هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾.
اختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قوِله: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ) بالرفع (١) على إتْباعِ إعرابِ "الربِّ" إعرابَ ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقرأَتْه عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ خفضًا (٢)، ردًّا على "الربِّ" ﷻ في قولِه: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾.
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ.
ويعنى بقولِه: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي أنزَل هذا الكتابَ يا محمدُ عليك، وأرسَلك إلى هؤلاء المشركين رحمةً مِن ربِّك - مالكُ السماواتِ السبعِ (٣) والأرضِ وما بينهما من الأشياء كلِّها.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم توقنون بحقيقةِ ما أخبَرْتُكم مِن أنَّ ربَّكم ربُّ السماوات والأرضِ، فإن الذي أخبَرْتُكم من (٤) أن الله (٥) الذي هذه الصفاتُ صفاتُه، وأن هذا القرآنَ تنزيله، ومحمدًا ﷺ رسولُه - حقٌّ يقينٌ، فأيقِنوا به، كما أيقَنتم بما توقنون به (٤) من حقائقِ الأشياءِ غيرِه.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبود لكم أيُّها الناسُ غير ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، فلا تعبُدوا غيرَه؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبغي لشيءٍ سواه، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: هو الذي يُحْيى ما يشاءُ، ويُميتُ ما
стр. 14072
يشاءُ مما كان حيًّا.
وقولُه: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هو مالكُكم ومالكُ مَن مضَى قبلكم من آبائِكم الأوّلين. يقولُ: فهذا الذي هذه صفتُه هو الربُّ فاعبُدوه دونَ آلهتكم التي لا تقدِرُ على ضرٍّ ولا نفعٍ.
وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هم بموقنين بحقيقةِ ما يقالُ لهم ويُخْبَرون من هذه الأخبارِ، يعنى بذلك مشركي قريشٍ، ولكنهم في شكٍّ منه، فهم يَلْهُون بشكِّهم (١) في الذي يُخْبَرون به مِن ذلك.
القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾: فانْتظِرْ يا محمدُ بهؤلاء المشركين من قومِك الذين هم في شكٍّ يَلْعبون. وإنما هو "افتعَل"، من: رقَبْتُه: إذا انتظَرْتَه وحرَسْتَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. أي: فانْتظِرْ (٢).
وقولُه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في هذا اليوم (٣) الذي أمَر اللهُ نبيِّه محمدًا ﷺ أن يرتقبَه، وأخبرَه أن السماءَ تأتى فيه بدخانٍ
стр. 14073
مبينٍ؛ أيُّ يومٍ هو؟ ومتى هو؟ وفى معنى الدُّخانِ الذي ذكُر في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ذلك حينَ دعا رسولُ اللهِ على قريشٍ ربَّه أن يأخذَهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأُخِذوا بالمجاعة. قالوا: وعُنى بالدُّخانِ ما كان يُصيبُهم حينَئذٍ في أبصارِهم من شدَّةِ الجوعِ؛ مِن الظُلمةِ كهيئةِ الدُّخانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عيسى بن عثمانَ بن عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: دخَلْنا المسجدَ، فإذا رجلٌ يقُصُّ على أصحابِه ويقولُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. تدرون ما ذلك الدُّخانُ؟ ذلك دُخانٌ يأتى يومَ القيامةِ، فيأخُذُ بأسماعِ المنافقين وأبصارِهم، ويأخُذُ المؤمنين منه شِبهُ الزُّكامِ. قال: فأَتيْنا ابنَ مسعودٍ، فذكَرْنا ذلك له، وكان مُضْطَجِعًا، ففزِع فقعَد، فقال: إن الله قال لنبيِّكم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن من العِلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلَمُ: اللهُ أعلمُ. سأحدِّثُكم عن ذلك؛ إن قريشًا لما أبطأَت عن الإسلامِ، واستعصَتْ على رسولِ اللهِ، دعا عليهم بسنين كسِنى يوسفَ، فأصابهم من الجَهْد والجوع حتى أكَلوا العظامَ والميتةَ، وجعَلوا يرفعون أبصارَهم إلى السماءِ، فلا يَرَوْن إِلا الدُّخَانَ، قال اللهُ ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. قال اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥، ١٦]. قال: فعادوا يومَ بدرٍ، فانتقَم اللهُ منهم (١).
стр. 14074
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: كان في المسجدِ رجلٌ يُذكِّرُ الناسَ. فذكرَ نحوَ حديثِ عيسى، عن يحيى بن عيسى، إلا أنه قال: فانتقَم يومَ بدرٍ، وهى البطشةُ الكبرى.
حدَّثنا ابن حميدٍ وعمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحى مسلمِ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: كنا عندَ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ جلوسًا، وهو مُضْطَجَعٌ بينَنا. قال: فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إن قاصًّا عندَ أبوابِ كِنْدَةَ يقُصُّ، ويزعُم أن آيةَ الدُّخانِ تجئُ، فتأخذُ بأنفاسِ الكفارِ، ويأخذُ المؤمنين منه كهيئةِ الزُّكامِ *. فقام عبدُ اللهِ وجلَس وهو غضبانُ، فقال: يا أَيُّها الناسُ، اتقوا اللَّهَ فمن علِم شيئًا فليَقُلْ بما يعلَمُ، ومَن لا يعلمُ فليقُل: اللهُ أعلمُ. وقال عمرٌو: فإنه أعلمُ لأحدِكم أن يقولُ لما لا يعلمُ: اللهُ أعلمُ. وما على أحدِكم أن يقولُ لما لا يعلمُ: لا أعلمُ. فإنّ الله يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن النبيَّ ﷺ لما رأى مِن الناسِ إدبارًا، قال: "اللَّهمّ سبعًا كسبع يوسفَ". فأخذَتْهم سَنَةٌ حَصَّتْ (١) كل شيءٍ، حتى أكَلوا الجلودَ والمَيتةَ والجِيَفَ، ينظُرُ أحدُهم إلى السماءِ فيرى دُخانًا من الجوعِ، فأتاه أبو سفيانَ بنُ حربٍ، فقال: يا محمدُ، إنك جئتَ تأمُرُنا بالطاعةِ وبصلةِ الرَّحِم، وإنّ قومَك قد هلكوا، فادعُ الله لهم. قال اللهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال: فكُشِف عنهم، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾: فالبَطْشة يومَ بدرٍ، وقد مضَتْ آيةُ الرومِ، وآيةُ الدُّخانِ، والبَطْشة،
стр. 14075
واللِّزام (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: خمسٌ قد مَضَين؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبطشةُ، والقمرُ، والرومُ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، قال: شهِدتُ جِنازةً فيها زيدُ بنُ عليٍّ، فأنشأ يُحدِّثُ يومئذٍ فقال: إن الدُّخانَ يجيءُ قبلَ يومِ القيامةِ، فيأخُذُ بأَنْفِ المؤمنِ الزُّكامُ، ويأخذُ بمسامعِ الكافرِ. قال: قلتُ: رحِمك اللَّهُ، إن صاحبَنا عبدَ اللَّهِ قد قال غيرَ هذا، قال: إن الدُّخان قد مضَى. وقرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أصاب الناسَ جَهْدٌ، حتى جعَل الرجلُ يَرى ما بينَه وبينَ السماءِ دخانًا، فذلك قولُه: ﴿فَارْتَقِبْ﴾. وكذا قرَأ عبدُ اللَّهِ إلى قولِه: ﴿مُؤْمِنُونَ﴾. قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]. قلتُ لزيدٍ: فعادوا، فأعاد اللَّهُ عليهم بدرًا، فذلك قولُه: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨]. فذلك يومَ بدرٍ. قال: فقيلَ واللَّهِ، قال عاصمٌ، فقال رجلٌ يردٌّ عليه، فقال زيدٌ رحمة اللَّهِ عليه: أمَا إِنّ رسول اللَّهِ ﷺ قد قال: "إنكم سَيَجِيئُكم رُواةٌ، فما وافَق القُرآنَ فخُذُوا به، وما كان غير ذلك فَدَعُوه" (٣).
стр. 14076
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابن مسعودٍ أنه قال: البَطْشةُ الكبرى يومَ بدرٍ، وقد مضَى الدُّخانُ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ يقولُ: إنّ الدُّخان قد مضَى (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: مضَى الدُّخانُ لسنينَ أصابتهم (٣).
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: نُبِّئتُ أنّ ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: قد مضَى الدُّخانُ، كان سنينَ كسِني يوسفَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: الجَدْبُ وإمساكُ المطرِ عن كفارِ قريشٍ. إلى قوله: ﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. قال: كان ابن مسعودٍ يقولُ: قد مضَى الدُّخانُ، وكان سنينَ
стр. 14077
كسِنى يوسفَ، ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾: قد مضَى شأنُ الدُّخانِ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يومَ بدرٍ (٢).
وقال آخرون: الدُّخانُ آيةٌ من آياتِ اللَّهِ، مرسَلةٌ على عبادِه قبلَ مجيءِ الساعةِ، فيدخُلُ في أسماعِ أهلِ الكفرِ به، ويعترِى أهلَ الإيمانِ به كهيئةِ الزُّكامِ. قالوا: ولم يأْتِ بعد، وهو آتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن الوليدِ بن جُميعٍ، عن عبدِ الملكِ بن المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بن البيلمانيِّ (٣)، عن ابن عمرَ، قال: يخرُجُ الدُّخانُ، فيأخذُ المؤمنَ كهيئةِ الزَّكْمةِ (٤)، ويدخُلُ في مسامعِ الكافرِ والمنافقِ حتى يكونَ كالرأْسِ الحَنيذِ (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن
стр. 14078
ذات أبي مُليكةَ، قال: غدوتُ على ابن عباسٍ يومٍ، فقال: ما نمتُ الليلةَ حتى أصبحتُ. قلتُ: لمَ؟ قال: قالوا: طلَع الكوكبُ ذو الذَّنَبِ، فخشِيتُ أن يكونَ الدُّخانُ قد طَرَق، فما نمتُ حتى أصبحتُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضّلِ، عن عوفٍ، قال: قال الحسنُ: إنّ الدُّخان قد بَقى مِن الآياتِ، فإذا جاء الدُّخانُ نَفَخ الكافرَ حتى يَخْرُجَ مِن كلِّ سمعٍ من مسامعِه، ويأخذُ المؤمنَ كزَكْمةٍ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ، يعنى ابنَ الهيثمِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ بنحوِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن أبي سعيدٍ، قال: يَهِيجُ الدُّخانُ بالناسِ؛ فأمّا المؤمنُ فيأخذُه منه كهيئةِ الزَّكْمةِ، وأما الكافرُ فيهيجُه حتى يخرُجَ من كلِّ مِسْمَع منه. قال: وكان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ فما مَثَلُ الأرضِ يومَئِذٍ إلا كمَثَلِ بيتٍ أُوقِد فيه ليس فيه خَصاصةٌ (٣).
حدَّثني عصامُ بنُ رَوَّادِ بن الجُرَّاحِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ الثوريُّ، قال: ثنا منصورُ بنُ المعتمرِ، عن رِبْعيِّ بن حِراشٍ، قال: سمعتُ حُذيفةَ بنَ اليمانِ يقولُ: قال رسولُ الله ﷺ : "أوّلُ الآياتِ الدَّجَّالُ، ونُزُولُ عيسى ابن مريمَ،
стр. 14079
ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنِ أَبْيَنَ، تَسُوقُ الناسَ إلى الْمَحشَرِ، تَقِيلُ معهم إذا قالوا، والدُّخانُ". قال حذيفةُ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الدُّخانُ؟ فتلا رسولُ اللَّهِ ﷺ الآيةَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ - يملأُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، يَمكُثُ أربعينَ يومًا وليلةً؛ أما المؤمنُ فيصيبُه منه كهيئةِ الزُّكام، وأما الكافرُ كمنزلةِ السَّكرانِ يخرُجُ مِن مَنْخَرَيْهِ وأُذُنَيْه ودُبُرِه" (١).
حدَّثني محمدُ بن عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن عياشٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى ضَمْضَمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شريح بن عُبيد، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنّ ربَّكم أنْذَركم ثلاثًا؛ الدُّخانُ يأخذُ المؤمنَ كالزَّكْمَةِ، ويأخذُ الكافرَ فيَنْتَفِخُ حتى يخرُجَ مِن كُلَّ مِسْمَعٍ منه، والثانيةُ الدَّابَّةُ، والثالثةُ الدَّجَّالُ" (٢).
وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوى عن ابن مسعودٍ، من أنّ الدُّخانَ الذي أمر اللَّهُ نبيِّه ﷺ أن يرتقبَه، هو ما أصاب قومَه من الجَهْدِ بدعائِه عليهم، على ما وصفه ابن مسعودٍ مِن ذلك، إن لم يكنْ خبرُ حذيفةَ الذي ذكَرْناه عنه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيحًا، وإن كان صحيحًا، فرسولُ اللَّهِ ﷺ أعلم بما أنزَل الله عليه، وليس لأحدٍ مع قولِه الذي يَصِحُّ عنه قولٌ.
وإنما لم أشهدْ له بالصِّحةِ؛ لأن محمدَ بنَ خلفٍ العسقلانيَّ حدَّثني أنه سأل روّادًا عن هذا الحديثِ، هل سمِعه من سفيانَ؟ فقال له: لا. فقلتُ له: فقرأْتَه
стр. 14080
عليه؟ فقال: لا. فقلتُ له: فقُرئَ عليه وأنت حاضرٌ فأَقرَّ بِهِ؟ فقال: لا. فقلتُ له: فمن أين جئتَ به؟ قال: جاءني به قومٌ فعرَضوه عليّ، وقالوا لي: اسمعْه منا. فقرءُوه عليَّ، ثم ذهبوا، فحدَّثوا به عنى. أو كما قال، فلِمَا ذكَرْتُ من ذلك لم أشهدْ له بالصِّحةِ.
وإنما قلتُ: القولُ الذي قاله عبد الله بن مسعودٍ هو أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤه توعد بالدُّخَانِ مشركي قريشٍ، وأن قوله لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. في سياقِ خطابِ اللَّهِ كفارِ قريشٍ وتقريعه إياهم بشركهم بقولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٨، ٩]. ثم أَتْبع ذلك قولَه لنبيِّه ﵊: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ - أمرًا منه له بالصبر إلى أن يأتيهم بأشه، وتهديدا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدا لهم قد أحَلَّه بهم، أشبه مِن أنْ يكونَ أَخَرَه عنهم لغيرهم.
وبعد، فإنه غيرُ مُنكَرٍ أن يكونَ أحلَّ بالكفارِ الذين توعَّدهم بهذا الوعيدِ ما توعَّدهم، ويكونَ مُحِلًّا فيما يُستأنف بعد بآخرين دُخَانًا، على ما جاءت به الأخبارُ عن رسول الله ﷺ عندَنا كذلك؛ لأن الأخبارَ عن رسولِ الله ﷺ قد تَظَاهَرَتْ بأن ذلك كائنٌ، فإنه قد كان ما رَوى عنه عبدُ اللَّهِ بن مسعودٍ، فكلا الخبَرين اللذَين رُويا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيح. وإن كان تأويلُ الآيةِ في هذا الموضعِ ما قلنا.
فإذ كان الذي قلنا في ذلك أولى التأويلينِ، فبيِّنٌ أن معناه: فانتظر يا محمدُ لمشركي قومِك يومَ تأتيهم السماءُ مِن البلاء الذي يحُلُّ بهم على كفرِهم، بمثلِ الدُّخان المُبِيِن لمن تأمَّله أنه دُخانٌ.
﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾. يقولُ: يغشى أبصارَهم من الجَهْدِ الذي يُصِيبُهم،
стр. 14081
﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يعنى أنهم يقولون مما ينالُهم من ذلك الكربِ والجَهْدِ: هذا عذابٌ أليمٌ. وهو الموجعُ، وتُرِك من الكلامِ "يقولون"، اسْتِغْناءً بمعرفةِ السامعين معناه مِن ذكرِها.
وقولُه: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ﴾. يعنى أن الكافرين الذين يُصيبُهم ذلك الجَهْدُ يَضْرعون إلى ربِّهم، بمسْألتِهم إياه كشفَ ذلك الجَهْدِ عنهم، ويقولون: إنك إنْ كشَفْتَه عنا آمنّا بك وعبَدناك من دونِ كلِّ معبودٍ سواك. كما أخبَر عنهم جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: مِن أيِّ وجهٍ لهؤلاء المشركين التَّذكُّرُ (١) مِن بعدِ نزولِ البلاءِ بهم، وقد تولَّوا عن رسولِنا حينَ جاءهم، مُدبِرين عنه، لا يتذكَّرون بما يُتلى عليهم مِن كتابِنا، ولا يتَّعِظون بما يعظُهم به مِن حُجَجنا، ويقولون: إنما هو مجنونٌ عُلِّم (٢) هذا الكلامَ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولهِ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
стр. 14082
في قولِه: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: كيف لهم (١)؟
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾: بعدَ وقوعِ هذا البلاءِ (٢).
وبنحوِ الذي قلنا أيضًا في قولِه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ قَالَ أَهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾. قال: تولُّوا عن محمدٍ ﵇، وقالوا: معلَّمٌ مجنونٌ (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المشركين الذين أخبَر عنهم أنهم يستغيثون به مِن الدُّخانِ النازلِ، والعذابِ الحالِّ بهم مِن الجَهْدِ، وأخبَر عنهم أنهم يعاهِدونه أنه إن كشف العذابَ عنهم آمنوا: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾. يعنى: الضرِّ النازلِ بهم، بالخِصْبِ الذي نُحدثُه لهم قليلًا، ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. يقولُ: إنكم أيُّها المشركون إذا كشَفْتُ عنكم ما بكم من ضرٍّ، لم تفُوا بما تعِدون وتعاهِدون عليه ربَّكم من الإيمانِ، ولكنَّكم تعوُدون في ضلالِكم وغيِّكم، كما كنتم قبلَ أن يُكْشَفَ عنكم.
стр. 14083
وكان قتادةَ يقولُ: معناه: إنكم عائدون في عذابِ اللهِ. حدَّثنا بذلك ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عنه (١).
وأما الذين قالوا: عُنِى بقولِه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾. الدخانُ نفسُه. فإنهم قالوا في هذا الموضعِ: عُنِى بالعذابِ الذي قال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾. الدخانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾. يعنى: الدُّخانِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾. قال: قد فعَل، كشَف الدُّخانَ حينَ كان. قولَه: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾. قال: كُشِف عنهم فعادوا.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾: إلى عذاب اللَّهِ (١).
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾.
стр. 14084
يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المشركون إن كشفْتُ عنكم العذابَ النازلَ بكم، والضرَّ الحالَّ بكم (١)، ثم عُدتم في كفركِم، ونقَضْتم عهدَكم الذي عاهَدْتم ربَّكم، انتقمْتُ منكم يومَ أبطشُ بكم بَطْشتى الكبرى في عاجلِ الدنيا، فأُهلِكُكم. وكشَف الله عنهم، فعادوا، فبطَش بهم جلّ ثناؤُه بطشته الكبرى في الدنيا، فأهلكهم قتلًا بالسيفِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في البطشةِ الكبرى؛ فقال بعضُهم: هي بطشةُ الله بمشركي قريشٍ يومَ بدرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنى ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال: البطشة الكبرى يومَ بدرٍ.
حدَّثني عبد الله بن محمد الزهريُّ، قال: ثنا مالكٍ بنُ سُعيرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال [عبدُ اللهِ] (٢): يومَ بدرٍ، يومَ البطشةِ الكبرى (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا أيوب، عن محمد، قال: نُبِّئتُ أنّ ابن مسعودٍ كان يقولُ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يومَ بدرٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يومَ بدرٍ.
стр. 14085
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إ﴾. قال: يومَ بدرٍ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن عوفٍ، قال: سمِعتُ أبا العاليةِ في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: يومَ بدرٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾. قال: يعنى يومَ بدرٍ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قلتُ: ما (٤) البطشة الكبرى؟ قال: يومَ القيامةِ. فقلتُ: إنّ عبد الله كان يقولُ: يومَ بدرٍ. قال: فبلَغني أنه سُئِل بعدُ، فقال: يومَ بدرٍ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ بنحوِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الخليلِ، عن مجاهدٍ، عن أبي بن كعبٍ، قال: يومَ بدرٍ (٥).
стр. 14086
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾: يومَ بدرٍ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: هذا يومَ بدرٍ (٢).
وقال آخرون: بل هي بطشةُ اللهِ بأعدائهِ يومَ القيامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: ثنا خالدٌ الحذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: قال ابن عباسٍ: قال ابن مسعودٍ: البطشةُ الكبرى يومَ بدرٍ. وأنا أقولُ: هي يوم القيامةِ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنَ إدريسَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، قال: مرَّ بي عكرمةَ، فسأْلتُه عن البطشةِ الكبرى، فقال: يومَ القيامةِ. قال: قلتُ: إن عبد الله بن مسعودٍ كان يقولُ: يومَ بدرٍ. وأخبَرني مَن سأله بعدُ، فقال: يومَ بدرٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾. قال قتادةُ عن الحسنِ: إنه يومُ القيامةِ (٥).
стр. 14087
وقد بيَّنا الصواب في ذلك فيما مضَى، والعلةَ التي من أجلها اختَرْنا ما اختَرْنا من القولِ فيه (١).
وقولُه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾. يعنى تعالى ذكره: ولقد اختبَرْنا وابتلَينْا يا محمدُ قبل مشركي قومِك مثالَ (٢) هؤلاء؛ قومَ فرعونَ مِن القبطِ، ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. يقولُ: وجاءَهم رسولٌ من عندِنا أرسَلناه إليهم، وهو موسى بنُ عمران صلواتُ اللَّهِ عليه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾: يعني موسى.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. قال: موسى ﵇ (٣).
ووصَفه جلّ ثناؤُه بالكرمِ لأنه كان كريمًا عليه، رفيعًا عندَه مكانُه. وقد يجوزُ أن يكونَ وصَفه بذلك لأنه كان في قومِه شريفًا وسيطًا.
وقولُه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء قومَ فرعونَ رسولٌ من الله كريمٌ عليه بأن ادفعوا إليَّ. ومعنى ﴿أَدُّوا﴾: ادفَعوا إليَّ، فأَرِسلوا معى واتبعونِ. وهو نحوُ قولِه: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي
стр. 14088
إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]. فـ ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾. نَصْبٌ، ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ نُصِب بقولِه: ﴿أَدُّوا﴾. وقد تأوَّله قوم: أن أدّوا إليَّ يا عبادَ اللَّهِ. فعلى هذا التأويلِ ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ نَصْبٌ على النداءِ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. قال: يقولُ: اتَّبِعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحقِّ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال: أَرْسِلوا معى بنى إسرائيل (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ قال: بنى إسرائيلَ (٣)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ
стр. 14089
اللَّهِ﴾: يعني به (١) بنى إسرائيلَ، قال لفرعونَ: علامَ تَحْبِسُ هؤلاء القوم؟ قومًا أحرارًا اتَّخذتهم عبيدًا، خَلِّ سبيلَهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال: يقولُ: أَرْسِلْ عبادَ اللهِ معى. يعنى بني إسرائيلَ. وقرَأ: ﴿فَأَرْسِلْ (٢) مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]. قال: ذلك قولُه: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾. قال: وَدِّهم إلينا (٣).
وقولُه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. يقولُ: إني لكم أيُّها القومُ رسولٌ مِنَ اللَّهِ، أرسلنى إليكم؛ لا يُدركُكم (٤) بأسه على كفرِكم به، ﴿أَمِينٌ﴾. يقولُ: أمينٌ على وحيِه ورسالتِه التي أوفَدنيها (٥) إليكم.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجاءهم رسولٌ كريمٌ: أن أدّوا إليَّ عبادَ الله، وبأنْ لا تَعْلوا على اللَّهِ.
وعُنِى بقولِه: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾: ألا تَطْغَوا وتَبْغُوا على ربِّكم، فتكفروا به وتعصُوه، فتُخالفوا أمرَه، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: إني آتيكم بحجةٍ على حقيقةِ ما أدعوكم إليه، وبرهانٍ على صحتِه، مُبينٍ لمن تأمَّلها وتدبَّرها أنها
стр. 14090
حجةٌ لي على صحةِ ما أقولُ لكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. أي: لا تَبْغُوا على اللَّهِ، ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. أي: بعذرٍ مُبينٍ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: لا تَفْتَرُوا على الله (٢).
وقولُه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. يقولُ: وإنى اعتصمتُ بربِّي وربِّكم، واستجَرْتُ به منكم أن ترجمونِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرَّجُمِ الذي استعاذه موسى نبيُّ اللَّهِ ﵇ بربِّه منه؛ فقال بعضُهم: هو الشَّتْمُ باللسان.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: يعنى رَجْمَ
стр. 14091
القولِ (١).
حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عثمانُ بن عمرَ بن فارسٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: الرَّجمُ بالقول (٢).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: أن تقولوا: هو ساحرٌ.
وقال آخرون: بل هو الرَّجمُ بالحجارةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. أي: أن ترجُمونِ بالحجارةِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾. قال: أن ترجُمونى بالحجارة (٣).
وقال آخرون: بل عُنى بقولِه: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾: أن تقتُلوني.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما دلَّ عليه ظاهرُ الكلام، وهو أنَّ موسى
стр. 14092
﵇ استعاذ باللهِ من أن يرجُمَه فرعونُ وقومُه، والرَّجُمُ قد يكونُ قولًا باللسانِ، وفعلًا باليدِ. والصوابُ أن يقالَ: استعاذ موسى بربِّه بربه مِن كلِّ معاني رجْمِهم، الذي يصلُ منه إلى المرجومِ أذًى ومكروهٌ؛ شتمًا كان ذلك باللسانِ، أو رجمًا بالحجارةِ باليدِ.
وقولُه: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيل نبيِّه موسى ﵇ لفرعونَ وقومه: وإنْ أنتم أيُّها القومُ لم تُصدِّقونى على ما جئتُكم به من عندِ ربِّي، ﴿فَاعْتَزِلُونِ﴾. يقولُ: فخلُّوا سبيلي غيرَ مرْجومٍ باللسانِ ولا باليدِ.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. أي: فخلّوا سبيلى (١).
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَدَعَا﴾ موسى ﴿رَبَّهُ﴾ إذ كذَّبوه ولم يؤمنوا به، ولم يؤدُّوا إليه عبادَ اللَّهِ، وهمُّوا بقتله، بـ ﴿أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾. يعني: فرعونَ وقومَه، ﴿قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾. يعنى: أنهم مشركون باللهِ كافرون.
وقولُه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾. وفي الكلام محذوفٌ استُغْنِىَ بدلالةِ ما ذُكر عليه منه، وهو: فأجابه ربُّه بأن قال له: ﴿فَأَسْرِ﴾ إذ كان الأمرُ كذلك ﴿بِعِبَادِي﴾. وهم بنو إسرائيلَ. وإنما معنى الكلامِ: فأَسْرِ بعبادى الذين صدَّقوك وآمَنوا بك
стр. 14093
واتَّبعوك، دونَ الذين كذّبوك منهم وأبَوْا قبولَ ما جئتهم به من النصيحةِ منك، وكان الذين كانوا بهذه الصفةِ يومَئذٍ بني إسرائيلَ، وقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾؛ لأن معني ذلك: سِرْ بهم بليلٍ قبلَ الصباحِ.
وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. يقولُ: إن فرعون وقومه من القِبْطِ مُتَّبِعوكم إذا شَخَصْتم (١) عن بلدِهم وأرضِهم، في آثارِكم.
وقولُه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: وإذا قطعتَ البحرَ أنت وأصحابُك، فاترُكْه ساكنًا على حالِه التي كان عليها حينَ دخلْتَه. وقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال لموسى هذا القولَ بعدَ ما قطَع البحرَ ببني (٢) إسرائيلَ، فإذ كان ذلك كذلك ففى الكلامِ محذوفٌ، وهو: فسَرَى موسى بعبادى ليلًا، وقطَع بهم البحرَ، فقلنا له بعدَ ما قطَعه وأراد ردَّ البحر إلى هيئتِه التي كان عليها قبلَ انفلاقه: اتركْه رهْوًا.
ذكرُ مَن قال ما ذكَرْنا، مِن أَنَّ اللَّهَ قال لموسى هذا القولُ، بعد ما قطَع البحرَ بقومه (٣).
حدَّثنا بشرٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُون﴾ حتى بلَغ: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. قال: لما خرَج آخرُ بنى إسرائيلَ أراد نبيُّ اللَّهِ موسى ﵇ أن يضربَ البحر بعصاه حتى يعودَ كما كان؛ مخافةَ آلِ فرعونَ أن يُدركوهم، فقيل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾.
стр. 14094
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لما قطَع البحرَ، عطَف ليضربَ البحرَ بعصاه ليلتئِمَ، وخاف أن يتْبِعه فرعونُ وجنودُه، فقيل له: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ كما هو، ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ (١).
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الرهْوِ؛ فقال بعضُهم: معناه: اتركْه على هيئتِه وحالِه التي كان عليها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. يقولُ: سَمْتًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. قال: الرهْوُ: أن يُتْركَ كما كان، فإنهم لن (٣) يَخلُصوا مِن ورائِه (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا حميدٌ، عن إسحاقَ [بن عبدِ] (٥) اللهِ بن الحارثِ، عن أبيه، أن ابنَ عباسٍ سأل كعبًا عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: طريقًا (٦).
стр. 14095
وقال آخرون: بل معناه: اترُكْه سهلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: سهلًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: يقالُ: الرهْوُ السهلُ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني عُمارة، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ في قولِ اللهِ : ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: دَمِثًا.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: سهلًا دَمِثًا (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: هو السهلُ (٤).
وقال آخرون: بل معناه: واتركْه (٥) يَبَسًا جَدَدًا (٦).
стр. 14096
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: جَدَدًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: يابسًا كهيئتِه بعدَ أن ضربَه، يقولُ: لا تأمرْه يَرْجِعْ، اتركْه حتى يدخُلَ آخرُهم (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَهْوًا﴾. قال: طريقًا يَبَسًا (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾. قال: كما هو طريقًا يابسًا (٤).
وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: اتركْه على هيئتِه كما هو، على الحالِ التي كان عليها حينَ سلَكْتَه. وذلك أَنَّ الرهْوَ في كلامِ العربِ السكونُ، كما قال الشاعرُ (٥):
стр. 14097
كأنَّما أَهلُ حُجْرٍ يَنْظُرون متى … يَرَوْنَني خارِجًا طيرٌ ينادِيدُ (١)
طيرٌ رأَتْ بازيًا نَضْحُ (٢) الدماءِ بِهِ … وأمُّهُ (٣) خرجَتْ رهْوًا إلى عيدِ (٤)
يعني: على سكونٍ. وإذا كان ذلك معناه، كان لا شكَّ أنه متروكٌ سهلًا دَمِثًا، وطريقًا يَبَسًا؛ لأن بنى إسرائيلَ قطَعوه حينَ قطَعوه وهو كذلك، فإذا تُرِك البحرُ رهْوًا كما كان حينَ قطَعه موسى، ساكنًا لم يُهَج، كان لا شكَّ أنه بالصفةِ التي وصفْتُ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ فرعونَ وقومَه جندٌ اللَّهُ مُغْرِقُهم في البحرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: كم ترك فرعونُ وقومُه من القبطِ بعدَ مهلِكِهم وتغريقِ اللَّهِ إياهم من بساتينِ أشجارٍ (٥)، وهى الجناتُ، ﴿وَعُيُونٍ﴾. يعنى: ومنابعِ ماءٍ كان ينفجِرُ في جنانِهم.
﴿وَزُرُوعٍ﴾ قائمةٍ في مزارِعهم، وَ ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. يقولُ: ومَوضعٍ كانوا يقومونه، شريفٍ كريمٍ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى وصفِ اللَّهِ ذلك المقامَ بالكرمِ؛ فقال بعضُهم: وصَفه بذلك لشرفِه، وذلك أنه مَقامُ الملوكِ والأمراءِ، قالوا: وإنما أُريد به المنابرُ.
стр. 14098
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني جعفرُ بنُ ابنةِ إسحاقَ الأزرقِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ محمدٍ الثقفيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن أبيه، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. قال: المنابرِ (١).
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. قال: المنابرِ (١).
وقال آخرون: وُصِف ذلك المَقامُ بالكرمِ؛ لحسنِه وبهجتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: حسَنٍ (٢).
وقولُه: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُخْرِجوا مِن نَعْمَةٍ كانوا فيها فاكهين؛ مُتفكِّهين ناعمين.
واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَاكِهِينَ﴾ فقرَأ ذلك عامةُ قرأَةِ الأمصارِ خلا أبي جعفرٍ القارئ: ﴿فَاكِهِينَ﴾. على المعنى الذي وصَفت. وقرَأه أبو رجاءٍ العُطارديُّ، والحسنُ، وأبو جعفرٍ المدنيُّ: (فَكِهِينَ). بمعنى: أَشِرِين بَطِرِين (٣).
стр. 14099
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندى القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى ﴿فَاكِهِينَ﴾ بالألفِ، بمعنى: ناعمين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾: ناعمين. قال: إىْ واللَّهِ، أخرَجه اللَّهُ مِن جنانِه وعيونِه وزروعِه، حتى ورَّطه في البحرِ (١).
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا كما وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ، فعلنا بهؤلاءِ الذين ذكَرتُ لكم أمرَهم، الذين كذَّبوا رسولَنا موسى ﷺ .
وقولُه: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأورَثْنا جنانَهم وعيونَهم وزروعَهم ومقاماتِهم، وما كانوا فيه من النعمةِ - عنهم قومًا آخرين بعدَ مهلِكِهم. وقيل: عُنِى بالقومِ الآخرين بنو إسرائيلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾: يعنى بني إسرائيلَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا
стр. 14100
مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فما بكَت على هؤلاء الذين غرَّقهم اللَّهُ في البحرِ، وهم فرعونُ وقومُه، السماءُ والأرضُ. وقيل: إن بكاءَ السماءِ حمرةُ أطرافِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمَسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن الحكمِ بن ظُهيرٍ، عن السديِّ، قال: لما قُتل الحسينُ بنُ عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليهم بكَتِ السماءُ عليه، وبكاؤُها حمرتُها (١).
حدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بكاؤُها حمرةُ أطرافِها (٢).
وقيل: إنما قيل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾؛ لأن المؤمنَ إذا مات بكَت عليه السماءُ والأرضُ أربعين صباحًا، ولم يبكيا على فرعونَ وقومِه؛ لأنه لم يكنْ لهم عملٌ يصعَدُ إلى اللَّهِ صالحٌ فتبكيَ عليهمُ السماءُ (٣)، ولا مسجِدٌ في الأرضِ فتبكيَ عليهمُ الأرضُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ (٤).
стр. 14101
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلقُ بْنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أتَى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباسٍ، أرأَيتَ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. فهل تبكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟ قال: نعم، إنه ليس أحدٌ مِن الخلائقِ إلا له بابٌ في السماءِ، منه ينزلُ رزقُه، وفيه يصعَدُ عملُه، فإذا مات المؤمنُ فأُغلِق بابُه مِن السماءِ الذي كان يصعدُ عملُه وينزلُ منه رزقُه، بكَى عليه، وإذا فقَده مُصلَّاهُ مِن الأرضِ التي كان يُصلِّى فيها ويذكرُ اللَّهِ فيها، بكَت عليه، وإنّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ آثارٌ صالحةٌ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، قال: فلم تَبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: تَبْكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (٣).
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن
стр. 14102
مجاهدٍ، قال: حدَّثتُ أنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعينَ صباحًا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ بنُ أَبي السَّميطِ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: إن بقاعَ الأرضِ التي كان يصعَدُ عملُه منها إلى السماءِ، تَبْكى عليه بعدَ موتِه، يعنى المؤمنَ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: إنه ليس أحدٌ إلا له بابٌ في السماءِ ينزلُ فيه رزقُه، ويصعَدُ فيه عملُه، فإذا فُقِد بكَت عليه مواضعُه التي كان يسجُدُ عليها، وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ عملٌ صالحٌ يُقْبَلُ منهم فيصعَدَ إلى اللَّهِ . فقال مجاهدٌ: تَبْكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يُقالُ: إِنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعين صباحًا.
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن شريحِ بن عُبيدٍ الحضرميِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الإسلامَ بدَأ غريبًا، وسيعودُ غريبًا، أَلَا لا غُربة على المؤمنِ، ما مات مؤمنٌ في غُربةٍ غابت عنه فيها بَواكِيه، إلا بكَت عليه السماءُ والأرضُ". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ". ثم قال: "إنهما لا يَبْكيان على الكافرِ" (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 14103
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية. قال: ذلك أنه ليس على الأرضِ مؤمنٌ يموتُ إلا بكَى عليه ما كان يُصلِّى فيه مِن المساجدِ حينَ يفقِدُه، وإلا بكَى عليه من السماءِ الموضعُ الذي كان يُرفَعُ منه كلامُه، فذلك قولُه لأهلِ معصيتِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾؛ لأنهما يبكيان على أولياءِ اللَّهِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٢).
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. يقولُ: لا تَبْكى السماءُ والأرضُ على الكافرِ، وتَبْكى على المؤمنِ الصالحِ معالُمه مِن الأرضِ، ومقرُّ عملِه مِن السماءِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بِقاعُ المؤمنِ التي كان يُصلَّى عليها مِن الأرضِ تَبْكى عليه إذا مات، وبقاعُه من السماءِ التي كان يُرفعُ فيها عملُه (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سُئِل ابن عباسٍ: هل تَبْكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟ فقال: نعم، إنه
стр. 14104
ليس أحدٌ مِن الخَلْقِ إلا له بابٌ في السماءُ يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رزقُه، فإذا مات بكَى عليه مكانُه مِن الأرضِ الذي كان يذكُرُ اللَّهِ فيه ويُصلِّى فيه، وبكَى عليه بابُه الذي كان يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رزقُه، وأما قومُ فرعونَ فلم يكنْ لهم آثارٌ صالحةٌ، ولم يصعَدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، فلم تبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ (١).
وقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا مؤخَّرين بالعقوبةِ التي حلَّت بهم، ولكنهم عُوجِلوا بها إذ أسْخَطوا ربَّهم عليهم.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ مِن العذابِ الذي كان فرعونُ وقومُه يعذِّبونهم به ﴿الْمُهِينِ﴾.
يعني: المذلِّ لهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: يُقَتَّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم.
وقولُه: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ من العذابِ مِن فرعونَ.
فقولُه: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾. مكرَّرةٌ على قولِه: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
مُبْدَلَةٌ مِن ﴿مِنَ﴾ الأولى.
ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: إنه كان جبَّارًا مستعليًّا
стр. 14105
مستكبرًا على ربِّه، ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يعنى: مِن المتجاوِزين ما ليس لهم تجاوزُه. وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه أنه كان ذا اعتداءِ في كفرِه، واستكبارٍ (١) على ربِّه جلَّ ثناؤُه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد اختَرْنا بني إسرائيلَ على علمٍ منَّا بهم، على عالَمى (٢) أهلِ زمانِهم يومَئذٍ، وذلك زمانَ (٣) موسى ﵇.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. أي: اختيروا على أهلِ زمانِهم ذلك، ولكلِّ زمانٍ عالَمٌ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: عالَمِ ذلك الزمانِ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 14106
قولَه: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: على مَن هم بينَ ظَهْرَانَيه (١).
قولُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأعطَيْناهم مِن العِبَرِ والعِظاتِ ما فيه اختبارٌ يَبِينُ لمن تأمَّله أنه اختبارٌ اختبَرهم اللَّهُ تعالى به.
واختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك البلاءِ؛ فقال بعضُهم: ابتلاهم بنعَمِه عندَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾: أنجَاهم اللَّهُ من عدوِّهم، ثم أقطَعهم البحرَ، وظلَّل عليهم الغمامَ وأنزَل عليهم المنَّ والسلوى (٢).
وقال آخرون: بل ابتلاهم بالرخاءِ والشدَّةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾. وقرأ: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]. وقال: بلاءٌ مُبِينٌ لمن آمن بها وكفَر بها، بَلْوى نبتليهم بها؛ نُمحِّصُهم، بَلْوى اختبارٍ نختبرُهم بالخيرِ والشرِّ، نختبرُهم لننظُرَ
стр. 14107
فيما أتاهم مَن الآياتِ مَن يؤمنُ بها وينتفِعُ بها ويضيِّعُها (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أنه آتى بنى إسرائيلَ مِن الآيات ما فيه ابتلاؤُهم واختبارُهم، وقد يكونُ الابتلاءُ والاختبارُ بالرخاءِ، ويكونُ بالشدَّةِ، ولم يضَعْ لنا دليلًا مِن خبرٍ ولا عقلٍ أنه عَنى بعضَ ذلك دونَ بعضٍ، وقد كان اللَّهُ اختبرَهم (٢) بالمعنَيَيْن كليهما جميعًا، وجائزٌ أن يكونَ عَنى اختبارَه (٣) إياهم بهما. فإذ كان الأمرُ على ما وصفْنا، فالصوابُ مِن القولِ فيه أن نقولَ كما قال جلَّ ثناؤُه: إِنَّه اختبَرهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ مشرِكي قريشٍ لنبيِّ (٤) اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هؤلاء المشرِكين من قومِك يا محمدُ ليقولون:
ما هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى التي نموتُها، وهى الموتةُ الأولى، فما نحن بمُنْشرين بعدَ مماتِنا، ولا بمبعوثين. تكذيبًا منهم بالبعثِ والثوابِ والعقابِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾. قال: قد قال
стр. 14108
مشرِكو (١) العربِ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾. أي: بمبعوثين (٢).
وقولُه: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا لمحمدٍ ﵊: فأتوا بآبائِنا الذين قد ماتوا، إن كنتم صادقين أنَّ الله باعثُنا من بعدِ بِلانا في قبورِنا، ومُحْيِينا من بعدِ مماتِنا. وخُوطِب ﷺ هو وحده خطابَ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. وكما قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]. وقد بيَّنتُ ذلك في غيرِ موضعٍ من كتابِنا (٣).
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : أهؤلاء المشرِكون يا محمدُ من قومِك خيرٌ، ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. يعنى: تُبَّعًا الحِمْيَرِيَّ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾. قال: الحِمْيَرِيِّ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾: ذُكِر لنا أن تُبَّعًا كان رجلًا من حِمْيَرَ، سارَ بالجيوشِ حتى حيَّر الحِيرةَ، ثم أتَى سَمَرْقَند فهدَمها. وذُكِر لنا أنه كان إذا كَتَب كتَب: باسمِ الذي تسمَّى، وملَك
стр. 14109
برًّا وبحرًا، وصَحًا (١) وريحًا. وذُكِر لنا أن كعبًا كان يقولُ: نُعِت نَعْتَ الرجلِ الصالحِ، ذمَّ اللَّهِ قومَّه ولم يَذُمَّه. وكانت عائشةُ تقولُ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا، فإنَّه كان رجلًا صالحًا (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت عائشةُ: كان تُبَّعٌ رجلًا صالحًا. وقال كعبٌ: ذم اللَّهِ قومَه ولم يَذُمَّه (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن، ثورٍ، عن معمرٍ، عن تميمِ بن عبدِ الرحمنِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن تبَّعًا كسا البيتَ. ونهَى سعيدٌ عن سبِّه (٤).
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أهؤلاء المشرِكون من قُريشٍ [خيرٌ أم] (٥) قومُ تُبَّعٍ والذين من قبلِهم من الأممِ الكافرةِ بربِّها؟ يقولُ: فليس هؤلاء بخيرٍ من أولئك فنَصْفَحَ عنهم ولا نُهْلِكَهم، وهم باللَّهِ كافرون، كما كان الذين أَهْلَكْنا من الأممِ قبلَهم كفارًا.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: إن قومَ تُبَّعٍ والذين من قبلِهم من الأممِ الذين أَهْلَكناهم؛ إنما أهلَكْناهم لإجرامِهم، وكفرِهم بربِّهم.
وقيل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. فكُسِرت أَلفُ "إن" على وَجْهِ الابتداءِ وفيها
стр. 14110
معنى الشرطِ، استغناءً بدلالةِ الكلامِ على معناها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما خَلَقْنا السماواتِ السبعَ والأرَضِين وما بينَهما من الخلقِ لعِبًا.
وقولُه: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. يقولُ: ما خلَقْنا السماواتِ والأرضَ إلا بالحقِّ الذي لا يَصْلُحُ التدبيرُ إلا به.
وإنما يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه التنبيهَ على صحةِ البعثِ والمجازاةِ، يقولُ تعالى ذكرُه: لم نَخْلُقِ الخلقَ عَبَثًا، بأن نُحدِثَهم فنُحْيِيَهم ما أردنا، ثم نُفْنِيَهم من غيرِ الامتحانِ بالطاعةِ والأمرِ والنهيِ، من غيرِ مجازاةِ المطيعِ على طاعتهِ، والعاصى على المعصيةِ، ولكنَّا خَلَقْنا ذلك لنَبْتَلِىَ من أردنا امتحانَه من خلِقنا، بما شِئْنا من امتحانِه من الأمرِ والنهى، ولِنَجْزِيَ الذين أساءوا بما عمِلوا ولنَجْزِىَ الذين أحسَنوا بالحُسْنَى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولكن أكثرَ هؤلاء المشرِكين بالله، لا يَعْلَمون أنَّ اللَّهِ خلَق ذلك لهم، فهم لا يخافون على ما يَأْتون من سخَطِ اللَّهِ، عقوبةً، ولا يَرْجُون على خيرٍ إنْ فعَلوه، ثوابًا؛ لتكذيبِهم بالمعاد.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ يومَ فصلِ اللهِ القضاءَ بينَ خلقِه، بما أسلَفوا في دنياهم