← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14666–14705 · переход к 14671.

стр. 14666

وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى القولين بالصوابِ؛ لأن الجميعَ مُجمِعون على أنه غيرُ واجبٍ أن يُقالَ في الصلاةِ: سُبحانَك اللهمَّ (١) وبحمدِك، وما رُوِي عن الضحاكِ عندَ القيامِ إلى الصلاةِ، فلو كان القولُ كما قاله الضحاكُ لكان فرضًا أن يُقالَ ذلك (٢)؛ لأن قولَه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أمرٌ من اللهِ بالتَّسبيحِ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن ذلك غيرُ واجبٍ الدليلُ الواضحُ على أن القولَ في ذلك غيرُ الذي قاله الضحاكُ. فإن قال قائلٌ: لعله أُرِيد به (٣) الندبُ والإرشادُ (٤). قيل: لا دلالةَ في الآيةِ على ذلك، ولم تَقُمْ حجةٌ بأن ذلك معنيٌّ به ما قاله الضحاكُ، فيُجْعلَ إجماعُ الجميعِ على أن التسبيحَ عندَ القيامِ إلى الصلاةِ مما خُيِّر المسلمون فيه، دليلًا لنا على أنَّه أُرِيد به الندبُ والإرشادُ. وإنما قُلنا: عُنِي به القيامُ من نومِ القائلةِ؛ لأنه لا صلاةَ تجبُ فرضًا بعد وقتٍ من أوقاتِ نومِ الناسِ المعروفِ، إلَّا بعدَ نومِ الليلِ، وذلك صلاةُ الفجرِ، أو بعدَ نومِ القائلةِ، وذلك صلاةُ الظُّهرِ؛ فلما أمَر بعدَ قولِه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾. بالتَّسبيحِ بعدَ إدبارِ النجومِ، وذلك ركْعَتا الفجرِ، بعدَ قيامِ الناسِ من نومِهم ليلًا - عُلِم أن الأمرَ بالتسبيحِ بعدَ القيامِ من النومِ هو أمرٌ بالصلاةِ التي تجِبُ بعدَ قيامٍ من نومِ القائلةِ، على ما ذكَرْنا، دونَ (٥) القيامِ من نومِ الليلِ. وقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. يقولُ: ومن الليلِ فعَظِّم ربَّك يا محمدُ

стр. 14667

بالصلاةِ له (١) والعبادةِ، وذلك صلاةُ المغربِ والعشاءِ. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾. قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾: صلاةُ العشاءِ، ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. يعني: حينَ تُدبِرُ النجومُ للأُفُولِ، عندَ إقبالِ النَّهارِ. [وقيل] (٢): عُنِي بذلك ركعتا الفجر. ذكرُ (٣) مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: هما السجدتان قبلَ صلاةِ الغَداةِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: كنَّا نُحدَّثُ أنَّهما الرَّكعتان عندَ طلوعِ الفجرِ. قال: وذُكر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ كان يقولُ: لَهُمَا أَحبُّ إليَّ من حُمْرِ النَّعَمِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى، عن سعيدِ بنِ هشامٍ، عن عائشةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال في ركعَتَي الفجرِ: "هما خَيرٌ مِنَ الدُّنيا جمِيعًا" (٦).

стр. 14668

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: ركعتان قبلَ صلاةِ الصُّبحِ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وحمادُ بنُ مَسْعدةَ، قالا: ثنا حميدٌ، عن الحسنِ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: الرَّكعتان قبلَ صلاةِ الصُّبحِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، قال: قال عليٌّ ﵁: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾: الرَّكعتان قبلَ الفجر. وقال آخرون: عُنِي بالتَّسبيحِ إدبارَ النجوم صلاةُ الصُّبحِ الفريضةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: صلاةُ الغَداةِ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. قال: صلاةُ الصُّبحِ (٤). قال أبو جعفرٍ ﵀: وأولى القولَين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بها الصلاةُ المكتوبةُ، صلاةُ الفجرِ. وذلك أن اللهَ أمَر فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾. والركعتان قبلَ الفريضةِ غيرُ واجبتين، ولم تَقُمْ حُجَّةٌ

стр. 14669

يحبُ التَّسليمُ لها أن قولَه: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ على النَّدبِ، وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا (١) على أن أمرَ اللهِ على الفرضِ، حتى تقومَ حجةٌ بأنَّه مرادٌ به الندبُ أو غيرُ الفرضِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). آخرُ تفسيرِ سورةِ "الطورِ"

стр. 14670

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ سورةِ "والنجمِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بالنَّجمِ الثُّريَّا، وعُنِي بقولِه: ﴿إِذَا هَوَى﴾: إذا سقَط. قالوا: وتأويلُ الكلامِ: والثُّريَّا إذا سقَطت. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: إذا سقَطَتِ الثُّريَّا مع الفجرِ (١). حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: الثُّريَّا (٢). وقال مجاهدٌ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: سقوطُ الثُّريَّا. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: إذا انْصَبَّ (٣).

стр. 14671

وقال آخرون: بل (١) معنى ذلك: والقرآنِ إذا نزَل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زيادُ بنُ عبدِ اللهِ الحسَّانيُّ (٢) أبو الخطابِ، قال: ثنا مالكُ بنُ سُعَيْرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. قال: القرآنِ إذا نزَل (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. قال: قال عُتْبةُ بنُ أبي لهبٍ: كَفَرتُ بربِّ النَّجمِ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أمَا تخافُ أن يأكُلَك كَلْبُ اللَّهِ". قال: فخرَج في تجارةٍ إلى اليمنِ، فبينا (٤) هم قد عرَّسوا (٥)، إذ سمِع صوتَ الأسدِ، فقال لأصحابِه: إنِّي مأكولٌ. فأحْدَقوا به، وضُرِب على أَصْمِخَتِهم (٦) فناموا، فجاء حتى أَخَذَه، فما سَمِعوا إلَّا صوتَه (٧). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ ﷺ تلا: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. فقال ابنٌ لأبي لَهبٍ - حَسِبتُه قال: اسمُه عُتبةُ -: إني (٨) كفَرتُ بربِّ النَّجمِ. فقال النبيُّ ﷺ : "احْذرْ لا يأْكُلْكَ

стр. 14672

كَلْبُ اللَّهِ". قال: فضرَب هامتَه. قال: وقال ابنُ طاوسٍ عن أبيه: إن النبيَّ ﷺ قال: "ألَا تخافُ (١) أن يُسَلِّطَ اللَّهُ عليك كلبَه؟ ". فخرَج ابنُ أبي لهبٍ مع ناسٍ في سفرٍ، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ سَمِعوا صوتَ الأسدِ فقال: ما هو إلا يُريدُني. فاجْتَمَع أصحابُه حولَه، وجعَلوه في وَسَطِهم، حتى إذا ناموا جاء الأسدُ (٢)، فأخَذه من بينِهم (٣). وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٤) يقولُ: عُني بقولِه: ﴿وَالنَّجْمِ﴾: والنُّجومِ. وقال: ذهَب إلى لفظِ الواحدِ وهو في معنى الجميعِ. واستَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ (٥) راعي الإبلِ (٦): فباتَت تَعُدُّ النَّجمَ في مُستَحِيرَةٍ (٧) … سريعٌ بأيدِي الآكِلِين جمودُها والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي ما قاله مجاهدٌ، مِن أنه عُنِي بالنجمِ في هذا الموضعِ الثُّريَّا، وذلك أن العربَ تدعوها النجمَ. والقولُ الذي قاله من حَكينا عنه من أهلِ البصرةِ قولٌ لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ التأويلِ قاله، وإن كان له وَجْهٌ؛ فلذلك ترَكْنا القولَ به. وقولُه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما جار (٨)

стр. 14673

صاحبُكم محمدٌ أيُّها الناسُ عن الحقِّ، ولا زال عنه، ولكِنَّه على استقامةٍ وسَدادٍ. ويعني بقولِه: ﴿وَمَا غَوَى﴾: وما صار غَوِيًّا؛ ولكِنَّه رشيدٌ سديدٌ. يقالُ (١): غَوَى يَغْوِي، من الغَيِّ، وهو غاوٍ، وغَوِيَ يَغْوَى من اللَّبنِ: إِذا بَشِم (٢). وقولُه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾: جوابُ قسمِ ﴿وَالنَّجْمِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وما ينطِقُ محمدٌ بهذا القرآنِ عن هَواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. يقولُ: ما هذا القرآنُ إلَّا وَحْيٌ مِن اللَّهِ يوحِيه إليه. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. أي: ما يَنطِقُ عن هَواه، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. قال: يُوحِي اللَّهُ ﵎ إلى جِبْريلَ، ويوحِي جبريلُ إلى محمدٍ ﷺ (٣). وقيل: عُنِي بقولِه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾: بالهوى. وقولُه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عَلَّم

стр. 14674

محمدًا ﷺ هذا القرآنَ جبريلُ ﵇. وعُنِي بقولِه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾: شديدُ الأسبابِ. والقُوى جمعُ قوَّةٍ، كما الجُثَى جمعُ جُثْوةٍ، والحُبَى جمعُ حُبْوةٍ. ومن العربِ مَن يقولُ: القِوَى (١). بكسرِ القافِ، كما تُجمَعُ الرِّشوةُ رِشًا، بكسرِ الراءِ، والحِبْوةُ حِبًا. وقد ذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: رُشوةٌ. بضمِّ الراءِ، ورِشوةٌ. بكَسرِها. فيجِبُ أن يكونَ جمعُ مَن جمَع ذلك رِشًا بكسرِ الراءِ على لغةِ مَن قال في (٢) واحِدِها: رِشْوةٌ. [بكسرِ الراءِ] (٣). وأن يكونَ جَمْعُ مَنْ جَمَع ذلك بضمِّ الراءِ على (٤) لغةِ مَن ضمَّ الراءَ في واحدِها. فإن جمَع بالكسرِ مَن كان مِن لغتِه الضمُّ في الواحدةِ، أو بالضمِّ مَن كان مِن لغتِه الكسرُ فإِنَّما هو حَمْلُ إحدى اللغتين (٥) على الأُخْرَى. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. يعني: جبريلُ (٦). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. قال: جبْريلُ (٧).

стр. 14675

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه. وقولُه: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ذو خَلْقٍ حسَنٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾: ذو مَنظَرٍ حسَنٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: ذو خَلْقٍ طويلٍ حَسَنٍ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: ذو قُوَّةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال: ذو قُوَّةٍ؛ جبريلُ (٣). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾. قال:

стр. 14676

ذو قُوَّةٍ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال: ذو قُوَّةٍ. المِرَّةُ: القُوَّةُ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾. قال: جبريلُ (٣). وأَولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالمِرَّةِ صحةُ الجسمِ وسلامتُه من الآفاتِ والعاهاتِ. والجسمُ إذا كان كذلك (٤) من الإنسانِ كان قوِيًّا. وإنما قُلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن المِرَّةَ واحدُ المِرَرِ، وإنما أُريدَ به: ذو مِرَّةٍ سَوِيَّةٍ. وإذا كانت المِرَّةُ صحيحةً، كان الإنسانُ صحيحًا. ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "لا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لِغَنيٍّ، ولَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ" (٥). وقولُه جل ثناؤُه: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: فاسْتَوى هذا الشديدُ القُوَى وصاحبُكم محمدٌ بالأُفُقِ الأعلى (٦). وذلك لمَّا أُسْرِي برسولِ اللَّهِ ﷺ ، اسْتَوى هو وجبريلُ ﵉ بمَطْلِعِ الشَّمسِ الأعلى. وعَطَف الأعلى. وعَطَف بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾. على ما في قولِه: ﴿فَاسْتَوَى﴾ من ذكرِ محمدٍ ﷺ ، [وأكثرُ] (٧) كلامِ العربِ إذا أرادوا العطفَ في مثلِ هذا الموضعِ أن

стр. 14677

يُظهِروا كنايةَ المعطوفِ عليه، فيقولوا: اسْتَوى هو وفلانٌ. وقلَّما يقولون (١): استوَى وفلانٌ. وقد ذكَر الفرَّاءُ (٢) عن بعضِ العربِ أنَّه أنشَده: ألم ترَ أنَّ النَّبعَ يصلُبُ (٣) عودُه … ولا يَستَوِي والخِرْوعُ المتقصِّفُ فرَدَّ "الخِرْوعَ" على ما في "يستوى" من ذكر "النَّبعِ"، ومنه قولُ اللَّهِ: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧]. فعطَف بالآباءِ على المُكنَّى في: ﴿كُنَّا﴾ من غيرِ إظهارِ (٤) "نحنُ"، فكذلك قولُه: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ﴾. وقد قيل: إن المسْتَوِيَ هو جبريلُ. فإن كان ذلك كذلك فلا مُؤْنةَ في ذلك؛ لأن قولَه: ﴿وَهُوَ﴾. مِن ذكرِ اسمِ جبريلَ. وكأن قائلَ ذلك وجَّه معنى قولِه: ﴿فَاسْتَوَى﴾. أي: ارْتَفَع واعْتَدَل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾: هو (٥) جبريلُ ﵇. وبنحوِ الذي قُلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾] (٦). قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14678

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾: والأُفُقُ الذي يأتي منه النهارُ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. قال: بأُفقِ المَشرِقِ الأعلى بينَهما (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. يعني: جبريلُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾. قال: السماءِ الأعلى، يعني: جبريلُ. القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذِكرُه: ثم دنا جبريلُ من محمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم فتَدلَّى إليه، وهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وإنما هو: ثم تَدَلَّى فدَنا (٤). ولكِنَّه حَسُن تقديمُ قولِه: ﴿دَنَا﴾. إذ كان الدُّنوُّ يدلُّ على التَّدَلِّي، والتَّدَلِّي على الدُّنوِّ. كما يقالُ: زارنى فلانٌ فأحسَن، [وأَحْسَن] (٥) إليَّ فزارني. و: شتَمني

стр. 14679

فأساء، وأساء فشَتَمني. لأن الإساءةَ هي الشَّتمُ، والشَّتمَ هو الإساءةُ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال: جبريلُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. يعني: جبريلُ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال: هو جبريلُ (٣). وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم دنا الربُّ - جلَّ وعزَّ - مِن محمدٍ ﷺ فتَدَلَّى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأُمويُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾. قال: دنا ربُّه فتَدَلَّى (٤).

стр. 14680

حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن شَريكِ بنِ أبي نَمِرٍ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُنا عن ليلةِ أُسْرِيَ (١) برسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنه عَرَج جبريلُ برسولِ اللَّهِ ﷺ إلى السماءِ السابعةِ، ثم علا به فيما لا يعلمُه إِلَّا اللَّهُ، حتى جاء سِدْرةَ المُنتَهَى، ودنا الجبارُ ربُّ العِزَّةِ فتَدلَّى حتى كان منه قابَ قَوْسَين أو أدنى، فأوحَى اللَّهُ إليه ما شاء، فأوحَى اللَّهُ إليه فيما أَوْحَى خَمسين صلاةً على أمَّتِه كلَّ يومٍ وليلةٍ. ثم ذكَر الحديثَ (٢). وقولُه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. يقولُ: فكان جبريلُ من محمدٍ ﷺ على قدرٍ قَوْسَين أو أَدْنَى من ذلك. يعني: أو أقْرَبَ منه. يُقالُ فيه (٣): هو منه قابَ قَوْسَين، وقِيبَ قَوْسَين، وقِيدَ قَوْسَين، وقاد قَوْسَين، وقِدَى قَوْسَين. كلُّ ذلك بمعنى: قدرَ قَوْسَين. وقيل: إن معنى قولِه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾: أنه كان منه حيثُ الوَتَرُ مِن القوسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. قال: حيثُ الوَتَرُ مِن القَوْسِ (٤).

стр. 14681

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. قال: قِيدَ قَوْسَين. وقال ذلك قتادةُ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾. قال: قِيدَ، أو قدرَ قَوْسَين (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إبراهيمَ بنِ طَهْمانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. [قال: دنا] (٣) جبريلُ ﵇ منه، حتى كان قدرَ ذِراعٍ أو ذِراعين (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزينٍ: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: ليست بهذه القَوْسِ، ولكن قَدْرَ الذِّراعَيْن أو أدْنَى. [والقَابُ هو القِيدُ (٥). واختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾] (٣)؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحوِ الذي قُلنا فيه.

стр. 14682

[ذكرُ مَن قال ذلك] (١) حدَّثنا ابنُ أبي الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، قال: ثنا زِرُّ بنُ حُبَيشٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ في هذه الآيةِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رأيتُ جبريلَ له سِتُّمائةِ جَناحٍ" (٢). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ [بيانٍ السُّكَّريُّ] (٣)، قال: ثنا خالدُ بنُ (٤) عبدِ اللَّهِ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرٍّ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: رأى جِبريلَ له ستُّمائةِ جناحٍ في صورتِه (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ ليثٍ الأسَديُّ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: رأى النبيُّ ﷺ جبريلَ ﵇ له ستُّمائةِ جَناحٍ. حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن أبي (٦) الأسودِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان أوّلُ شأنِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّه رأى في

стр. 14683

منامِه جبريلَ ﵇ بأَجْيادَ (١)، ثم إنه خرَج ليقضِيَ حاجتَه، فصرَخ به جبريلُ: يا محمدُ، يا محمدُ. فنظَر رسولُ اللَّهِ ﷺ يمينًا وشمالًا فلم يرَ شيئًا، ثلاثًا، ثم خرَج فرَآه، فدخَل في الناسِ، ثم خرَج، [فرآه، فدخَل في الناسِ، ثم خرَج] (٢)، أو قال: ثم نظَر - [الطبريُّ يشكُّ] (٣) - فرآه، فذلك قولُه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾. قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ جبريلُ إلى محمدٍ صلى اللَّهُ عليهما، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. يقولون: القَابُ نصفُ الإصبعِ. وقال بعضُهم: ذراعين كان بينَهما (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الشَّيبانيِّ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: له ستُّمائةِ جَناحٍ. يعني جبريلَ ﵇ (٥). حدَّثنا (٦) إبراهيمُ بنُ سعيدٍ (٧)، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا زكريا، عن ابنِ أشرعَ (٨)، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما قولُه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾؟ فقالت: إنما ذلك جبريلُ، كان يأتِيه في صورةِ الرجالِ، وإنه أتاه هذه المرَّةَ في صورتِه، فسَدَّ أُفُقَ

стр. 14684

السماءِ (١). وقال آخرون: بل الذي دنا فتدَّلى فكان قابَ قَوْسَين أو أَدْنى، جبريلُ من رَبِّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾. قال: اللَّهُ مِن جبريلَ ﵇ (٢). وقال آخرون: بل (٣) الذي كان قابَ قوسين أو أدنى محمدٌ مِن ربِّه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى بنِ عُبَيدَةَ (٤) الحميريِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، عن بعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، قال: قُلْنا: يا نبيَّ اللَّهِ، هل رأيتَ ربَّكَ؟ قال: "لَم أرَه بعَيْنِي، ورَأيتُه بفؤادِي مرَّتَين". ثم تَلا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ " (٥). حدَّثنا خلّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: أخبَرنا النَّضرُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرِو بنِ

стр. 14685

علقمةَ بنِ وقاصٍ اللَّيْثيُّ، عن كثيرٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لما عُرِج بِي مضَى جبريلُ حتى جاء الجنةَ". قال: "فدخَلتُ فأُعطِيتُ الكَوْثَرَ، ثم مضَى حتى جاء سدرَةَ المُنتهَى، فدَنا رَبُّك فتدَلَّى، فكان قابَ قَوسَين أو أدْنَى، فأوحَى إلى عَبدِه ما أوحَى" (١). وقولُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فأوحَى اللَّهُ إلى عبدِه محمدٍ وحْيَه. وجعَلوا قولَه: ﴿مَا أَوْحَى﴾. بمعنى المصدرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (٢): ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: عبدِه محمدٍ ﷺ (٣). [وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأوحَى جبريلُ إلى عبدِه محمدٍ ﷺ ] (٤) ما أوحَى إليه ربُّه. وقد يتوجَّهُ على هذا التأويلِ ﴿مَا﴾ لوجهين؛ أحدُهما: أن تكونَ بمعنى "الذي"، فيكونَ معنى الكلامِ: فأوحَى إلى عبدِه الذي أوحاه إليه ربُّه. والآخرُ: أن

стр. 14686

تكونَ بمعنى المصدرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: قال الحسنُ: جبريلُ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: على لسانِ جبريلَ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: أوحَى جبريلُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ما أوحَى اللَّهُ إليه (٣). وأولى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأوحَى جبريلُ إلى عبدِه محمدٍ ﷺ ما أوحَى إليه ربُّه. لأن افتتاحَ الكلامِ جرَى في أوَّل السورةِ بالخبرِ عن محمدٍ وعن جبريلَ ﵇، وقولُه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ في سِياقِ ذلكَ، ولم يأتِ ما يَدلُّ على انصرافِ الخبرِ عنهما فيوجَّهَ ذلك إلى ما صُرِف إليه. وقولُه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما كذَب فؤادُ

стр. 14687

محمدٍ ﷺ محمدًا الذي رأى، ولكِنَّه صَدَقه. واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي رآه فؤادُه فلم يَكْذِبْه؛ فقال بعضُهم: الذي رآه فؤادُه ربُّ العالمين. وقالوا: جعَل (١) بصَرَه في فؤادِه، فرآه بفؤادِه، ولم يَرَه بعينِه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سعيدُ بنُ يَحيى، قال: ثنى عمِّي (٢) عبدُ الرحمنِ بنُ سعيدٍ، عن إسرائيلَ بنِ يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن عِكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه بقلبِه ﷺ (٣). حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا عبّادٌ - يعني ابنَ منصورٍ - قال: و (٤) سألتُ عكرِمةَ عن قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: أتريدُ أن أقولَ لك: قد رآه؟ نعم قد رآه، ثم قد رآه، ثم قد رآه، حتى ينقطِعَ النَّفَسُ (٥). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عبيدٍ (٦)، قال: سمِعتُ عكرِمةَ وسُئل: هل رأى محمدٌ ربَّه؟ فقال: نعم، قد رأى ربَّه.

стр. 14688

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا سالمٌ مَولى معاويةَ، عن عكرِمةَ مثلَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى التميميُّ، قال: ثنى سليمانُ بنُ عمرَ (١) بنِ سيَّارٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بنِ زَرْبيٍّ (٢)، عن عمرَ (٣) بنِ سليمانَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "رأيتُ ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال لي: يا محمدُ، هل تدرِي فيمَ يَختَصِمُ الملأُ الأعلَى؟ فقلتُ: لا يا ربِّ. فوضَع يدَه بينَ كَتِفَيَّ، فوجَدتُ بردَها (٤) بينَ ثَدْيَيَّ، فعَلِمتُ ما في السماواتِ (٥) والأرْضِ، فقلتُ: يا ربِّ، في الدَّرجاتِ والكفارات، ونَقْلِ الأقدامِ إلى الجُمُعاتِ، وانتظارِ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ. فقلتُ: يا ربِّ، إِنَّكَ اتخَذتَ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّمتَ موسى تَكْلِيمًا، وفعَلتَ وفعَلتَ. فقال: ألم أشرَحْ لك صدرَكَ؟ ألم أضَعْ عنك وزرَك؟ ألم أفعَلْ بِك؟ ألم أفعَلْ؟ قال: فأفضَى إليَّ بأشياءَ لم يؤذَنْ لي أن أُحدِّثَكُموها. قال: فذلك قولُه في كتابِه يُحدِّثُكُموه (٦): ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. فَجَعَل نورَ بَصري في فؤادِي، فنَظَرتُ إليه بفُؤَادِي" (٧).

стр. 14689

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ وأحمدُ بنُ هشامٍ، قالا: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه مرَّتَين بفُؤادِه (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن قيسٍ، عن عاصمٍ الأحول، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللَّهَ اصطَفى إبراهيمَ بالخُلَّةِ، واصْطَفى موسى بالكلامِ، واصْطَفى محمدًا بالرؤيةِ، صلواتُ اللَّهِ عليهم (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ الحُصَينِ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رآه بفُؤادِه (٣). قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى محمدٌ ربَّه (٤). قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾: فلم

стр. 14690

يَكْذِبْه، ﴿مَا رَأَى﴾. قال: رأى ربَّه. قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى محمدٌ ربَّه بفُؤادِه. وقال آخرون: بل الذي رآه فؤادُه فلم يَكْذبْه جبريلُ ﵇. ذِكرُ مَن قال ذلك [حدَّثني ابن بَزِيعٍ البغداديُّ] (١) قال: ثنا إسحاقُ (٢) بنُ منصورٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ (٣)، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى رسولُ اللَّهِ ﷺ جبريلَ عليه حُلَّتا رفرفٍ، قد ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ (٤). حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عاصمٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللَّهِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "رأيتُ جبريلَ عندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى، له سِتُّمائةِ جَناحٍ، يَنفُضُ من رِيشِه التَّهاويلَ (٥)؛ الدُّرَّ والياقوتَ" (٦).

стр. 14691

حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ وإبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزْجانيُّ، قالا: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، أن الحسينَ بنَ واقدٍ حدَّثه، قال: حدَّثني عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رأيتُ جبريلَ عندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى، له سِتُّمائةِ جَناحٍ". زاد الرِّفاعيُّ في حديثِه: فسألتُ عاصمًا عن الأجنحةِ فلم يُخبِرْني، فسألتُ أصحابي فقالوا: كلُّ جناحٍ ما بينَ المَشْرِقِ والمَغرِبِ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. قال: رأى جبريلَ في صورتِه التي هي صورتُه. قال: وهو الذي رَآه نزلَةً أُخرى (٢). واختَلَفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿كَذَبَ﴾ بالتخفيفِ، غيرَ عاصمٍ الجَحْدَريِّ وأبي جعفرٍ القارئِ والحسنِ البصرىِّ، فإنهم قرءوه: (كذَّب) بالتشديدِ (٣)، بمعنى أن الفؤادَ لم يُكذِّبِ الذي رَآه (٤)، ولكِنَّه جعَله حقًّا وصدقًا. وقد

стр. 14692

يحتَمِلُ أن يكونَ معناه إذا قُرِئَ كذلك: ما كذَّب صاحبُ الفؤادِ ما رأَى. وقد بيَّنا معنى مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ. والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه بالتخفيفِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليه، والأُخرى غيرُ مدفوعةٍ [صحَّتُها؛ لصحَّةِ] (١) معناها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾. قال أبو جعفرٍ: اختَلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ وعامَّةُ أصحابِه: (أفتَمْرُونه) بفتحِ التاءِ بغيرِ ألفٍ، وهي قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ (٢)، ووجَّهوا تأويلَه إلى: أفتَجْحدونَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه كان يقرَأُ: (أَفَتَمْرُونَه) (٣). يقولُ: أفتَجحَدونه، ومَن قرَأ: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾. قال: أفتُجادلونه (٤). وقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ المدينةِ ومكةَ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ بضمِّ التاءِ والألفِ (٥)، بمعنى: أفتُجادِلونه.

стр. 14693

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي (١) أنهما قراءتان معروفتان صَحيحَتا المعنى، وذلك أن المشرِكين قد جحَدوا أن يكونَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رأَى ما أَراه اللَّهُ ليلةَ أُسْرِي به وجادَلوه في ذلك، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وتأويلُ الكلامِ: أفتُجادِلون أيها المُشرِكون محمدًا على ما يرَى مما أَراه اللَّهُ مِن آياتِه. وقولُه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. يقولُ: ولقد رآه مرَّةً أُخرى. واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي رآه محمدٌ نَزْلةً أُخرَى نحوَ اختلافِهم في قولِه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾. ذكرُ بعضِ ما رُوِي في ذلك مِن الاختلافِ وذِكرُ مَن قال فيه: رأَى جبريلَ ﵇ حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفيُّ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، أن عائشةَ قالت: يا أبا عائشةَ، مَن زعَم أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظَم الفِرْيةَ على اللَّهِ. قال: وكُنتُ متَّكِئًا فجلَستُ، فقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، أنْظِريني ولا تُعجلِيني، أرأيتِ قولَ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]؟ قالت: إنما هو جبريلُ؛ رآه مرَّةً على خَلْقِه وصورتِه التي خُلِق عليها، ورآه مرَّةً أخرى حين هبَط مِن السماءِ إلى الأرضِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِه ما بينَ السماءِ و (٢) الأرضِ. قالت: أنا أَوَّلُ مَن سأَل

стр. 14694

النبيَّ ﷺ عن هذه الآيةِ، قال: "هو جبريلُ" (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه (٢). [حدَّثنا ابنُ المثنى، قال] (٣): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: كنتُ عندَ عائشةَ. فذكَر نحوَه (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ ﵂، قالت له: يا أبا عائشةَ، مَن زعَم أن محمدًا رأَى ربَّه فقد أعْظَمَ الفِرْيَةَ على اللَّهِ، واللَّهُ يقولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. قال: وكُنتُ متَّكِئًا فجلستُ، وقلتُ: يا أمَّ المؤمنين، [انْتَظرِيني ولا تُعْجِليني] (٥)، ألم يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾؟ فقالت: أنا أوَّلُ هذه الأُمَّةِ سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فقال: "لم أرَ جبريلَ على صورته إلَّا هاتَينِ المرَّتينِ؛ رأيتُه (٦) مُنهَبِطًا مِن السماءِ سادًّا

стр. 14695

عِظَمُ خَلْقِه ما بينَ السماءِ والأرضِ". حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: كنتُ متَّكِئًا عندَ عائشةَ، فقالت: يا أبا عائشةَ. ثم ذكَر نحوَه (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رأى جبريلَ في رَفْرفٍ قد ملأَ ما بينَ السماءِ والأرضِ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بنِ وهبٍ، عن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ (٣): ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رأى جبريلَ، في وَبَرِ رِجْلَيه كالدُّرِّ مثلُ القَطرِ على البَقْلِ (٤). حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن وهبٍ، عن مرَّةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ثم ذكَر نحوَه (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: رأَى جبريلَ في صورتِه مرَّتين (٦).

стр. 14696

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن مجاهدٍ، قال: رأَى النبيُّ ﷺ جبريلَ في صورتِه مرَّتَين. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: جبريلَ (١). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بنِ نَوفَلٍ، عن قَوْلِ (٢) كعبٍ أنه أخبَره أن اللَّهَ ﵎ قَسَم رؤيتَه وكلامَه بينَ محمدٍ وموسى، فكلَّمَه موسى مرَّتَين، ورآه محمدٌ مرَّتين. قال: فأتَى مسروقٌ عائشةَ، فقال: يا أمَّ المؤمنين، هل رأَى محمدٌ ربَّه؟ فقالت: سبحانَ اللَّهِ! لقد قَفَّ شَعَرِي لما قلتَ، أين أنتَ مِن ثلاثٍ مَن حدَّثكَ بهنَّ فقد كذَب؛ مَن أخبَرك أن محمدًا رأَى ربَّه فقد كذَب. ثم قرَأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. ومَن أخبَرك بما (٣) في غدٍ فقد كذَب. ثم تلَت آخرَ سورةِ "لقمانَ": ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. ومن أخبَرك أن محمدًا كتَم شيئًا [مِن الوحْيِ] (٤) فقد كذَب. ثم قرَأت: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. قالت: ولكِنَّه رأَى جبريلَ في صورتِه مرَّتين (٥).

стр. 14697

حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنى إسماعيلُ، عن عامرٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ بن نَوْفَلٍ، قال: سمِعتُ كعبًا ثم ذكَر نحوَ حديثِ عبدِ الحميدِ بنِ بَيانٍ، غيرَ أنه قال في حديثِه: فرآه محمدٌ مرَّةً، وكلَّمه موسى مرَّتين. ذكرُ مَن قال فيه: إنه (١) رأَى ربَّه حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن سِماكٍ، عن (٢) عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. قال: إن رسولَ اللَّهِ ﷺ رأى ربَّه بقلبِه. فقال له رجلٌ عندَ ذلك: أليس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟ قال له عكرِمةُ: أليس ترَى السماءَ؟ قال: بلى. قال: أَفَكُلَّها تَرَى (٣)؟ حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: دنا ربُّه فتَدلَّى، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: قد رآه النبيُّ ﷺ (٤).

стр. 14698

وقولُه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه عندَ سدرةِ المُنتَهى. فـ ﴿عِنْدَ﴾ مِن صلةِ قولِه: ﴿رَآهُ﴾. والسدرةُ: شجَرةُ النَّبْقِ. وقيل لها: سدرةُ المُنتَهى - في قولِ بعضِ أهلِ العلمِ من أهلِ التأويلِ - لأنه يَنتَهِي إليها علمُ كلِّ عالمٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرٍ، قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له: حَدِّثْني عن قولِ اللَّهِ : ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. فقال كعبٌ: إنها سدرةٌ في أصلِ العرشِ، إليها يَنْتَهِي علمُ كلِّ عالمٍ؛ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، أو نبيٍّ مُرسلٍ، ما خَلْفَها غيبٌ، لا يعلمُه إِلَّا اللَّهُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني جريرُ بنُ حازمٍ، عن الأعمشِ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، عن هلالِ بنِ يِسافٍ، قال: سأَل ابنُ عباسٍ كعبًا عن سِدرةِ المُنتَهى وأنا حاضرٌ، فقال كعبٌ: إنها سدرةٌ على رءوسِ حَمَلةِ العرشِ، وإليها يَنتَهِي علمُ الخلائقِ، ثم ليس لأحدٍ وراءَها علمٌ، فلذلك سُمِّيت سدرةَ المُنتَهَى، لانتهاءِ العلمِ إليها (٢).

стр. 14699

وقال آخرون: قيل لها: سِدْرةُ المُنتَهى لانتِهاءِ (١) ما يَهبِطُ مِن فوقِها ويَصْعَدُ مِن تحتِها من أمرِ اللَّهِ إليها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزُّبيرِ بنِ (٢) عديٍّ، عن طلحةَ الياميِّ (٣)، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لما أُسرِي برسولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِي به إلى سدرةِ المُنتَهَى، وهي في السماءِ السادسةِ، إليها يَنتَهِي مَن يَعرُجُ مِن الأَرضِ أو مِن تحتِها فيُقْبَضُ منها، وإليها يَنتهِي ما يَهبِطُ من فوقِها فيُقْبَضُ منها (٤). حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ (٥)، قال: ثنا يَعلَى، عن الأجلحِ، قال: قلتُ للضَّحاكِ: لم تُسمَّى سدرةَ المُنتَهَى (٦)؟ قال: لأنه يَنتَهِي إليها كلُّ شيءٍ مِن أمرِ اللَّهِ لا يَعْدُوها (٧). وقال آخرون: قيل لها: سِدرةُ المُنَتَهى لأنه إليها يَنتَهِي كلُّ مَن كان على سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهاجِه.

стр. 14700

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: إليها يَنْتَهِي كلُّ أحدٍ خَلا على سُنَّةِ محمدٍ (١)؛ ولذلك سُمِّيتِ المُنتَهَى (٢). حدَّثني عليُّ بنُ سَهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ ، انتَهَى إلى السدرةِ، فقيل له: هذه السدرةُ يَنتَهِي إليها كلُّ أحدٍ خَلا مِن أُمَّتِكَ على سُنَّتِك (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن معنى المُنتَهى الانتهاءُ. فكَأنَّه قال (٤): عندَ سدرةِ (٥) الانتهاءِ. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها (٦): سدرةُ المُنتَهَى. لانتهاءِ علمِ كلِّ عالمٍ مِن الخَلْقِ إليها، كما قال كعبٌ. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها ذلك لانتهاءِ ما يَصْعَدُ مِن تحتِها وينزلُ مِن فوقِها إليها، كما رُوِي عن عبدِ اللَّهِ. وجائزٌ أن يكونَ قيل ذلك كذلك لانتهاءِ كلِّ مَن خلا مِن الناسِ على سُنَّةِ رسول اللَّهِ ﷺ إليها. وجائزٌ أن يكونَ قيل لها ذلك لجميعِ ذلك، ولا خبرَ يَقطَعُ العذرَ بأنه قيل ذلك لها لبعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فلا قولَ فيه أصحُّ مِن القولِ الذي قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، وهو أنَّها سِدْرةُ المُنتَهَى.

стр. 14701

وبالذي قُلنا في أنها شجرةُ النَّبقِ تتابعتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال أهلُ العلمِ. ذكرُ ما في ذلك من الآثارِ وقولِ أهلِ العلمِ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "انتَهَيْتُ إلى السدرةِ، فإِذا نَبقُها مثلُ الجِرَارِ، وإذا ورقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تحوَّلت ياقوتًا وزُمُرُّدًا ونحوَ ذلك" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بن صَعْصَعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ : "لما انتهَيتُ إلى السماءِ السابعةِ أتَيتُ على إبراهيمَ، فقلتُ: يا جبريلُ، مَن هذا؟ قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ. فسلَّمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالحِ. قال: ثم رُفِعتْ إليَّ سدرةُ المُنتَهَى". فحَدَّث نبيُّ اللَّهِ أن نَبْقَها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وأن ورقَها مثلُ آذانِ الفِيَلةِ. وحدَّثنا ابنُ المثَّنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال. فذكَر نحوَه (١).

стр. 14702

حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ (١) الرازيُّ (٢)، قال: ثنا الفضلُ بنُ عنبَسةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "رَكِبتُ البُراقَ، ثم ذُهِب بي إلى سِدرةِ المُنتَهَى، فإذا ورقُها كآذانِ الفِيلَةِ، وإذا ثمرُها كالقِلالِ. قال: فلمَّا غشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تغَيَّرت، فما أحدٌ يَستطيعُ أن يَصِفَها مِن حُسنِها. قال: فأوحَى اللَّهُ إليَّ ما أوحَى" (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو النَّضرِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المُغيرةِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "عرَج بي الملَكُ. قال: ثم انتهَيتُ (٤) إلى السِّدرةِ وأنا أعرِفُ أنها سِدرةٌ، أعرِفُ ورَقَها وثمرَها. قال: فلما غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تحوَّلتْ، حتى ما يستطيعُ أحدٌ أن يصِفَها" (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا يونسُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه، إلَّا أنه قال: "حتى ما أستطيعُ أن أصِفَها". حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ انتَهَى إلى السِّدرةِ، فقيل له: هذه السِّدرةُ ينتَهِي إليها كلُّ

стр. 14703

أحدٍ خَلا من أمَّتِك على سُنَّتِك. فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ من أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيرْ طَعمُه، وأنهارٌ مِن خَمْرٍ لذَّةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصَفًّى، وهي شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين عامًا لا يقْطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ (١) الأمةَ كلَّها (٢). وحدَّثنا ابنُ حمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، أُراه عن هُزيلِ (٣) بنِ شُرحبيلَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: من صُبْرِ (٤) الجنةِ عليها، أو عليه، فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ، أو جُعِلَ عليها فضولٌ (٥). وحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرَّةً أُخرى، عن مِهرانَ، فقال: عن الحسنِ العُرنيِّ، عن الهُزيلِ، عن ابنِ مسعودٍ - ولم يَشُكَّ فيه - وزاد في الحديثِ: فقال: صُبْرُ الجنَةِ يعني وسطَها. وقال أيضًا: عليها فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ. وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، عن الهُزَيلِ بنِ شُرحبيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: صُبْرُ الجنةِ عليها السندسُ والإستبرقُ. وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن

стр. 14704

يحيى بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ وذكَر سِدرةَ المُنتَهَى، فقال: "يَسيرُ في ظِلِّ الفَننِ (١) منها مائةُ راكبٍ - أو قال: يَستظِلُّ في الفَننِ منها مائةُ راكبٍ. شَكَّ يحيى - فيها فَرَاشُ الذَّهَبِ، كأَنَّ ثمرَهَا القِلالُ" (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: السِّدرةُ شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطَعُها (٣)، وإن ورقةً منها غَشِيت (٤) الأمةَ كلَّها. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: أن النبيَّ ﷺ قال: "رُفِعَت لي سِدرةٌ، مُنتَهاها (٥) في السماءِ السابعةِ، نَبْقُها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وورَقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، يخرُجُ مِن ساقِها نَهرانِ ظاهِرانِ ونَهرانِ باطِنانِ. قال: قلتُ لجبريلَ: ما هذان النَّهرانِ أزواجٌ (٦)؟ قال: أما النَّهرانِ الباطِنانِ ففي الجنَّةِ، وأما النَّهرانِ الظَّاهرانِ فالنيلُ والفراتُ" (٧).

стр. 14705

وقولُه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عندَ سِدرةِ المنتَهى جنةُ مأْوَى الشهداءِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: هي عن (١) يمينِ العرشِ، وهي منزلُ الشهداءِ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: هو كقولِه: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩]. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: منازلُ الشهداءِ (٣). وقولُه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه نَزْلةً أُخرَى، إذ يَغْشَى السِّدرةَ ما يَغْشَى. فـ ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ ﴿رَآهُ﴾. واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي غَشِي (٤) السِّدرةَ؛ فقال بعضُهم: غَشِيَها فرَاشُ الذهبِ.
следующие страницы →