← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14736–14775 · переход к 14741.

стр. 14736

بأنها زكيةٌ بريئةٌ مِن الذنوبِ والمعاصي. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: فلا تُبرِّئوها (١). وقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وربُّك يا محمدُ أعلمُ بمن خاف عقوبةَ اللَّهِ فاجتَنَب معاصيَه مِن عبادِه. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتَ يا محمدُ الذي أدْبَر عن الإيمانِ باللَّهِ، وأعرَض عنه وعن دينِه، وأعطى صاحبَه قليلًا من مالِه، ثم منَعه [فبَخِل عليه فلم يُعْطِه] (٢). وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في الوليدِ بنِ المغيرةِ؛ مِن أجْلِ أنه عاتَبه بعضُ المشركين، وكان قد اتَّبع رسولَ اللَّهِ ﷺ على دينِه، فضَمِن له الذي عاتَبه إن هو أعطاه شيئًا مِن مالِه ورجَع إلى شِرْكِه، أن يَتَحمَّلَ عنه عذابَ الآخرةِ، ففَعَل، فأعطى الذي عاتَبه على ذلك بعضَ ما كان ضَمِن له، ثم بَخِل (٣)، ومنَعه تمامَ ما ضَمِن له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 14737

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: الوليدُ بن المغيرةِ أعطَى قليلًا ثم أَكْدَى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ إلى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال: هذا رجلٌ أسلَم، فلقِيه بعضُ مِن يُعَيِّرُه، فقال: أتَرَكْتَ دينَ الأشياخِ وضَلَّلتَهم وزعَمتَ أنهم في النارِ؟ كان يَنْبَغِي لك أن تَنْصُرَهم، فكيف تَفْعَلُ (٢) بآبائِك؟ فقال: إني خَشِيتُ عذابَ اللَّهِ. فقال: أَعطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليك عنك. فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْني. فتعاسَرا، حتى أعطاه شيئًا وكتَب له كتابًا وأشهَد له، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: عاسَره، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. نزَلت فيه هذه الآيةُ (٣). وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا ثم انقطَع. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.

стр. 14738

يقولُ: أعطَى قليلًا ثم انقطَع (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: انقطَع فلا يُعْطِي شيئًا، ألم تَرَ إلى البئرِ يقالُ لها: أَكْدَتْ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَع عطاؤُه (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا، ثم قطَع ذلك (٣). قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن عكرمةَ مثلَ ذلك (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَكْدَى﴾. أي: بَخِل وانقطَع عطاؤُه. حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. يقولُ: انقطَع عطاؤُه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:

стр. 14739

﴿وَأَكْدَى﴾: عاسَره. والعربُ تقولُ: حفَر فلانٌ فأَكْدى. وذلك إذا بلَغ الكُدْيَةَ، وهو أن يَحفِرَ الرَّجلُ في السَّهلِ، ثم يَسْتقبِلَه جبلٌ فيُكْدِيَ، يقالُ: قد أَكْدى يُكْدِي (١) كِداءً. و: كَدِيَتْ أظفارُه وأصابعُه كِدًى شديدًا. منقوصٌ، إِذا غَلُظَت. و: كَدِيَتْ أصابعُه. إذا كَلَّت فلم تَعْمَلْ شيئًا. و: كَدَأ النَّبْتُ. إذا قلَّ رَفْعُه (٢)، يُهْمَزُ ولا يُهْمَزُ. وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ (٣) يقولُ: اشتُقَّ قولُه: ﴿وَأَكْدَى﴾. مِن كُدْيةِ الرَّكِيَّةِ (٤)، وهو أن يَحْفِرَ حتى يَيْأَسَ مِن الماءِ، فيُقالُ حينئذٍ: بلَغْنا كُدْيَتَها. وقولُه: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعندَ هذا الذي ضَمِن له صاحبُه أنه يتَحمَّلُ عنه عذابَ اللَّهِ في الآخرةِ - علمُ الغيبِ، فهو يرى حقيقةَ قولِه، ووفائِه بما وعَده؟! وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لم يُخْبَرْ هذا المضمونُ له أنه يُتحمَّلُ عنه عذابُ اللَّهِ في الآخرةِ - بالذي في صحفِ موسى بنِ عمرانَ صلواتُ اللَّهِ عليه. وقولُه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: وإبراهيمَ الذي وَفَّى مَن أُرسِل إليه ما أُرسِل به. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وَفَّى؛ فقال بعضُهم: وفَّاه (٥) بما عَهِد إليه

стр. 14740

ربُّه مِن تبليغِ رسالتِه (١)، وهو: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: كانوا قبلَ إبراهيم يأخُذون الوليَّ بالوليِّ، حتى كان إبراهيمُ فبَلَّغ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: لا يُؤاخَذُ أَحدٌ بذنبِ غيرِه (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ و (٣) عكرمةَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قالا (٤): فبلَّغ هذه الآياتِ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وَفَّى طاعةَ اللهِ، وبلَّغ رسالاتِ ربِّه إلى خَلْقِه. وكان عكرمةُ يقولُ: وَفَّى هؤلاءِ الآياتِ العشرَ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ حتى بلَغ: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٤٧]. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أَوْفَى (٥) طاعةَ اللَّهِ ورسالتَه (١) إلى خَلْقِه (٦).

стр. 14741

حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا أبو بَكرٍ (١)، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: بلَّغ ما أُمِر به (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: بلَّغ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: ﴿وَفَّى﴾: بلَّغ رسالاتِ ربِّه؛ بلَّغ ما أرسَله (٤) به، كما يُبلِّغُ الرجلُ ما أَرْسَلْتَه (٥) به. وقال آخرون: بل وفَّى بما رأى في المنامِ مِن ذبحِ ابنِه. وقالوا: قولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ. وقالوا: معنى الكلامِ: أم لم يُنَبَّأْ بما في صحفِ موسى، ألَّا تَزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى، وبما في صحف إبراهيمَ الذي وفَّى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: إبراهيمُ الذي استَكْملَ الطاعةَ فيما فعَل بابنِه حينَ رأَى الرُّؤْيا، [والذي] (٦) في صحفِ موسى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٧).

стр. 14742

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ لهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القُرَظيِّ، وسُئل عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وفَّى (١) بذبحِ ابنِه. وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّه وَفَّى رَبَّه جميعَ شرائعِ الإسلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مصعبٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتُلِي بهذا الدينِ أحدٌ فأَقامه إلا إبراهيمُ، قال اللَّهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فكتَب اللهُ له براءةً مِن النارِ (٢). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: ما فُرِض عليه (٣). وقال آخرون: وفَّى بما رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ في الخبرِ الذي حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى زَبّانُ (٤) بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ معاذِ بنِ (٥) أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبيُّ ﷺ يقولُ: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سمَّى اللَّهُ إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؟ لأنَّه كان يقولُ كلَّما أصبَح وكلَّما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ

стр. 14743

تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. حتى ختَم الآيةَ (١). وقال آخرون: بل وفَّى ربَّه عملَ يومِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ". قال: "أتَدْرون ما وفَّى؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "وفَّى عملَ يومِه أربعَ رَكَعَاتٍ في النهارِ" (٢). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: وفَّى جميعَ شرائعِ الإسلامِ، وجميعَ ما أُمِر به مِن الطاعةِ. لأنّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عنه أنَّه وفَّى، فعَمَّ بالخبرِ عنه (٣) عن تَوْفِيَتِه جميعَ الطاعةِ، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ. فإن قال قائلٌ: فإنه قد خَصَّ ذلك بقولِه: ﴿وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فإن ذلك مما أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في صحفِ موسى وإبراهيمَ، لا مما خَصَّ به الخبرَ عن أنه وفَّى، وأما التَّوْفيةُ فإنها على العمومِ، ولو صَحَّ الخبران اللَّذان

стр. 14744

ذكَرْناهما أو أحدُهما عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، لم نَعْدُ (١) القولُ به إلى غيرِه، ولكن في إسنادِهما نظرٌ، يجِبُ التثبُّتُ فيهما مِن أَجْلِه. وقولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: فـ "أنْ" من قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. على التأويلِ الذي تأوَّلناه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على "ما" التي في قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. ويعني بقولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: [أَلَّا تَحْمِلُ حاملةٌ إثمَ حاملةٍ] (٢) غيرِها؛ بل كلُّ آثمةٍ فإنما إثمُها عليها. وقد بيَّنا تأويلَ ذلك باختلافِ أهلِ العلمِ فيه فيما مضى قبلُ (٣). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ في قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ إلى قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: هذا في صحفِ إبراهيمَ وموسى. وإنما عَنَى بقولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. الذي ضَمِن للوليدِ بنِ المغيرةِ أنْ يتحمَّلَ عنه عذابَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، يقولُ: ألم يُخْبَرْ قائلُ هذا القولِ وضامنُ هذا الضمانِ، بالذى في صحفِ موسى وإبراهيمَ مكتوبٌ؛ ألَّا تأْثمُ آثمةٌ إثمَ أخرى غيرِها، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أَوَلم يُنَبَّأْ أنه لا يُجازَى

стр. 14745

عاملٌ إلا بعملِه، خيرًا كان ذلك أو شرًّا. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وقرَأ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال: أعمالَكم. وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قال: هذه الآيةُ منسوخةٌ. [ذكرُ الرواية بذلك عنه] (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. قال: فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: (والذين آمَنوا و [أتْبَعناهم ذُرِّيَّاتِهم] (٢) بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) [الطور: ٢١]. فَأَدْخَل اللهُ الأبناءَ بصلاحِ الآباء الجنةَ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ عملَ كلِّ عاملٍ سوف يَراه يومَ القيامةِ مَن وَرَد القيامةَ، بالجزاءِ الذي يُجازَى عليه؛ خيرًا كان أو شرًّا، لا يُؤْخَذُ (٤) بعقوبةِ ذنبٍ غيرُ عاملِه، ولا يُثابُ على صالحِ عملٍ (٥) عاملٌ غيرُه. وإنما عَنَى بذلك الذي رجَع عن إسلامِه، بضمانِ

стр. 14746

صاحبِه له أن يَتَحمَّلَ عنه العذابَ، أن ضمانَه ذلك لا ينفعُه، ولا يُغنى عنه يومَ القيامةِ شيئًا؛ لأنَّ كلَّ عاملٍ فبعملِه مأخوذٌ. وقولُه: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم (١) يُثابُ بسَعْيِه ذلك الثوابَ الأَوْفى. وإنما قال جلّ ثناؤُه: ﴿الْأَوْفَى﴾؛ لأنه أَوْفى ما وعَد خَلْقَه عليه مِن الجزاءِ. والهاءُ في قولِه: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾. مِن ذكرِ "السَّعْيِ"، وعليه عادَت. وقولُه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وأنّ إلى ربِّك يا محمدُ انتهاءَ جميعِ خَلْقِه ومرجِعَهم، وهو المُجازِي جميعَهم بأعمالِهم؛ صالحَهم وطالحَهم، ومُحسنَهم ومُسيئَهم. وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنّ ربَّك هو أَضْحَكَ أهلَ الجنةِ في الجنةِ؛ بدخولِهم إياها، وأَبْكى أهلَ النارِ في النارِ؛ بدخولِهموها، وأَضْحَك مَن شاء مِن أهل الدنيا، وأَبْكى من أراد أن [يُبْكيَه منهم] (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه هو أمات مَن مات (٣) مِن خَلْقِه، وهو أحيا مَن حَيِيَ (٤) منهم. وعَنى بقولِه: ﴿وَأَحْيَا﴾ نفخَ الرُّوحِ في النطفةِ المَيِّتةِ، فجعَلها حيةً بتصييرِه

стр. 14747

الروحَ فيها. وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: وأنه ابْتدَع إنشاءَ الزوجينِ الذكرِ والأنثى، وجعَلهما زوجين. لأن الذكرَ زوجُ الأنثى، والأنثى له زوجٌ، فهما زوجان، يكونُ كلُّ واحدٍ منهما زوجًا للآخرِ. وقولُه: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾. و ﴿مِنْ﴾ مِن صلةِ ﴿خَلَقَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: خلَق ذلك مِن نطفةٍ إذا أمناه الرجلُ والمرأةُ. وقولُه: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنَّ على ربِّك يا محمدُ أنْ يخلُقَ هذين الزوجين بعدَ مماتِهم وبِلاهم في قبورِهم، الخلقَ الآخرَ، وذلك إعادتُهم أحياءً خَلْقًا جديدًا كما كانوا قبلَ مماتِهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنَّ رَبَّك هو أَغنى مَن أَغنَى مِن خَلْقِه بالمالِ وأَقْناه، فجعَل له قُنْيةً أصولَ أموالٍ. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم بالذي قلنا في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، [قال: أخبَرنا إسرائيلُ] (١)، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ قولَه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَغنى بالمالِ (٢)، وأَقنى القُنْيةَ (٣).

стр. 14748

وقال آخرون: عنى بقولِه: ﴿وَأَقْنَى﴾: أَخْدَم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: ﴿أَغْنَى﴾: موَّل، و ﴿وَأَقْنَى﴾ (١): أَخْدَم (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَخْدَم (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَغْنَى وأَخْدَم (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: أَعطَى وأَرْضى وأَخْدَم. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أَنه أَغْنَى مِن المالِ، وأَقْنَى (٥): رضَّى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: فإنه أَغْنَى وأَرْضَى.

стр. 14749

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: ﴿أَغْنَى﴾: موَّل، و ﴿وَأَقْنَى﴾: رضَّى. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَغْنَى﴾. قال: موَّل، ﴿وَأَقْنَى﴾. قال: رضَّى (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. يقولُ: أعطاه وأَرضاه (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ ابنِ بشارٍ، عن عبد الرحمنِ، عن سفيانَ. وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أنه أَغْنَى نفسَه، وأَفْقَر خَلْقَه إليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: زعَم حضرميٌّ أنه ذُكِر له أنه أَغْنى نفسَه، وأَفْقَر الخلائقَ إليه (٣). وقال آخرون: بل عَنَى بذلك أنه أَغْنى مَن شاء مِن خَلْقِه، وأَفْقَر مَن شاء.

стр. 14750

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾. قال: ﴿أَغْنَى﴾ فأَكثَر، و ﴿وَأَقْنَى﴾ أقلَّ. وقرَأ: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ (١) [العنكبوت: ٦٢]. وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. يقولُ جل ثناؤُه: وأنَّ ربَّك يا محمدُ هو ربُّ الشِّعْرى. يعني بالشِّعْرى النَّجْمَ الذي يُسَمَّى هذا الاسمَ، وهو نَجْمٌ كان بعضُ أهلِ الجاهليةِ يعبدُه مِن دونِ اللَّهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: هو الكوكبُ الذي يُدعى الشِّعْرَى (٢). حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: الكوكبُ الذي خَلْفَ الجوزاءِ، كانوا يعبُدونه (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 14751

﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: نجمٌ (١) كان يُعْبَدُ في الجاهليةِ. حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: مِرْزَمُ (٢) الجوزاءِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: كان حيٌّ مِن العربِ يَعْبُدون الشِّعْرَى، هذا النَّجْمُ الذي رأَيتم. قال بشرٌ: قال يزيدُ (٤): النَّجْمُ الذي يَتْبَعُ الجوزاءَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبُّ الشِّعْرَى﴾. قال: كان ناسٌ في الجاهليةِ يعبُدون هذا النَّجْمَ الذي يُقالُ له الشِّعْرى (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾: كانت تُعبَدُ في الجاهليةِ، فقال: تعبُدون هذه وتَترْكون ربَّها! اعبُدوا ربَّها. قال: والشِّعْرَى النَّجْمُ الوَقَّادُ الذي يَتْبَعُ الجوزاءَ، يقالُ له: المِرْزَمُ (٦). وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. يعني تعالى ذكرُه بعادٍ الأُولى: عادَ بنَ

стр. 14752

إرمَ بنِ عَوْصِ بن سامِ بنِ نوحٍ، وهم الذين أهلَكهم اللَّهُ بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ، وإيَّاهم عنَى بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ﴾ [الفجر: ٦، ٧]. واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ وبعضُ قرأَةِ البصرةِ: (عادًا لُّولَى) بتركِ الهمزِ، وجزمِ النونِ (١)، حتى صارت اللامُ في ﴿الْأُولَى﴾ كأنَّها لامٌ مُثقَّلةٌ، والعربُ تَفْعَلُ ذلك في مثلِ هذا، حُكِي عنها سماعًا منهم: قُمْ لَانَ عنا. يريدُ: قُمِ الآنَ. جزَموا الميمَ لما حُرِّكت اللامُ التي مع الأَلِفِ في "الآن". وكذلك تقولُ: صُمْ لِثْنَينِ. يريدون: صُمِ الإثنينِ. وأما عامةُ قرأَةِ الكوفةِ وبعضُ المكيِّين، فإنهم قرَءُوا ذلك بإظهارِ النونِ وكسرِها وهمزِ ﴿الْأُولَى﴾ (٢)، على اختلافٍ في ذلك عن الأعمشِ، فرَوَى أصحابُه عنه - غيرَ القاسمِ بنِ مَعْنٍ - موافقةَ أهلِ بلدِه في ذلك. وأما القاسمُ بنُ مَعْنٍ فحُكِي عنه عن الأعمشِ أنه وافَق في قراءتِه ذلك قرأةَ (٣) المدنيِّين (٤). والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما ذكَرْنا مِن قراءةِ الكوفيِّين؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، وأن قراءةَ مَن كان مِن أهلِ السَّلِيقةِ فعلى البيانِ والتفخيمِ، وأن الإدغامَ في مثلِ هذا الحرفِ وتركَ البيانِ، إنما يُوسَّعُ فيه لمن كان ذلك سجيَّتَه وطبعَه مِن أهلِ البوادِي. فأما المُوَلَّدون (٥) فإِن حُكْمَهم أَن يَتَحَرَّوا أَفصحَ القراءاتِ وأعذبَها وأثبتَها، وإن كانت الأخرى جائزةً غيرَ مردودةٍ. وإنما قيلَ لعادِ بنِ إِرمَ: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾. لأن بني لُقَيْمِ بنِ هَزَّالِ بنِ هُزَيلِ [بنِ عُتَيْلِ بنِ صَدِّ] (٦) بنِ عادٍ الأكبرِ، كانوا أيامَ أَرْسَلَ اللَّهُ على عادٍ الأكبرِ عذابَه سُكَّانًا

стр. 14753

بمكةَ مع إخوانِهم مِن العمالقةِ، ولدِ عِمْليقَ بنِ لاوذَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، ولم يكونوا مع قومِهم مِن عادٍ بأرضِهم، فلم يُصِبْهم مِن العذابِ ما أصاب قومَهم، وهم عادٌ الآخرةُ، ثم هلكوا بعدُ. وكان هلاكُ عادٍ الآخرةِ بِبَغْيِ بعضِهم على بعضٍ، فتفانَوا بالقتلِ، فيما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (١). فلِما (٢) ذكَرْنا قيل لعادٍ الأكبرِ الذي أهلَك اللهُ ذرِّيتَه بالريحِ: ﴿عَادًا الْأُولَى﴾. لأنها أُهْلِكت قبلَ عادٍ الآخرةِ. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ: إنما قيلَ لعادٍ: ﴿الْأُولَى﴾. لأنها أوَّلُ الأممِ هلاكًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾. قال: يقالُ: هي مِن أوَّلِ الأممِ (٣). وقولُه: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يُبْقِ اللهُ ثمودَ فيَتْرُكَها على طُغْيانِها وتمرُّدِها على ربِّها مقيمةً، ولكنه عاقَبها بكفرِها وعُتُوِّها فأهلَكها. واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ [قولِه: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾] (٤) فقرَأتْه عامةُ قرأَةِ الأمصارِ (٥)؛ البصرةِ وبعضِ الكوفيِّين: (وثَمُودًا فَمَا أبْقَى) بالإجراءِ (٦)، اتِّباعًا [الخطِّ المصحفِ] (٧)، إذ كانت الألِفُ مُثبَتةً فيه. وقرأه بعدُ (٨) عامةُ الكوفيين بتركِ الإجراءِ (٩).

стр. 14754

وذُكِر أنه في مصحفِ عبدِ اللَّهِ بغير أَلِفٍ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لصحتِهما في الإعرابِ والمعنى. وقد بيَّنا قصةَ ثمودَ وسببَ هلاكِها فيما مضَى، بما أَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنه أهلَك قومَ نوحٍ قبلَ عادٍ وثمودَ، إنهم كانوا هم أشدَّ ظلمًا لأنفسِهم، وأعظمَ كفرًا بربِّهم، وأشدَّ طُغْيانًا وتمرُّدًا على اللَّهِ مِن الذين أهلَكهم مِن بعدِهم (٣) مِن الأممِ. وكان طُغْيانُهم الذي وصَفهم اللَّهُ به (٤) أنهم كانوا بذلك أكثرَ طُغْيانًا [على ربِّهم] (٥) مِن الأممِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾: لم يكنْ قَبِيلٌ مِن الناسِ هم أظلمَ وأَطْغى مِن قومِ نوحٍ، دعاهم نبيُّ اللَّهِ نوحٌ ﵇ ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، كلما هلَك قرنٌ نشَأ قرنٌ دعاهم نبيُّ اللهِ، حتى ذُكِر لنا أنَّ الرجلَ كان يأخُذُ بيدِ ابنِه فيمْشِي به فيقولُ: يا بُنيَّ، إنَّ أبي قد مَشَى بي إلى هذا وأنا مثلُك يومَئذٍ. تتايُعًا (٦) في

стр. 14755

الضلالةِ، وتكذيبًا بأمرِ (١) اللَّهِ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾. قال: دعاهم (٣) ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا (٤). وقولُه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والمخسوفَ بها المقلوبَ أعلاها أسفلَها. وهي قريةُ سَدُومَ قومِ لوطٍ، أَهْوَى اللَّهُ بها (٥)، فأمرَ اللَّهُ جبريلَ فرفَعها مِن الأرضِ السابعةِ بجَناحِه، ثم [أهوَى بها] (٦) مقلوبةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: أهواها جبريلُ، قال: رفَعها إلى السماءِ ثم أهواها (٧). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي عيسى يحيى بنِ رافعٍ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: قريةَ لوطٍ (٨) أَهْوَى بها.

стр. 14756

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: قريةَ لوطٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: هم قومُ لوطٍ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: قريةَ لوطٍ أهواها مِن السماءِ، ثم أَتْبَعها ذاك الصَّخْرَ؛ اقتُلِعت مِن الأرضِ، ثم هَوَى بها في السماءِ، ثم قُلِبت. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾. قال: المُكذِّبين أهلَكهم اللَّهُ. وقولُه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فغَشَّى اللَّهُ المؤتفكةَ مِن الحجارةِ المنضودةِ المُسوَّمةِ ما غشّاها، فأَمطَرها إيَّاه (٢) مِن سِجِّيلٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾: غشّاها صخرًا منضودًا. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. قال: الحجارةَ (٣).

стр. 14757

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾. قال: الحجارةَ التي رماهم بها من السماءِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: قولُه : ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. يقولُ جل ثناؤُه: فبأيِّ نَعْماءِ (١) ربِّكَ يا بنُ آدمَ التي أَنعَمها عليك، ترتابُ وتَشُكُّ وتُجادِلُ. والآلاءُ جمعُ إِلًى. وفي واحدِها لغاتٌ ثلاثٌ: أَلًى على مِثالِ "عَلًى"، وإِلْيٌ على مثالِ "عِلْيٌ"، وإلًى على مثالِ "عِلًى" (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ اللَّهِ تَتَمارى يا بنَ آدمَ (٣)؟ وحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾. قال: بأيِّ نِعَمِ ربِّك تَتَمارى (٤). وقولُه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﷺ : ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، وَوَصْفِه إيَّاه بأنه مِن النُّذُرِ

стр. 14758

الأُولى، وهو آخِرُهم؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه نذيرٌ لقومِه كما (١) كانتِ النُّذُرُ الذين قبلَه نُذُرًا لقومِهم. كما يقالُ: هذا واحدٌ مِن بني آدمَ، وواحدٌ مِن الناسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: أنْذَر محمدٌ ﷺ كما أَنْذَرَتِ الرسلُ مِن قبلِه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾: إنما بُعِث محمدٌ ﷺ بما بُعِث به (٣) الرسلُ قبلَه (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: [هو محمدٌ ﷺ ] (٥). وقال آخرون: بل (٦) معنى ذلك غيرُ هذا كلِّه. وقالوا: معناه: هذا الذي أَنْذَرتُكم به أيُّها القومُ مِن الوقائِع التي ذكرْتُ لكم أَنِّي أوْقَعْتُها بالأممِ قبلَكم، مِن النُّذُرِ التي أَنْذَرتُها الأممَ قبلَكم في صحفِ إبراهيمَ وموسى.

стр. 14759

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: مما أَنْذَرُوا به قومَهم في صحفِ إبراهيمَ وموسى (١). وهذا [القولُ الذي ذُكِر] (٢) عن أبي مالكٍ أَشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ؛ وذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه ذكَر ذلك في سياقِ الآياتِ التي أخْبَر عنها أنها في صحفِ إبراهيمَ وموسى نذيرٌ مِن النُّذُرِ الأولى، التي جاءتِ الأممَ قبلَكم كما جاءَتْكم، فقولُه: ﴿هَذَا﴾، بأن يكونَ (٣) إشارةً إلى ما تقَدَّمَه (٤) مِن الكلامِ، أَوْلَى وأشْبَهُ منه بغيرِ ذلك. وقولُه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. يقولُ: دَنَتِ الدانيةُ. وإنما يعني: دنَتِ القيامةُ القريبةُ منكم أيُّها الناسُ. يقالُ منه (٥): أزِف رَحيلُ فلانٍ. إذا دنا وقرُب، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ (٦): أَزِف التّرَحُّلُ غيرَ أن رِكابَنا … لمَّا (٧) تَزُلْ برِحالِها (٨) وكَأَن قَدِ

стр. 14760

وكما قال كعبُ بنُ زُهَيْرٍ (١): بان الشبابُ وأَمْسَى الشَّيْبُ قد أزِفا … ولا أرَى لشبابٍ ذاهبٍ خَلَفَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: اقْتَرَبَت الساعةُ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال (٤): قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. قال: الساعةُ، ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (٥). وقولُه: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾. يقولُ: ليس للآزفةِ التي قد أزِفَت؛ وهي الساعةُ التي قد دَنَت، مِن دونِ اللَّهِ كشفٌ (٦). يقولُ: ليس تَنْكَشِفُ فتقومَ إلا بإقامةِ اللَّهِ إياها وكشْفِها دونَ مَن سِواه مِن خلقِه؛ لأنه لم يُطْلِعْ عليها مَلَكًا مُقَرَّبًا

стр. 14761

ولا نبيًّا مرسلًا. [وقال: ﴿كَاشِفَةٌ﴾. فأنَّثَ] (١)، وهي بمعنى الانكشافِ. كما قيل: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. [بمعنى: فهل تَرَى لهم من بقاءٍ] (٢)؟ وكما قيل: العاقبةُ. وما له من ناهيةٍ. وكما قال (٣): ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. بمعنى: تكذيبٌ. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]. بمعنى: خيانةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لمشركي قريشٍ: أفمِن هذا القرآنِ أيُّها الناسُ تَعْجَبون، أن نَزَل على محمدٍ ﷺ . وتَضْحَكون منه اسْتِهزاءً به، ولا تَبْكُون مما فيه مِن الوعيدِ لأهلِ مَعاصي اللَّهِ، وأنتم مِن أهلِ مَعاصيه. ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. يقولُ: وأنتم لاهُون عَمَّا فيه من العِبَرِ والذِّكْرِ، مُعْرِضون عن آياتِه. يقالُ للرجلِ: دَعْ عنا سُمودَك. يُرادُ به: دَعْ عنا لهوَك. يقالُ منه: سمَد فلانٌ يَسْمُدُ سُمُودًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اخْتَلَفَت ألفاظُهم بالعبارةِ عنهم (٤)؛ فقال بعضُهم: [معناه: لاهون. وقال بعضُهم] (٥): غافلون. وقال

стр. 14762

بعضُهم: مُغَنُّون (١). وقال بعضُهم: مُبَرْطِمون (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: هو الغِناءُ، كانوا إذا سمِعوا القرآنَ تَغَنَّوْا ولعِبوا، وهي لغةُ أهلِ (٣) اليمنِ، قال اليَمانيُّ: اسْمُدْ (٤). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: لاهُون (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. يقولُ: لاهُون. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هي يَمانيةٌ: اسْمُدْ لنا (٦)؛ تَغَنَّ لنا (٧).

стр. 14763

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأَشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو الغناءُ، وهي يَمانيةٌ، يقولون: اسْمُدْ لنا؛ تَغَنَّ لنا. قال: ثنا [عبيدُ اللَّهِ] (١) الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن حَكيمِ بنِ الدَّيْلَمِ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: كانوا يَمُرُّون على النبيِّ ﷺ شامخين، ألم تَرَوْا إلى الفَحْلِ في الإبلِ يَخْطِرُ (٢) شامخًا (٣)! حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: غافلون (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: كانوا يَمُرُّون على النبيِّ ﷺ غِضابًا مُبَرْطِمِين. وقال عكرمةُ: هو الغِناءُ بالحِمْيَرِيَّةِ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ ووكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي البَرْطَمَةُ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: البَرْطَمةُ.

стр. 14764

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: البَرْطَمةُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن (٢) عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ] (٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السامِدون: المُغَنُّون، بالحِمْيَريةِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ (٤)، قال: كان عكرِمةُ يقولُ: السامدون: يُغَنُّون؛ بالحِمْيَريةِ (٥). ليس فيه ابنُ عباسٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَامِدُونَ﴾. أي: غافلون. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَامِدُونَ﴾. قال: غافلون (٦). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ

стр. 14765

الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾: السُّمودُ اللهوُ واللَّعِبُ. حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن فِطْرٍ، عن أبي خالدٍ الوالبيِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: رآهم قيامًا يَنْتَظِرون الإمامَ، فقال: ما لكم سامِدين (١)! [وحدَّثني أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ أبي يحيى، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن فِطْرٍ، قال: حدَّثني زائدةُ بنُ نَشِيطٍ، عن أبي خالدٍ الراسِبيِّ (٢)، قال: خَرَج علينا عليٌّ رحمةُ اللَّهِ عليه ونحن قِيامٌ، فقال: ما لكم سامدين] (٣)! حدَّثني ابنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عمرانَ بنِ زائدةَ بنِ نَشِيطٍ، عن أبيه، عن أبي خالدٍ، قال: خرَج علينا عليٌّ ﵁ ونحن قيامٌ، فقال: ما لي أراكم سامدِين! [حدَّثنا ابنُ سنانٍ] (٤)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن فِطرٍ، عن زائدةَ، عن أبي خالدٍ بمثلِه.

стр. 14766

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: قيامُ القومِ قبلَ أن يَجيءَ الإمامُ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن عِمْرانَ الخَيَّاطِ، عن إبراهيمَ في القومِ يَنْتَظِرون الصلاةَ قيامًا، قال: كان يقالُ: ذاك السُّمودُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن ليثٍ والعَرْزَميِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: البَرْطَمةُ. [قلتُ: ما البرطمةُ؟ قال: الإعراضُ] (٢). [حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: البرطمةُ] (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: الغناءُ باليَمانيةِ؛ اسْمُدْ لنا. حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. قال: السامدُ الغافلُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَكْرَهون أن يقوموا إذا أقام المؤذنُ الصلاةَ (٣) وليس عندَهم الإمامُ، وكانوا يَكْرَهون أن

стр. 14767

يَنْتَظِروه قيامًا، وكان يقالُ: ذلك (١) السُّمودُ، أو مِن السُّمودِ (٢). وقولُه: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فاسْجُدوا للهِ أيُّها الناسُ في صلاتِكم دونَ مَن سِواه مِن الآلهةِ والأندادِ، وإياه فاعْبُدوا دونَ غيرِه، فإنه لا يَنْبَغي أن تكونَ العبادةُ إلا له، فأخْلِصوا له العبادةَ والسجودَ، ولا تَجْعَلُوا له شريكًا في عبادتِكم إياه. آخِرُ تفسيرِ سورةِ "والنَّجمِ".

стр. 14768

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ سورةِ اقتربتِ الساعةُ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾: دنَت الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ. وقولُه: ﴿اقْتَرَبَتِ﴾: افْتَعَلتْ؛ مِن القُرْبِ. وهذا مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إنذارٌ لعبادِه بدُنُوِّ القيامةِ، وقربِ فناءِ الدنيا، وأمرٌ لهم بالاستعدادِ لأهوالِ القيامةِ قبلَ هجومِها عليهم، وهم عنها في غفلةٍ ساهون. وقولُه: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وانْفَلَق القمرُ. وكان ذلك فيما ذُكِر على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهو بمكةَ، قبلَ هجرتِه إلى المدينةِ، وذلك أن كفارَ أهلِ مكةَ سأَلوا آيةً، فأراهم ﷺ انشقاقَ القمرِ؛ آيةً وحُجَّةً له على صدقِ قولِه وحقيقةِ نبوتِه، فلمَّا أراهم ذلك أعْرَضوا وكذَّبوا، وقالوا: هذا سحرٌ مستمرٌّ، سَحَرنا محمدٌ. فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثارُ، وقال به أهلُ التأويلِ. ذكرُ الأخبارِ المَرْوِيَّةِ والآثارِ بذلك عمَّن قاله مِن أهلِ التأويلِ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أنسَ بنَ مالكٍ

стр. 14769

حدَّثهم، أن أهلَ مكةَ سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يُرِيَهم آيةً، فأراهم انشقاقَ القمرِ مرَّتين (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أنسٍ، قال: انْشَقَّ القمرُ فِرْقتين (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى والحسنُ بنُ أبي يحيى المُقَدَّمِيُّ (٣)، قالا (٤): ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، قال: سمِعْتُ أنسًا يقولُ: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (٥). [حدَّثني يعقوبُ الدَّوْرقيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ (٦)، عن قتادةَ: سمِعْتُ أنسًا يقولُ. فذكَر مثلَه. حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ] (٧) مرتين (٨).

стр. 14770

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن أهلَ مكةَ سأَلوا رسولَ اللَّهِ ﷺ أن يُرِيَهم آيةً، فأراهم القمرَ شِقَّتَيْن حتى رأَوْا حِراءً بينَهما (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْشَقَّ القمرُ ونحن مع رسولِ اللَّهِ ﷺ بمنًى حتى ذهَبَت منه فِرْقةٌ خلفَ الجبلِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْهَدوا" (٢). حدَّثني إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُمَيْلٍ المازنيُّ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سمِعْتُ إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْفَلَق (٣) القمرُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فِرقَتين، فكانت فرقةٌ على الجبلِ، وفرقةٌ مِن ورائِه، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اللهمَّ اشْهَدْ" (٤). حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شُميلٍ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن سليمانَ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ مثلَ حديثِ إبراهيمَ في

стр. 14771

القمرِ (١). حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرَّمْليُّ، قال: ثنى عمي يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ بمنًى فانْشَقَّ القمرُ، فأخَذَت فِرْقَةٌ خلفَ الجبلِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اشْهَدُوا، اشْهَدُوا (٢) ". حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد رأيْتُ الجبلَ مِن فَرْجِ (٣) القمرِ حينَ انْشَقَّ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ أبي (٥) يحيى المُقَدَّميُّ (٦)، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: انْشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالت قريشٌ: هذا

стр. 14772

سحرٌ، و (١) ابنُ أبي كَبْشةَ سَحَرَكم، فاسألوا (٢) السُّفَّارَ. فسأَلوهم، فقالوا: نعم قد رأَيْناه. فأنْزَل اللَّهُ ﵎: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ (٤)، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قد مضَى انشقاقُ القمرِ. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: خمسٌ قد مضَيْن؛ الدُّخانُ، واللِّزامُ، والبَطْشةُ، والقمرُ، والرومُ (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: [أخبَرنا أيوبُ] (٦)، عن محمدٍ (٧)، قال: نُبِّئْتُ أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: قد انْشَقَّ القمرُ (٨). [حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ] (٩)، قال: أخبَرنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرنا

стр. 14773

عطاءُ (١) بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: نَزَلْنا المدائنَ، فكنا منها على فَرْسَخٍ (٢)، فجاءتِ الجمعةُ، فحضَر أبي، وحضَرْتُ معه، فخطَبَنا حذيفةُ، فقال: ألا إن اللهَ يقولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ألا وإن الساعةَ قد اقْتَرَبَت، ألا وإن القمرَ قد انشَقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذَنَت بفِراقٍ، ألا وإن اليومَ المِضْمارَ وغدًا السباقَ. فقلتُ لأبي: أَيَسْتَبِقُ الناسُ غدًا؟ فقال: يا بُنيَّ، إنك لجَاهلٌ، إنما هو السباقُ بالأعمالِ. ثم جاءتِ الجمعةُ الأخرى، فحَضَرْنا، فخطَب حذيفةُ، فقال: ألا إن اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ألا وإن الساعةَ قد اقْتَرَبَت، ألا وإن القمرَ قد انْشَقَّ، ألا وإن الدنيا قد آذَنَت بفراقٍ، ألا وإن اليومَ المِضْمارَ وغدًا السباقَ، ألا وإن الغايةَ النارُ، والسابقَ مَن سبَق إلى الجنةِ (٣). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كنتُ مع أبي بالمدائنِ. قال: فخطَب أميرُهم، وكان عطاءٌ يَرَى (٤) أنه حذيفةُ، فقال في هذه الآيةِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد اقْتَرَبَت الساعةُ وانْشَقَّ القمرُ، قد اقتَرَبَت الساعةُ وانشَقَّ القمرُ، اليومَ المِضْمارُ، وغدًا السباقُ، والسابقُ مَن سبَق إلى الجنةِ، والغايةُ النارُ. قال: فقلتُ لأبي: غدًا السباقُ؟ قال: فأخْبَره (٥).

стр. 14774

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن حُصَيْنٍ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن أبيه، قال: انشَقَّ القمرُ ونحن مع رسولِ اللَّهِ ﷺ بمكةَ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن الحُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ جُبيرٍ، عن أبيه: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال: انشَقَّ ونحن (٢) بمكةَ. حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ صالحٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الحكمِ، قالا: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ (٣)، عن جعفرٍ بنِ ربيعةَ، عن عِراكٍ، عن [عبيدِ اللَّهِ] (٤) بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (٥). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، [قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عليِّ] (٦) بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انشق القمرُ قبلَ الهجرةِ. أو قال: قد مضَى

стр. 14775

ذاك (١). حدَّثنا إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن داودَ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عليٍّ (٢)، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال: ذاك قد مضَى؛ كان قبلَ الهجرةِ، انْشَقَّ حتى رأَوْا شِقَّيْه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قولِه: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. قال: قد مضَى، كان قد انشَقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بمكةَ، فأعْرَض المشركون وقالوا: سحرٌ مستمرٌّ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. قال مجاهدٌ: رأَوْه (٥) مُنْشَقًّا (٦). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ وليثٍ، عن
следующие страницы →