← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14701–14740 · переход к 14706.

стр. 14701

وبالذي قُلنا في أنها شجرةُ النَّبقِ تتابعتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ وقال أهلُ العلمِ. ذكرُ ما في ذلك من الآثارِ وقولِ أهلِ العلمِ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "انتَهَيْتُ إلى السدرةِ، فإِذا نَبقُها مثلُ الجِرَارِ، وإذا ورقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، فَلَمَّا غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها، تحوَّلت ياقوتًا وزُمُرُّدًا ونحوَ ذلك" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بن صَعْصَعةَ، رجلٍ من قومِه، قال: قال نبيُّ اللَّهِ ﷺ : "لما انتهَيتُ إلى السماءِ السابعةِ أتَيتُ على إبراهيمَ، فقلتُ: يا جبريلُ، مَن هذا؟ قال: هذا أبوكَ إبراهيمُ. فسلَّمتُ عليه، فقال: مرحبًا بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالحِ. قال: ثم رُفِعتْ إليَّ سدرةُ المُنتَهَى". فحَدَّث نبيُّ اللَّهِ أن نَبْقَها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وأن ورقَها مثلُ آذانِ الفِيَلةِ. وحدَّثنا ابنُ المثَّنى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، رجلٍ من قومِه، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال. فذكَر نحوَه (١).

стр. 14702

حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سُرَيجٍ (١) الرازيُّ (٢)، قال: ثنا الفضلُ بنُ عنبَسةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "رَكِبتُ البُراقَ، ثم ذُهِب بي إلى سِدرةِ المُنتَهَى، فإذا ورقُها كآذانِ الفِيلَةِ، وإذا ثمرُها كالقِلالِ. قال: فلمَّا غشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تغَيَّرت، فما أحدٌ يَستطيعُ أن يَصِفَها مِن حُسنِها. قال: فأوحَى اللَّهُ إليَّ ما أوحَى" (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ أَبي سُرَيجٍ، قال: ثنا أبو النَّضرِ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المُغيرةِ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "عرَج بي الملَكُ. قال: ثم انتهَيتُ (٤) إلى السِّدرةِ وأنا أعرِفُ أنها سِدرةٌ، أعرِفُ ورَقَها وثمرَها. قال: فلما غَشِيَها مِن أمرِ اللَّهِ ما غَشِيَها تحوَّلتْ، حتى ما يستطيعُ أحدٌ أن يصِفَها" (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا يونسُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه، إلَّا أنه قال: "حتى ما أستطيعُ أن أصِفَها". حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ انتَهَى إلى السِّدرةِ، فقيل له: هذه السِّدرةُ ينتَهِي إليها كلُّ

стр. 14703

أحدٍ خَلا من أمَّتِك على سُنَّتِك. فإذا هي شجرةٌ يَخرُجُ من أصلِها أنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسنٍ، وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيرْ طَعمُه، وأنهارٌ مِن خَمْرٍ لذَّةٍ للشاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مُصَفًّى، وهي شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها سبعين عامًا لا يقْطَعُها، والورقةُ منها مُغَطِّيةٌ (١) الأمةَ كلَّها (٢). وحدَّثنا ابنُ حمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ الحضرميِّ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، أُراه عن هُزيلِ (٣) بنِ شُرحبيلَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: من صُبْرِ (٤) الجنةِ عليها، أو عليه، فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ، أو جُعِلَ عليها فضولٌ (٥). وحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرَّةً أُخرى، عن مِهرانَ، فقال: عن الحسنِ العُرنيِّ، عن الهُزيلِ، عن ابنِ مسعودٍ - ولم يَشُكَّ فيه - وزاد في الحديثِ: فقال: صُبْرُ الجنَةِ يعني وسطَها. وقال أيضًا: عليها فضولُ السُّندسِ والإستبرقِ. وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، عن الهُزَيلِ بنِ شُرحبيلَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: صُبْرُ الجنةِ عليها السندسُ والإستبرقُ. وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن

стр. 14704

يحيى بنِ عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ وذكَر سِدرةَ المُنتَهَى، فقال: "يَسيرُ في ظِلِّ الفَننِ (١) منها مائةُ راكبٍ - أو قال: يَستظِلُّ في الفَننِ منها مائةُ راكبٍ. شَكَّ يحيى - فيها فَرَاشُ الذَّهَبِ، كأَنَّ ثمرَهَا القِلالُ" (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾. قال: السِّدرةُ شجرةٌ يسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يقطَعُها (٣)، وإن ورقةً منها غَشِيت (٤) الأمةَ كلَّها. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: أن النبيَّ ﷺ قال: "رُفِعَت لي سِدرةٌ، مُنتَهاها (٥) في السماءِ السابعةِ، نَبْقُها مثلُ قِلالِ هَجَرَ، وورَقُها مثلُ آذانِ الفِيلَةِ، يخرُجُ مِن ساقِها نَهرانِ ظاهِرانِ ونَهرانِ باطِنانِ. قال: قلتُ لجبريلَ: ما هذان النَّهرانِ أزواجٌ (٦)؟ قال: أما النَّهرانِ الباطِنانِ ففي الجنَّةِ، وأما النَّهرانِ الظَّاهرانِ فالنيلُ والفراتُ" (٧).

стр. 14705

وقولُه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عندَ سِدرةِ المنتَهى جنةُ مأْوَى الشهداءِ. وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: هي عن (١) يمينِ العرشِ، وهي منزلُ الشهداءِ (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: هو كقولِه: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٩]. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾. قال: منازلُ الشهداءِ (٣). وقولُه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد رآه نَزْلةً أُخرَى، إذ يَغْشَى السِّدرةَ ما يَغْشَى. فـ ﴿إِذْ﴾ مِن صلةِ ﴿رَآهُ﴾. واختَلَف أهلُ التأويلِ في الذي غَشِي (٤) السِّدرةَ؛ فقال بعضُهم: غَشِيَها فرَاشُ الذهبِ.

стр. 14706

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن طلحةَ الياميِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ (١). وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ أو طلحةَ - شكَّ الأعمشُ - عن مسروقٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها فَرَاشٌ (٢) من ذَهَبٍ. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رأيتُها - يعنِي (٣) سدرةَ المُنتَهَى - حتى اسْتَثبتُّها، ثم حالَ دونَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ" (٤). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رأيْتُها حتى اسْتَثبَتُّها، ثم حالَ دونَه (٥) فَراشُ الذهَبِ". حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ.

стр. 14707

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى - يعني ابنَ عُبَيدةَ - عن يعقوبَ بنِ زيدٍ، قال: سُئلَ النبيُّ ﷺ : ما رأيتَ يَغْشَى السِّدرةَ؟ قال: "رأيتُها يَغْشاها فَراشُ من ذَهَبٍ" (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: قيل له: يا رسول اللَّهِ، أيُّ شيءٍ رأيتَ يغْشَى تلك السِّدرةَ؟ [قال: "رأيْتُها] (٢) يَغْشاها فَراشُ الذهَبِ، ورأيتُ على كلِّ ورقةٍ من ورقِها مَلَكًا قائمًا يُسبِّحُ اللَّهَ" (٣). وقال آخرون: الذي غَشِيَها ربُّ العزَّةِ وملائكتُه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها اللَّهُ، فرأَى محمدٌ مِن آياتِ ربِّه الكُبْرى. وحدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: كان أَغْصَانُ السِّدرةِ لُؤلؤًا وياقوتًا وزَبَرْجَدًا، فرآها محمدٌ، ورأَى محمدٌ بقلبِه ربَّه (٤).

стр. 14708

حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. قال: غَشِيَها نورُ الربِّ وغَشِيَتها الملائكةُ مِن حُبِّ اللَّهِ مثلَ الغِربانِ حينَ يقَعْنَ على الشَّجرِ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه. حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازِيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: لما أُسرِي بالنبيِّ ﷺ انتَهَى إلى السِّدرة، [فقيل له: هذه السدرةُ] (٢). قال: فغَشِيَها نورُ الخَلَّاقِ، وغَشِيَتها الملائكةُ أمثالَ الغِربانِ حينَ يقَعْنَ على الشجرِ. قال: فكَلَّمَه عندَ ذلك، فقال له: سَلْ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما مال بصرُ محمدٍ فعَدَل (٤) يمينًا ولا (٥) شمالًا عما رأَى (٦)، ولا جاوَز ما أُمِر به فطَغى. يقولُ: فارْتَفَع عن الحدِّ الذي حُدَّ له.

стр. 14709

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: ما زاغ يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا طَغَى﴾: وما (١) جاوز ما أُمِر به (٢). [حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: ما مَال وما ارتفَع] (٣). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: رأى جبريلَ في صورةِ الملَكِ (٤). قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مسلمٍ البَطينِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾. قال: ﴿مَا زَاغَ﴾: ما (٥) ذهَب يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا (٦) طَغَى﴾: ما جاوز. وقولُه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لقد رأَى

стр. 14710

محمدٌ هنالك من أعلامِ ربِّه وأدلتِه، [الأعلامَ و] (١) الأدلةَ الكُبرى. واختلَف أهلُ التأويلِ في تلك الآياتِ الكُبرَى؛ فقال بعضُهم: رأَى رَفْرفًا أخضرَ قد سدَّ الأُفُقَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: رَفْرفًا أخضرَ من الجنةِ قد سدَّ الأُفُقَ (٢). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ. فذكَر مثلَه. حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: رَفْرفًا أخضرَ قد سدَّ الأُفُقَ (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الأعمشِ، أن ابنَ مسعودٍ قال: رأى النبيُّ ﷺ رَفرفًا أخضرَ من الجنةِ قد سدَّ الأُفُقَ.

стр. 14711

وقال آخرون: رأى جبريلَ في صورتِه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: رأَى جبريلَ في خَلْقِه الذي يكونُ به في السماوات، قدرَ قَوْسَين من رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فيما بينَه وبينَه (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأيتم أيُّها المشركون اللاتَ. وهي من (٢) "اللَّهِ"، أُلْحِقَت فيه التاءُ فأُنِّثَت، كما قيل: عمرٌو. للذَّكرِ، [ثم قيل] (٣) للأنثَى: عَمْرةُ. وكما قيل للذَّكرِ: عباسٌ. ثم قيل للأنثَى: عَبَّاسَةُ. فكذلك سَمَّى المشركون أوثانَهم بأسماءِ اللَّهِ تعالى ذكرُه وتقَدَّست أسماؤُه، فقالوا مِن "اللَّهِ": اللاتَ. ومِن "العزيزِ": العُزَّى. وزعَموا أنهن بناتُ اللَّهِ، تعالى اللَّهُ عما يقولون [وافْتَرَوْا؛ فقال جلَّ ثناؤُه لهم: أفرأيتم أيُّها الزاعمون أن اللاتَ والعُزَّى ومناةَ] (٤) الثالثةَ الأخرى بناتُ اللَّهِ، ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾. يقولُ: أتَخْتارون لأنفسِكم الذَّكرَ مِن الأولادِ وتَكْرَهون لها الأنثَى، وتَجْعَلون له الأنثَى التي لا تَرْضَوْنها لأنفسِكم، ولكنكم تَقْتُلونها؛ كراهةً منكم لهن. واختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اللَّاتَ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الأمصارِ

стр. 14712

بتخفيفِ التاءِ، على المعنى الذي وصَفْتُ. وذُكِر أن اللاتَ بيتٌ كان بنَخْلةَ تَعْبُدُه قريشٌ. وقال بعضُهم: كان بالطائفِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: أما اللاتُ فكانت (١) بالطائفِ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾. قال: اللاتُ بيتٌ كان بنَخْلةَ، تَعْبُدُه قريشٌ (٣). وقرَأ ذلك ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وأبو صالحٍ: (اللَّاتَّ). بتشديدِ التاءِ (٤)، وجعَلوه صفةً للوَثَنِ الذي عبَدُوه. وقالوا: كان رجلًا يَلُتُّ السَّوِيقَ (٥) للحاجِّ، فلمَّا مات عكَفوا على قبرِه فعبَدُوه. ذكرُ [الخبرِ عمن قاله] (٦) حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ والعُزَّى). قال: كان يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاجِّ، فعُكِف

стр. 14713

على قبرِه (١). وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ). قال: اللَّاتُّ كان يَلُتُّ السَّوِيقَ للحاجِّ. وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: (اللَّاتَّ). قال: كان يَلُتُّ السَّوِيقَ لهم (٢)، فمات، فعكَفوا على قبرِه فعبَدوه (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (اللَّاتَّ والعُزَّى). قال: رجلٌ يَلُتُّ للمشركين السَّويقَ، فمات فعكَفوا على قبرِه. حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: (اللَّاتَّ). قال: اللَّاتُّ الذي كان يَقومُ على آلهتِهم، ويَلُتُّ لهم السَّويقَ، وكان بالطائفِ (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ يوسُفَ، قال: ثنا أبو عبيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن أبي الأشْهَبِ، عن أبي الجَوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان يَلُتُّ السويقَ للحاجِّ (٤). وأولى القراءتين (٥) بالصوابِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأَه بتخفيفِ التاءِ، على

стр. 14714

المعنى الذي وصَفْتُ لقارئِه كذلك؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه. وأما العُزَّى فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيها؛ فقال بعضُهم: كانت شَجَراتٍ يَعْبُدونها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْعُزَّى﴾. قال: العُزَّى شُجَيْراتٌ (١). وقال آخرون: كانت العُزَّى حَجَرًا أبيضَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: العُزَّى حجرٌ أبيضُ (٢). وقال آخرون: كان بيتًا بالطائفِ تَعْبُدُه ثقيفٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْعُزَّى﴾. قال: العُزَّى بيتٌ بالطائفِ تَعْبُدُه ثقيفٌ. وقال آخرون: بل كانت ببطنِ نَخْلةَ (٣).

стр. 14715

ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْعُزَّى﴾. قال: أما العُزَّى فكانت ببطنِ نَخْلَةَ. وأما مناةُ فإنها كانت فيما ذُكِر لخُزاعةَ. ذكرُ مَن قال ذلك] (١) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: أما مَناةُ فكانت بقُدَيْدٍ، آلهةٌ كانوا يَعْبُدونها. يعني اللاتَ والعُزَّى ومَناةَ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: مناةُ بيتٌ كان بالمُشَلَّلِ (٣)، يَعْبُدُه بنو كعبٍ (٤). واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ الوقفِ على اللاتِ ومناةَ (٥)؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يقولُ: إذا سكَتَّ قلتَ: اللاتْ (٦). وكذلك مناهُ تقولُ: مَناه (٧). قال: وقال بعضُهم: اللَّاتُّ. فجعَله مِن اللتِّ الذي يَلُتُّ، ولغةٌ (٨) للعربِ يَسْكُتون على ما فيه الهاءُ بالتاءِ، يقولون: رأيْتُ طَلْحَتْ.

стр. 14716

وكلُّ شيءٍ [في القرآنِ] (١) مكتوبٌ بالتاءِ (٢) فإنما (٣) تَقِفُ عليه بالتاء، نحوَ: ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٢٩]، و ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣]. وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (٤) يَقِفُ على ﴿اللَّاتَ﴾ بالهاءِ: (أفَرأيْتُمُ اللاه). وكان غيرُه منهم يقولُ: الاختيارُ في كلِّ ما لم يُضَفْ أن يكونَ بالهاءِ: ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨]. ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وما كان مضافًا فجائزٌ بالهاءِ والتاءِ، فالتاءُ للإضافةِ، والهاءُ لأنه يُفْرَدُ ويُوقَفُ عليه دونَ الثاني. وهذا القولُ الثالثُ أَقْيَسُ (٥) اللغاتِ، وأكثرُها في العربِ، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ. وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ (٦) يقولُ: اللاتُ والعزَّى ومناةُ الثالثةُ أصنامٌ مِن حجارةٍ، كانت في جوفِ (٧) الكعبةِ يَعْبُدونها. وقولُه: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾. يقولُ: أتَزْعُمون أن لكم الذكرَ الذي تَرْضَوْنه، وللَّهِ الأُنثى التي لا تَرْضَوْنها لأنفسِكم، ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: قِسْمتُكم هذه قسمةٌ جائزةٌ غيرُ مستويةٍ، ناقصةٌ غيرُ تامةٍ؛ لأنكم جعَلْتُم لربِّكم من الولدِ ما تَكْرَهون لأنفسِكم، وآثَرْتُم أنفسَكم بما تَرْضَوْنه. والعربُ تقولُ: ضِزْتُه حقَّه. بكسرِ الضادِ، وضُزْتُه، بضمِّها، فأنا أَضِيزُه، وأَضُوزُه. وذلك إذا نقَصْتَه حقَّه ومَنَعْتَه.

стр. 14717

وحُدِّثْتُ عن معمرِ بنِ المثنى قال: أنْشَدَني الأخفشُ (١): فإن تَنْأَ عنا نَنْتَقِصْك (٢) وإن تَغِبْ … فسهمُك مَضْئُوزٌ وأنْفُك راغمُ ومِن العربِ مَن يقولُ: ضَيْزَى. بفتحِ الضادِ وتركِ الهمزِ منها (٣)، ومنهم مَن يقولُ: ضَأْزَى. بالفتحِ والهمزِ، وضُؤْزَى. بالضمِّ والهمزِ، ولم يَقْرَأْ أحدٌ بشيءٍ من هذه اللغاتِ (٤). وأما الضِّيزَى بكسرِ الضادِ فإنها "فُعْلَى" بضمِّ الفاءِ، وإنما كُسِرَت الضادُ منها كما كُسِرَت مِن قولِهم: قومٌ بِيضٌ وعِينٌ. وهي فُعْلٌ (٥)؛ لأن واحدَها بيضاءُ وعيناءُ، ليُؤَلِّفوا بين الجمعِ والاثنين والواحدِ، وكذلك كرِهوا ضمَّ الضادِ مِن ضِيزَى، فتقولُ: ضُوزَى. مخافةَ أن تَصيرَ بالواوِ، وهي من الياءِ. وقال الفَرَّاءُ (٦): إنما قَضَيتُ على أولِها بالضمِّ؛ لأن النُّعوتَ للمؤنثِ تأتي إما بفتحٍ وإما بضمٍّ، فالمفتوحُ: سَكْرَى وعَطْشَى، والمضمومُ: الأُنثى والحُبْلَى، فإذا كان اسمًا ليس بنعتٍ كُسِر أولُه كقولِه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. كُسِر أولُها لأنها اسمٌ ليس بنعتٍ، وكذلك الشَّعْرَى، كُسِر أُولُها لأنها اسمٌ ليس بنعتٍ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ قال أهلُ التأويلِ، وإن اختَلَفت ألفاظُهم بالعبارةِ عنها؛ فقال بعضُهم: قِسمةٌ عَوْجاءُ.

стр. 14718

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (١) عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: عَوجاءُ (٢). وقال آخرون: قِسمةٌ جائرةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. يقولُ: قسمةٌ جائزةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال (٣): جائرةٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بن حفصٍ أبو عُبيدٍ الوَصَّابيُّ (٥)، قال: ثنا ابنُ حِمْيَرٍ (٦)، قال: ثنا ابنُ لَهيعةَ، عن ابنِ أبي (٧) عَمْرةَ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: تلك إذن قسمةٌ جائرةٌ، لا حقَّ فيها (٨).

стр. 14719

وقال آخرون: قِسمةٌ منقوصةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: منقوصةٌ (١). وقال آخرون: قِسمةٌ مُخالِفةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. قال: جعَلوا للَّهِ ﵎ بناتٍ، وجعَلوا الملائكةَ للَّهِ بناتٍ، وعبَدوهم. وقرَأ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٦، ١٧]. وقرَأ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ [النحل: ٥٧]. وقال: دعَوْا للَّهِ ولدًا كما دعَتِ (٢) اليهودُ والنصارى. وقرَأ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٨]. قال: والضِّيزى في كلامِ العربِ المخالَفةُ. وقرَأ: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ما هذه الأسماءُ (٣)، وهي اللاتُ

стр. 14720

والعُزَّى ومَناةُ الثالثةُ الأخرى، إلا أسماءٌ سمَّيتُموها أنتم أيُّها المشركون باللَّهِ، وآباؤكم مِن قبلِكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾. يعني بهذه الأسماءِ، [﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾. يقولُ: من حُجةٍ لكم بصحةِ ما افتَرَيتم من هذه الأسماءِ] (١). يقولُ: لم يُبحِ اللَّهُ لكم ذلك، ولا أذِن لكم به. كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: [﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾: ما كذلكم قال اللهُ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا] (٢) مِنْ سُلْطَانٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. وقولُه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَتَّبِعُ هؤلاء المشركون في هذه الأسماءِ التي سمَّوْا بها آلهتَهم إلا الظنَّ بأن (٣) ما يقولون حقٌّ، لا اليقينَ، ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾. يقولُ: وهَوَى أنفسِهم؛ لأنهم لم يأْخُذوا ذلك عن وحيٍ جاءهم مِن اللَّهِ، ولا عن [رسولٍ للَّهِ] (٤) أخبَرهم به، وإنما هو اختراقٌ اختَرَقوه (٥) من قِبَلِ أنفسِهم، أو أَخَذوه عن آبائِهم الذين كانوا مِن الكفرِ باللَّهِ على مثلِ ما هم عليه منه. وقولُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾. يقولُ: ولقد جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن ربِّهم البيانُ فيما (٦) هم منه على غيرِ يقينٍ، وذلك تسميتُهم اللاتَ والعُزَّى ومناةَ هذه الأسماءَ وعبادتُهم إيَّاها. يقولُ: لقد جاءهم مِن ربِّهم الهُدى في ذلك (٧)

стр. 14721

البيانِ بالوحيِ الذي أوحَيْناه إلى محمدٍ ﷺ ، أن عبادتَها لا تَنْبَغِي [لأحدٍ، و] (١) لا تصلُحُ العبادةُ إلا للَّهِ الواحدِ القهارِ. وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾: فما انتَفَعوا به. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أم اشتَهى محمدٌ ما (٢) أعطاه اللَّهُ مِن هذه الكرامةِ التي أَكرَمه بها؛ من النبوَّةِ، والرسالةِ، وإنزالِ (٣) الوحيِ عليه، وتمنَّى ذلك، فأعطاه إياه ربُّه. فللهِ ما في الدارِ الآخرةِ والأُولى - وهى الدنيا - يُعطِي مَن يشاءُ (٤) مِن خَلْقِه ما شاء، ويَحْرِمُ مَن يشاءُ (٤) منهم ما شاء. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾. قال: وإن كان محمدٌ تَمَنَّى هذا، فذلك له؟ وقولُه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه (٥): كثيرٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ لا تَنْفَعُ شفاعتُهم عندَ اللَّهِ لمن شَفَعوا له شيئًا، إلا أن

стр. 14722

يَشْفَعوا له مِن بعدِ أنْ يأذنَ اللَّهُ لهم بالشفاعةِ لمن يشاءُ منهم أن يَشْفَعوا له، ﴿وَيَرْضَى﴾. يقولُ: ومن بعدِ أنْ يَرْضَى لملائكتِه الذين يَشْفَعون له أنْ يَشْفَعُوا له، فتَنْفَعَه حينَئذٍ شفاعتُهم. وإنما هذا توبيخٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لعبدةِ الأوثانِ والملإِ مِن قريشٍ وغيرِهم، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فقال اللَّهُ لهم: ما تَنْفَعُ شفاعةُ ملائِكتي الذين هم عندي لمن شَفَعوا له، إلا مِن بعدِ إذنِي لهم بالشفاعةِ (١) له ورِضائي، فكيف بشفاعةِ مَن دونَهم؟ فَأَعْلَمهم أن شفاعةَ ما يَعبُدون مِن دونِه غيرُ نافعتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين لا يُصدِّقون بالبعثِ في الدارِ الآخرةِ - وذلك يومُ القيامةِ - ليُسَمُّون ملائكةَ اللَّهِ تسميةَ الإناثِ. وذلك أنهم كانوا يقولون: هم بناتُ اللَّهِ. وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (٢) عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾. قال: الإناثِ.

стр. 14723

وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما لهم بما يقولون مِن تسميتِهم الملائكةَ تسميةَ الأُنثى مِن حقيقةِ علمٍ، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. يقولُ: ما يتَّبِعون في ذلك إلا الظَّنَّ. يعني أنهم إنما يقولون ذلك ظنًّا بغيرِ يقينِ (١) علمٍ. وقولُه: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾. يقولُ: وإِنَّ الظَّنَّ لا يَنْفَعُ مِن الحقِّ شيئًا فيقومَ مقامَه. وقولُه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فدَعْ مَن أدبَر يا محمدُ عن ذكرِ اللَّهِ، ولم يؤمِنْ به فيوحِّدَه. وقولُه: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ: ولم يَطْلُبْ ما عندَ اللَّهِ في الدارِ الآخرةِ، ولكنه طلَب (٢) الحياةَ الدنيا، والتَمس البقاءَ فيها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾. قال أبو جعفرِ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي يقولُه هؤلاء الذين لا يؤمِنون بالآخرةِ في الملائكةِ، من تسميتِهم إيَّاها تسميةَ الأُنثى، ﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: ليس لهم علمٌ إلا هذا الكفرُ باللَّهِ والشركُ به، على وجْهِ الظَّنِّ بغيرِ يقينِ علمٍ. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. قال: يقولُ: ليس لهم علمٌ إلا الذي هم فيه مِن الكفرِ [باللَّهِ وبرسولِه] (٣)،

стр. 14724

ومُكابَرتُهم (١) لِمَا جاء مِن عندِ اللَّهِ. قال: وهؤلاء أهلُ الشركِ. وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك يا محمدُ هو أعلمُ بمن جار عن طريقِه - في سابقِ علمِه - فلا يؤمِنُ. وذلك الطريقُ هو الإسلامُ، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾. يقولُ: وربُّك أعلمُ بمن أصاب طريقَه فسلَكه في سابقِ علمِه. وذلك الطريقُ أيضًا الإسلامُ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وللَّهِ مُلكُ ما في السماواتِ وما في الأرضِ من شيءٍ، وهو يُضِلُّ مَن يشاءُ [ويَهْدِي من يشاءُ] (٢)، وهو أعلمُ بهم، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾. يقولُ: ليَجْزِيَ الذين عَصَوه مِن خَلْقِه فأساءوا بمعصيتِهم إيَّاه، فيُثِيبَهم بها النارَ، ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. يقولُ: وَلِيَجْزِيَ الذين أطاعوه فأحسَنوا بطاعتِهم إيَّاه في الدنيا بالحُسنى، وهي الجنةُ، فيُثيبَهم بها. وقيل: عُنِي بذلك أهلُ الشركِ والإيمانِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال (٣) زيدُ بنُ أسلمَ في قولِ اللَّهِ : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا [بِالْحُسْنَى﴾: الذين أساءُوا المشركون، والذين أَحسَنوا] (٢)

стр. 14725

المؤمنون. وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾. يقولُ: الذين يَبْعُدون (١) عن كبائرِ الإثمِ التي نهَى اللَّهُ عنها وحرَّمها عليهم فلا يقرَبونها. وذلك الشركُ باللَّهِ، وما قد بيَّناه في قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. وقولُه: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾. وهي الزِّنى وما أشبَهه مما أوجَب اللَّهُ فيه حدًّا. وقولُه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي بمعنى الاستثناءِ المنقطعِ. وقالوا: معنى الكلامِ: الذين يَجتَنِبُون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ، إلا اللَّمَمَ الذي ألمُّوا به من الإثمِ والفواحشِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، فإن اللَّهَ قد عفا لهم عنه، فلا يُؤاخِذُهم به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. يقولُ: إلا ما قد سلَف (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: قال (٣) المشركون: إنما كانوا بالأمسِ يَعْمَلون معنا. فأنزَل اللَّهُ : ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: ما كان منهم

стр. 14726

في الجاهليةِ. قال: واللَّمَمُ: الذي ألمُّوا به مِن تلك الكبائرِ والفواحشِ في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، وغفَرها لهم حين أسلَموا (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عياشٍ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: سأل رجلٌ زيدَ بنَ ثابتٍ عن هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. فقال: حرَّم اللَّهُ عليك (٢) الفواحشَ، ما ظهَر منها وما بطَن (٣). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: [أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ] (٤) في قولِ اللَّهِ : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: كبائرَ الشركِ. ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾: الزِّنى؛ ترَكوا ذلك حينَ دخَلوا في الإسلامِ، فغفَر اللَّهُ لهم ما كانوا ألمُّوا به وأصابوا مِن ذلك قبلَ الإسلامِ (٣). وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٥) ممن يوجِّهُ تأويلَ ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ إلى هذا الوجهِ الذي ذكَرْتُه عن ابنِ عباسٍ يقولُ في تأويلِ ذلك: لم يُؤذَنْ لهم في اللَّمَمِ، وليس هو مِن الفواحشِ، ولا مِن كبائرِ الإثمِ، وقد يُسْتَثْنى الشيءُ مِن الشيءِ وليس منه، على ضميرٍ قد كُفَّ عنه، فمجازُه: إلا أنْ يُلِمَّ مُلِمٌّ (٦) بشيءٍ ليس مِن الفواحشِ ولا مِن الكبائرِ. قال الشاعرُ (٧): وبَلْدَةٍ (٨) ليس بِها أنيسُ … إلا اليعافيرُ وإلا العِيسُ

стр. 14727

واليعافيرُ الظباءُ، والعِيسُ الإبلُ، وليسا مِن الناسِ، فكأنه قال: ليس به أنيسٌ، غيرَ أنَّ به ظِباءً وإبِلًا. وقال بعضُهم: اليَعْفُورُ من الظباءِ الأحمرُ، والأعيسُ الأبيضُ. وقال بنحوِ هذا القولِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: زنى العينين النظرُ، وزنى الشَّفَتَيْن التَّقْبِيلُ، وزنى اليدين البطْشُ، وزنى الرِّجلَين المشيُ، ويُصدِّقُ ذلك الفرجُ أو يُكذِّبُه، فإن تقدَّم بفرجِه كان زانيًا، وإلا فهو اللَّمَمُ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وأخبَرنا ابنُ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قال: ما رأيتُ شيئًا أشبَهَ باللَّمَمِ مما قال أبو هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : "إنّ اللَّهَ كتَب على ابنِ آدمَ حظَّه من الزِّنى أَدْرَكه ذلك لا محالةَ؛ فزنى العَيْنَينِ النظرُ، وزنى اللسانِ المَنْطِقُ، والنَّفْسُ تَتَمَنَّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه" (٢). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: إن تقدَّم كان زنًى، وإن تأخَّر كان لَمَمًا (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا منصورُ بنُ

стр. 14728

عبدِ الرحمنِ، قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن قولِه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: [هو ما] (١) دونَ الزنى. ثم روَى (٢) لنا عن ابنِ مسعودٍ، قال: زنى العينين ما نظَرَتْ إليه، وزنى اليدِ ما لَمَسَتْ، وزنى الرِّجْلِ ما مَشَت، والتحقيقُ بالفَرْجِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا وُهَيْبٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ بنِ خُثَيْمِ بنِ عمرٍو القارِيُّ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ نافعٍ - الذي يقالُ له: ابنُ لبابةَ الطائفيُّ - قال: سألتُ أبا هريرةَ عن قولِ اللَّهِ : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: القُبْلَةُ، والغَمْزَةُ، والنَّظْرَةُ، والمباشَرةُ، إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجَب الغسلُ، وهو الزنى (٤). وقال آخرون: بل ذلك استثناءٌ صحيحٌ، ومعنى الكلامِ: الذين يَجْتَنِبون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ (٥) إلا أن يُلِمَّ بها ثم يتوبَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ إسحاقَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بالفاحشةِ ثم يتوبُ. قال: وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ (٦):

стр. 14729

"إِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِرْ جَمّا … وأَىُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا" (١) حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: الذي يُلِمُّ بالذنبِ ثم يدَعُه، وقال الشاعرُ: إِنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغْفِر جمّا … وأيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا (٢) حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بزيعٍ، قال: [حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال] (٣): ثنا يونسُ، عن الحسنِ، عن أبي هريرةَ، أُراه رفعَه، في: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللَّمةُ مِن الزنى، ثم يتوبُ ولا يعودُ، واللَّمةُ مِن السرقةِ، ثم يتوبُ ولا يعودُ، واللَّمةُ مِن شربِ الخمرِ، [إن شاء اللَّهُ] (٤)، ثم يتوبُ ولا يعودُ. قال: فتلك الإلمامُ (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللَّمةُ مِن الزنى، أو

стр. 14730

السرقةِ، أو شربِ الخمرِ، ثم لا يعودُ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢). كان أصحابُ النبيِّ ﷺ يقولون: هو (٣) الرجلُ يُصيبُ اللَّمةَ مِن الزنى، واللَّمةَ مِن شربِ الخمرِ، فيُخْفِيها فيتوبُ منها (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: يُلِمُّ بها في الحينِ. قلتُ: الزنى؟ قال: الزنى ثم يتوبُ (٥). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: كان الحسنُ يقولُ في اللَّممِ: تكونُ اللَّمةُ مِن الرجلِ بالفاحشةِ ثم يتوبُ (٦). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ، قال: الزنى ثم يتوبُ (٧).

стр. 14731

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: قال: أَن يَقَعَ الوقعةَ ثم يَنتَهِيَ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿اللَّمَمَ﴾. الذي [يُلِمُّ المرَّةَ] (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ (٢)، قال: أخبَرني يحيى بنُ أيوبَ، عن المُثنَّى بنِ الصَّباحِ، عن عمرٍو بنِ شعيبٍ، [أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرِو بنِ العاصِ، قال: اللَّمَمُ ما دونَ الشركِ (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ] (٤)، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ (٥)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ القاسمِ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: اللَّمةُ يُلِمُّ بها مِن الذنوبِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: الرجلُ يُلِمُّ بالذنبِ ثم يَنْزِعُ عنه. قال: وكان أهلُ الجاهليةِ يَطوفون بالبيتِ وهم يقولون: إِنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا … وأيُّ عَبْدٍ لك لا أَلمَّا وقال آخرون ممن وجَّه معنى ﴿إِلَّا﴾ إلى الاستثناءِ المنقطعِ: اللَّمَمُ هو ما دونَ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ، قد تجاوز اللَّهُ عنه.

стр. 14732

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ الزبيرِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وعذابِ الآخرةِ (١). حدَّثنا ابنُ المُثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في اللَّمَمِ: ما دونَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا والآخرةِ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ وقتادةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلهِ، إلا أنه قال: حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ بن عُتَيْبةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: اللَّمَمُ ما دونَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: كلُّ شيءٍ بين (٣) الحدَّين - حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ - تُكفِّرُه الصلواتُ وهو اللَّمَمُ، وهو دونَ كلِّ موجِبٍ، فأما حدُّ الدنيا فكلُّ حدٍّ فرَض اللَّهُ عقوبتَه في الدنيا، وأما حدُّ الآخرةِ فكلُّ شيءٍ ختَمه اللَّهُ بالنارِ وأخَّر عقوبتَه إلى الآخرةِ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. يقولُ: ما بينَ الحدَّين؛ كلُّ ذنبٍ ليس فيه حدٌّ في الدنيا

стр. 14733

ولا عذابٌ في الآخرةِ فهو اللَّمَمُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾: واللَّمَمُ ما كان بينَ الحدَّين لم يَبْلُغْ حدِّ الدنيا ولا حدَّ الآخرةِ؛ موجِبةً قد أوجَب اللَّهُ لأهلِها النارَ، أو فاحشةً يقامُ بها (١) الحدُّ في الدنيا (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قال بعضُهم: اللَّمَمُ ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ. حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اللَّمَمُ ما بينَ الحدَّين؛ حدِّ الدنيا وحدِّ الآخرةِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال الضحاكُ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾. قال: كلُّ شيءٍ بينَ حدِّ الدنيا والآخرةِ فهو اللَّمَمُ، يَغْفِرُه اللَّهُ (٣). وأَوْلى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: ﴿إِلَّا﴾ بمعنى الاستثناءِ المنقطعِ. ووجَّه معنى الكلامِ إلى: الذين يَجتَنِبُون كبائرَ الإثمِ والفواحشَ إلا اللَّمَمَ بما دونَ كبائرِ الإثمِ، ودونَ الفواحشِ الموجِبةِ الحدودَ (٤) في الدنيا والعذابَ في الآخرةِ، فإن ذلك معفوٌّ لهم عنه. وذلك عندي نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فوعَد جلَّ ثناؤُه باجتنابِ الكبائرِ العفوَ عما (٥) دونَها مِن

стр. 14734

السيئاتِ، وهو اللَّمَمُ الذي قال النبيُّ ﷺ : "العينان تَزنِيان، واليَدَان تَزنِيان، والرِّجلان تَزنِيان، ويُصدِّقُ ذلك الفَرْجُ أو يُكَذِّبُه". وذلك أنه لا حدَّ فيما دونَ وُلُوجِ الفرجِ في الفرجِ يَجِبُ (١)، وذلك هو العفوُ من اللَّهِ في الدنيا عن عقوبةِ العبدِ عليه، واللَّهُ جلَّ ثناؤُه أكرَمُ من أن يعودَ فيما قد عفا عنه، كما رُوِي عن النبيِّ ﷺ (٢). واللَّمَمُ في كلامِ العربِ المقاربةُ للشيءِ، ذكَر الفرّاءُ (٣) أنه سمِع العربَ تقولُ: ضَرَبه ما لَمَم القتلَ. يريدون: ضَرْبًا مُقارِبًا للقتلِ. قال: وسمِعتُ مِن آخرَ: ألمَّ يفعَلُ. في معنى: كاد يفعَلُ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : إنَّ ربَّك يا محمدُ ﴿وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: واسعٌ عفوُه للمُذْنِبين الذين لم تَبْلُغْ ذنوبُهم الفواحشَ وكبائرَ الإثمِ. وإنما أعلَم جلَّ ثناؤُه بقوله هذا عبادَه أنه يَغْفِرُ اللَّمَمَ - بما وصَفْنا مِن الذنوبِ - لمن اجتَنَب كبائرَ الإثمِ والفواحشَ. كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾: قد غفَر (٤) ذلك لهم.

стр. 14735

وقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ربُّكم أعلمُ بالمؤمنِ منكم مِن الكافرِ، والمحسنِ منكم مِن المسيءِ، والمطيعِ مِن العاصي، حينَ ابْتَدَعكم مِن الأرضِ فَأَحْدَثكم منها، بخلْقِ أبيكم آدمَ منها، وحينَ ﴿أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾. يقولُ: وحينَ أنتم حَمْلٌ لم تُولَدوا، منكم بأنفسِكم (١) بعدما صِرْتم رجالًا ونساءً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: كنحوِ قولِه: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٢) [الأنعام: ١١٧، النحل: ١٢٥، القصص: ٥٦، القلم: ٧]. وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾. قال: حينَ خلَق آدمَ مِن الأرضِ، ثم خلَقكم مِن آدمَ. وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٣). وقد بيَّنا فيما مضى قبلُ معنى الجَنِينِ، ولِمَ قيل له: جَنِينٌ. بما أَغْنى عن إعادِته في هذا الموضعِ. وقولُه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلا تشهَدوا لأنفسِكم

стр. 14736

بأنها زكيةٌ بريئةٌ مِن الذنوبِ والمعاصي. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: فلا تُبرِّئوها (١). وقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وربُّك يا محمدُ أعلمُ بمن خاف عقوبةَ اللَّهِ فاجتَنَب معاصيَه مِن عبادِه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتَ يا محمدُ الذي أدْبَر عن الإيمانِ باللَّهِ، وأعرَض عنه وعن دينِه، وأعطى صاحبَه قليلًا من مالِه، ثم منَعه [فبَخِل عليه فلم يُعْطِه] (٢). وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في الوليدِ بنِ المغيرةِ؛ مِن أجْلِ أنه عاتَبه بعضُ المشركين، وكان قد اتَّبع رسولَ اللَّهِ ﷺ على دينِه، فضَمِن له الذي عاتَبه إن هو أعطاه شيئًا مِن مالِه ورجَع إلى شِرْكِه، أن يَتَحمَّلَ عنه عذابَ الآخرةِ، ففَعَل، فأعطى الذي عاتَبه على ذلك بعضَ ما كان ضَمِن له، ثم بَخِل (٣)، ومنَعه تمامَ ما ضَمِن له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 14737

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: الوليدُ بن المغيرةِ أعطَى قليلًا ثم أَكْدَى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ إلى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال: هذا رجلٌ أسلَم، فلقِيه بعضُ مِن يُعَيِّرُه، فقال: أتَرَكْتَ دينَ الأشياخِ وضَلَّلتَهم وزعَمتَ أنهم في النارِ؟ كان يَنْبَغِي لك أن تَنْصُرَهم، فكيف تَفْعَلُ (٢) بآبائِك؟ فقال: إني خَشِيتُ عذابَ اللَّهِ. فقال: أَعطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليك عنك. فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْني. فتعاسَرا، حتى أعطاه شيئًا وكتَب له كتابًا وأشهَد له، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: عاسَره، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. نزَلت فيه هذه الآيةُ (٣). وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا ثم انقطَع. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.

стр. 14738

يقولُ: أعطَى قليلًا ثم انقطَع (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: انقطَع فلا يُعْطِي شيئًا، ألم تَرَ إلى البئرِ يقالُ لها: أَكْدَتْ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَع عطاؤُه (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا، ثم قطَع ذلك (٣). قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن عكرمةَ مثلَ ذلك (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَكْدَى﴾. أي: بَخِل وانقطَع عطاؤُه. حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. يقولُ: انقطَع عطاؤُه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

стр. 14739

﴿وَأَكْدَى﴾: عاسَره. والعربُ تقولُ: حفَر فلانٌ فأَكْدى. وذلك إذا بلَغ الكُدْيَةَ، وهو أن يَحفِرَ الرَّجلُ في السَّهلِ، ثم يَسْتقبِلَه جبلٌ فيُكْدِيَ، يقالُ: قد أَكْدى يُكْدِي (١) كِداءً. و: كَدِيَتْ أظفارُه وأصابعُه كِدًى شديدًا. منقوصٌ، إِذا غَلُظَت. و: كَدِيَتْ أصابعُه. إذا كَلَّت فلم تَعْمَلْ شيئًا. و: كَدَأ النَّبْتُ. إذا قلَّ رَفْعُه (٢)، يُهْمَزُ ولا يُهْمَزُ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٣) يقولُ: اشتُقَّ قولُه: ﴿وَأَكْدَى﴾. مِن كُدْيةِ الرَّكِيَّةِ (٤)، وهو أن يَحْفِرَ حتى يَيْأَسَ مِن الماءِ، فيُقالُ حينئذٍ: بلَغْنا كُدْيَتَها. وقولُه: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعندَ هذا الذي ضَمِن له صاحبُه أنه يتَحمَّلُ عنه عذابَ اللَّهِ في الآخرةِ - علمُ الغيبِ، فهو يرى حقيقةَ قولِه، ووفائِه بما وعَده؟! وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لم يُخْبَرْ هذا المضمونُ له أنه يُتحمَّلُ عنه عذابُ اللَّهِ في الآخرةِ - بالذي في صحفِ موسى بنِ عمرانَ صلواتُ اللَّهِ عليه. وقولُه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: وإبراهيمَ الذي وَفَّى مَن أُرسِل إليه ما أُرسِل به. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وَفَّى؛ فقال بعضُهم: وفَّاه (٥) بما عَهِد إليه

стр. 14740

ربُّه مِن تبليغِ رسالتِه (١)، وهو: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: كانوا قبلَ إبراهيم يأخُذون الوليَّ بالوليِّ، حتى كان إبراهيمُ فبَلَّغ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: لا يُؤاخَذُ أَحدٌ بذنبِ غيرِه (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ و (٣) عكرمةَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قالا (٤): فبلَّغ هذه الآياتِ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وَفَّى طاعةَ اللهِ، وبلَّغ رسالاتِ ربِّه إلى خَلْقِه. وكان عكرمةُ يقولُ: وَفَّى هؤلاءِ الآياتِ العشرَ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ حتى بلَغ: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٤٧]. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أَوْفَى (٥) طاعةَ اللَّهِ ورسالتَه (١) إلى خَلْقِه (٦).
следующие страницы →