى السنةِ هي؛ فقال بعضُهم: هي ليلةُ القدرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: ليلةِ القدرِ (٤). نزَلتْ صحفُ إبراهيمَ في أَوَّلِ ليلةٍ مِن رمضانَ، ونزلتْ التوراةُ لستٍّ ليالٍ مضَيْن (٥) مِن رمضانَ، ونزَل الزَّبورُ لثنتَىْ (٦) عشْرةَ مضَتْ مِن رمضانَ، ونزَل الإنجيلُ لثمانِ عَشْرَةَ مضَتْ مِن رمضانَ، ونزَل الفرقانُ لأربعٍ وعشرين

стр. 14065

مضَتْ (١) مِن رمضانَ (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. قال: هي ليلةُ القدرِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾. قال: تلك الليلةُ ليلةُ القدرِ، أَنزَلَ اللَّهُ هذا القرآنَ من أُمِّ الكتابِ في ليلةِ القدرِ، ثم أنزَله على نبيِّه (٤) في الليالي والأيامِ، وفي غيرِ ليلةِ القدرِ (٥). وقال آخرون: بل هي ليلةُ النصفِ من شعبانَ. والصوابُ من القولُ في ذلك قولُ مَن قال: عُنِى بها ليلةُ القدرِ. لأنّ الله أخبرَ تعالى ذكره أن ذلك كذلك بقوله (٦): [﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه] (٧): إنا كُنَّا مُنْذِرِين خَلْقَنا بهذا الكتابِ الذي أنزَلناه في الليلةِ المباركةِ عقوبتَنا أن تحُلَّ بمن كفَر منهم، فلم يتبْ (٨) إلى توحيدِنا وإفرادِ الأُلوهةِ لنا. وقولُه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في هذه الليلةِ التي

стр. 14066

يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ نحوَ اختلافِهم في الليلةِ المباركةِ، وذلك أن الهاءَ التي في قولِه: ﴿فِيهَا﴾. عائدةٌ على الليلةِ المباركةِ؛ فقال بعضُهم: هي ليلةُ القدرِ، يُقْضَى فيها أمْرُ السنةِ كلُّها؛ مَن يموتُ، ومَن يولدُ، ومن يُعزُّ، ومن يُذلُّ، وسائرُ أمورِ السنةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا ربيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: كنتُ عندَ الحسنِ فقال له رجلٌ: يا أبا سعيدٍ، ليلةُ القدرِ في كلِّ رمضانَ هي؟ قال: إى واللهِ، إنها لفى كلِّ رمضانَ، وإنها لليلةٌ (١) يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ، فيها يَقْضِى اللهُ كلَّ أجلٍ وأملٍ ورزقٍ إلى مثلِها (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليَّةَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: قال رجلٌ للحسنِ وأنا أسمَعُ: أرأَيتَ ليلةِ القدرِ، أفى كلِّ رمضان هي؟ قال: نعم واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هو، إنها لفي كلِّ رمضانَ، وإنها لليلةٌ يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيمٍ، يَقْضِى اللَّهُ كلَّ أجلٍ [وعملٍ] (٣) وخَلْقٍ ورزقٍ إلى مثلِها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال [ابن زيدٍ: حدَّثني] (٣) عبدُ الحميدِ بنُ سالمٍ، عن [عمر مولى غُفْرة] (٤)، قال: يقالُ: يُنْسَخُ لملكِ الموتِ مَن يموتُ ليلةِ القدرِ إلى مثلِها، وذلك لأن الله يقولُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: فتجدُ الرجلَ ينكِحُ النساءَ، ويغرِسُ الغرسَ واسمُه في الأمواتِ (٥).

стр. 14067

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: أمرُ السنةِ إلى السنةِ، ما كان من خلقٍ أو رزقٍ أو أجلٍ أو مصيبةٍ، أو نحوِ هذا (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانَ، عن حبيبٍ، عن هلالِ بن يسَافٍ، قال: كان يقالُ: انْتَظِروا القضاءَ في شهرِ رمضانَ (٢). حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباحِ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن حُصَينٍ، عن سعدِ (٣) بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ في قولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: يُدَبَّرُ أمرُ السنةِ في ليلةِ القدرِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: في ليلةِ القدرِ كلُّ أمرٍ يكونُ في السنةِ إلى السنةِ؛ إِلَّا (٥) الحياة والموتَ، يُقَدَّرُ فيها المعايشُ والمصائبُ كلُّها (٦). حدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾: ليلةِ القدرِ. ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: كُنَّا نُحدَّثُ أَنه يُفْرَقُ

стр. 14068

فيها أمرُ السنةِ إلى السنةِ (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: هي ليلةُ القدرِ، فيها يُقْضَى ما يكونُ مِن السنةِ إلى السنةِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، قال: سألتُ مجاهدًا فقلتُ: أرأَيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللَّهمّ إن كان اسمى في السعداءِ فأَثْبِته فيهم، وإن كان في الأشقياءِ فامْحُه منهم واجعلْه في السعداءِ. فقال: حسَنٌ. ثم لقِيتُه بعدَ ذلك بحولٍ أو أكثرَ من ذلك، فسأَلْتُه عن هذا الدعاءِ، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: يُقضَى في ليلةِ القدرِ ما يكونُ في السنةِ من رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يقدِّمُ ما يشاءُ، ويؤخَّرُ ما يشاءُ، فأما كتابُ السعادةِ والشقاءِ فهو ثابتٌ لا يُغَيَّرُ. وقال آخرون: بل هي ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّباح والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا النَّضْرُ (٣) بنُ إسماعيلَ البَجَليُّ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن عكرمةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: في ليلةِ النصفِ مِن شعبانَ؛ يُرَمُ فيه أمرُ السنةِ، ويُنْسَخُ (٤) الأحياء مِن الأمواتِ، ويُكتَبُ الحاجُّ فلا يُزادُ فيهم (٥)، ولا يُنْقَصُ منهم

стр. 14069

أحدٌ (١). حدَّثني عبيدُ بنُ آدمَ بن أبي إياسٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا الليثُ، عن عُقَيلِ بن خالدٍ، عن ابن شهابٍ، عن عثمانَ بن محمدِ بن المغيرةِ بن الأَخْنَسِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تُقْطَعُ الآجالُ مِن شعبانَ إلى شعبانَ، حتى إِنَّ الرجلَ ليَنْكِحُ ويُولد له وقد خرج اسمه في المَوْتى" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ حكيمٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: إن الرجلَ ليمشى في الناسِ وقد رُفِع (٣) في الأمواتِ. قال: ثم قرَأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾. قال: ثم قال: فيها يُفْرقُ أمرُ الدنيا من السنةِ إلى السنةِ (٤). وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: ذلك ليلةُ القدرِ. لما قد تقدَّم مِن بيانِنا عن أنّ المعنِيَّ بقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. ليلةُ القدرِ. والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ من ذكرِ الليلةِ المباركةِ. وعُنِى بقولِه: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾: في هذه الليلةِ المباركةِ يُقْضَى ويُفْصَلُ كُلُّ أمرٍ أَحكمه الله تعالى ذكرُه في تلك السنةِ، إلى مثلِها مِن السنةِ

стр. 14070

الأُخرى. ووُضِع: ﴿حَكِيمٍ﴾ موضعَ مُحْكَمٍ، كما قال: ﴿الر (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢،١]. يعنى: المحكَمِ. وقولُه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الليلةِ المباركةِ يُفْرَقُ كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، أمرًا مِن عندِنا. واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ قولِه: ﴿أَمْرًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ (١): نُصِب على معنى: إنا أنزَلناه أمرًا ورحمةً؛ على الحالِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٢): نُصِب على معنى: يُفْرقُ كلُّ أمرٍ فَرْقًا وأمرًا. قال: وكذلك قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: ويجوز أن تُنصبَ الرحمةُ بوقوعِ ﴿مُرْسِلِينَ﴾ عليها، فجعَل الرحمةَ النبيَّ ﷺ . وقولُه: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كنا مُرْسِلى رسولِنا محمدٍ ﷺ إلى عبادِنا رحمةً من ربك يا محمدُ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ إن الله ﵎ هو السميعُ لما يقولُ هؤلاء المشركون فيما أنزَلنا من كتابِنا، وأرسَلنا من رسُلِنا (٣) إليهم، وغيرِ ذلك من مَنطقِهم ومنطقِ غيرِهم، العليمُ بما تَنطوى عليه ضمائرهم، وغيرِ ذلك من أمورِهم وأمورِ غيرِهم. القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ

стр. 14071

هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾. اختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قوِله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) بالرفع (١) على إتْباعِ إعرابِ "الربِّ" إعرابَ ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقرأَتْه عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ خفضًا (٢)، ردًّا على "الربِّ" ﷻ في قولِه: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾. والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ. ويعنى بقولِه: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي أنزَل هذا الكتابَ يا محمدُ عليك، وأرسَلك إلى هؤلاء المشركين رحمةً مِن ربِّك - مالكُ السماواتِ السبعِ (٣) والأرضِ وما بينهما من الأشياء كلِّها. وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم توقنون بحقيقةِ ما أخبَرْتُكم مِن أنَّ ربَّكم ربُّ السماوات والأرضِ، فإن الذي أخبَرْتُكم من (٤) أن الله (٥) الذي هذه الصفاتُ صفاتُه، وأن هذا القرآنَ تنزيله، ومحمدًا ﷺ رسولُه - حقٌّ يقينٌ، فأيقِنوا به، كما أيقَنتم بما توقنون به (٤) من حقائقِ الأشياءِ غيرِه. وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبود لكم أيُّها الناسُ غير ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، فلا تعبُدوا غيرَه؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبغي لشيءٍ سواه، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: هو الذي يُحْيى ما يشاءُ، ويُميتُ ما

стр. 14072

يشاءُ مما كان حيًّا. وقولُه: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هو مالكُكم ومالكُ مَن مضَى قبلكم من آبائِكم الأوّلين. يقولُ: فهذا الذي هذه صفتُه هو الربُّ فاعبُدوه دونَ آلهتكم التي لا تقدِرُ على ضرٍّ ولا نفعٍ. وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هم بموقنين بحقيقةِ ما يقالُ لهم ويُخْبَرون من هذه الأخبارِ، يعنى بذلك مشركي قريشٍ، ولكنهم في شكٍّ منه، فهم يَلْهُون بشكِّهم (١) في الذي يُخْبَرون به مِن ذلك. القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾: فانْتظِرْ يا محمدُ بهؤلاء المشركين من قومِك الذين هم في شكٍّ يَلْعبون. وإنما هو "افتعَل"، من: رقَبْتُه: إذا انتظَرْتَه وحرَسْتَه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. أي: فانْتظِرْ (٢). وقولُه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في هذا اليوم (٣) الذي أمَر اللهُ نبيِّه محمدًا ﷺ أن يرتقبَه، وأخبرَه أن السماءَ تأتى فيه بدخانٍ

стр. 14073

مبينٍ؛ أيُّ يومٍ هو؟ ومتى هو؟ وفى معنى الدُّخانِ الذي ذكُر في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ذلك حينَ دعا رسولُ اللهِ على قريشٍ ربَّه أن يأخذَهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأُخِذوا بالمجاعة. قالوا: وعُنى بالدُّخانِ ما كان يُصيبُهم حينَئذٍ في أبصارِهم من شدَّةِ الجوعِ؛ مِن الظُلمةِ كهيئةِ الدُّخانِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عيسى بن عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: دخَلْنا المسجدَ، فإذا رجلٌ يقُصُّ على أصحابِه ويقولُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. تدرون ما ذلك الدُّخانُ؟ ذلك دُخانٌ يأتى يومَ القيامةِ، فيأخُذُ بأسماعِ المنافقين وأبصارِهم، ويأخُذُ المؤمنين منه شِبهُ الزُّكامِ. قال: فأَتيْنا ابنَ مسعودٍ، فذكَرْنا ذلك له، وكان مُضْطَجِعًا، ففزِع فقعَد، فقال: إن الله قال لنبيِّكم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن من العِلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلَمُ: اللهُ أعلمُ. سأحدِّثُكم عن ذلك؛ إن قريشًا لما أبطأَت عن الإسلامِ، واستعصَتْ على رسولِ اللهِ، دعا عليهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأصابهم من الجَهْد والجوع حتى أكَلوا العظامَ والميتةَ، وجعَلوا يرفعون أبصارَهم إلى السماءِ، فلا يَرَوْن إِلا الدُّخَانَ، قال اللهُ ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥، ١٦]. قال: فعادوا يومَ بدرٍ، فانتقَم اللهُ منهم (١).

стр. 14074

حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: كان في المسجدِ رجلٌ يُذكِّرُ الناسَ. فذكرَ نحوَ حديثِ عيسى، عن يحيى بن عيسى، إلا أنه قال: فانتقَم يومَ بدرٍ، وهى البطشةُ الكبرى. حدَّثنا ابن حميدٍ وعمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى مسلمِ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: كنا عندَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ جلوسًا، وهو مُضْطَجَعٌ بينَنا. قال: فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إن قاصًّا عندَ أبوابِ كِنْدَةَ يقُصُّ، ويزعُم أن آيةَ الدُّخانِ تجئُ، فتأخذُ بأنفاسِ الكفارِ، ويأخذُ المؤمنين منه كهيئةِ الزُّكامِ *. فقام عبدُ اللهِ وجلَس وهو غضبانُ، فقال: يا أَيُّها الناسُ، اتقوا اللَّهَ فمن علِم شيئًا فليَقُلْ بما يعلَمُ، ومَن لا يعلمُ فليقُل: اللهُ أعلمُ. وقال عمرٌو: فإنه أعلمُ لأحدِكم أن يقولُ لما لا يعلمُ: اللهُ أعلمُ. وما على أحدِكم أن يقولُ لما لا يعلمُ: لا أعلمُ. فإنّ الله يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن النبيَّ ﷺ لما رأى مِن الناسِ إدبارًا، قال: "اللَّهمّ سبعًا كسبع يوسفَ". فأخذَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ (١) كل شيءٍ، حتى أكَلوا الجلودَ والمَيتةَ والجِيَفَ، ينظُرُ أحدُهم إلى السماءِ فيرى دُخانًا من الجوعِ، فأتاه أبو سفيانَ بنُ حربٍ، فقال: يا محمدُ، إنك جئتَ تأمُرُنا بالطاعةِ وبصلةِ الرَّحِم، وإنّ قومَك قد هلكوا، فادعُ الله لهم. قال اللهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال: فكُشِف عنهم، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: فالبَطْشة يومَ بدرٍ، وقد مضَتْ آيةُ الرومِ، وآيةُ الدُّخانِ، والبَطْشة،

стр. 14075

واللِّزام (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خمسٌ قد مَضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبطشةُ، والقمرُ، والرومُ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: شهِدتُ جِنازةً فيها زيدُ بنُ عليٍّ، فأنشأ يُحدِّثُ يومئذٍ فقال: إن الدُّخانَ يجيءُ قبلَ يومِ القيامةِ، فيأخُذُ بأَنْفِ المؤمنِ الزُّكامُ، ويأخذُ بمسامعِ الكافرِ. قال: قلتُ: رحِمك اللَّهُ، إن صاحبَنا عبدَ اللَّهِ قد قال غيرَ هذا، قال: إن الدُّخان قد مضَى. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أصاب الناسَ جَهْدٌ، حتى جعَل الرجلُ يَرى ما بينَه وبينَ السماءِ دخانًا، فذلك قولُه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. وكذا قرَأ عبدُ اللَّهِ إلى قولِه: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. قلتُ لزيدٍ: فعادوا، فأعاد اللَّهُ عليهم بدرًا، فذلك قولُه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]. فذلك يومَ بدرٍ. قال: فقيلَ واللَّهِ، قال عاصمٌ، فقال رجلٌ يردٌّ عليه، فقال زيدٌ رحمة اللَّهِ عليه: أمَا إِنّ رسول اللَّهِ ﷺ قد قال: "إنكم سَيَجِيئُكم رُواةٌ، فما وافَق القُرآنَ فخُذُوا به، وما كان غير ذلك فَدَعُوه" (٣).
следующие страницы →