← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

رسولُ اللَّهِ ﷺ فقلتُ له: رسولُ اللَّهِ؟ فقال: وما تُنْكِرُ؟ قال اللَّهُ : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦، ٧]. قال: ثم سألتُ صالحَ بنَ كيسانَ عنها، فقال لي: هل (١) سأَلتَ عنها أحدًا؟ فقلت: نعَمْ، قد سألتُ زيدَ بنَ أسلمَ. فقال: ما قال لك؟ فقلتُ: بل تُخْبِرُني ما تقولُ. فقال: [لأُخْبِرَنَّك برأيي الذي] (٢) عليه رأيي، فأخبِرْني ما قال لك. قلتُ: قال: يُرَادُ بهذا رسولُ اللَّهِ ﷺ . فقال: وما علمُ زيدٍ؟! واللَّهِ ما سنٌّ عاليةٌ، ولا لسانٌ فصيحٌ، ولا معرفةٌ بكلامِ العربِ، إنما يُرَادُ بهذا الكافرُ. ثم قال: اقرَأْ ما بعدَها يَدُلُّك على ذلك. قال: ثم سأَلتُ حسينَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، فقال لي مثلَ ما قال صالحٌ؛ هل سأَلت أحدًا؟ فأخبِرْني به. قلتُ: إني قد سأَلتُ زيدَ بنَ أسلمَ، وصالحَ بنَ كيسانَ. فقال: ما قالا لك؟ قلتُ: بل تُخْبِرُني بقولِك. قال لأُخْبِرَنَّك بقولي. فأَخبرتُه بالذي قالا (٣) لي، فقال: أُخالِفُهما جميعًا؛ يريدُ بهذا (٤) البرَّ والفاجرَ، قال اللَّهُ : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. قال: فانكشَف الغطاءُ عن البرِّ والفاجرِ، فرأَى (٥) كلٌّ ما يَصِيرُ إليه (٦). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾: يعني

стр. 14492

المشرِكين (١). وأولى الأقوالِ عندي في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بذلك البَرُّ والفاجرُ. لأن اللَّهَ أَتْبَع هذه الآياتِ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾. والإنسانُ في هذا الموضعِ بمعنى الناسِ كلِّهم، غيرَ مخصوصٍ منهم بعضٌ دونَ بعضٍ. فمعلومٌ إن كان ذلك كذلك أن معنى قولِه: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾: وجاءتك أيُّها الإنسانُ سكرةُ الموتِ بالحقِّ، ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. وإذا كان ذلك كذلك، كانت بينةً صحةُ ما قلنا. وقولُه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ له (٢): لقد كنتَ في غفلةٍ [في الدنيا] (٣) من هذا الذي عايَنت اليومَ أَيُّها الإنسانُ من الأهوالِ والشدائدِ، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. يقولُ: فجلَّينا ذلك لك، وأظهَرْناه لعينَيْك حتى رأَيتَه وعايَنتَه، فزالَت الغفلةُ عنك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وإن اختلَفوا في المقولِ ذلك له؛ فقال بعضُهم: المقولُ ذلك له الكافرُ. وقال آخرون: هو نبيُّ اللَّهِ ﷺ . وقال آخرون: هو جميعُ الخلقِ من الجنِّ والإنسِ.

стр. 14493

ذكرُ مَن قال: هو الكافرُ حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾: فذلك الكافرُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: للكافرِ، يومَ القيامةِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: في الكافرِ. ذكرُ مَن قال: هو نبيُّ اللَّهِ ﷺ حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال: هذا رسولُ اللَّهِ ﷺ ، قال: لقد كنتَ في غفلة من هذا الأمرِ يا محمدُ، كنتَ مع القومِ في جاهليَّتِهم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٣). قال أبو جعفرٍ ﵀: وعلى هذا التأويلِ الذي قاله ابنُ زِيدٍ، يجبُ أن يكونَ هذا الكلامُ خطابًا من اللَّهِ ولرسولِه ﷺ ؛ أنه كان في غفلةٍ في الجاهليةِ من هذا الدينِ الذي بعَثه به، فكشَف عنه غطاءَه الذي كان عليه في الجاهليةِ، فنفَذ بصرُه بالإيمانِ وتبيَّنه، حتى تقرَّر ذلك عندَه، فصار حادَّ البصرِ به.

стр. 14494

ذكرُ مَن قال: هو جميعُ الخلقِ من الجنِّ والإنسِ حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى يعقوبُ بنُ عبدِ الرحمنِ الزهريُّ، قال: سأَلتُ عن ذلك الحسينَ بنَ عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، فقال: يُريدُ به البرَّ والفاجرَ. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. قال: انكشَف الغطاءُ عن البرِّ والفاجرِ، فرأَى كلٌّ ما يَصِيرُ إليه (١) وبنحوِ الذي قلْنا في معنى قولِه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: الحياةُ بعدَ الموتِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾. قال: عايَن الآخرةَ (٣). وقولُه: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. يقولُ: فأنت اليومَ نافذُ البصرِ، عالمٌ بما كنتَ عنه في الدنيا في غفلةٍ. وهو من قولِهم: فلانٌ بصيرٌ بهذا الأمرِ. إذا كان ذا علمٍ به، و: له بهذا الأمرِ بصرٌ. أي علمٌ. وقد رُوِي عن الضحاكِ أنه قال: معنى ذلك: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: كلسانِ (٤) الميزانِ.

стр. 14495

وأحسَبُه أراد بذلك أن معرِفَته وعلمَه بما أسلَف في الدنيا شاهدُ عدلٍ عليه، فشبَّه بصرَه بذلك بلسانِ الميزانِ، الذي يُعدلُ به الحقُّ في الوزنِ، ويُعرَفُ مبلغُه الواجبُ لأهلِه، عما زاد على ذلك أو نقَص، فكذلك علمُ مَن وافى القيامةَ بما اكتسَب في الدنيا، شاهدُ عدلٍ (١) عليه كلسانِ الميزانِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وقال قرينُ هذا الإنسانِ الذي جاء ربَّه (٢) يومَ القيامةِ معه سائقٌ وشهيدٌ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾: الملَكُ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: هذا سائقُه الذي وكِّل به، وقرَأ: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾. وقولُه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ قَرينِ هذا الإنسانِ عندَ موافاتِه ربَّه به: ربِّ هذا ما لديَّ عتيدٌ. يقولُ: هذا الذي هو عندِي مُعَدٌّ محفوظٌ.

стр. 14496

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾. قال: والعتيدُ الذي قد أخَذه، وجاء به السائقُ والحافظُ معه جميعًا. وقولُه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. فيه متروكٌ استُغنِي بدلالةِ الظاهرِ عليه منه، وهو: يُقالُ: ألقِيا في جهنمَ. و (١) قال تعالى ذكرُه: أَلْقِيا. فأخرَج الأمرَ للقرينِ - وهو بلفظِ واحدٍ - مُخرَجَ خطابِ الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما: أن يَكونَ القرينُ بمعنى الاثنين، كالرسولِ والاسمِ الذي يكونُ بلفظِ الواحدِ في الواحد والتثنيةِ والجمعِ، فردَّ قولَه: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾. إلى المعنى. والثاني: أن يكونَ كما كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ (٢)؛ وهو أن العربَ تَأْمُرُ الواحدَ والجماعةَ بما تَأْمُرُ به الاثنين، فتَقولُ للرجلِ: ويلَك ارحَلَاها وازْجُراها. وذكَر أنه سمِعها من العربِ، قال: وأنشَدني بعضُهم (٣): فقلتُ لصاحِبي لا تَحْبِسانا … بِنَزْعِ أُصولِهِ واجتزَّ شِيحا قال: وأَنشَدني أبو ثَرْوانَ: فإن تَزْجُرَاني يابنَ عفانَ أَنْزَجِرْ … وَإِنْ تَدَعَاني أَحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا قال: ونرى (٤) أن ذلك منهم أن الرجلَ أدنى أعوانِه في إبلِه وغنمِه اثنان،

стр. 14497

وكذلك الرُّفْقةُ أدنى ما تكونُ ثلاثةً، فجرى كلامُ الواحدِ على صاحِبَيْه (١). وقال: ألا ترَى الشعراءَ أكثرَ شيءٍ قِيلًا: يا صاحِبَيَّ، يا خَليلَيَّ. وقال امرُؤ القيسِ (٢): خَلِيلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ … نُقَضِّ لُباناتِ الفؤادِ المعذَّبِ ثم قال: ألم [تَرَ أني] (٣) كُلَّما جئتُ طارِقًا … وجَدتُ بها طِيبًا وإن لم تَطَيَّبِ فرجَع إلى الواحدِ، وأوّلُ الكلامِ اثنان. قال: وأنشَدني بعضُهم (٤): خَلِيلَيَّ قُومَا في عَطالةَ فانظُرَا … أنارًا (٥) ترَى مِن [نحوِ بابَيْنِ] (٦) أَمْ بَرْقا وبعضُهم يَرْوِي: أنارًا نَرَى؟ ﴿كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾. يعني: كلَّ جاحدٍ وحدانيةَ اللَّهِ، ﴿عَنِيدٍ﴾: وهو العاندُ (٧) عن الحقِّ وسبيلِ الهدى. وقولُه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. كان قتادةَ يقولُ في "الخيرِ" في هذا الموضعِ: هو الزكاةُ المفروضةُ.

стр. 14498

حدَّثنا بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ (١). والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنه كلُّ حقٍّ وجَب للَّهِ، أو لآدميٍّ في مالِه. و"الخيرُ" هو المالُ في هذا الموضِع. وإنما قلْنا ذلك هو الصوابُ من القولِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه عمَّ بقولِه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. الخبرَ (٢) عنه، أنه يَمْنَعُ الخَيْرَ، ولم يَخْصُصْ منه شيئًا دونَ شيءٍ، فذلك على كلِّ خيرٍ يُمْكِنُ منعُه طالبَه. وقولُه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. يقولُ: مُعْتَدٍ على الناسِ بلسانِه بالبَذاءِ والفحْشِ في المنطقِ، وبيدِه بالسطوةِ والبطشِ ظلمًا. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: مُعتدٍ في منطقِه وسيرتِه وأمرِه (٣). وقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾ يعني: شاكٍّ في وحدانيةِ اللَّهِ وقُدرتِه على ما يَشَاءُ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مُرِيبٍ﴾: أي شاكٍّ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: الذي أشرَك باللَّهِ فعبَد معه معبودًا آخرَ من خلقِه، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. يقولُ: فألقياه في عذابِ

стр. 14499

جهنمَ الشديدِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال قرينُ هذا الإنسانِ الكَفَّارِ المنَّاعِ للخيرِ، وهو شيطانُه الذي كان مُوكَّلًا به في الدنيا. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه شيطانُه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾. قال: الشيطانُ قُيِّض له (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾: هو المشركُ، ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه الشيطانُ (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: وهو الشيطانُ (٤). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

стр. 14500

الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه شيطانُه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال قرينُه من الجنِّ: ربَّنا ما أطغيتُه. تبرَّأَ منه. وقولُه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. يقولُ: ما أنا جعَلتُه طاغيًا مُتَعدِّيًا إلى ما ليس له. وإنما يَعْني بذلك الكفرَ باللَّهِ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: ولكن كان في طريقٍ جائرٍ عن سبيلِ الهدى جَوْرًا بعيدًا. وإنما أخبر تعالى ذكرُه هذا الخبرَ عن قولِ قرينِ الكافرِ له يومَ القيامةِ؛ إعلامًا منه عبادَه تَبرُّؤَ بعضِهم من بعضٍ يومَ القيامةِ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: تبرَّأَ منه (٢). وقولُه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ لهؤلاء المشرِكين الذين وصَف صفتَهم وصفةَ قرنائِهم من الشياطينِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ اليومَ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾ في الدنيا قبلَ اختصامِكم هذا، ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ لمن كفَر بي وعصَاني، وخالَف أمْري ونَهيي في كتبي وعلى ألسنِ رُسُلي. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرٍ، قال: ثنا جعفرٌ،

стр. 14501

قال: سمِعتُ أبا عمران يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: بالقرآنِ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. قال: إنهم اعتَذروا بغيرِ عذرٍ، فأبطَل اللَّهُ حجتَهم، وردَّ عليهم قولَهم (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: يقولُ: قد أمرتُكم ونهَيتُكم. قال: هذا ابنُ آدمَ وقرينُه من الجنِّ. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: قلتُ لأبي العاليةِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. [أحسَبُه أنا] (٢) قال: هم أهلُ الشركِ. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. قال: هم أهلُ القبلةِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِه للمشرِكين وقُرَنائِهم من الجنِّ يومَ القيامةِ، إذ (٤) تبرَّأَ بعضُهم من بعضٍ: ما يُغَيَّرُ القولُ الذي (٥) قلتُه لكم في

стр. 14502

الدنيا، وهو قولُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، ولا قضائي الذي قضَيتُه فيهم فيها. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾: قد قضَيْتُ ما أنا قاضٍ (١) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. قال: قد قضَيْتُ ما أنا قاضٍ. [وقولُه] (٢): ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. يقولُ: ولا أنا بمعاقبٍ أحدًا من خَلْقي بجرمِ غيرهِ، ولا حاملٍ على أحدٍ منهم ذنبَ غيرِه، فمُعَذِّبِه به. وقولُه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾. يقولُ: وما أنا بظلَّامٍ للعبيدِ في يومِ نقولُ لِجهنَّمَ: هل امتلأتِ؟ وذلك يوم القيامةِ، "ويومَ نقولُ" من صلةِ "ظلَّامٍ". وقال تعالى ذكرُه لجهنم يومَ القيامةِ: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾؟ لما سبَق من وعدِه إيَّاها أنه يَمْلَؤُها من الجِنَّةِ والناسِ أجمعين. وأما قولُه: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ (٣) اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: ما من مزيدٍ. قالوا: وإنما يقولُ اللَّهُ لها جلَّ ثناؤه: هل امتلأتِ بعدَ أن يَضَعَ قدمَه فيها، فيَنْزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَطْ، قَطْ. من تَضَايُقِها، فإذا قال لها وقد صارت كذلك: هل امتلأتِ؟ قالت حينَئذٍ: هل من

стр. 14503

مزيدٍ؟ أي: ما من مزيدٍ. لشدَّةِ امتلائِها، وتضايُقِ بعضِها إلى بعضٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. قال ابنُ عباسٍ: إنَّ اللَّهَ الملكَ ﵎ قد سبَقت كلمتُه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. فلما بُعِث الناسُ وأُحْضِروا، وسِيقَ أعداءُ اللَّهِ إلى النارِ زُمَرًا، جعَلوا يَقْتَحِمون في جهنمَ فوجًا فوجًا، لا يُلْقَى في جهنمَ شيءٌ إلا ذهَب فيها، ولا يَمْلَؤُها شيءٌ. قالت: ألستَ قد أقْسَمتَ لتَملأنِّي من الجِنَّةِ والناسِ أجمعين؟ فوضَع قدمَه عليها (١)، فقالت حينَ وضَع قدمَه عليها (٢): قَدْ، قَدْ، فإني قد امتلأتُ، فليس فيَّ (٣) مزيدٌ. ولم يَكُنْ يَمْلَؤُها شيءٌ، حتى وجَدت مسَّ ما وُضِع عليها، فتضايَقت حينَ (٤) جعَل عليها ما جعَل فامتلأت، فما فيها موضعُ إبرةٍ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. قال: وعَدها اللَّهُ ليَملأنَّها، فقال: [هل أَوفَيْتُكِ] (٦)؟ قالت: وهل من مَسْلَكٍ (٧)؟

стр. 14504

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إِن اللَّهَ الملِكَ قد سبَقت منه كلمةٌ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾. لا يُلْقَى فيها شيءٌ إلا ذهَب فيها، لا يَمْلَؤُها شيءٌ، حتى إذا لم يَبْقَ من أهلِها أحدٌ إلا دخَلها، وهي لا يَمْلَؤُها شيءٌ، أتاها الربُّ فوضَع قدمَه عليها، ثم قال لها: هل امتلأتِ يا جهنمُ؟ فتقولُ: قَطْ، قَطْ، قد امتلأتُ، ملأتَني من الجنِّ والإنسِ فليس فيَّ (١) مزيدٌ. قال ابنُ عباسٍ: ولم يَكُنْ يَمْلَؤُها شيءٌ، حتى وجَدت مسَّ قدمِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، فتضايَقت، فما فيها موضِعُ إبرةٍ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: زِدْني، إنما هو: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. بمعنى الاستزادةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن (٢) ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: يُلْقَى في جهنمَ، [وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ ثلاثًا، حتى يَضَعَ قدمَه فيها، فينزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ] (٣)، فتقولُ: قَطْ، قَطْ. ثلاثًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾. لأنها قد امتَلأَتْ، وهل من مزيدٍ: هل بَقِي أحدٌ؟ قال: هذان الوجهان في هذا، واللَّهُ أعلمُ. قال: قالوا هذا وهذا.

стр. 14505

وأولى القولينِ في ذلك عندِي بالصوابِ قولُ مَن قال: هو بمعنى الاستزادةِ، هل من شيءٍ أُزادُه؟ وإنما قلْنا ذلك أولى القولينِ بالصوابِ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما حدَّثني أحمدُ بنُ المِقَدامِ العِجْليُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الطَّفَاوِيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامةِ، لم يَظْلِمِ اللَّهُ أحدًا من خلقِه شيئًا، ويُلْقَى في النارِ، تقولُ: هل من مَزِيدٍ. حتى يَضَعَ عليها قدمَه، فهنالك يَمْلَؤُها، ويُزْوَى بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَطْ، قَطْ" (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي يُحدِّثُ عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: ما تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يَضَعَ اللَّهُ عليها قدمَه، فتقولُ: قَدْ، قَدْ. وما يزالُ في الجنةِ فضلٌ حتى يُنْشِئَ اللَّهُ خلقًا، فيُسْكِنَه فضولَ الجنةِ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ وهشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنُ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ، قال: اختصَمت الجنةُ والنارُ، فقالت الجنةُ: ما لي إنما يَدْخُلُني فقراءُ الناسِ وسَقَطُهم؟ وقالت النارُ: ما لي إنما يَدْخُلُني الجبارون والمتكبِّرون؟ فقال: أنتِ رحمتي أُصِيبُ بكِ من أشاءُ، وأنتِ عذابي أُصِيبُ بك من أشاءُ، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها. فأما الجنةُ فإن اللَّهَ يُنْشِئُ لها من خلقِه ما شاء. وأما النارُ فيُلْقَون فيها، وتقولُ: هل من مَزيدٍ؟ ويُلْقَون فيها، وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يضَعَ فيها قدمَه، فهنالك (٣) تُملَأُ، ويُزْوَى

стр. 14506

بعضُها إلى بعضٍ، وتقول: قَطْ، قَطْ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [أيوبَ، عن] (٢) ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ قال: "احتجَّتِ الجنةُ والنارُ، فقالت الجنةُ: [يا ربِّ] (٣)، ما لي لا يَدْخُلُني إِلَّا فقراءُ الناسِ؟ وقالت النارُ: [يا ربِّ] (٣) ما لي لا يَدْخُلُني إلا الجبَّارون والمتكَبِّرون؟ فقال للنارِ: أنتِ عذابي أُصِيبُ بِكِ مَن أشاءُ، وقال للجنةِ: أنتِ رحمتي أُصِيبُ بكِ مَن أشاءُ، ولكل واحدةٍ منكما مِلؤُها (٤)؛ فأما الجنةُ فإن اللَّه يُنشِئُ لها ما شاءَ، وأما النارُ فيُلْقَونَ فِيها، وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يضعَ قدمَه فيها، [هنالك تَمْتَلئُ] (٥)، ويَنْزَوِي بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَطْ، قَطْ، قَطْ (٦) ". حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يزالُ جهنمُ يُلْقَى فيها، وتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يَضَعَ ربُّ العالمين قدمَه، فيَنْزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ، وتقولُ: قَدْ، قَدْ، بعزتِك

стр. 14507

وكرمِك. ولا يزالُ في الجنةِ فضلٌ حتى يُنشِئَ اللَّهُ لها خَلْقًا، فيُسْكِنَهم فضلَ الجنَّةِ" (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا أبانٌ العطارُ، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ ، قال: "لا تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ؟ [فيقولُ لها ربُّ العالمين، فيضعُ] (٢) فيها قدمَه، فيَنْزَوِيَ بعضُها إلى بعضٍ، فتقولَ: بِعزَّتِكَ قَطْ، قَطْ. وما يزالُ في الجنةِ فضلٌ حتى يُنْشِئَ اللَّهُ خَلْقًا فيُسْكِنَه في فُضولِ (٣) الجنةِ" (٤). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ الكلابيُّ، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ، قال: ما تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ؟ فذكَر نحوَه، غيرَ أنه قال: أو كما قال (٥). حدَّثنا زيادُ بنُ أيوبَ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ الخفَّافُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "احتجَّتِ الجنةُ والنارُ،

стр. 14508

فقالت النارُ: يَدْخُلُني الجبَّارون والمتكبِّرون. وقالت الجنةُ: يَدْخُلُني الفقراءُ والمساكينُ. فأوحَى اللَّهُ إلى الجنةِ: أنتِ رحمتي، أُصِيبُ بِكِ مَن أشَاءُ، وأوحَى إلى النارِ: أنتِ عذابي، [أَنْتَقِمُ بك ممن شِئتُ] (١)، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلْؤُها. فأما النارُ فتقولُ: هل من مزيدٍ؟ حتى يَضَعَ قدمَه فيها، فتقولُ: قَطْ، قَطْ" (٢). قال أبو جعفرٍ ﵀: ففي قولِ النبيِّ ﷺ : "لا تزالُ جهنمُ تقولُ: هل من مزيدٍ". دليلٌ واضحٌ على أن ذلك بمعنى الاستزادةِ لا بمعنى النفيِ؛ لأن قولَه "لا تزالُ" دليلٌ على اتصالِ قولٍ بعدَ قولٍ. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ [غَيْرَ بَعِيدٍ] (٣)﴾. وأدنِيَتِ الجنةُ وقرِّبت للذين اتَّقَوا ربَّهم، فخافوا عقوبتَه بأداء فرائضِه واجتنابِ معاصِيه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: وأُدنِيَت، غيرَ بعيدٍ (٤). وقولُه: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾. يقولُ: يُقالُ لهم: هذا الذي تُوعَدون أيُّها

стр. 14509

المتقون، أن تَدْخُلُوها وتَسْكُنوها. وقولُه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. يَعْني: لكلِّ رجّاعٍ (١) من معصيةِ اللَّهِ إلى طاعتِه، تائبٍ من ذنوبِه. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هو المسبِّحُ (٢). وقال بعضُهم: هو التائبُ. وقد ذكَرْنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه، غيرَ أنا نذكُرُ في هذا الموضعِ ما لم نَذْكُرْه هنالك (٣). حدَّثني سليمانُ بنُ عبد الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. قال: لكلِّ مُسَبِّحٍ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، قال: الأوّابُ المسبِّحُ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنى يحيى بنُ عبد الملكِ بنِ أبي غَنِيَّةَ (٥)، قال: ثنى أبي، عن الحكمِ بنِ عُتَيبةَ (٦) في قولِ اللَّهِ: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: هو الذاكرُ [اللَّهَ في الخلاءِ] (٧) (٨).

стр. 14510

[حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بنِ خبابٍ (١)، عن مجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: الذي] (٢) يَذْكُرُ ذنوبَه فيَسْتَغْفِرُ منها (٣). [حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن خارجةَ، عن عيسى الخياطِ (٤)، عن الشعبيِّ، قال: هو الذي يَذْكُرُ ذنوبَه في خلاءٍ فيَسْتَغْفِرُ منها] (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. أي (٦) مُطِيعٍ للَّهِ كثيرِ الصلاةِ (٧). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: الأوَّابُ: التوَّابُ، الذي يَئُوبُ إلى طاعةِ اللَّهِ، ويَرْجِعُ إليها (٨). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن يونسَ بنِ خبابٍ (٩) في قولِه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال: الرجلُ يَذْكُرُ ذنوبَه، فيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لها.

стр. 14511

وقولُه: ﴿حَفِيظٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: حفِظ ذنوبَه حتى تاب منها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألت ابنَ عباسٍ عن الأوابِ الحفيظِ، فقال: حفِظ ذنوبَه حتى رجَع عنها (١). وقال آخرون: معناه: أنه حفيظٌ على فرائضِ اللَّهِ وما ائتَمَنه عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَفِيظٍ﴾. قال: حفيظٍ لما استودَعه اللَّهُ من حقِّه ونعمتِه (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه وصَف هذا التائبَ الأوّابَ بأنه حفيظٌ، ولم يُحصَرْ (٣) به على (٤) نوعٍ من أنواعِ الطاعاتِ دونَ نوعٍ، فالواجبُ أن يُعَمَّ كما (٥) عمَّ جلَّ ثناؤُه، فيُقالَ: هو حفيظٌ لكلِّ ما قرَّبَه إلى ربِّه من الفَرائضِ والطاعاتِ، والذنوبِ التي سلَفَت منه للتوبةِ منها والاستغفارِ.

стр. 14512

وقولُه: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾. يقولُ: مَن خاف اللَّهَ في الدنيا من قبلِ أن يَلْقاه، فأطاعَه واتَّبَع أمرَه. وفي "مَن" التي (١) في قولِه: ﴿مَنْ خَشِيَ﴾. وجهان من الإعرابِ؛ الخفضُ على إتْباعِه "كلّ" في قولِه: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾. والرفعُ على الاستئنافِ، وهو مرادٌ به الجزاءُ: "مَن خشِي الرحمنَ بالغيبِ، قيل له ادخُلِ الجنةَ"؛ فيكونُ حينئَذٍ قولُه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾. جوابًا للجزاءِ، أُضْمِر قبلَه القولُ، وجُعِل فعلًا للجميع؛ لأن "مَن" قد تكونُ في مذهبِ الجميعِ. وقولُه: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. يقولُ: وجاء اللَّهَ بقلبٍ تائبٍ من ذنوبِه، راجعٍ مما يَكْرَهُه اللَّهُ إلى ما يُرْضِيه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾. أي مُنيبٍ إلى ربِّه مُقبِلٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾. ادخُلوا هذه الجنةَ بأمانٍ من الهمِّ والنصَبِ (٣) والعذابِ وما كنتم تَلقَونه في الدنيا من المكارِه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ادْخُلُوهَا

стр. 14513

بِسَلَامٍ﴾. قال: سلِموا من عذابِ اللَّهِ، وسُلِّم عليهم (١). وقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. يقولُ: هذا الذي وصَفتُ لكم أيُّها الناسُ صفتَه من إدخالي الجنةَ مَن أُدخِلُه، هو يومُ دخولِ الناسِ الجنةَ، ماكِثين فيها إلى غيرِ نهايةٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. خلَدوا واللَّهِ فلا يَموتُون، وأقاموا فلا يَظْعَنون، ونعِموا فلا يَبْأَسون (٢). وقولُه: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾. يقولُ: لهؤلاء المتقين ما يُرِيدون في هذه الجنةِ التي أُزْلِفت لهم - من كلِّ ما تَشْتَهيه نفوسُهم وتَلَذُّه (٣) عيونُهم. وقولُه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾. يقولُ: وعندَنا لهم على (٤) ما أعطَيْناهم من هذه الكرامةِ التي وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَها - مزيدٌ يزيدُهم إياه (٥). وقيل: إن ذلك المزيدَ النظرُ إلى وجهِ (٦) اللَّهِ ﷻ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ سهيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، قال: ثنا النضرُ [بنُ عرَبيٍّ، حدَّثه] (٧) عن أنسٍ: إن اللَّهَ إذا أسكَن أهلَ الجنةِ الجنةَ، وأهلَ النارِ

стр. 14514

النارَ، هبَط إلى مَرْجٍ من الجنةِ أَفْيَحَ، فمدَّ بينَه وبينَ خلقِه حُجُبًا مِن لؤلؤٍ، وحُجُبًا من نورٍ، ثم وُضِعت منابرُ النورِ وسُرُرُ النورِ، وكراسيُّ النورِ، ثم أُذِن لرجلٍ على اللَّهِ، بينَ يديه أمثالُ الجبالِ من النورِ، يُسْمَعُ دوِيُّ تسبيحِ الملائكةِ معه، وصفقُ أجنحتِهم، فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا المجبولُ (١) بيدِه، والمُعَلَّمُ الأسماءَ، والذي أُمِرت الملائكةُ فسجَدت له، والذي أُبيحت له الجنةُ؛ آدمُ (٢)، قد أُذِن له على اللَّهِ تعالى. قال: ثم يُؤْذَنُ لرجلٍ آخرَ، بينَ يديه أمثالُ الجبالِ مِن النورِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ تسبيحِ الملائكةِ معه، وصَفْقُ أجنحتِهم، فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا الذي اتَّخذه اللَّهُ خليلًا، وجعَل عليه النارَ بردًا وسلامًا؛ إبراهيمُ، قد أُذِن له على اللَّهِ. قال: ثم أُذِن لرجلٍ آخرَ على اللَّهِ، بينَ يدَيْهِ أمثالُ الجبالِ من النورِ، يُسْمَعُ دوِيُّ تسبيحِ الملائكةِ معه، وصفقُ أجنحتِهم؛ فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا الذي اصطَفاه اللَّهُ برسالتِه (٣)، وقرَّبه نجِيًّا، وكلَّمه تكليمًا (٤)؛ موسى، قد أُذِن له على اللَّهِ. قال: ثم يُؤْذَنُ لرجلٍ آخرَ، معه مثلُ جميعِ مواكبِ (٥) النبيين قبلَه، بينَ يدَيْهِ أَمثالُ الجبالِ، من النورِ، يُسْمَعُ دويُّ تسبيحِ الملائكةِ معه (٦)، وصَفْقُ أجنحتِهم؛ فمدَّ أهلُ الجنةِ أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على اللَّهِ؟ فقيل: هذا أوّلُ شافعٍ، وأوّلُ مُشَفَّعٍ، وأكثرُ الناسِ واردةً، وسيدُ ولدِ آدمَ، وأوّلُ مَن تَنْشَقُّ عن ذُؤابتِه الأرضُ، وصاحبُ لواءِ الحمدِ؛ أحمدُ ﷺ ، قد قد أُذِن له

стр. 14515

على اللَّهِ. قال: فجلَس النبيون على منابرِ النورِ، [والصدِّيقون على سُرُرِ النورِ، والشهداءُ على كراسيِّ النور] (١)، وجلس سائرُ الناسِ على كُثْبانِ المسكِ الأذْفَرِ الأبيضِ، ثم ناداهم الربُّ تعالى من وراءِ الحجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (٢) وجيرَاني ووفدِي. يا (٣) ملائكتي انهَضوا إلى عبادِي، فأطعِموهم. قال: فقُرِّبت إليهم من لحومِ طيرٍ، كأنها البختُ لا ريشَ (٤) ولا عظمَ، فأكَلوا. قال: ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحُجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (٢) وجيراني ووفدي، أكَلوا؟ اسقُوهم. قال: فنهَض إليهم غلمانٌ كأنهم اللؤلؤُ المكنونُ بأباريقِ الذهبِ والفضةِ، بأشربةٍ مختلفةٍ لذيذةٍ، لذةُ آخرِها كلذةِ أولِها، لا يُصَدَّعون عنها ولا يُنزِفون، ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحُجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (٢) وجِيراني ووفدي، أَكَلوا وشرِبوا؟ فَكِّهوهم. قال: فقُرِّب إليهم على أطباقٍ مكللةٍ بالياقوتِ والمرجانِ، من الرطبِ الذي سمى اللَّه، أشدُّ بياضًا من اللبنِ، وأطيبُ عذوبةً من العسلِ. قال: فأكَلوا، ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحجبِ: مرحبًا بعبادِي وزَورِي (٥) وجيراني، ووفدِي، أكَلوا وشرِبوا، وفَكِهوا؟ اكسُوهم. قال: فتفتحت لهم ثمارُ الجنةِ بحُللٍ مصقولةٍ بنورِ الرحمنِ فأُلْبِسُوها. قال: ثم ناداهم الربُّ ﵎ من وراءِ الحجبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوْرِي (٥) وجِيراني ووفدِي، أكَلوا وشرِبوا، وفكهوا، وكُسوا؟ طيِّبوهم. قال: فهاجَت عليهم ريحٌ، يُقالُ لها: المثيرةُ. بأنابيرِ (٦) المسكِ الأبيضِ (٧) الأذْفَرِ، فنفَحت

стр. 14516

على وجوههم من غيرِ غبارٍ ولا قَتامٍ. قال: ثم ناداهم الربُّ من وراءِ الحُجُبِ: مرحبًا بعبادِي وزَوري وجِيراني ووفدي، أكَلوا وشرِبوا، وفكِهوا، وكسُوا، وطُيِّبوا، وعزَّتي لأتَجَلَّين لهم حتى يَنْظُروا إليَّ. قال: فذلك انتهاءُ العطاءِ وفضلُ المزيدِ، قال: فتجَلَّى (١) لهم الربُّ، ثم قال: السلامُ عليكم عبادي، انظُروا إليَّ فقد (٢) رَضِيتُ عنكم. قال: فتدَاعت قصورُ الجنةِ وشجرُها: "سبحانَك". أربعَ مراتٍ، وخرَّ القومُ سُجَّدًا؛ قال: فناداهم الربُّ ﵎: عبادِي ارفَعوا رءوسَكم، فإنها ليست بدارِ عملٍ، ولا دارِ نصَبٍ، إنما هي دارُ جزاءٍ وثوابٍ، وعِزَّتي (٣) ما خلَقتُها إلَّا من أجلِكم، وما من ساعةٍ ذكَرتُموني فيها في دارِ الدنيا، إلا ذكَرتُكم فوقَ عرشِي" (٤). حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ [بنِ الحُرِّ] (٥)، قال: ثنا عمرُ بنُ يونسَ اليماميُّ، قال: ثنا جَهْضَمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي الطُّفَيلِ، قال: ثنى أبو طَيْبةَ، عن معاويةَ العَبْسيِّ، عن عثمانَ بنِ عميرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أتاني جبريلُ ﵇ وفي كفِّه مِرْآةٌ بيضاءٌ، فيها نكتةٌ سوداءُ، فقلتُ: يا جبريلُ ما هذه؟ قال: هذه الجمعةُ. قلتُ: فما هذه النكتةُ السوداءُ فيها؟ قال: هي الساعةُ، تقومُ يومَ الجمعةِ، وهو سيدُ الأيامِ عندَنا، ونحنُ ندْعُوه في الآخرةِ يومَ المزيدِ. قلت: ولِمَ تَدْعُونَهُ (٦) يومَ المزيدِ؟ قال: إن ربَّك ﵎ اتَّخَذ في الجنةِ وادِيًا أفيحَ من مسكٍ أبيضَ، فإذا كان يومُ الجمعةِ نزَل من علِيِّين على كُرْسِيِّه، ثم

стр. 14517

حُفَّ الكُرْسِيُّ بمنابرَ من نورٍ، ثم جاء النبيون حتى يَجْلِسوا عليها، [ثم حُفَّ المنابرُ بكراسيَّ مِن ذهبٍ، ثم جاء الصدِّيقون والشهداءُ حتى يَجْلِسوا عليها] (١) ثم يَجِيءُ أهلُ الجنةِ حتى يَجْلِسوا على الكَثيبِ، فيتَجَلَّى لهم ربُّهم ، حتى يَنْظُروا إلى وجْهِهِ وهو يقولُ: أنا الذي صدَقتُكم عِدَتي، وأتممتُ عليكم نِعْمَتي، فهذا محلُّ كرامَتي، فسَلوني. فيَسْأَلونه الرِّضا، فيقولُ: رِضاي أَحَلَّكم داري، وأنالَكم كرامَتي، سَلوني. فيَسأَلونه حتى تَنْتَهِيَ رغبَتُهم، فيُفْتَحُ لهم عندَ ذلك ما لا عينٌ رأَت، ولا أذنٌ سمِعت، ولا خطَر على قلبِ بشرٍ - إلى مِقدَارِ مُنصَرَفِ الناسِ من الجمُعةِ، ثم (٢) يَصْعَدُ على كرسِيِّهِ، فيَصْعَدُ معه الصدِّيقون والشهداءُ، ويَرْجِعُ أهلُ الجنةِ إلى غُرَفِهم درةً بيضاءَ، لا قَصْمَ (٣) فيها ولا فَصْمَ، أو ياقوتةً حمراءَ، أو زبرجدةً خضراءَ منها غرفُها وأبوابُها، [مطردةً فيها أنهارُها، متدليةً فيها ثمارُها، فيها أزواجُها] (١)، فليسوا إلى شيءٍ أحوج منهم إلى يومِ الجمعةِ، ليزدادوا منه كرامةً، وليَزْدادوا نظرًا إلى وجْهِهِ، ولِذلك دُعِيَ يومَ المزيدِ" (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا [جريرٌ، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، عن عثمانَ بنِ عميرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ ، نحوَ حديثِ عليِّ بنِ الحسينِ] (٥) (٦).

стр. 14518

حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، [عن صالحِ بنِ حيَّانَ، عن ابنِ (١) بريدةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه. حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ] (٢)، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن محمدٍ، قال: حُدِّثنا - أو قال: قالوا - أن أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً، الذي يُقالُ له تمَنَّ، ويُذَكِّرُه أصحابُه فيتَمَنَّى، ويُذَكِّرُه أصحابُه، فيُقالُ له: ذلك لك ومثلُه معه. قال ابنُ عمرَ: ذلك لك وعشرةُ أمثالِه، وعند اللَّهِ مزيدٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، أن درَّاجًا أبا السمحِ حدَّثه عن أبي الهيْثَمِ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أنه قال عن رسولِ اللَّهِ ﷺ : "إن الرجلَ في الجنةِ ليتَّكِئُ سبعين سَنَةً قبلَ أن يَتَحَوَّلَ، ثم تَأْتِيهِ امرأةٌ (٣) فتَضْرِبُ على مَنْكِبَيْهِ (٤)، فيَنْظُرُ وجهَه في خَدِّها أصفى من المرآةِ، وإن أدنى لؤلؤةٍ عليها لَتُضِيءُ ما بينَ المشرِقِ والمغربِ - فَتُسَلِّمُ عليه، فيَرُدُّ السلامَ، ويَسْأَلُها: مَن أنتِ؟ فتَقُولُ: أنا من المزيدِ. وإنه ليَكُونُ عليها سبعون ثوبًا أدناها مثلُ النعمانِ من طُوبى فيَنْفُذُها بصرَه، حتى يَرَى مخَّ ساقِها من وراءِ ذلك، وإن عليهم (٥) التِّيجانُ، وإن أدنى لؤلؤةٍ فيها (٦) لتُضِيءُ ما بينَ المشرِقِ والمغرِبِ" (٧).

стр. 14519

وقولُه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مَن قَرْنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكثيرًا أهلَكْنا قبلَ هؤلاء المشرِكين من قريشٍ من القرونِ، هُم أَشَدُّ من قريشٍ الذين كذَّبوا محمدًا بَطشَا ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾. يقولُ: فخرَقوا (١) في البلادِ فساروا فيها، وطافوا وتوغَّلوا إلى الأقاصِي منها؛ قال امرُؤُ القَيسِ (٢): [لقد نقَّبتُ] (٣) في الآفاقِ حتى … رَضِيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. قال: أثَّروا (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ (٥)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. [قال: ضرَبوا في البلادِ (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾] (٧). قال: يقولُ: عمِلوا في البلادِ، ذاك النقبُ (٨).

стр. 14520

وقولُه: ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فهل كان لهم بتنقيبهم (١) في البلادِ من مَعْدِلٍ عن الموتِ، ومَنْجًى من الهلاكِ إذ جاءهم أمرُنا؟ وأُضمِرت "كان" في هذا الموضعِ، كما أُضْمِرت في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]. بمعنى: فلم يَكُنْ لهم ناصرٌ عندَ إهلاكِناهم. وقرَأت القرأةُ قولَه: ﴿فَنَقَّبُوا﴾. بالتشديدِ وفتحِ القافِ، على وجهِ الخبرِ عنهم. وذُكِر عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (فَنَقِّبُوا) بكسرِ القافِ (٢) على وجهِ [الأمرِ، بمعنى] (٣) التهديدِ والوعيدِ. أي: طُوفوا في البلادِ وتردَّدوا فيها، فإنكم لن تَفُوتُونا بأنفسِكم. وبنحوِ الذي قلْنا في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾، حتى بلَغ: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قد حايَص (٤) الفجَرةُ، فوجَدوا أمرَ اللَّهِ منيعًا (٥). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال: حاص أعداءُ اللَّهِ، فوجَدوا أمرَ اللَّهِ لهم مُدْرِكًا (٦).

стр. 14521

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. قال: هل من مَنجًى. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن في إهلاكِنا القرونَ التي أهلَكْناها مِن قبلِ قريشٍ، ﴿لَذِكْرَى﴾ يُتَذَكَّرُ بها، ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. يعني: لمن كان له عقلٌ من هذه الأمة، فيَنْتَهِي عن الفعلِ الذي كانوا يَفْعَلونه، من كفرِهم بربِّهم، خوفًا من أن يَحُلَّ بهم مثلُ الذي حلَّ بهم من العذابِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. أي من هذه الأمةِ، يعني بذلك القلبِ القلبَ الحيَّ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. قال: مَن كان له قلبٌ من هذه الأمةِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. قال: قلبٌ يَعْقِلُ ما قد سمِع من الأحاديثِ التي عذَّب (٢) اللَّهُ بها مَن عصاه من الأممِ. والقلبُ في هذا الموضعِ العقلُ، وهو من قولِهم: ما لفلانٍ قلبٌ. و: ما قلبُه

стр. 14522

معه. أي: ما عقلُه معه. و: أين ذهَب قلبُك؟ يعني: أين ذهَب عقلُك؟ وقولُه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: أو أَصْغَى لإخبارِنا إيَّاه عن هذه القرونِ التي أهلَكْناها بسمعِه، فيَسْمَعُ الخبرَ عنهم، كيفَ فَعَلْنا بهم، حينَ كفَروا بربِّهم، وعصَوْا رسلَه، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: وهو مُتَفهِّمٌ لما يُخْبَرُ به عنهم، شاهدٌ له بقلبِه، غيرُ غافلٍ عنه ولا ساهٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم فيه. ذكرُ [ما قالوا في] (١) ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٢) قولَه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إن استمَع الذكرَ وشهِد أمرَه، فإن (٣) في ذلك [تجربةً لمن] (٤) عقِله. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ [وَهُوَ شَهِيدٌ] (٥)﴾. قال: وهو لا يُحَدِّثُ نفسَه، شاهدُ القلبِ (٦). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال:

стр. 14523

سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال: العربُ تقولُ: ألقَى فلانٌ سمعَه، أي: استمع بأذنَيْهِ، وهو شاهدٌ، يقول: غيرُ غائبٍ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال: يَسْمَعُ ما يقولُ، وقلبُه في غيرِ ما يَسْمَعُ. وقال آخرون: عَنَى بالشهيدِ في هذا الموضعِ الشهادةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. يعني بذلك أهلَ الكتابِ، وهو شهيدٌ على ما يَقْرَأُ في كتابِ اللَّهِ من بَعْثِ محمدٍ ﷺ . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾. [قال: هو رجلٌ مِن أهلِ الكتابِ استمَع إلى القرآنِ] (٢)، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ على ما في يده من كتابِ اللَّهِ، أنه يَجِدُ النبيَّ ﷺ مكتوبًا (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: وقال الحسنُ: هو منافقٌ استمَع (٤) ولم يَنْتَفِعْ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

стр. 14524

قال: المؤمنُ يَسْمَعُ القرآنَ، وهو شهيدٌ على ذلك (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال: ألقَى السمعَ فسمِع ما قد كان مما لم يُعَايِنْ من الأحاديثِ عن الأممِ التي قد مضَت، كيفَ عذَّبهم اللَّهُ وصنَع بهم حينَ عصَوا رسلَه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد خلَقْنا السماواتِ السبعَ والأرضَ وما بينهما من الخلائقِ في ستةِ أيامٍ، وما مسَّنا (٢) من إعياءٍ. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن أبي بكرٍ قال: جاء اليهودُ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ أَخْبِرْنا ما خلَق اللَّهُ من الخلقِ في هذه الأيامِ الستةِ؟ فقال: "خلَق اللَّهُ الأرضَ يومَ الأحدِ والاثنين، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ، وخلَق المدائنَ والأقواتَ والأنهارَ وعمرانَها وخرابَها يومَ الأربِعاءِ، وخلَق السماواتِ والملائكةَ يومَ الخميسِ، إلى ثلاثِ ساعاتٍ؛ يَعْني من يومِ الجمعةِ، وخلَق في أولِ الثلاثِ الساعاتِ الآجالَ، وفي الثانيةِ الآفةَ، وفي الثالثةِ آدمَ". قالوا: صدَقتَ إن أتممتَ. فعرَف النبيُّ ﷺ ما يُرِيدون، فغضِبَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ﴾.

стр. 14525

قال: من سآمةٍ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. يقولُ: من إزحافٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. يقولُ: وما مسَّنا من نَصَبٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال: نَصَبٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] (٤). أكذَب اللَّهُ اليهودَ والنصارى وأهلَ الفِرَى على اللَّهِ؛ وذلك أنهم قالوا: إن اللَّهَ خلَق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثم استراح يومَ السابعِ، وذلك عندَهم يومُ السبتِ، وهم يُسَمُّونه يومَ الراحةِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ لُغُوبٍ﴾. قالت اليهودُ: إن اللَّهَ خلَق السماواتِ والأرضَ

стр. 14526

في ستةِ أيامٍ، ففرَغ من الخلقِ يومَ الجمعةِ واستراح يومَ السبتِ. فأكذَبهم اللَّهُ، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١). حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. كان مقدارُ كلِّ يومٍ ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال: لم يَمَسَّنا في ذلك عناءٌ؛ ذلك اللغوبُ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فاصبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ (٢) هؤلاء اليهودُ (٣)، وما يَفْتَرون على اللَّهِ، وما يَكْذِبون عليه، فإن اللَّهَ لهم بالمِرْصادِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. يقولُ: وصلِّ بحمدِ ربِّك صلاةَ الصبحِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وصلاةَ العصرِ قبلَ الغروبِ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ لصلاةِ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]: العصرُ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قبلَ طلوعِ الشمسِ: الصبحُ، وقبلَ

стр. 14527

الغروبِ: العصرُ (١). وقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في التسبيحِ الذي أُمِر به من الليلِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به صلاةُ العَتَمةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: العَتَمةِ (٢). وقال آخرون: هي الصلاةُ بالليلِ في أيِّ وقتٍ صلَّى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. قال: من الليلِ كلِّه (٣). والقولُ الذي قاله مجاهدٌ في ذلك أقربُ إلى الصوابِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. فلم يَحُدَّ وقتًا من الليلِ دونَ وقتٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان على جميعِ ساعاتِ الليلِ. وإذا كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْنا، فهو بأن يكونَ أمرًا بصلاةِ المغربِ والعشاءِ، أشبهُ منه بأن يكونَ أمرًا بصلاةِ العَتَمةِ؛ لأنهما يُصَلَّيان ليلًا. وقولُه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. يقولُ: وسَبِّحْ بحمدِ ربِّك أدبارَ السجودِ

стр. 14528

مِن صلاتِك. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى التسبيحِ الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه أن يُسَبِّحَه أدبارَ السجودِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به الصلاةُ، قالوا: وهما الركعتانِ اللتانِ يُصَلَّيان بعدَ صلاةِ المغربِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سألتُ عليًّا عن أدبارِ السجودِ فقال: الركعتانِ بعدَ المغربِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ [أبي نجيحٍ] (٢)، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتانِ بعدَ المغربِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، عن الأجلحِ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: الركعتان بعدَ المغربِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ (٤)، عن

стр. 14529

عاصمِ بنِ ضمرةَ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ ﵄، قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (١). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عليُّ بن زيد، عن أوسِ بنِ خالدٍ، عن أبي هُريرةَ قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: ركعتان بعدَ صلاةِ المغربِ (٢). [حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا] (٣) سفيانُ، عن علوانَ بنِ أبي مالكٍ، عن الشعبيِّ قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ وإبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن إبراهيمَ، مثلَه (٤). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، قال: الركعتان قبلَ الصبحِ، والركعتان بعدَ المغربِ، قال شعبةُ: لا أدري أيَّتُهما أدبارُ السجودِ، ولا أدري أيَّتُهما إدبارُ النجومِ.

стр. 14530

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: كان مجاهدٌ يقول: ركعتان بعدَ المغربِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هما السجدتانِ بعدَ صلاةِ المغربِ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ (٣) فضيلٍ، عن رِشْدِينَ بنِ كريبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا ابنَ عباسٍ، ركعتانِ بعدَ المغرب: أدبارُ السجودِ" (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةَ وهبُ (٥) اللَّهِ بنُ راشدٍ، قال: أخبَرنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، أنه سمِع أبا معاويةَ البجليَّ من أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصهباءِ البكريَّ يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ عن: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هما ركعتان بعدَ المغربِ. حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو (٦) السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ، قال: ثنا جريرٌ (٧)، قال:
следующие страницы →