في ستةِ أيامٍ، ففرَغ من الخلقِ يومَ الجمعةِ واستراح يومَ السبتِ. فأكذَبهم اللَّهُ، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١).
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. كان مقدارُ كلِّ يومٍ ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾. قال: لم يَمَسَّنا في ذلك عناءٌ؛ ذلك اللغوبُ.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فاصبِرْ يا محمدُ على ما يقولُ (٢) هؤلاء اليهودُ (٣)، وما يَفْتَرون على اللَّهِ، وما يَكْذِبون عليه، فإن اللَّهَ لهم بالمِرْصادِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. يقولُ: وصلِّ بحمدِ ربِّك صلاةَ الصبحِ قبلَ طلوعِ الشمسِ، وصلاةَ العصرِ قبلَ الغروبِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ لصلاةِ الفجرِ، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]: العصرُ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ قبلَ طلوعِ الشمسِ: الصبحُ، وقبلَ
стр. 14527
الغروبِ: العصرُ (١).
وقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في التسبيحِ الذي أُمِر به من الليلِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به صلاةُ العَتَمةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾. قال: العَتَمةِ (٢).
وقال آخرون: هي الصلاةُ بالليلِ في أيِّ وقتٍ صلَّى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. قال: من الليلِ كلِّه (٣).
والقولُ الذي قاله مجاهدٌ في ذلك أقربُ إلى الصوابِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. فلم يَحُدَّ وقتًا من الليلِ دونَ وقتٍ. وإذا كان ذلك كذلك، كان على جميعِ ساعاتِ الليلِ. وإذا كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْنا، فهو بأن يكونَ أمرًا بصلاةِ المغربِ والعشاءِ، أشبهُ منه بأن يكونَ أمرًا بصلاةِ العَتَمةِ؛ لأنهما يُصَلَّيان ليلًا.
وقولُه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. يقولُ: وسَبِّحْ بحمدِ ربِّك أدبارَ السجودِ
стр. 14528
مِن صلاتِك.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى التسبيحِ الذي أمَر اللَّهُ نبيَّه أن يُسَبِّحَه أدبارَ السجودِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي به الصلاةُ، قالوا: وهما الركعتانِ اللتانِ يُصَلَّيان بعدَ صلاةِ المغربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سألتُ عليًّا عن أدبارِ السجودِ فقال: الركعتانِ بعدَ المغربِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ [أبي نجيحٍ] (٢)، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتانِ بعدَ المغربِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سلامٍ، عن الأجلحِ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: الركعتان بعدَ المغربِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ (٤)، عن
стр. 14529
عاصمِ بنِ ضمرةَ، عن الحسنِ بنِ عليٍّ ﵄، قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (١).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عليُّ بن زيد، عن أوسِ بنِ خالدٍ، عن أبي هُريرةَ قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: ركعتان بعدَ صلاةِ المغربِ (٢).
[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا] (٣) سفيانُ، عن علوانَ بنِ أبي مالكٍ، عن الشعبيِّ قال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ وإبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن إبراهيمَ، مثلَه (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، قال: الركعتان قبلَ الصبحِ، والركعتان بعدَ المغربِ، قال شعبةُ: لا أدري أيَّتُهما أدبارُ السجودِ، ولا أدري أيَّتُهما إدبارُ النجومِ.
стр. 14530
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: كان مجاهدٌ يقول: ركعتان بعدَ المغربِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هما السجدتانِ بعدَ صلاةِ المغربِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ (٣) فضيلٍ، عن رِشْدِينَ بنِ كريبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يا ابنَ عباسٍ، ركعتانِ بعدَ المغرب: أدبارُ السجودِ" (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةَ وهبُ (٥) اللَّهِ بنُ راشدٍ، قال: أخبَرنا حيوةُ بنُ شريحٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، أنه سمِع أبا معاويةَ البجليَّ من أهلِ الكوفةِ يقولُ: سمعتُ أبا الصهباءِ البكريَّ يقولُ: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ عن: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هما ركعتان بعدَ المغربِ.
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو (٦) السَّكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ، قال: ثنا جريرٌ (٧)، قال:
стр. 14531
[ثنى يزيدُ بنُ خُمَيرٍ] (١) الرَّحْبيُّ، عن كُرَيبِ بنِ يزيدَ الرَّحْبيِّ - قال: وكان جُبَيرُ بنُ نفيرٍ يَمْشِي إليه - قال: كان إذا صلَّى الركعتين قبلَ الفجرِ، والركعتين بعدَ المغربِ أخفَّ، وفسَّر إدبارَ النجومِ، وأدبارَ السجودِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عيسى بنِ يزيدَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن الحسنِ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عنبسةُ، عن المُغيرةِ، [عن إبراهيمَ] (٤)، قال: كان يُقالُ: أدبارُ السجودِ الركعتان بعدَ المغربِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ.
[قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: قال عليٌّ: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: الركعتان بعدَ المغربِ] (٤).
حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سُئل الأوْزاعيُّ عن الركعتين بعدَ المغربِ، قال: هما في كتابِ اللَّهِ: ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن الحسنِ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: الركعتان بعدَ المغربِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَدْبَارَ
стр. 14532
السُّجُودِ﴾. قال: ركعتان بعدَ المغربِ (١).
وقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: التسبيحُ في أدبارِ الصلواتِ المكتوباتِ، دونَ الصلاةِ بعدَها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في: ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: هو التسبيحُ بعدَ الصلاةِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: التسبيحُ. قال ابنُ عمرٍو (٣) في حديثِه: في إثرِ الصلواتِ كلِّها. وقال الحارثُ في حديثِه: في دُبرِ الصلاةِ كلِّها (٤).
وقال آخرون: هي النوافلُ في أدبارِ المكتوباتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني (٥) يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: النوافلَ (٦).
стр. 14533
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: هما الركعتانِ بعدَ المغربِ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على ذلك، ولولا ما ذكَرتُ من إجماعِها عليه، لرأَيتُ أن القولَ في ذلك ما قاله ابنُ زيدٍ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لم يَخْصُصْ بذلك صلاةً دونَ صلاةٍ، بل عمَّ أدبارَ الصلواتِ كلِّها، فقال: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. ولم تَقُمْ (١) بأنه معنِيٌّ به دُبُرُ صلاةٍ دونَ صلاةٍ - حجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها من خبرٍ ولا عقلٍ.
واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾. فقرَأته عامةُ قرَأةِ الحجازِ والكوفةِ، سوى عاصمٍ والكسائيِّ: (وإدْبارَ السُّجُودِ) بكسر الألفِ، على أنه مصدرٌ من أدبَر يُدْبِرُ إدبارًا. وقرَأه عاصمٌ والكسائيُّ وأبو عمرٍو (وأدْبارَ) بفتحِ الألفِ، بمعنى (٢) جمعِ دُبُرٍ وأدبارٍ (٣).
والصوابُ عندى الفتحُ، على جمعِ دُبُرٍ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : واسْتَمِع يا محمدُ صيحةَ يومِ القيامةِ، يومَ ينادِي بها مُناديها (٥) من موضعٍ قريبٍ.
وذُكِر أنه يُنادِي بها من صخرةِ بيتِ المقدسِ.
стр. 14534
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ (١)، عن قتادةَ، عن كعبٍ، قال: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: مَلكٌ قائمٌ على صخرةِ بيتِ المقدسِ ينادِي: أيتها العظامُ الباليةُ والأوصالُ المتقطعةُ، إن اللَّهَ يأمرُكُنَّ أن تجتَمِعن لفصْلِ القضاءِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: كنَّا نُحدَّثُ أنَّه ينادِي من بيتِ المقدسِ من الصخرةِ، وهي أوسطُ الأرضِ، وحُدِّثنا أن كعبًا قال: هي أقربُ الأرضِ إلى السماءِ بثمانيةَ عشرَ مِيلًا (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: بلَغني أنَّه ينادِي من الصخرةِ التي في بيتِ المقدِس (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾. قال: هي الصيحةُ (٢).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنى بعضُ أصحابِنا،
стр. 14535
عن الأغرِّ، عن مسلمِ (١) بنِ حيانَ، عن ابن يُرَيدةَ، عن أبيه بُرَيدةَ، قال: ملَكٌ قائمٌ على صخرةِ بيتِ المقدسِ، واضعٌ أُصْبُعَيْه في أُذنَيهِ ينادِي. قال: قلتُ: بماذا ينادِي؟ قال: يقولُ: يا أيها الناسُ هلُمُّوا إلى الحسابِ. قال: فيُقبِلُون كما قال اللَّهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (٢) [القمر: ٧].
وقولُه: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ يسمعُ الخلائقُ صيحةَ البعثِ من القبورِ بالحقِّ، يعني بالأمرِ بالإجابةِ للَّهِ إلى موقفِ الحسابِ.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾. يقولُ: ذلك يومُ خروجِ أهلِ القبورِ من قبورِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إنّا نحن نُحيي الموتَى ونميتُ الأحياءَ، وإلينا مصيرُ جميعِهم يومَ القيامةِ،
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وإلينا مصيرُهم يومَ تَشَقَّقُ الأرضُ، فـ "اليومَ" من صلةِ "مصير".
[وقولُه: ﴿تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾. يقولُ: تصَدَّعُ الأرضُ عنهم] (٣). وقوله: ﴿سِرَاعًا﴾. ونصَب ﴿سِرَاعًا﴾ على الحالِ مِن الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿عَنْهُمْ﴾. والمعنى: يومَ تَشَقَّقُ الأرضُ عنهم، فيخرجون منها سِراعًا (٤)،
стр. 14536
فاكتفى بدلالة قولِه: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾. على ذلك من ذكرِه.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾. يقولُ: جَمعُهم ذلك [جمعٌ في موقفِ الحسابِ] (١)، علينا سهلٌ يسيرٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: نحن، يا محمدُ، أعلمُ بما يقولُ هؤلاءِ المشركون باللَّهِ من فِريتِهم على اللَّهِ، وتكذيبِهم بآياتِه، وإنكارِهم قُدرةَ اللَّهِ على البعثِ بعدَ الموتِ، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾. يقولُ: وما أنت عليهم بمسلَّطٍ.
كما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو*، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾. قال: لا تتجَبَّرْ عليهم (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: فإن اللَّهَ كَرِه الجَبريَّةَ، ونهَى عنها، وقدَّم فيها (٣).
وقال الفرّاءُ (٤): وضَع الجبارَ في موضعِ السلطانِ من الجَبريةِ. وقال: أنشَدني المفضّلُ:
ويَوْمَ الحَزْنِ إِذْ حَشَدَتْ مَعَدٌّ … وكان النّاسُ إلا نحن دِينا
стр. 14537
عصَيْنَا عَزْمَةَ الجَبَّارِ حتَّى … صَبَحْنا الجَوْفَ أَلْفًا مُعْلمِينا
ويُرْوَى: "الخوف". وقال: أراد بالجبارِ المنذرَ لولايتِه.
قال: وقيل: إن معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾: لم تُبعَثْ لتُجْبِرَهم على الإسلام، إنما بُعِثتَ مذكِّرًا، فذكِّرْ. وقال: العربُ لا تقولُ: فعَّالٌ من أَفْعَلت؛ لا يقولون: هذا خَرَّاجٌ. يريدون: مُخْرِجٌ، ولا يقولون: دَخَّالٌ. يريدون: مُدْخِلٌ، إنما يقولون: فعَّالٌ. من فعَلتَ؛ ويقولون: خرَّاجٌ. من خرَجتَ، و: دخَّالٌ. من دخَلتَ؛ و: قَتَّالٌ. من قتَلْتَ. قال: وقد قالت العربُ في حرفٍ واحدٍ: دَرّاكُ. من أدرَكْتَ، وهو شاذٌّ. قال: فإن قلتَ: الجبارُ على هذا المعنى، فهو وَجْهٌ. قال: وقد سمِعت بعضَ العربِ يقولُ: جَبَره على الأمرِ. يريدُ: أجْبَره، فالجَبّارُ من هذه اللغةِ صحيحٌ، يرادُ به: يَقهَرُهم ويُجبرُهم.
وقولُه: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذكِّرْ يا محمدُ بهذا القرآنِ الذي أنزلتُه إليك مَن يخافُ الوعيدَ الذي أوْعَدتُه مَن عصَاني، وخالَف أمرِي.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْديُّ، قال: ثنا حكامٌ الرازيُّ، عن أيوبَ، عن عمرٍو المُلائيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالوا: يا رسولَ اللَّهِ لو خوَّفتَنا. فنزَلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أيوبَ بنِ سيَّارٍ أبي عبدِ الرحمنِ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، قال: قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو ذكَّرتنا. فذكَر مثلَه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "ق"
стр. 14538
تفسيرُ سورةِ الذارياتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. يقولُ: والرياحُ التي تَذْروا الترابَ ذَرْوًا. يقالُ: ذَرَتِ الريحُ الترابَ وأذْرَت.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بنِ عُرْعُرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ فقال: هي الريحُ (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ وخرَج إلى الرَّحْبةِ (٢)، وعلَيه بُرْدانِ، فقال (٣): لو أنَّ رجلًا سأل، وسمِع القومُ. قال: فقام ابنُ الكَوَّاءِ، فقال: ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ فقال: هي الرِّياحُ (٤).
стр. 14539
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ (١) اللَّهِ بنِ عبيدٍ الهلاليُّ ومحمدُ بنُ بشَّارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ، قال: ثنا موسى بنُ يعقوبَ الزَّمَعِيُّ قال: ثنا أبو الحُوَيْرثِ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِمٍ، أَخْبَره، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يخطُبُ الناسَ، فقام عبدُ اللَّهِ بنُ الكَوَّاءِ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أَخْبِرْني عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ فقال: هي الرياحُ.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: سُئل عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. فقال: الريحُ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن عليٍّ: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: الريحُ (٢).
قال مهرانُ: حُدِّثنا عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: سألتُ عليًّا ﵁ عن: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. فقال: الريحُ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، قال: سمِعتُ أبا الطُّفيلِ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁ يقولُ: لا تسألوني عن كتابٍ ناطقٍ، ولا سُنَّةٍ ماضيةٍ، إلا حدَّثتُكم. فسأله ابنُ الكَوَّاءِ عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾، فقال: هي الريحُ (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال: سأل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا ﵁، فقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾.
стр. 14540
قال: هي الريحُ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قال ابنُ الكَوَّاءِ لعليٍّ ﵁: ما ﴿وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا﴾؟ قال: الريحُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى (٢) يحيى بنُ أيوبَ، عن أبي صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن أبي الصهباءِ البكريِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، قال وهو على المنبرِ: لا يسألُني أحدٌ عن آيةٍ من كتابِ اللَّهِ إلا أخبَرتُه. فقام ابنُ الكَوَّاءِ، وأراد أن يسألَه عمَّا سأل عنه صُبَيغٌ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁، فقال: ما ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ قال عليٌّ: الرياحُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن رجلًا سأل عليًّا عن ﴿وَالذَّارِياتِ﴾. فقال: هي الرياحُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن وهبِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال سأل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا، فقال: ما ﴿وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا﴾؟ قال: الرياحُ (٣).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: هي الرياحُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
стр. 14541
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾. قال: الرياحُ (١).
وقولُه: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. يقولُ: فالسَّحابُ التي تحملُ وِقْرَها (٢) مِن الماءِ.
وقولُه: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. يقولُ: فالسفنُ التي تجري في البحارِ سهلًا يسيرًا.
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. يقولُ: فالملائكةُ التي تُقَسِّمُ أمرَ اللَّهِ في خلقِه.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: قام رجلٌ إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: هي السفنُ. قال: فما ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾؟ قال: هي السحابُ. قال: فما ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: هي الملائكةُ (٣).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ وقيل له: ما ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾؟ قال: هي السحابُ. قال: فما ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: هي السُّفنُ. قال: فما ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: هي الملائكةُ (٣).
стр. 14542
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ بنحوِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ [بنِ عبيدٍ] (١) الهلاليُّ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ، قال: ثنا موسى الزَّمَعِيُّ، قال: ثنى أبو الحُوَيرثِ، عن محمدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ أخبَره، قال: سمِعتُ عليًّا يخطبُ الناسَ، فقام عبدُ اللَّهِ بنُ الكَوَّاءِ فقال: يا أميرَ المؤمنين، أخْبِرْني عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: هي السَّحابُ. ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. قال: هي السفنُ، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال: الملائكةُ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، قال: سمِعتُ أبا الطُّفَيلِ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵁. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قال (٢) ابنُ الكَوَّاءِ لعليٍّ. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن وهبِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال شَهِدتُ عليًّا ﵁، وقام إليه ابنُ الكَوَّاءِ. فذكَر نحوَه (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن عاصمٍ، عن عليِّ بنِ ربيعةَ، قال: سأل ابنُ الكَوَّاءِ عليًّا. فذكَر نحوَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن
стр. 14543
أبي صَخْرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن أبي الصهباءِ البكريِّ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁. نحوَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ؛ أن رجلًا سأل عليًّا، فذكَر نحوَه (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفيلِ، عن عليٍّ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: سُئل عليُّ. فذكر مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: السحابُ. قولُه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ قال: الملائكةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. قال: السحابُ تحملُ المطرَ، ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. قال: السفنُ، ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. قال: الملائكةُ يُنَزِّلُها بأمرِه على مَن يشاءُ (٣).
قولُه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ الذي توعدون أيُّها الناسُ من قيامِ الساعةِ، وبَعْثِ الموتى من قبورِهم، ﴿لَصَادِقٌ﴾. يقولُ: لكائنٌ حقٌّ يقينٌ.
стр. 14544
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ (١).
والمعنى: لصدقٌ، فوضَع الاسمَ مكانَ المصدرِ.
﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. يقولُ: وإن الحسابَ والثوابَ والعقابَ لواجبٌ، واللَّهُ مجازٍ عبادَه بأعمالِهم.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قال: الحسابُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ وذلك يومَ القيامةِ، يومَ يُدانُ الناسُ فيه بأعمالِهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قال: يومَ يُدِينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم (٣).
стр. 14545
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. قال: لكائنٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والسماءِ ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ، وعنَى بقولِه: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. ذاتِ الطرائقِ. وتكسُّرُ كلِّ شيءٍ حُبُكُه، وهو جمعُ حِباكٍ وحَبِيكَةٍ؛ يُقالُ لتكسيرِ الشعرةِ الجعدةِ: حُبُكٌ. وللرملةِ إذا مرَّت بها الريحُ الساكنةُ، والماءِ القائمِ، والدرعُ من الحديدِ لها حُبُكٌ (١)، ومنه قولُ الراجزِ (٢):
كأنَّما جلَّلها الحُوَّاكُ
طِنْفِسَةً في وَشْيِها حِباكُ
أَذْهَبَها الخفُوقُ والدِّراكُ (٣)
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُ قائلِيه فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو حصينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حصينٌ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسنِ (٤).
стр. 14546
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُسنُها واستواؤُها (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُبُكُها حسنُها واستواؤُها.
قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عمرَ بنِ سعيدِ بنِ مسروقٍ أخى سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الزينةِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُبِكت بالخَلْقِ الحَسَنِ؛ حُبِكت بالنجومِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: حُبِكت بالخَلْقِ الحسنِ؛ حُبِكت بالنُّجومِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ؛ حُبِكَت بالنجومِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُديرٍ، قال: سُئل
стр. 14547
عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسَنِ، ألم ترَ إلى النسَّاجِ إذا نسَج الثوبَ قال: ما أحسنَ ما حبَكه (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ من ورائِكم الكذَّابَ (٢) المُضِلَّ، وإنَّ رأسَه من ورائِه حُبُكٌ حُبُكٌ". يعني بالحُبُكِ الجُعُودةَ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: استواؤُها وحسنُها (٤).
قال: ثنا مهرانُ، عن عليِّ بنِ جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسنِ (٥).
قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قال: حُبُكُها نجومُها، وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: ﴿الْحُبُكِ﴾: ذاتُ الخَلْقِ الحَسَنِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: أي ذاتِ الخلقِ الحسنِ، وكان الحسنُ يقولُ: حبكُها نجومُها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذَاتِ
стр. 14548
الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحَسَنِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: المتقَنِ البُنيانِ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. يقولُ: ذاتِ الزينةِ، ويُقالُ أيضًا: حُبُكُها مثلَ حُبُكِ الرملِ، ومثلَ حُبُكِ الدرعِ، ومثلَ حُبُكِ الماءِ إذا ضرَبته الريحُ، فنسَجته طرائقَ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قال: الشدةِ؛ حُبِكت: شُدَّت، وقرَأ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ (٤) [النبأ: ١٢].
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: ذاتِ الخَلْقِ الحسَنِ؛ ويقالُ: ذاتِ الزينةِ (٥).
وقيل: عُنِيَ بذلك السماءُ السابعةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ وأبو داودَ، قالا: ثنا عمرانُ
стр. 14549
القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ، عن معدانَ بنِ أبي طلحةَ، عن عمرٍو البَكاليِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال: السماءِ السابعةِ (١).
حدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ (٢) بنِ معروفٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ القطانُ، عن قتادةَ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، عن مَعدانَ، عن عمرٍو البَكاليِّ - هكذا قال القاسمُ - عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو نحوَه
وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. يقولُ: إنكم أيُّها الناسُ لفي قولٍ مختلفٍ في هذا القرآنِ، فمن مُصدِّقٍ به ومُكذِّبٍ.
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. قال: مصدقٌ بهذا القرآنِ ومكذبٌ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾. قال: يَتَخَرَّصون؛ يقولون (٤): هذا سحرٌ. ويقولون (٤): هذا أساطيرُ (٥). فبأيِّ قولِهم يُؤْخَذُ؟! قُتِل الخرَّاصون، هذا الرجلُ لا بدَّ له من أن يكونَ فيه أحدُ هؤلاءِ، فما لكم لا تَأْخُذون أحدَ هؤلاء، وقد رَمَيتُموه بأقاويلَ شتَّى، فبأيِّ هذا القولِ تَأْخُذون [هذا الرجل الآنَ] (٦)، فهو قولٌ مختلفٌ. قال: فذكَر أنه تخرُّصٌ منهم،
стр. 14550
ليس لهم بذلك علمٌ. قالوا: فما منَع هذا القرآنَ أن يَنْزِلَ باللسانِ الذي نزَلت به الكتبُ من قبلِك. فقال اللَّهُ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟ لو جعَلنا هذا القرآنَ أعجميًّا لقلتم: نحن عربٌ. وهذا القرآنُ أعجميٌّ، فكيفَ يَجْتَمِعانِ (١).
وقولُه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. يقولُ: يُصْرَفُ عن الإيمانِ بهذا القرآنِ مَن صُرِف، ويُدْفَعُ عنه مَن يُدْفَعُ، فيُحْرَمُه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. قال ابنُ عمرٍو في حديثِه: يُوفَّى (٢)، أو يُؤفَنُ. أو كلمةً تُشْبِهُها. وقال الحارثُ: يُؤفَنُ. بغيرِ شكٍّ (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. قال: يُصْرَفُ عنه مَن صُرِف (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (٥). فالمأفوكُ عنه اليومَ، يعني كتابَ اللَّهِ (١).
стр. 14551
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. قال: يُؤْفَكُ عنه المشرِكون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لُعِن المتكهِّنون الذين يَتَخَرَّصون الكذِبَ والباطِلَ فيتطيَّبونه (١).
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي به المُرتابون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. يقولُ: لُعِن المُرتابون (٢).
وقال آخرون في ذلك بالذي قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الكَهنةُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
стр. 14552
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الذين يَخَرَّصون (١) الكذبَ؛ كقولِه في "عبس": ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ [عبس: ١٧].
وقد حدَّثني كلُّ واحدٍ منهما بالإسنادِ الذي ذكَرتُ عنه، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الذين يقولون: لا نُبعَثُ، ولا يُوقِنون (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾: أهلُ الظنونِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: القومُ الذين كانوا يَتَخَرَّصون الكذِبَ (٤) على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قالت طائفةٌ: إنما هو ساحرٌ، والذي جاء به سحرٌ. وقالت طائفةٌ: إنما هو شاعرٌ، والذي جاء به شعرٌ. وقالت طائفةٌ: إنما هو كاهنٌ، والذي جاء به كَهانةٌ. وقالت طائفةٌ: [﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ] (٥) اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. يتخرَّصون على رسولِ اللَّهِ ﷺ .
وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين هم في غمرةِ الضلالةِ وغلَبتِها عليهم مُتَمادون، وعن الحقِّ الذي بعَث اللَّهُ به محمدًا ﷺ ساهون، قد لَهُوا عنه.
стр. 14553
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وإن اختلَفت ألفاظُهم في البيانِ عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ: في ضلالتِهم يَتمادَون (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ لاهون (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ: في غمرةٍ وشُبهةٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: ساهون عما أتاهم، وعما نزَل عليهم، وعما أمَرهم اللَّهُ ﵎. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ الآية [المؤمنون: ٦٣]. وقال: ألا ترَى الشيءَ إِذا أخَذْتَه ثم غمَرتَه في الماءِ؟
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ،
стр. 14554
عن مجاهدٍ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: قلبُه في كِنانةٍ (١).
وقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُ هؤلاء الخرَّاصون الذين وصَف صفتَهم: متى يومُ المجازاةِ والحسابِ، ويومُ يُدِينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم؟
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: الذين كانوا يَجْحَدون أنهم يُدَانون، أو يُبْعَثون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: يَقولون: متى يومُ الدين، أَوَ يكونُ يومُ الدينِ؟ (٢).
وقولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ هم على نارِ جهنمَ يُفْتَنون.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عنَى به أنهم يُعذَّبون بالإحراقِ بالنارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُعذَّبون (٣).
стр. 14555
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: فِتنتُهم أنهم سألوا عن يومِ الدينِ، وهم مَوْقُوفون على النارِ، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. فقالوا حينَ وُقِفوا: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، قال اللَّهُ ﵎: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠، ٢١].
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُفْتَنُونَ﴾. قال: كما يُفتَنُ الذهبُ في النارِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُعَذَّبون في النارِ، يُحْرَقون فيها، ألم ترَ أن الذهبَ إذا أُلْقِي في النارِ، قِيل: فُتِن.
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن حصينٍ، عن عكرِمةَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُعَذَّبون.
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُنْضَجون بالنارِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن عكرِمةَ:
стр. 14556
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُحْرَقون (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُطْبَخون، كما يُفْتَنُ الذهبُ بالنارِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون بالنارِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون (٤).
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أَنَّهم يُكَذَّبون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُطْبَخون. ويقالُ أيضًا: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يُكَذَّبون، كلُّ هذا يُقالُ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ "اليوم" في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛
стр. 14557
فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِبت على الوقتِ. والمعنَى في: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. أي: متى يومُ الدينِ؟ فقِيل لهم: في ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأن ذلك اليومَ يومٌ طويلٌ، فيه الحسابُ، وفيه فِتنتُهم على النارِ.
وقال بعضُ نَحويِّي الكوفةِ (١): إنما نُصِبت: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾؛ لأنك أضَفتَه إلى شَيْئَينِ، وإذا أُضِيف "اليوم" و"الليلة" إلى اسمٍ له فعلٌ، وارتفَعا، نُصِب "اليوم"، وإن كان في موضعِ خفضٍ أو رَفعٍ، و (٢) إذا أُضِيفَ إلى "فعَل" أو "يفعَل"، [أو إذا كان كذلك] (٣)، ورفَعه في موضعِ الرفعِ، وخفَضَه في موضعِ الخفضِ [يجوز، فلو] (٤) قيل: (يَوْمُ هُم عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون): فرُفِع "يومُ"، لكان وجهًا، ولم يَقْرَأْ به أحدٌ من القراءِ.
وقال آخرُ منهم: إنَّما نصَب ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأنه إضافةٌ غيرُ محضةٍ؛ فنُصب والتأويلُ رفعٌ، ولو رفَع لجاز؛ لأنك تقولُ: متى يومُك؟ فتقولُ: يومُ الخميسِ، ويومُ الجمعةِ. والرفعُ الوجهُ؛ لأنه اسمٌ قابَل اسمًا، فهذا الوجهُ.
وأولى القولَيْن بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قولُ مَن قال: يُعَذَّبون بالإحراقِ. لأن الفتنةَ أصلُها الاختبارُ، وإنما يُقالُ: فتنتُ الذهبَ بالنارِ. إذا طبَختَها بها لتعرفَ جودتَها فكذلك قولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يُحْرَقون بها كما يُحْرَقُ الذهبُ بها، وأما النصبُ في اليومِ فلأنها إضافةٌ غيرُ محضةٍ، على ما وصَفنا من قولِ قائلِ ذلك.
стр. 14558
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقالُ لهم: ذُوقوا فِتنتَكم، وترَك: "يُقالُ لهم"؛ لدلالةِ الكلامِ عليها، ويعني بقولِه: ﴿فِتْنَتَكُمْ﴾: عذابَكم وحريقَكم.
واختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك، فقال بعضُهم بالذي قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِتْنَتَكُمْ﴾. قال: حريقَكم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾: ذوقوا عذابَكم هذا الذي كنتُم به تَسْتَعْجِلون.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: يومَ يُعَذَّبون، فيقولوا: ذُوقوا عذابَكم (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: حريقَكم.
حدَّثنا ابنُ حمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ:
стр. 14559
احتراقَكم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. قال: ذوقوا عذابَكم (١).
وقال آخرون: عنَى بذلك: ذُوقوا تَعذِيبَكم أو كَذِبَكم.
ذكرُ مَن قال ذلك (*)
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ رحمهما اللَّهُ قولَه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: تكذيبَكم (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾. يقولُ: حريقَكم. ويُقالُ: كذِبَكم.
وقولُه: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهم: هذا العذابُ الذي تُوَفَّونه اليومَ، هو العذابُ الذي كنتُم به تَسْتَعْجِلون في الدنيا.
وقولُه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين اتَّقوا اللَّهَ بطاعتِه، واجتنابِ معاصِيه في الدنيا، في بساتينَ وعيونِ ماءٍ في الآخرةِ.
وقولُه: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عاملِين ما أمَرهم به ربُّهم مؤدِّين فرائضَه.
стр. 14560
كما (١) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرَ، عن مسلمٍ البطينِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال: الفرائضَ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إنهم كانوا قبلَ أن يَفْرِضَ عليهم الفرائضَ، ﴿مُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: كانوا للَّهِ قبلَ ذلك مُطِيعِين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عمرَ، عن مسلمٍ البطينِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾. قال: قبَل الفرائضِ محسِنين يَعْملون (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كانوا قليلًا مِن الليلِ لا يَهْجَعون. وقالوا: ﴿مَا﴾ كان بمعنى الجَحْدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدِ
стр. 14561
ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: يَتَيَقَّظون يُصلُّون ما بينَ هاتين الصلاتين، ما بينَ المغربِ والعشاءِ (١).
حدَّثني زُرَيقُ بنُ السَّخْتِ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ أبي السَّميطِ، عن قتادةَ، عن محمدِ بنِ عليٍّ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا لا يَنامون حتى يُصلُّوا العَتَمَةَ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن مُطَرِّفٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قَلَّ ليلةٌ أَتَتْ عليهم إلا صلَّوا فيها (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: قَلَّ ليلةٌ تأتي عليهم لا يُصلُّون فيها للَّهِ؛ إما مِن أوَّلِها، وإما من وَسَطِها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا ابنُ أبي ليلى، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ رحِمهما اللَّهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا
стр. 14562
يَهْجَعُونَ﴾. قال: لم يكنْ يَمْضِي عليهم ليلةٌ إلا يأْخُذون منها ولو شيئًا (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ سعيدٍ قال: ثنا حفصٌ، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: لا يَنامون بينَ المغربِ والعشاءِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ ومِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا يُصِيبون من الليلِ حظًّا (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كانوا يُصِيبون فيها حظًّا (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، [عن قتادةَ] (٥)، عن مُطَرِّفٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قلَّ ليلةٌ أَتَتْ عليهم هجَعوها كلَّها (٦).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كان لهم قليلٌ من الليلِ ما يَهْجَعون، كانوا يُصلُّونه (٧).
стр. 14563
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ، يقولُ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا قليلًا ما يَنامون ليلةً حتى الصباحِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قليلٌ ما يَرْقُدون ليلةً حتى الصباحِ لا يَتهجَّدون (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كانوا قليلًا من الليلِ (٣) يَهْجَعون، ووجَّهوا ﴿مَا﴾ التي في قولِه: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ إلى أنها صِلَةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قال الحسنُ: كَابَدوا قيامَ الليلِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يَنامون منه إلا قليلًا (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن بعضِ أصحابِنا، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: لا يَنامون من الليلِ إلا أقلَّه.
стр. 14564
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بنِ أبي الحسنِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قلَّ ليلةٌ أَتَتْ عليهم هَجَعوها (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الأَحْنَفُ بنُ قَيسٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كانوا لا يَنامون إلا قليلًا (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ عطيةَ، عن قتادةَ، قال: قال الأَحْنَفُ بنُ قَيسٍ، وقرأ هذه الآيةَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: لستُ مِن أهلِ هذه الآيةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قيامُ الليلِ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: نَشِطوا فمدُّوا إلى السَّحَرِ (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن يونسَ بنِ عُبيدٍ، عن الحسنِ، قال: مدُّوا في الصلاةِ ونَشِطوا، حتى كان الاستغفارُ بسَحَرٍ (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن
стр. 14565
الحسنِ، قال: كانوا لا يَنامون مِن الليلِ إلا قليلًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: كان الحسنُ والزهريُّ يقولان: كانوا كثيرًا مِن الليلِ ما يُصلُّون (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: ما يَنامون (٢).
وقد يجوزُ أن يكون ﴿مَا﴾ على هذا التأويلِ في موضعِ رفعٍ، ويكونُ تأويلُ الكلامِ: كانوا قليلًا من الليل هجُوعُهم، وأما مَن جعَل ﴿مَا﴾ صلةً، فإنه لا مَوْضِعَ لها، ويكونُ تأويلُ الكلامِ على مذهبِه: كانوا يَهْجَعون قليلَ الليلِ، وإذا كانت ﴿مَا﴾ صلةً كان القليلُ منصوبًا بـ ﴿يَهْجَعُونَ﴾ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يصلُّون العَتَمَةَ. وعلى هذا التأويلِ ﴿مَا﴾ في معنى الجَحْدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾. قال: قال رجلٌ مِن أهلِ مكةَ سمَّاه قتادةُ، قال: صلاةُ العَتَمَةِ (٤).