← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.

стр. 14876

قولَه: ﴿الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ﴾. قال: ما رُفِع قِلْعُه من السفنِ فهي مُنْشَآتٌ، وإذا لم يُرْفَعْ قِلعُها فليست بمُنْشَأَةٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. يعني: السفنُ (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. يعني: السفنُ. وقولُه: ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾. يقولُ: كالجبالِ، شبَّه السفنَ بالجبالِ، والعربُ تُسَمِّي كلَّ جبلٍ طويلٍ عَلَمًا، ومنه قولُ جَريرٍ (٣): * إذا قطَعنا علَمًا بَدا علَمْ * وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنْعَمَها عليكم، بإجرائِه الجواريَ المُنْشَآتِ في البحرِ، جاريةً بمنافعِكم - تُكَذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ مَن على ظهرِ الأَرضِ مِن جِنٍّ وإنسٍ فإنه فانٍ هالكٌ، ويَبْقَى وجهُ ربِّك يا محمدُ، ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

стр. 14877

و ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ مِن نعتِ "الوجهِ"، فلذلك رُفِع ﴿ذُو﴾. وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بالياءِ: (ذِي الجلالِ) (١) على أنه مِن نعتِ "الربِّ" وصفتِه. وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلَين مِن هذه النعمِ تُكَذِّبان؟ وقولُه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: إليه يَفْزَعُ بمسألةِ الحاجاتِ كلُّ مَن في السماواتِ والأرضِ؛ من مَلَكٍ وإنسٍ وجنٍّ وغيرِهم، لا غنَى بأحدٍ منهم عنه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: لا يَسْتَغْنِي عنه أهلُ السماءِ ولا أهلُ الأرضِ؛ يُحْيِي حيًّا، ويُمِيتُ ميتًا، ويُرَبِّي صغيرًا، [ويفُكُّ أسِيرًا] (٢)، وهو مَسْأَلُ (٣) حاجاتِ الصالحين، ومُنْتَهَى شَكْواهم، وصَرِيخُ الأخيارِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يعني مسألةَ عبادِه إياه الرزقَ والموتَ والحياةَ، كلَّ يومٍ هو في ذلك (٥). وقولُه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هو كلَّ يومٍ في شأنِ

стр. 14878

خلقِه؛ فيُفَرِّجُ كربَ ذي كربٍ، ويَرْفَعُ قومًا، ويَخْفِضُ آخرين، ونحوِ ذلك مِن شئونِ خلقهِ. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن يونُسَ بنِ خَبَّابٍ والأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يُجِيبُ داعيًا، أو يُعْطِي سائلًا، أو يَفُكُّ عانيًا (١)، أو يَشْفِي سقيمًا (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن، مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ في قولِه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يَفُكُّ عانيًا، ويَشْفِي سقيمًا، ويُجِيبُ داعيًا. وحدَّثني إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ السَّلالُ (٣)، قال: ثنا أيوبُ بنُ سويدٍ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: من شأنِه أن يُعْطِيَ سائلًا، ويَفُكَّ عانيًا، ويُجِيبَ داعيًا، ويَشْفِيَ سَقيمًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: كلَّ يومٍ يُجِيبُ داعيًا، ويَكْشِفُ كرْبًا،

стр. 14879

ويُجِيبُ مضطرًّا، ويَغْفِرُ ذنبًا (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن [الأعمشِ، عن مجاهدٍ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ] (٢): ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾: يُجيبُ داعيًا، ويُعْطِي سائلًا، ويَفُكُّ عانيًا، ويَتُوبُ على قومٍ ويَغْفِرُ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (٤) مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. قال: يَخْلُقُ مخلقًا (٥)، ويميتُ ميِّتًا، ويُحدِثُ أمرًا. حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عمرٍو الغَزِّيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، الفِرْيابيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ بكرٍ السَّكْسَكيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عَبْدةَ (٦) بنِ رياحٍ (٧) الغسانيُّ، عن أبيه عبدةَ (٦) بنِ رياحٍ (٧)، عن منيبِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأزديِّ، عن أبيه قال: تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآيةَ: " ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ". فقلْنا: يا رسولَ اللهِ، وما ذلك الشأنُ؟ قال (٨): "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ أقوامًا، ويَضَعُ آخرين" (٩).

стр. 14880

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي حمزةَ الثُّماليِّ (١)، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: إن اللهَ خلَق لوحًا محفوظًا من درةٍ بيضاءَ، دفَّتاه ياقوتةٌ حمراءُ، قلمُه نورٌ، وكتابُه نورٌ، عرضُه ما بينَ السماءِ والأرضِ، يَنْظُرُ فيه كلَّ يومٍ ثلاثَمائةٍ وستين نظرةً، يَخْلُقُ بكلِّ نظرةٍ، ويُحيي ويُميتُ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ (٢). وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنعَم عليكم، من صرفِه إيَّاكم في مصالحِكم، وما هو أعلمُ به منكم، من تقليبِه إياكم فيما هو أنفعُ لكم - تُكذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلفتِ القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ المكيِّين: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ بالنونِ (٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بعدُ: (سَيَفْرُغُ لَكُمْ) بالياءِ

стр. 14881

وفتحِها (١)، ردًّا على قولِه: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ولم يَقُلْ: يَسْأَلُنا مَن في السماواتِ والأرضِ. فأتْبَعوا الخبرَ الخبرَ. والصوابُ من القولِ في ذلك عندِي أنهما قراءتان معروفتان مُتقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وأما تأويلُه، فإنه وعيدٌ من اللَّهِ لعبادِه وتَهدُّدٌ، كقولِ القائلِ الذي يتهدَّدُ غيرَه ويتوعَّدُه، ولا شغلَ له يَشغَلُه عن عقابِه: لأتَفَرَّغَنَّ لك، وسَأَتَفَرَّغُ لك. بمعنى: سآخُذُ (٢) في أمرِك وأُعاقِبُك. وقد يقولُ القائلُ للذي لا شُغْلَ له: قد فرَغتَ لي، وقد فرَغتَ لشتمِي. أي: أخَذتَ فيه وأقبَلتَ عليه. وكذلك قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾: سنُحاسِبُكم، ونأخُذُ في أمرِكم أيُّها الإنسُ والجنُّ، فنعاقِبُ أهلَ المعاصِي، ونُثِيبُ أهلَ الطاعةِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قال: وَعيدٌ من اللهِ للعبادِ، وليس باللهِ شغلٌ وهو فارغٌ (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه تلا:

стр. 14882

﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قال: دنا من اللَّهِ فراغٌ لخلقِه (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾. قال: وعيدٌ (٢). وقد يَحتمِلُ أن يُوجَّهَ معنى ذلك إلى: سنَفْرُغُ لكم من وعدِناكم ما وعَدْناكم من الثوابِ والعقابِ. وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَمها عليكم؛ من ثوابهِ أهلَ طاعتِه، وعقابِه أهلَ معصيتِه - تُكَذِّبان؟ وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن استطَعتُم أن تَجُوزوا أطرافَ السماواتِ والأرضِ، فتُعْجِزوا ربَّكم حتى لا يَقْدِرَ عليكم، فجُوزوا ذلك، فإنكم لا تَجُوزُونه إلا بسلطانٍ من ربِّكم. قالوا: وإنما هذا قولٌ يُقالُ لهم يومَ القيامةِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: سنَفْرُغُ لكم أيُّها الثقلانِ، فيُقالُ لهم: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أمَر اللَّهُ

стр. 14883

السماءَ الدنيا فتشقَّقتْ (١) بأهلِها، ونزَل مَن فيها من الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم يَنْزِلُ الملِكُ الأعلَى، على (٢) مُجَنِّبتِه اليسرَى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا (٣)، فلا يَأْتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ اللَّهِ : ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣]. وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. وذلك قولُه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٤) [الحاقة: ١٦، ١٧]. وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن تَنْفُذوا من أقطارِ السماواتِ والأرضِ، فانفُذوا هاربين من الموتِ، فإن الموتَ مُدْرِكُكم، ولا يَنْفَعُكم هربُكم منه. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾: يعني بذلك أنه لا يُجيرُهم (٥)

стр. 14884

أحدٌ من الموتِ، وأنهم مَيِّتون لا يَسْتَطيعون فرارًا منه، ولا مَحِيصَ (١)، ولو نفَذوا أقطارَ السماواتِ والأرضِ كانوا في سُلْطانِ اللَّهِ، ولأخذَهم اللَّهُ بالموتِ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن استَطَعتم أن تَعْلَموا ما في السماواتِ والأرضِ فاعلَموا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: إن استَطَعتم أن تَعْلَموا ما في السماواتِ والأرضِ فاعلَموه، ولن تَعْلَموه إلا بسلطانٍ. يعني البينةَ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (٢). وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾: لا تَخْرُجون من سلطاني. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: لا تَخْرُجون من سُلطاني (٣). وأما الأقطارُ فإنها جمعُ قُطْرٍ، وهي الأطرافُ. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ

стр. 14885

تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: من أطرافِها. وقولُه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: ١٤]. يقولُ: من أطرافِها. وأما قولُه: ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: إلا ببينةٍ. وقد ذكَرْنا ذلك قبلُ. وقال آخرون: معناه: إلا بحجةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ "سلطانٌ" فهو حجةٌ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِسُلْطَانٍ﴾. قال: بحُجةٍ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: إلا بمِلْكٍ وليس لكم مِلكٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوامِ، عن قتادةَ: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: لا تَنْفُذُون إلا بملِكٍ وليس لكم مِلكٌ (٣).

стр. 14886

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. قال: إلا بسلطانٍ من اللَّهِ؛ إلا بمَلَكةٍ (١) منه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾. يقولُ: إلا بملكةٍ من اللَّهِ. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إلا بحُجةٍ وبيِّنةٍ. لأن ذلك هو معنى السلطانِ في كلامِ العربِ، وقد يَدْخُلُ الملكُ في ذلك؛ لأن الملكَ حجةٌ. وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما مَعْشَرَ الثَّقَلَين، التي أنعَمتُ عليكم، من التسويةِ بيَن جميعِكم، [بأن جميعَكم] (٣) لا يَقْدِرون على خلافِ أمرٍ أراده بكم - تُكَذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يُرْسَلُ عليكما أَيُّها الثَّقَلانِ يومَ القيامةِ شُواظٌ من نارٍ، وهو لهبُها من حيثُ يَشْتَعِلُ ويَتأَجَّجُ بغيرِ دخانٍ كان فيه، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (٤): إن لهم من وَقْعِنا أقياظَا

стр. 14887

ونارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظا وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. يقولُ: لهبُ النارِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾. قال: الشواطُ لهبُ النارِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: لهبٌ من نارٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: لهبُ النارِ (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشواظُ اللَّهَبُ المنقطِعُ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:

стр. 14888

﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشواظُ الأخضرُ المنقطِعُ من النارِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشُّواظُ هذا اللهبُ الأخضرُ المنقطِعُ من النارِ (١). قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾، قال: الشواظُ اللهبُ الأخضرُ المنقطعُ من النارِ (٢). قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ: الشُّواظُ اللَّهبُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: أي: من لهبٍ من نارٍ. وحدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾. قال: الشواظُ اللهبُ، وأما النحاسُ فاللهُ أعلمُ بما أُريد به. وقال آخرون: الشُّواظُ هو الدخَانُ الذي يَخْرُجُ من اللهبِ. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: هو الدخانُ الذي يَخْرُجُ من اللهبِ، ليس بدخانِ الحطبِ (٣).

стр. 14889

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿شُوَاظٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ، غيرَ ابنِ أبي إسحاقَ: ﴿شُوَاظٌ﴾ بضمِّ الشينِ (١). وقرَأ ذلك ابنُ أبي إسحاقَ وعبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: (شِوَاظٌ) بكسرِ الشينِ (٢)، وهما لغتانِ مثلَ "الصِّوارِ" من البقرِ، و"الصُّوارِ"، بكسرِ الصادِ وضمِّها (٣). وأعجبُ القراءتين عندي ضمُّ الشينِ؛ لأنها اللغةُ المعروفةُ، وهى مع ذلك قراءةُ القرأةِ من أهلِ الأمصارِ. وأما قولُه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في المعنيِّ به؛ فقال بعضُهم: عُنِي به الدخانُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: النحاسُ الدخانُ حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. يقولُ: دخانُ النارِ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: دخانٌ (٥). وقال آخرون: عُنِي بالنُّحاسِ في هذا الموضِع الصُّفْرُ.

стр. 14890

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: النحاسُ الصُّفْرُ يُعَذَّبونَ به (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ (٢)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: الصُّفْرُ يُذَابُ فيُصبُّ على رءوسِهم (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: يُذَابُ الصُّفْرُ فيُصَبُّ على رءوسِهم. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصورٍ، عن مجاهدٍ] (٤): ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: يُذَابُ الصُّفْرُ من فوقِ رأسِه (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنُحَاسٌ﴾. قال: توعَّدهما بالصُّفْرِ كما تَسْمَعون أن يُعَذِّبَهما به (٦). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾. قال: يُخَوِّفُهم بالنارِ وبالنحاسِ. وأولى القولين في ذلك عندِي بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي بالنُّحاسِ

стр. 14891

الدخانُ. وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر أنه يُرْسَلُ على هذين الجنسين (١) [شُواظٌ من نارٍ] (٢)، وهو النارُ المحضةُ التي لا يُخالِطُها دخانٌ. والذي هو أولَى بالكلامِ إذ (٣) توعَّدهم بنارٍ هذه صفتُها، أن يُتْبِعَ ذلك الوعيدَ (٤) بما هو خلافُها من نوعِها من العذابِ، دونَ ما هو من غيرِ جنسِها، وذلك هو الدخانُ، والعرب تُسَمِّي الدخانَ نُحاسًا بضمِّ النونِ، ونِحاسًا بكسرِها، والقرأةُ مجمعةٌ على ضمِّها، ومن النُّحاسِ بمعنى الدخانِ قولُ نابغةِ بني جعدةَ (٥): يُضيءُ (٦) كضَوءِ سِراجِ السَّلِيـ … ــطِ لم يَجْعَل اللهُ فيه نُحاسا يعني: دخانًا. وقولُه: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا تَنْتَصِران أيُّها الجنُّ والإنسُ منه، إذا هو عاقَبكما هذه العقوبةَ، ولا تُسْتَنْقَذانِ منه. كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾. قال: يعني الجنَّ والإنسَ. [قال: وقولُه أيضًا: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. قال: الجنُّ والإنسُ] (٧). وقولُه: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإذا انشقَّتِ السماءُ وتفطَّرت، وذلك يومَ القيامةِ، فكان لونُها لونَ البِرْذَونِ الوَرْدِ

стр. 14892

أحمرَ (١). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: كالفَرَسِ الوَرْدِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ: تغيَّر لونُها (٣). حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويه (٤)، قال: ثنا شهابُ بنُ عبادٍ الكوفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ حميدٍ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: كلونِ البِرْذَونِ الوَرْدِ، ثم كانت بعدُ كالدِّهانِ (٥). حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ: تتغيَّرُ السماءُ، فيَصِيرُ

стр. 14893

لونُها كلونِ الدابةِ الوَرْدةِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: هي اليومَ خضراءُ كما تَرَوْنَ، ولونُها يومَ القيامةِ لونٌ آخرُ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: هي اليومَ خضراءُ، ولونُها يومَئذٍ الحمرةُ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: إنها اليومَ خضراءُ، وسيكونُ لها يومَئذٍ لونٌ آخرُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: [قال: مُشرِقةً كالدهانِ] (٣). واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿كَالدِّهَانِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه كالدُّهنِ (٤)؛ صافيةَ الحمرةِ مشرقةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 14894

في قولِه: ﴿وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾. قال: كالدُّهنِ (١). حُدَّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَالدِّهَانِ﴾. يقولُ: خالصةً (٢). وقال آخرون: عُني بذلك: فكانت وردةً كالأديمِ. وقالوا: الدِّهانُ [واحدٌ، جِماعُه: أَدْهُنٌ ودُهُنٌ. وأما الذين قالوا: الدِّهانُ من الدُّهنِ. فإنهم قالوا: الدِّهان] (٣) جماعٌ، واحدُها دُهْنٌ. وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به الدهنُ في إشراقِ لونِه. لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ. وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فبأيِّ قدرةِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ على ما أخبَركم بأنه فاعلٌ بكم - تُكَذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فيومَئذٍ لا يَسْأَلُ الملائكةُ المجرِمين عن ذنوبِهم؛ لأن اللهَ تعالى قد حفِظها عليهم، ولا يَسْأَلُ بعضَهم عن ذنوبِ بعضٍ ربُّهم (٤). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14895

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا أسألُهم عن أعمالِهم، ولا أسألُ بعضَهم عن بعضٍ. وهو مثلُ قولِه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. ومثلُ قولِه لمحمدٍ ﷺ : ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ (١) [البقرة: ١١٩]. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: حفِظ اللهُ عليهم أعمالَهم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: [﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: كان مجاهدٌ يقولُ] (٣): لا تَسْأَلُ الملائكةُ عن المجرمِ؛ يُعْرَفون بسيماهم (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوّامِ، عن قتادةَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: قد كانت مسألةٌ، ثم خُتِم على ألسنةِ القومِ، فتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعْمَلُون (٥).

стр. 14896

وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثَّقلين التي أنعَم عليكم من عدلِه فيكم أنه لم يُعاقِبْ منكم إلا مُجِرمًا - تُكذِّبان (١)؟ وقولُه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَعرِفُ الملائكةُ المجرمين ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلاماتِهم وسيماهم التي يُسَوِّمُهم (٢) اللهُ بها، من اسودادِ الوجوهِ، وازرقاقِ العيونِ. كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: يُعْرَفون باسودادِ الوجوهِ وزَرَقِ الأعينِ (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾. قال: زُرْقُ العيونِ، سودُ الوجوهِ (٤). وقولُه: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فتأخُذُهم الزبانيةُ بنواصِيهم وأقدامِهم، فتَسْحَبُهم إلى جهنمَ وتَقْذِفُهم فيها. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأَيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ التي أنعَم عليكم بها؛ من تعريفِه ملائكتَه أهلَ الإجرامِ من أهلِ الطاعةِ منكم حتى خَصُّوا بالإذلالِ والإهانةِ المجرمين دونَ غيرِهم - تكذِّبان (١)؟

стр. 14897

القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ لهؤلاء المجرِمين الذين أخبَر جلَّ ثناؤُه أنهم يُعْرَفون يومَ القيامةِ بسِيماهم، حينَ يُؤْخَذُ بالنواصي منهم (١) والأقدامِ: هذه جهنمُ التي يُكَذِّبُ بها المجرِمون. فتَرَك ذكرَ "يُقالُ"؛ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه منه. وذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (هذه جهنمُ التي كنتما بها (٢) تُكذِّبان، تَصْليانها (٣) لا تَموتان فيها ولا تحييان) (٤). وقولُه: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يطوفُ هؤلاء المجرِمون الذين وصَف صفتَهم في جهنمَ بينَ أطباقِها، ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: وبينَ ماءٍ قد [سَخَن وغَلى] (٥)، حتى انتَهى حرُّه، وأَنَى طبخُه. وكلُّ شيءٍ أَدْرَك وبلَغ فقد أنَى، ومنه قولُه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. يعني: إدراكَه وبلوغَه، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ (٦): وتُخْضَبُ لحيةٌ غدَرتْ وخانَتْ … بأحمرَ من نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ يعني: مُدْرِكٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14898

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: انتَهى حرُّه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: غلَى حتى انتَهى غَلْيُه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: قد بلَغ أَناه (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: الآنِي الذي قد انتَهى حرُّه (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شبيبُ بنُ (٥) بشرٍ، عن عكرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: الآنِي ما اشتدَّ غليانُه ونضجُه (٦).

стр. 14899

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: هو الذي انتَهى غَلْيُه (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: أَنَى طبخُها منذُ يومِ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. يقولُ: حميمٌ قد أَنَى طبخُه مُذْ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾: قد أَنَى منتَهى حرِّه (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: قد انتَهى حرُّه (١). وقال بعضُهم: عُنِي بالآني الحاضرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. قال: يَطوفون بينَها وبينَ حميمٍ حاضرٍ. الآنِي: الحاضرُ (١). وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما معشرَ الجنِّ

стр. 14900

والإنسِ التي أنعَمها عليكم بعقوبتِه أهلَ الكفرِ به، وتكريمِه أهلَ الإيمانِ به - تُكذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمن اتَّقى اللَّهَ من عبادِه، فخاف مقامَه بينَ يديه، فأطاعه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه - ﴿جَنَّتَانِ﴾. يعني بُستانَينِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلَفت ألفاظُهم في البيانِ عن تأويلِه، غيرَ أن معنَى جميعِهم يئُول (١) إلى هذا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: وعَد اللَّهُ المؤمنين الذين خافوا مقامَه فأدَّوا فرائضَه، الجنةَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. يقولُ: خاف ثم اتقَى. والخائفُ مَن ركِب طاعةَ اللَّهِ وترَك معصيتَه (٣). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه:

стр. 14901

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: هو الرجلُ يَهُمُّ بالذنبِ، فيَذْكُرُ مقامَ ربِّه فيَنْزِعُ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: الرجلُ يَهُمُّ بالذنبِ، فيَذْكُرُ مَقامَه بينَ يدي اللَّهِ فَيَتْرُكُه، فله جنتان. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: الرجلُ يَهُمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ فيَدَعُها (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: في الذي إذا همَّ بمعصيةٍ ترَكها (٣). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسحاقُ، [عن سفيانَ، عن] (٤) منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: هو الرجلُ يَهُمُّ بمعصيةِ اللَّهِ تعالى، ثم يَتْرُكُها مخافةَ اللَّهِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: يُذْنِبُ الذنبَ، فيَذْكُرُ مقامَ ربِّه فيَدَعُه. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن

стр. 14902

منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: إذا أراد أن يُذْنِبَ أمسَك مَخافةَ اللَّهِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: إنَّ المؤمنين خافوا ذاكم المقامَ، فعمِلوا له ودانُوا له وتعبَّدوا بالليلِ والنهارِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ، قال: ثنا أبو العوَّامِ، عن قتادةَ في قولِه ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: إِنَّ للَّهِ مَقامًا قد خافَه (٢) المؤمنون. حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ القرشيُّ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا سعيدٌ الجريريُّ، عن محمدِ بنِ سعدٍ، عن أبي الدرداءِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ". قلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: "وإن زنَى وإن سرَق، وإن رغِم أنفُ أبي الدرداءِ" (٣). وحدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن محمدِ بنِ أبي حرملةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: أخبَرني أبو الدرداءِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قرَأ يومًا هذه الآيةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ". فقلتُ: وإن زنَى وإن سرق يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ". قال: فقلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ

стр. 14903

مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ". قلتُ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: "وإن (١)، رغِم أنفُ أبي الدرداءِ" (٢). حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي بكر بنِ (٣) أبي موسى، عن أبيه، قال حمادٌ: لا أعلمُه إلا رفَعه في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: "جنتان من ذهَبٍ للمقرَّبين - أو قال: للسابقين - وجنتان من ورِقٍ لأصحابِ اليمينِ" (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمِرٌ، عن أبيه، قال: ثنا سيارٌ (٥) أنه قال: قيل لأبي الدرداء في هذه الآيةِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فقيل: وإن زنَى وإن سرَق؟ فقال: وإن زنَى وإن سرَق. وقال: إنه إن خاف مقامَ ربِّه لم يَزْنِ ولم يَسْرِقْ (٦). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن ابنِ (٧) المباركِ، عن سعيدٍ الجُرَيْرِيِّ، عن رجلٍ، عن أبي الدرداءِ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. فقال أبو الدرداءِ: وإن زنَى وإن سرَق؟ قال: نعَمْ، وإن رغِم أنفُ أبي الدرداءِ.

стр. 14904

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ الصلتِ، عن عمرِو بنِ ثابتٍ، عمن ذكَره، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: وإن زنَى وإن سرَق. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: جنَّتا السابقين. فقرَأ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]. ثم رجَع إلى أصحابِ اليمينِ، فقال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢]. فذكَر فضلَهما وما فيهما. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قال: مقامَه حينَ يقومُ له العبادُ يومَ القيامةِ. وقرَأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. وقال: ذاك مقامُ ربِّك. وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما أيُّها الثقلانِ، التي أنعَم عليكم بإثابتِه المحسنَ منكم، ما وصَف جل ثناؤُه في هذه الآياتِ - تُكَذِّبان؟ وقولُه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. يقولُ: ذواتا ألوانٍ. واحدُها فَنٌّ، وهو من قولِهم: افتنَّ فلانٌ في حديثِه. إذا أخَذ في فنونٍ منه وضروبٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ (١)، عن عطاءِ

стр. 14905

ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ذواتا ألوانٍ (١). حدَّثنا الفضلُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو قُتيبةَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ النعمانِ، عن عكرِمةَ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ظلِّ الأغصانِ على الحيطانِ. قال: وقال الشاعرُ (٢): ما هاج شوقَك من هديلِ (٣) حمامةٍ … تَدْعو على فَننِ الغُصونِ حمامًا تَدْعو أبَا فَرْخين صادَف ضارِيًا … ذا مِخْلَبَينِ من الصُّقورِ قَطاما (٤) حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ألوانٍ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ: قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ذواتا ألوانٍ. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أنبأنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. يقولُ: ألوانٍ من الفواكهِ (٥). وقال آخرون: ذواتا أغصانٍ.

стр. 14906

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَوَاتَا أَفَنَانٍ﴾. قال: ذواتا أغصانٍ (١). وقال آخرون: معنى ذلك: ذواتا أطرافِ أغصانِ الشجرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. يقولُ: تتماشى (٢) أطرافُ شجرِها، يعني: يَميسُ (٣) بعضُها بعضًا كالمعروشاتِ، ويُقالُ: ذواتُ فضولٍ (٤) عن كلِّ شيءٍ (٥). وقال آخرون: بل عُنِي بذلك فضلُهما وسعتُهما على ما سِواهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾: يعني فضلَهما وسعتَهما على ما سِواهما. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾. قال: ذواتا فضلٍ على ما سِواهما (٦).

стр. 14907

وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَم عليكما بإثابتِه هذا الثوابَ أهلَ طاعتِه - تُكذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين عينا ماءٍ تَجْريان خلالَهما، فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكذِّبان؟ وقولُه: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيهما من كلِّ نوعٍ من الفاكهةِ ضَرْبان. فبأيِّ آلاءِ ربِّكما التي أنعَم بها على أهلِ طاعتِه من ذلك - تُكذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَن خاف مقامَ ربِّه جَنَّتان يَتَنَعَّمون فيهما، متكِئين على فُرُشٍ. بنصبِ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحالِ من معنى الكلامِ الذي قبلَه - لأَن الذي قبلَه بمعنى الخبرِ عمَّن خاف مَقامَ ربِّه أنه في نَعْمةٍ وسرورٍ يَتَنعَّمون في الجنتين. وقولُه: ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بطائنُ هذه الفُرْشِ من غليظِ الديباجِ. والإستبرقُ عندَ العربِ ما غلُظ من الديباجِ وخشُن (١). وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (٢) يقولُ: يُسَمَّى المتاعُ

стр. 14908

الصِّينيُّ (١) الذي ليس في صفاقةِ (٢) الديباجِ ولا خِفَّةِ الفِرِنْدِ (٣)، إستبرقًا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: قال لي سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ما الإستبرقُ؟ قال: قلت: ما غلُظ من الديباجِ وخشُن منه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [عن ابنِ] (٤) أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: الديباجِ الغليظِ (٥). وحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبيرةَ بنِ يَرِيمَ (٦)، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: قد أُخْبِرْتُم بالبطائنِ، فكيف لو أُخْبِرْتُم بالظواهرِ؟! (٧) حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن

стр. 14909

هُبَيرةَ، قال: هذه البطائنُ، فما ظنُّكم بالظواهرِ؟! حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قيل: هذه البطائنُ من إستبرقٍ، فما الظواهرُ؟ قال: هذا مما قال اللَّهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (١) [السجدة: ١٧]. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) أن البطانةَ قد تكونُ ظِهارةً، والظِّهارةُ تكونُ بطانةً، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهما قد يكونُ وجهًا. قال: وقد تقولُ العربُ: هذا ظهرُ السماءِ، وهذا بطنُ السماءِ؛ لظاهرِها الذي نراه. وقولُه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. يقولُ: وثمرُ الجنتَيْنِ [التي تُجنى] (٣) قريبٌ منهم؛ لأنهم لا يَتْعَبون بصعودِ نخلِها وشجرِها لاجتناءِ ثمرِها، ولكنهم يَجْتَنونها من قُعودٍ بغيرِ عناءٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: ثمارُها دانيةٌ، لا يَرُدُّ أيديَهم عنه بُعْدٌ ولا شَوكٌ (٤). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "والذي نفسي بيدِه، لا يَقْطَعُ رجلٌ ثمرةً من الجنةِ، فتَصِلَ إلى فيه، حتى يُبَدِّلَ اللَّهُ مكانَها خيرًا منها" (٥). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. قال: لا يَرُدُّ يدَه بُعدٌ ولا شَوْكٌ (٦).

стр. 14910

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. قال: ثمارُها دانيةٌ (١). وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ آلاءِ ربِّكما معشرَ الثَّقَلين، التي أنعَم عليكما مِن أن أثاب أهلَ طاعتِه منكم هذا الثوابَ، وأكرَمهم (٢) هذه الكرامةَ - تُكَذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: في هذه الفُرُشِ التي بطائنُها من إستبرقٍ ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾؛ وهنَّ النساء اللاتي قد قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يَنْظُرْنَ إلى غيرِهم من الرجالِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أبي، [وحدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ، جميعًا عن إسرائيلَ] (٣)، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: قُصِر طرفُهن عن الرجالِ، فلا يَنْظُرْنَ إلا إلى أزواجِهن (٤).

стр. 14911

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ الآية. يقولُ: قُصِر طرفُهن على أزواجِهن، فلا يُرِدْنَ غيرَهم (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾. قال: لا يَنْظُرْنَ إلَّا إلى أزواجِهنَّ، تقولُ: وعزةِ ربي وجلالِه وجمالِه إن أَرى في الجنةِ شيئًا أحسَن منك، فالحمدُ للَّهِ الذي جعَلك زوجِي، وجعَلني زوجَك (٢). وقولُه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ: لم يَمَسَّهن إنسٌ (٣) قبلَ هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهم - وهم الذين قال فيهم: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ - ولا جانٌّ. يُقالُ منه: ما طمَث هذا البعيرَ حبلٌ قطُّ، أي: ما [مسَّه حبلٌ] (٤). وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من الكوفيِّين (٥) يقولُ: الطمثُ هو النكاحُ بالتَّدْمِيةِ. ويقولُ: الطَّمثُ هو الدمُ. ويقولُ: يقالُ: طمَثها، إذا دمَّاها بالنكاحِ. وإنما عنَى في هذا الموضعِ بذلك أنه لم يُجامِعْهن إنسٌ قبلَهم ولا جانٌّ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 14912

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. يقولُ: لم يُدْمِهِنَّ (١) إِنسٌ ولا جانٌّ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن عليٍّ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: [مذ خُلِقن] (٣). حدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ، عن مغيرةَ بنِ مسلمٍ، عن عكرِمةَ، قال: لا تَقُلِ المرأةُ: إني طامثٌ؛ فإنَّ الطَّمْثَ هو الجماعُ، وإنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يقولُ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. قال: لم يَمَسَّهن شيءٌ؛ إنسٌ ولا غيرُه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَمْ يُطمِثْهُنَّ﴾. قال: لم يَمَسَّهن (٦). حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ (٧)، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عاصمٍ،

стр. 14913

قال: قلتُ لأبي العاليةِ: امرأةٌ طامثٌ. قال: ما طامثٌ؟ فقال رجلٌ: حائضٌ. فقال أبو العاليةِ: حائضٌ (١)؟! أليس يقولُ اللَّهُ : ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾؟ فإن قال قائلٌ: وهل يُجامِعُ النساءَ الجنُّ فيقالَ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾؟ فإن مجاهدًا رُوِي عنه ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَعْلَى الأسلميُّ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: إذا جامَع الرجلُ ولم يُسَمِّ، انطوَى الجانُّ على إحليله فجامَع معه، فذلك قولُه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٢). وكان بعضُ أهلِ العلمِ يَنْتَزِعُ بهذه الآيةِ في أن الجنَّ يَدْخُلون (٣) الجنةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو حُمَيدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمصيُّ، قال: ثنى أبو حيوةَ شريحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ ضَمْرةَ (٤) بنَ حبيبٍ: هل للجنِّ من ثوابٍ؟ قال: نعم. ثم نزَع بهذه الآيةِ: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾. فالإنسياتُ (٥) للإنسِ، والجنِّياتُ للجنِّ (٦).

стр. 14914

وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ آلاءِ ربِّكما معشرَ الجنِّ والإنسِ، من هذه النعمِ التي أنعَمها على أهلِ طاعتِه - تُكذِّبان؟ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: كأن هؤلاء القاصراتِ الطرفِ اللواتي هنَّ في هاتيْنِ الجنتَيْن في صفائِهنَّ الياقوتُ الذي يُرَى السلكُ الذي فيه من ورائِه، فكذلك يُرَى مخُّ سوقِهن من وراءِ أجسامِهن - وفي حُسنِهن (١) المرجانُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وقال به أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك والأثرِ الذي رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ حدَّثني محمدُ بنُ حاتمٍ المُؤدِّبُ، قال: ثنا عَبِيدةُ بنُ (٢) حُمَيدٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إن المرأةَ من أهلِ الجنةِ ليُرَى بياضُ ساقِها من وراءِ سبعينَ حلةً من حريرٍ، ومخُّها، وذلك أن اللَّهَ يقولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. فأما الياقوتُ فإنَّك لو أدخَلْتَ فيه سِلْكًا ثم استَصْفَيْتَه لرأيتَه من ورائِه" (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن

стр. 14915

عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: إن المرأةَ من نساءِ أهلِ الجنةِ لتَلْبَسُ سبعين حلةً من حريرٍ، يُرَى بياضُ ساقِها وحسنُ ساقِها من ورائِها، ذلكم بأن اللَّهَ يقولُ: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ألَا وإنما الياقوتُ حجرٌ، فلو جعَلت فيه سلكًا ثم استَصْفَيْته لنظَرتَ إلى السلكِ من وراءِ الحجرِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. [قال: صفاءُ الياقوتِ] (٢) في بياضِ المرجانِ (٣). حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ أن المرأةَ (٤) من أهلِ الجنةِ لتلْبَسُ سبعين حلةً من حريرٍ، فيُرَى بياضُ ساقِها وحسنُه، ومخُّ ساقِها من وراءِ ذلك، وذلك لأن اللَّهَ قال: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾. ألَا ترَى أن الياقوتَ حجرٌ، فإذا أدخَلت فيه سلكًا، رأيتَ السلكَ من وراءِ الحجرِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: إن المرأةَ من الحورِ العينِ لتَلْبَسُ سبعين حلةً، فيُرَى مخُّ ساقِها كما يُرَى الشرابُ الأحمرُ في الزجاجةِ البيضاءِ (٥).
следующие страницы →