← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15366–15405 · переход к 15371.

стр. 15366

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾. قال: هي المطلَّقةُ، لا تخرُجُ مِن بيتِها ما دام لزوجِها عليها رَجْعَةٌ وكانت في عِدَّةٍ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾: وذلك إذا طلَّقها واحدةً أو اثنتين، ما لم يُطلِّقْها ثلاثًا. وقولُه: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا تُخْرِجوهنَّ إلا أنْ يأْتين بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ أنَّها فاحشةٌ لمن عايَنها أو عَلِمها. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الفاحشةِ التي ذُكرت في هذا الموضعِ، والمعنى الذي مِن أجلِه أَذِن اللَّهُ بإخراجِهنَّ في حالِ كونِهنَّ في العِدَّةِ من بُيوتِهنَّ؛ فقال بعضُهم: الفاحشةُ التي ذكر اللَّهُ في هذا الموضعِ هي الزنى، والإخراجُ الذي أباح اللَّهُ هو الإخراجُ لإقامةِ الحدِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الزنى: قال: فتُخْرَجُ ليُقامَ عليها الحدُّ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ مثلَه.

стр. 15367

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن صالحِ بن مسلمٍ، قال: سألتُ عامرًا، قلتُ: رجلٌ طلَّق امرأتَه تطليقةً أيُخْرِجُها مِن بيتِها؟ قال: إن كانت زانيةً (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: إلا أنْ يزنين (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ : ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. قال: هؤلاء المحصناتُ، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ١٥]. قال: فجعَل اللَّهُ سبيلَهنَّ الرجْمَ، فهي لا يَنْبَغِي لها أَنْ تَخْرُجَ مِن بيتِها إلا أنْ تأتيَ بفاحشةٍ مبينةٍ، فإذا أتَتْ بفاحشةٍ مبينةٍ أُخْرِجَت إلى الحدِّ فرُجِمت، وكان قبلَ هذا للمحصنةِ الحبسُ، تُحْبِسُ في البيوتِ لا تُتْركُ أن تُنْكحَ، وكان للبِكْرَين الأذى، قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: يا زانٍ، يا زانيةُ، ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦]. قال: ثم نُسِخ هذا كلُّه، فجُعِل للمحصَنةِ والمحصَنِ الرجْمُ،

стр. 15368

وجُعِل جلدُ مائةٍ للبِكْرَين، قال: ونُسِخ هذا. وقال آخرون: الفاحشةُ التي عناها اللَّهُ في هذا الموضعِ البَذَاءُ على أحمائِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن محمدِ بن إبراهيمَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: الفاحشةُ المُبيِّنةُ أن تَبْدُوَ على أهلِها (١). وقال آخرون: بل هي كلُّ معصيةٍ للَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: والفاحشةُ المبيِّنةُ (٢) هي المعصيةُ (٣). وقال آخرون: بل ذلك نشوزُها على (٤) زوجِها، فيطلِّقُها على النشوزِ، فيكونُ لها التحوُّلُ حينئذٍ من بيتِها.

стр. 15369

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال قتادةُ: إلا أنْ يُطلِّقَها على نشوزٍ، فلها أنْ تُحوَّلَ مِن بيتِ زوجِها (١). وقال آخرون: الفاحشةُ المُبيِّنةُ التي ذكر اللَّهُ في هذا الموضعِ خروجُها مِن بيتِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: خروجُها مِن بيتِها فاحشةٌ. وقال بعضُهم: خروجُها إذا أتت بفاحشةٍ؛ أن تُخْرَجَ فيُقامَ عليها الحدُّ (٢). حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البرقيُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ الحكمِ بنِ أبي مريمَ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ في قولِه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. قال: خروجُها قبلَ انقضاءِ عدتِها (٣) فاحشةٌ (٤).

стр. 15370

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي قولُ مَن قال: عُنِي بالفاحشةِ في هذا الموضعِ المعصيةُ. وذلك أنَّ الفاحشةَ هي كلُّ أمرٍ قبيحٍ تُعُدِّي (١) فيه حدُّه، فالزنى مِن ذلك، والسَّرَقُ والبَذَاءُ على الأحماءِ وخروجُها مُتَحوِّلةً عن منزلِها الذي يَلْزَمُها أنْ تعتدَّ فيه، منه، فأيَّ ذلك فعَلتْ وهي في عِدَّتِها، فلزوجِها إخراجُها مِن بيتِها، ذلك لإتيانِها بالفاحشةِ التي ركِبتْها. وقولُه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وهذه الأمورُ التي بيَّنْتُها لكم مِن الطلاقِ للعِدَّةِ، وإحصاءِ العِدَّةِ، والأمرِ باتقاءِ اللَّهِ، وأنْ لا تُخْرَجَ المطلَّقةُ مِن بيتِها إلا أن تأتيَ بفاحشةٍ مبينةٍ - حدودُ اللَّهِ التي حدَّها لكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يتجاوزْ حدودَ اللَّهِ التي حدَّها لخلْقِه، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾] (٢). يقولُ: فقد أَكْسَب (٣) نفسَه وِزْرًا، فصار بذلك لها ظالمًا، وعليها متعدِّيًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾. يقولُ: تلك طاعةُ اللَّهِ، فلا تَعْتَدُوها. قال: يقولُ: مَن كان على غيرِ هدًى (٤) فقد ظلَم نفسَه (٥).

стр. 15371

وقولُه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. يقولُ ﷻ : لا تَدْرِي ما الذي يَحدُثُ، لعلَّ اللَّهَ يُحدِثُ بعدَ طلاقِكم إيَّاهنَّ رجعةً. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، [عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ] (١)، أَنَّ فاطمةَ بنتَ قيسٍ كانت تحتَ أبي [عمرِو ابنِ] (٢) حفصٍ المخزوميِّ، وكان النبيُّ ﷺ أمَّر عليًّا على بعضِ اليمنِ، فخرَج معه، فبعَث إليها بتطليقةٍ كانت بقِيتْ (٣) لها، وأمَر عياشَ بن أبي ربيعةَ المخزوميَّ والحارثَ بنَ هشامٍ، أن يُنْفِقا عليها، فقالا: لا واللَّهِ ما لها علينا نفقةٌ، إلا أنْ تكونَ حاملًا. فأتت النبيَّ ﷺ فذكَرت ذلك له، فلم يجعَلْ لها نفقةً إلا أنْ تكونَ حاملًا، واستأذنتْه في الانتقالِ، فقالت: أينَ أنتقِلُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "عندَ ابنِ أمِّ مكتومٍ". وكان أعمى، تضعُ ثيابَها عندَه، ولا يُبْصِرُها، فلم تَزَلْ هنالك حتى أنْكَحها النبيُّ ﷺ أُسامةَ بنَ زيدٍ، حينَ مضت عِدَّتُها، فأرسَل إليها مَرْوانُ بنُ الحكمِ يسألُها عن هذا الحديثِ، فأخبَرتْه، فقال مَرْوانُ: لم نسمعْ هذا الحديثَ إلا مِن امرأةٍ، وسنأخذُ بالعصمةِ التي وجَدْنا الناسَ عليها. فقالت فاطمةُ: بيني وبينَكم الكتابُ، قال اللَّهُ : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قالت: فأَيَّ أمرٍ يُحْدِثُ (٤) بعدَ الثلاثِ؟! وإنما هو في مراجعة الرجلِ امرأتَه، وكيف

стр. 15372

تُحْبَسُ امرأةٌ بغيرِ نفقةٍ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: هذا في مراجعةِ الرجلِ امرأتَه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. أيْ: مراجعةً. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: يُراجِعُها في بيتِها، هذا في الواحدةِ والثنتين، هو أبعدُ مِن الزنى. قال سعيدٌ: وقال الحسنُ: هذا في الواحدةِ والثنتين، وما يُحْدِثُ اللَّهُ بعدَ الثلاثِ (٣)! حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ وعكرمةَ يقولان: المطلَّقةُ ثلاثًا، والمتوفَّى عنها زوجُها (٤)، لا سُكْنى لها ولا نفقةَ. قال: فقال عكرمةُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. فقال: ما يُحْدِثُ بعدَ الثلاثِ (٥)! حدَّثنا عليُّ (٦) بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ

стр. 15373

المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. يقولُ: لعلَّ الرجلَ يراجعُها في عِدَّتِها (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾: هذا ما كان له عليها رجعةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: الرَّجْعةَ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: لعلَّ اللَّهَ يُحدِثُ في قلبِك تَرتجِعُ (٣) زوجتَك. قال: ومَن طلَّق للعِدَّةِ جعَل اللَّهُ له في ذلك فُسْحةً، وجعل له مِلْكًا؛ إِنْ أَرادَ أَنْ يَرْتَجِعَ قبلَ أن تنقضِيَ العِدَّةُ ارْتجَع (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. قال: لعله يراجِعُها (٤). وقولُه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا بلَغ المطلَّقاتُ اللَّواتي هنَّ في عِدَّةٍ، أجلَهنَّ؛ وذلك حينَ قَرُب انقضاءُ عِدَدِهنَّ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: فأمسكوهنَّ برجْعةٍ تُراجعوهنَّ إن أردْتم ذلك، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: بما أمَر اللَّهُ به مِن الإمساكِ، وذلك بإعطائِها الحقوقَ

стр. 15374

التي أوجَبها اللَّهُ عليه لها مِن النفقةِ والكِسوةِ والمسكنِ وحُسنِ الصحبةِ، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ: أو اتْركوهنَّ حتى تنقضِيَ عِدَدُهنَّ فتَبِينَ منكم، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾. يعني: بإيفائِها ما لها مِن حقٍّ قِبَلَه؛ من الصداقِ أو المتعةِ، على ما أوجَب اللَّهُ لها عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. يقولُ: إِذا انْقَضَتْ عدَّتُها قبلَ أنْ تغتسلَ مِن الحيضةِ الثالثةِ، أو ثلاثةُ أشهرٍ إنْ لم تكنْ تَحيضُ. يقولُ: فراجِعْ إن كنتَ تريدُ المراجعةَ قبلَ أن تنقضِيَ العِدَّةُ بإمساكٍ بمعروفٍ، والمعروفُ: أنْ تُحسِنَ صُحبتَها، ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، والتسريحُ بإحسانٍ: أنْ يدعَها حتى تمضِيَ عِدَّتُها، ويُعطيَها مهرًا، إنْ كان لها عليه، إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرةِ (١). حدَّثنا محمدٌ، [٤٨/ ٩ ظ] * قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. قال: إذا طلَّقها واحدةً أو ثنتين، يشاءُ أنْ يُمسِكَها بمعروفٍ، أو يُسرِّحَها بإحسانٍ. وقولُه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: وأشْهِدوا على الإمساكِ إنْ أمسَكْتموهنَّ، وذلك هو الرجعةُ، ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: وهما اللَّذان يُرْضَى

стр. 15375

دينُهما وأمانتُهما. وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى العَدْلِ بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وذكَرْنا ما قال أهلُ العلمِ فيه (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنْ أراد مراجعتَها قبلَ أنْ تنقضِيَ عِدَّتُها، أَشْهَد رجلين كما قال اللَّهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: عندَ الطلاقِ وعندَ المراجعةِ، فإن راجَعها فهي عندَه على تطليقتين، وإن لم يُراجِعْها فإذا (٢) انقضَت عِدَّتُها فقد بانَت منه بواحدةٍ، وهي أمْلكُ بنفسِها، ثم تتزوَّجُ مَن شاءت؛ هو أو غيرَه (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. قال: على الطلاقِ والرجْعةِ. وقولُه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. يقولُ: واشْهَدُوا على الحقِّ إذا استُشْهِدتم، وأدُّوها على صحةٍ إذا أنتم دُعيتم إلى أدائِها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه:

стр. 15376

﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. قال: اشهَدوا على الحقِّ. وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أمَرْتُكم به وعرَّفْتُكم؛ مِن أمرِ الطلاقِ، والواجبِ لبعضِكم على بعضٍ عندَ الفِراقِ والإمساكِ - عظةٌ منا لكم، نعِظُ به مَن كان يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ، فيُصدِّقُ به. وعُنِي بقولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: مَن كانت صفتُه الإيمانَ باللَّهِ، كالذي حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: يؤمِنُ به. وقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: مَنْ يَخفِ اللَّهَ فيعملْ بما أمَره به، ويجْتَنِبْ ما نهاه عنه، يَجْعَلْ له من أمرِه مخرجًا، بأن يُعرِّفَه بأنَّ ما قضَى فلا بدَّ مِن أنْ يكونَ، وذلك أن المطلِّقَ إذا طلَّق، كما ندَبه اللَّهُ إليه للعِدَّة، ولم يُراجِعْها في العدةِ (١) حتى انقضتْ، ثم تَتَبَّعتْها (٢) نفسُه، [جعَل اللَّهُ له مخرجًا فيما تَتْبعُها نفسُه] (٣)، بأنْ جعل له السبيلَ إلى خِطْبتِها ونكاحِها، ولو طلَّقها ثلاثًا لم يكنْ له إلى ذلك سبيلٌ. وقولُه: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. يقولُ: ويُسبِّبْ له أسبابَ الرزقِ مِن حيثُ لا يشعرُ ولا يعلَمُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. وذكَر بعضُهم أنَّ هذه الآيةَ نزَلت بسببِ عوفِ بن مالكٍ الأشجعيِّ.

стр. 15377

ذكرُ (١) مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ صلتٍ، عن قيسٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: يعلَمُ أنه من عندِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ هو الذي يُعْطِي ويمنعُ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: المَخْرَجُ أَنْ يعلمَ أنَّ اللَّهَ ﵎ لو شاء أعطاه، ولو (٣) شاء منَعه، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. قال: من حيثُ لا يَدْرِي. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ بنحوِه (٤). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. يقولُ: يُنجِيه (٥) مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدنيا والآخرةِ، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٦).

стр. 15378

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بنِ المنذرِ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: مِن كلِّ شيءٍ ضاق على الناسِ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: مَن طلَّق كما أمَره اللَّهُ يَجْعلْ له مخرجًا (٢). حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ الأعلى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. قال: يعني بالمَخْرَجِ واليُسرِ؛ إذا طلَّق واحدةً، ثم سكَت عنها، فإنْ شاء (٣) راجَعها بشَهادةِ رجلين عَدْلَين، فذلك اليُسرُ الذي قال اللَّهُ ﵎، وإن مضَت عِدَّتُها ولم يُراجِعْها، كان خاطبًا من الخُطَّابِ، وهذا الذي أمَر اللَّهُ به، وهكذا طلاقُ السنَّةِ، فأمَّا مَن طلَّق عندَ كلِّ حيضةٍ تطليقةً (٤)، فقد أخطأ السنَّةَ، وعصَى الربَّ ، وأخَذ بالعُسرِ (٢). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: يُطلِّقُ للسنَّةِ (٥)، ويراجِعُ للسنَّةِ (٥)، زُعِم أنَّ رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ يقالُ له: عوفُ بنُ مالكٍ الأشجعيُّ. كان له ابنٌ، وأنَّ

стр. 15379

المشركين أسَرُوه، فكان فيهم، فكان أبوه يأتي النبيَّ ﷺ ، فيشكو إليه مكانَ ابنِه وحالَه التي هو بها وحاجتَه، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمرُه بالصبرِ، يقولُ له: "إِنَّ اللَّهَ سيجعلُ لك (١) مخرجًا". فلم يَلبَثْ بعدَ ذلك إلا يسيرًا [أن انفلَت] (٢) ابنُه مِن أيدي العدوِّ، فمرَّ بغنمٍ مِن أغنامِ العدوِّ فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغِنًى قد أصابه من الغنمِ، فنزَلت فيه هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عمارِ بنِ (٤) معاويةَ الدُّهْنِيِّ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: نزَلت في رجلٍ مِن أشجعَ جاء إلى النبيِّ ﷺ وهو مجهودٌ، فسأله، فقال له النبيُّ ﷺ : "اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ". فقال: قد فعَلْتُ. فأتى قومَه، فقالوا: ماذا قال لك؟ قال: قال لي: "اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ". فقلتُ: قد فعَلْتُ. حتى قال ذلك ثلاثًا، فرجَع، فإذا هو بابنِه كان أسيرًا في بني فلانٍ مِن العربِ، فجاء معه بأعنُزٍ، فرجَع إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: إنَّ ابني كان أسيرًا في بني فلانٍ، وإنه جاءنا (٥) بأعْنُزٍ، فطابت لنا؟ فقال: "نعم" (٦). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن عمارٍ الدهنيِّ، عن سالمِ بنِ أبي الجعدِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: نزَلت في

стр. 15380

رجلٍ مِن أشجعَ أصابه الجَهْدُ، فأتى النبيَّ ﷺ فقال له: "اتقِ اللَّهَ واصْبِرْ". فرجَع فوجَد ابنًا له كان أسيرًا، قد فكَّه اللَّهُ مِن أيديهم، وأصاب أَعْنُزًا، فجاء، فذكَر ذلك لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: هل تَطيبُ لي يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: "نعم". حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابنِ المنذرِ الثوريِّ، عن أبيه، عن الربيعِ بن خُثَيمٍ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: من كلِّ شيءٍ ضاق على الناسِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: يعلمُ أنَّ اللَّهَ إن شاء منَعه، وإن شاء أعطاه، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. يقولُ: من حيثُ لا يَدْرِي. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. قال: من شُبُهاتِ الأمورِ، والكربِ عندَ الموتِ، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: من حيثُ لا يَرْجو ولا يؤمِّلُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: من حيثُ لا يأملُ ولا يَرْجو. وقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: ومن يتقِ اللَّهَ في أمورِه، ويفوِّضْها إليه، فهو كافيه.

стр. 15381

[وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِن اللَّهَ مُنفذٌ أمرَه، مُمضٍ في خلقِه قضاءَه] (١). وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾. منقطعٌ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. ومعنى ذلك: إنَّ اللَّهَ بالغُ أمرِه بكلِّ حالٍ؛ توكَّل عليه العبدُ أو لم يتوكَّلْ عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: توكَّل عليه، أو لم يتوكَّلْ عليه، غيرَ أنَّ المتوكِّلَ عليه (٢) يُكفِّرُ عنه سيئاتِه ويُعْظِمُ له أجرًا (٣). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ بنحوِه (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ صلتٍ، عن قيسٍ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. قال: ليس بمتوكِّلٍ الذي قد قُضيت حاجتُه، وجعَل فضلَ مَن توكّل عليه على مَن لم يتوكَّلْ عليه (٢)، أنْ يكفِّرَ عنه سيئاتِه ويُعْظِمَ له أجرًا (٤).

стр. 15382

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ (١)، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾: إن توكَّل عليه أو لم يتوكّلْ، غيرَ أن المتوكِّلَ يُعْظِمُ له أجرَه ويكفِّرُ عنه سيئاتِه] (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، قال: تَجالسَ شُتيرُ بنُ شَكَلٍ ومسروقٌ، فقال شُتيرٌ: إمَّا أنْ تحدِّثَ ما سمِعتَ من ابنِ مسعودٍ فأصدِّقَك، وإما أنْ أُحدِّثَ فتصدِّقَني. قال: فقال (٣) مسروقٌ: لا، بل حدِّثْ وأصدِّقُك. فقال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إن أكبرَ آيةٍ في القرآنِ تفويضًا (٤): ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فقال مسروقٌ: صدَقتَ. وقولُه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد جعَل اللَّهُ لكلِّ شيءٍ مِن الطلاقِ والعِدَّةِ وغيرِ ذلك، حدًّا وأَجَلًا وقَدْرًا يُنتهَى إليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال: أجَلًا (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال: مُنتهًى.

стр. 15383

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضحى، عن مسروقٍ مثلَه. حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾. قال: الحيضُ في الأجلِ [والعِدَّةِ] (١). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: والنساءُ اللَّاتي قد ارْتَفَع طمَعُهنَّ مِن (٢) المَحيضِ، فلا يَرْجون أنْ يحِضْنَ مِن نسائِكم إن ارْتبتم. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن ارْتَبْتم بالدَّم الذي يظْهرُ منها لكِبَرِها؛ أمِن الحَيْضِ هو أم مِن الاسْتحاضَةِ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: إنْ لم تعلموا التي قَعَدتْ مِن (٢) [المحيضِ و] (٣) التي لم تَحِضْ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ (٤).

стр. 15384

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. قال: في كِبَرِها أنْ يكونَ ذلك مِن الكِبَرِ، فإنها تَعْتَدُّ حِينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ، فأمَّا إذا ارتفَعتْ حَيْضةُ المرأةِ وهي شابَّةٌ، فإنه يُتَأَنَّى بها حتى يُنظَرَ: أحاملٌ هي، أم غيرُ حاملٍ؟ فإن اسْتَبَان حَمْلُها، فأجَلُها أنْ تضَعَ حملَها، فإن لم يَسْتَبِنْ حملُها، فحتى يَسْتَبِينَ بها، وأَقْصَى ذلك سَنَةٌ (١). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾. قال: إن ارْتبْتَ أنها لا تحيضُ وقد ارْتفَعَتْ حيضتُها، أو ارْتاب الرجلُ (٢)، و (٣) قالت هي: تَرَكَتْني الحيضةُ. فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ إن ارتاب [فخاف أن تكون الحيضة قد انقطَعتْ] (٤)، فلو كان الحملُ، انتظَر الحملَ حتى تَنقضِيَ تسعةُ أشهرٍ، فخاف وارتاب هو وهي أن تكون الحيضةُ قد انقطَعت، فلا ينبغي لمسلِمةٍ أنْ تُحْبسَ، فاعتدَّت ثلاثةَ أشهرٍ، وجعَله (٥) اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أيضًا للتي لم تَحِضْ الصغيرةِ ثلاثةَ أشهرٍ (٦). حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: أخبَرنا

стр. 15385

أبو مُعَيْدٍ (١)، قال: سُئل سليمانُ عن المرتابةِ، قال: هي المرأةُ (٢) التي قد قَعَدت مِن الولدِ؛ تُطَلَّقُ، فتَحِيضُ حَيْضةً، فيأتي إبَّانُ (٣) حيضتِها الثانيةِ، فلا تَحِيضُ. قال: تَعْتَدُّ حينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ مُستَقبَلةً. [قال: فإن حاضتْ حَيضَتَين، ثم جاء إبَّانُ الثالثةِ فلم تَحِضْ، اعتدَّتْ حينَ ترتابُ ثلاثةَ أشهرٍ مستقبَلَةً] (٤)، ولم تَعْتَدَّ (٥) بما مضى. وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن ارْتَبْتُم بحُكْمِهنَّ، فلم تَدْروا ما الحكمُ في عِدَّتِهِنَّ، فإنَّ عِدَّتَهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن عمرِو بنِ سالمٍ، قال: قال أبيُّ بنُ كعبٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إن عِدَدًا مِن عِدَدِ النساءِ لم تُذْكَرْ في الكتابِ؛ الصِّغارِ، والكِبارِ، وأُولاتِ الأحمالِ. فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦).

стр. 15386

وقال آخرون: معنى ذلك: إن ارتَبتُم بما (١) يظهَرُ منهنَّ مِن الدمِ، فلم تَدْروا أَدَمُ حيضٍ، أم دمُ اسْتِحاضةٍ (٢)، مِن كِبَرٍ كان ذلك أو عِلَّةٍ؟ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: إنَّ مِن الرِّيبةِ المرأةَ المستحاضةَ، و (٣) التي لا يَستقيمُ لها الحيضُ، تحيضُ في الشهرِ مرارًا، وفي الأشهُرِ مرَّةً، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ (٤). وهو قولُ قتادةَ (٥). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: عَنَى بذلك: إن ارتَبتُم فلم تَدْروا ما الحكمُ فيهنَّ. وذلك أنَّ معنى ذلك لو كان كما قاله مَن قال: إن ارْتَبتم بدمائِهِنَّ فلم تَدْروا أدمُ حيضٍ أو استحاضةٍ. لقيل: إن ارْتبْتُنَّ (٦)؛ لأنهنَّ إذا أشكَل الدمُ عليهنَّ، فهنَّ المرتاباتُ (٧) بدماءِ أنفسِهنَّ لا غيرُهنَّ. وفي قولِه: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، وخطابِه الرجالَ بذلك دونَ النساءِ، الدليلُ الواضحُ على صحةِ ما قلنا، مِن أنَّ معناه: إنِ ارْتبتم أنتم (٨) أيُّها الرجالُ بالحُكمِ فيهنَّ. وأُخرى؛ وهو أنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾. واليائسةُ (٩) مِن المحيضِ هي التي لا تَرْجو مَحِيضًا لكِبَرٍ (١٠)، ومحالٌ أنْ يقالَ: واللَّائي يَئِسن. ثم

стр. 15387

يقالُ: إن ارْتَبْتُم بيأسِهنَّ (١)؛ لأنَّ اليأسَ (٢) هو انقطاعُ الرجاءِ، والمُرْتابُ بيأسِها مَرْجُوٌّ لها، وغيرُ جائزٍ ارتفاعُ الرجاءِ ووجودُه في وقتٍ واحدٍ [في شخصٍ واحدٍ] (٣). فإذا كان الصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قلنا، فبيِّنٌ أنَّ تأويلَ الآيةِ: واللَّائي يئِسن مِن المحيضِ مِن نسائِكم، إنِ ارْتبتم بالحكمِ فيهنَّ وفي عِدَدِهنَّ، فلم تَدْروا ما هو (٤)، فإن حُكْمَ عِدَدِهنَّ إِذا طُلِّقْن وهنَّ ممن قد دخَل بهنَّ أزواجُهنَّ، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. يقولُ: وكذلك عِدَدُ اللَّائي لم يَحِضْن مِن الجواري لصِغَرِهِنَّ (٥)، إذا طلَّقهنَّ (٦) أزواجُهنَّ بعدَ الدخولِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، [قال: حدَّثنا أحمدُ] (٧)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. يقولُ: التي قد ارْتَفَع حيضُها، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. قال: الجواري. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: وهنَّ اللَّواتي قعَدْن مِن المحيضِ فلا يَحِضْن، ﴿وَاللَّائِي لَمْ

стр. 15388

يَحِضْنَ﴾: هنَّ الأبكارُ التي لم يَحِضْن، فعِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهرٍ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية. قال: القواعدُ مِن النساءِ، ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: لم يَبْلُغْن المحيضَ وقد مُسِسْن، عِدَّتُهنَّ ثلاثةُ أشهُرٍ (٢). وقولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: والنساءُ الحوامِلُ إذا طُلِّقْنَ؛ أَجَلُهُنَّ في انقضاءِ عِدَدِهِنَّ] (٣) أَنْ يَضَعْنَ حملَهنَّ. وذلك إجماعٌ مِن جميعِ أهلِ العلمِ في المطلَّقةِ الحاملِ، وأمَّا المُتَوَفَّى عنها ففيها اختلافٌ بينَ أهلِ العلمِ. وقد ذكَرْنا اختلافَهم فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (٤)، وسنذكرُ في هذا الموضعِ بعضَ ما لم نذْكُر هنالك. ذكرُ مَن قال: حكمُ قولِه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، عامٌّ في المطلَّقاتِ والمتوفَّى عنهنَّ. حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أَبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنى ابنُ شُبْرُمَةَ الكوفيُّ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ بنِ (٥) قيسٍ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: مَن شاء لَاعَنْتُه؛ ما نَزَلَتْ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ

стр. 15389

يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعدَ آيةِ المتوفَّى عنها زوجُها، وإذا وضَعَتِ المُتَوَفَّى عنها فقد حَلَّت. يريدُ بآيةِ المتوفَّى عنها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) [البقرة: ٢٣٤]. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مالكٌ - يعني ابنَ إسماعيلَ - عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي عطيةَ، قال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شاء قاسَمْتُه؛ نَزَلَت سورةُ النساءِ القُصْرَى بعدَها. يعني: بعدَ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٤]. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: لقِيتُ أبا عطيةَ مالكَ بنَ عامرٍ فسألْتُه عن ذلك. يعني عن المُتَوَفَّى عنها زوجُها إذا وَضَعتْ قبلَ الأربعةِ الأشهرِ [والعَشْرِ] (٣)، فأخَذ يُحدِّثني بحديثِ سُبَيْعةَ، قلتُ: لا، هل سمعتَ مِن عبدِ اللَّهِ في ذلك شيئا؟ قال: نعم، ذكرتُ ذاتَ يومٍ - أو ذاتَ ليلةٍ - عندَ عبدِ اللَّهِ، فقال: أرأيتَ إِنْ مَضَتِ الأربعةُ الأشهرُ والعشرُ ولم تَضَعْ، لقد (٤) حَلَّت (٥)؟ قالوا: لا. قال: فتَجْعلون (٦) عليها التَّغْليظَ، ولا تَجْعلون لها الرَّخْصةَ! فواللَّهِ لَأُنْزِلَتِ النساءُ القُصْرى بعدَ الطُّولى (٧).

стр. 15390

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابنِ عونٍ، قال: قال الشَّعْبِيُّ: مَن شاء حالفْتُه (١)، لَأُنزِلَتِ النساءُ القُصْرى بعدَ الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ، التي في سورةِ البقرةِ. حدَّثني أحمدُ بنُ مَنيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: ذُكِر [عندَ ابنِ] (٢) مسعودٍ آخرُ الأجَلَيْن، فقال: مَن شاء قاسَمْتُه باللَّهِ أنَّ هذه الآية التي أُنزِلت في النساءِ القُصْرى نزَلت بعدَ الأربعةِ الأشهرِ. ثم قال: أجلُ الحاملِ أنْ تضعَ ما في بطنِها (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: قلتُ للشعبيِّ: ما أُصدِّقُ أنَّ عليًّا ﵁ كان يقولُ: آخرُ الأجلَيْن أنْ لا تتزوَّجَ المتوفَّى عنها زوجُها حتى يَمْضِيَ آخرُ الأجلين. قال الشعبيُّ: بلى فصَدِّقْ أشدَّ ما صَدَّقْتَ بشيءٍ قَطُّ. وقال عليٌّ ﵁: إنما قولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؛ المطلَّقاتُ. ثم قال: إنَّ عليًّا وعبدَ اللَّهِ كانا يقولان في الطلاقِ بحُلولِ أجلِها إذا وَضَعَتْ حملَها (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، عن ابنِ لهيعةَ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ:

стр. 15391

﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، المتوفَّى عنها زوجُها والمطلَّقةُ؟ قال: "نعم" (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن ابنِ عيينةَ، عن عبدِ الكريمِ بِن أبي المُخارِقِ، يُحَدِّثُ عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: "أجلُ كلِّ حاملٍ أنْ تَضَعَ ما في بطنِها" (٢). حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: للمرأةِ الحُبْلى التي طَلَّقَها (٣) زوجُها وهي حاملٌ، فعِدَّتُها أنْ تضعَ حملَها. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فإذا وضَعت ما في رحِمها فقد انقضَت عِدتُها، ليس المحيضُ مِن أمرِها في شيءٍ إذا كانت حاملًا (٤). وقال آخرون: ذلك خاصٌّ في المطلَّقاتِ، وأما المتوفَّى عنها فإنَّ عِدتَها آخرُ الأجلَين. وذلك قولٌ مَرْويٌّ عن عليٍّ وابنِ عباسٍ ﵄.

стр. 15392

وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنهما فيما مضَى قبلُ (١). والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا: أنه عامٌّ في المطلَّقاتِ والمتوفَّى عنهن؛ لأنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - عمَّ القولَ بذلك، فقال: ﴿وَأَوَلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ﴾. ولم يَخْصُصْ بذلك الخبرَ عن مطلَّقةٍ دونَ متوفًّى عنها، بل عَمَّ الخبرَ به عن جميعِ أولاتِ الأحمالِ. فإِنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ قولَه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في سياقِ الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ دونَ المتوفَّى عنهن؛ فهو بالخبرِ عن حكمِ المطلَّقةِ أولى [من الخبرِ] (٢) عنهن، وعن المتوفَّى عنهن - فإن الأمرَ بخلافِ ما ظنَّ؛ وذلك أنَّ ذلك وإن كان في سياقِ الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ، فإنه منقطعٌ عن الخبرِ عن أحكامِ المطلَّقاتِ، بل هو خبرٌ مُبْتدَأٌ عن أحكامِ عِدَدِ جميعِ أولاتِ الأحمالِ المطلَّقاتِ منهن وغيرِ المطلَّقاتِ، ولا دَلالةَ على أنه مرادٌ به بعضُ الحواملِ دونَ بعضٍ، من خبرٍ ولا عقلٍ، فهو على عمومِه لما بيَّنا. وقولُه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومَن يَخَفِ اللَّهَ فرهِبه؛ فاجتنب معاصِيَه، وأدَّى فرائضَه، ولم يُخالِفْ إذنَه في طلاقِ امرأتِه - فإنه يجعلُ اللَّهُ له مِن طلاقِه ذلك يُسرًا؛ وهو أن يُسهِّلَ عليه إن أراد الرخصةَ، لاتِّباعِ نفسِه إيَّاها - الرَّجعةَ، ما دامت في عِدتِها، وإن انْقَضَتْ عِدتُها ثم دعَتْه نفسُه إليها قَدَر على خِطْبتها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ

стр. 15393

عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي بيَّنتُ لكم مِن حكمِ الطلاقِ والرَّجعةِ والعِدةِ، أمرُ اللَّهِ الذي أمَركم به، أنزَله إليكم أيها الناسُ، لِتَأْتَمِروا له وتَعْمَلوا به. وقولُه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَخَفِ اللَّهَ فيَتَّقِه؛ باجتنابِ معاصِيه، وأداءِ فرائضِه، يَمْحُ اللَّهُ عنه ذنوبَه وسيئاتِ أعمالِه. ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾. يقولُ: ويُجْزِلْ له الثوابَ على عملِه ذلك وتقواه، ومِن إعظامِه (١) له الأجرَ عليه؛ أنْ يُدْخِلَه جنتَه فيُخَلِّدَه فيها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أَسكِنوا مُطلَّقاتِ نسائكم مِن الموضعِ الذي سكَنتم ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾: يقولُ: مِن سَعَتِكم التي تَجِدون. وإنما أمَر الرجالَ أن يُعطوهن مَسكنًا يَسْكُنَّه مما يَجِدونه، حتى يَقْضِين عِدَدَهن. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15394

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. يقولُ: من سَعَتِكم (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: مِن سَعَتِكم (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾: فإن لم تَجِدْ إلا ناحيةَ بيتِك، فأَسْكِنْها فيه (٣). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: المرأةُ يُطَلِّقُها، فعليه أنْ يُسْكِنَها، ويُنفِقَ عليها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: مِن مَقْدِرتِك حيثُ تَقْدِرُ، فإن كنتَ لا تجِدُ شيئًا وكنتَ في مَسْكَنٍ ليس لك، فجاء أمرٌ أَخْرَجك مِن المسكَنِ، وليس لك مسكنٌ تسكُنُ فيه، وليس تَجِدُ، فذاك، وإذا كان له (٤) قوَّةٌ على الكِراءِ فذاك وُجْدُه، لا يُخْرِجُها مِن منزلِها، وإذا لم يَجِدْ وقال

стр. 15395

صاحبُ المسكنِ: لا أَتْرُكُ (١) هذه في بيتي. فلا، وإذا كان يَجِدُ، كان ذلك عليه (٢). وقولُه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تُضارُّوهنَّ في المسكنِ الذي تُسْكِنونهنَّ فيه، وأنتم تَجِدون سَعَةً مِن المنازلِ؛ تَطْلُبون (٣) التضييقَ عليهنَّ. فذلك قولُه: ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. يعني: لتُضيِّقوا عليهنَّ في المسكنِ مع وجودِكم السَّعَةَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قال: في المَسْكَنِ (٤). حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾. قال: مِن مِلْكِكم؛ مِن مَقْدِرَتِكم. وفي قولِه: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. قال: لتُضيِّقوا عليهنَّ مساكنَهنَّ حتى يَخْرُجْن. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا

стр. 15396

عَلَيْهِنَّ﴾. قال: ليس يَنْبَغي له أن يُضارَّها، [ويُضيِّقَ عليها] (١) مكانَها، ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: هذا لمن يَملِكُ الرَّجعةَ، ولمن لا يَمْلِكُ الرَّجعةَ. وقولُه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن كان نساؤُكم المطلقاتُ أولاتِ حملٍ، وكُنَّ بائِناتٍ منكم، فأَنْفِقوا عليهنَّ في عِدَّتِهنَّ منكم حتى يَضَعْن حملَهنَّ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: فهذه المرأةُ يُطلِّقُها زوجُها، فيَبُتُّ طلاقَها وهي حاملٌ، فأمَره اللَّهُ أَنْ يُسكِنَها ويُنفِقَ عليها حتى تضَعَ، وإِنْ أَرْضَعَت فحتى تَفطِمَ، وإن بان طلاقُها وليس بها حَمْلٌ (٢)، فلها السُّكْنَى حتى تنقضِيَ عِدَّتُها، ولا نفقةَ لها (٣)، وكذلك المرأةُ يموتُ عنها زوجُها؛ فإن كانت حاملًا أُنفِق عليها مِن نصيبِ ذي بطنِها إذا كان لها ميراثٌ (٤)، وإن لم يكن ميراثٌ أنْفَق عليها الوارِثُ حتى تَضَعَ وتَفْطِمَ ولدَها، كما قال اللَّهُ : ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإن لم تكنْ حاملًا [كانتْ نَفقتُها] (٥) مِن مالِها.

стр. 15397

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال: يُنْفَقُ على الحُبْلَى إذا كانت حاملًا تضَعَ حملَها. وقال آخرون: عُنِي بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ كلُّ مطلَّقَةٍ، مَلَك زوجُها رَجْعَتها أو لم يَمْلِكْ. وممَن قال ذلك: عمرُ بنُ الخطابِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ - رَحِمهما اللَّهُ -. ذكرُ الروايةِ عنهما بذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عمرُ وعبدُ اللَّهِ يجعلان للمطلَّقةِ ثلاثًا السُّكْنَى والنفقةَ (١)، وكان عمرُ إذا ذُكر عندَه حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ؛ أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرها أنْ تَعْتَدَّ في غيرِ بيتِ زوجِها، قال: ما كنا لنُجِيزَ في دينِنا شهادةَ امرأةٍ (٢). حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن عيسى بن قِرطاسٍ، قال: سمعتُ عليَّ بنَ الحسينِ يقولُ في المطلَّقةِ ثلاثًا: لها السكنى، والنفقةُ، والمتعةُ، فإن خَرَجتْ مِن بيتِها، فلا سكنى لها (٣)، ولا نفقةَ، ولا متعةَ. حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: [إذا طَلَّق الرجلُ امرأتَه] (٤) ثلاثًا [فإنَّ لها] (٥) السُّكْنَى

стр. 15398

والنفقةَ (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا طلَّق الرجلُ ثلاثًا (٢) فإنَّ لها السُّكْنَى والنفقةَ (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن لا نفقةَ للمَبْتوتَةِ، إلا أن تكونَ حاملًا؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه جعَل النفقةَ بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. للحواملِ دونَ غيرِهنَّ مِن البائناتِ مِن أزواجِهنَّ، ولو كان البوائنُ مِن الحواملِ وغيرِ الحواملِ في الواجبِ لهنَّ مِن النفقةِ على أزواجِهنَّ سواءٌ، لم يكنْ لخصوصِ أولاتِ الأحمالِ بالذكرِ في هذا الموضعِ وجهٌ مفهومٌ؛ إذ هنَّ وغيرُهنَّ في ذلك سواءٌ، وفي خُصوصِهنَّ بالذِّكرِ دونَ غيرِهنَّ أدلُّ الدليلِ على أن لا نفقةَ لبائنٍ إلا أن تكونَ حاملًا. وبالذي قلنا في ذلك صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي كَثيرٍ، قال: ثنى أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أختُ الضحاكِ بنِ قيسٍ، أنَّ أبا عمرٍو المخزوميَّ، طلَّقها ثلاثًا، فأمَر لها بنفقةٍ، فاسْتَقَلَّتْها، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ بعَثه نحوَ اليمنِ، فانطلَق خالدُ بنُ الوليدِ في نفرٍ مِن بني مخزومٍ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهو عندَ ميمونةَ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ: إنَّ أبا عمرٍو طلَّق فاطمةَ ثلاثًا، فهل لها مِن نفقةٍ؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ليستْ (٤) لها نفقةٌ". فأرسَل إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أن

стр. 15399

انْتَقِلي إلى (١) أُمِّ شَريكٍ". وأرْسَل إليها: "أن لا تَسْبقِيني بنفسِك". ثم أرسل إليها: "إِنَّ أمَّ شريكٍ يأتيها المهاجرون الأوَّلون، فانْتَقِلي إلى ابنِ أمِّ مكتومٍ، فإنكِ إذا وضَعْتِ خِمارَك لم يَرَكِ". فزوَّجها رسولُ اللَّهِ ﷺ أُسامةَ بنَ زيدٍ (٢). وقولُه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: فإن أَرضَع لكم نساؤُكم البوائنُ منكم أولادَهنَّ الأطفالَ منكم بأُجْرةٍ، فآتوهنَّ أُجورَهُنَّ على رَضاعِهنَّ إِيَّاهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ (٣)، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحّاكِ أنه قال في الرَّضاعِ: إذا قام على شيءٍ فأُمُّ الصبيِّ أحقُّ به، فإن شاءتْ أَرْضَعَتْه، وإن شاءت تَرَكتْه، إلا أنْ لا يَقْبَلَ مِن غيرِها، فإذا كان كذلك أُجْبِرَتْ على رَضاعِه (٤).

стр. 15400

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: هي أحقُّ بولدِها، أنْ تأخذَه بما كنتَ مُسْتَرْضِعًا به غيرَها (١). حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: ما تراضَوا عليه؛ على المُوسِعِ قَدَرُه، وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الصبيِّ: إذا قام على ثمنٍ، فأمُّه أحقُّ أنْ تُرْضِعَه، فإن لم يُوجَدْ (٢) له مَن يُرْضِعُه، أُجْبِرتِ الأمُّ على الرَّضاعِ (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. قال: إن أرضَعتُ لك بأجرٍ فهي أحقُّ مِن غيرِها، وإن هي أبَت أن تُرضِعَه ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْكَ في الأجرِ، فاسترضِعْ له أُخرى (٣). وقولُه: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وليقبَلْ بعضُكم أيُّها الناسُ مِن بعضٍ، ما [أمَر به بعضُكم] (٤) بعضًا مِن معروفٍ.

стр. 15401

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: اصنَعوا (١) المعروفَ فيما بينَكم. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾: حثَّ بعضَكم (٢) على بعضٍ. وقولُه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. يقولُ: وإن تَعاسَرَ الرجلُ والمرأةُ في رَضاعِ ولدِها منه، فامتنَعَتْ مِن رَضاعِه، فلا سبيلَ له عليها، وليس له إكراهُها على رَضاعِه (٣)، ولكنَّه يستأجِرُ للصبيِّ مُرْضِعةً غيرَ أُمِّه البائنةِ منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. قال: إِن أَبَتِ الأمُّ أَنْ تُرْضِعَ ولدَها - إذا طلَّقها زوجُها (٤)؛ أبوه - الْتَمسَ له (٥) مُرْضِعةً أُخرى، والأمُّ أحقُّ إذا رَضِيت مِن

стр. 15402

أجرِ الرضاعِ بما تَرْضَى به غيرُها، فلا ينبغي له أن يُنْزَعَ منها. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: إن هي أبَت أنْ تُرْضِعَه، ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْك في الأجرِ، فاسْتَرْضِعْ له أُخرى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: فرَض لها مِن قَدْرِ ما يَجِدُ، فقالت: لا أَرْضى هذا - قال: وهذا بعدَ الفِراقِ، فأما وهي زوجتُه فهي (٢) تُرْضِعُ له (٣) طائِعةً ومُكْرَهةً، إن شاءتْ وإنْ أبَتْ - فقال لها: ليس لي زيادةٌ على هذا، إن أحبَبْتِ أنْ تُرْضِعي بهذا فأَرْضِعي، وإن كرِهتِ استَرْضعتُ ولدي. فهذا قولُه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. وقولُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليُنفِقِ الذي بانَتْ منه امرأتُه، إذا كان ذا سَعةٍ من المالِ وغِنًى، مِن سَعةِ مالِه وغناه، على امرأتِه البائنةِ، في أجرِ رَضاعِ ولدِه منها، وعلى ولدِه الصغير، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. يقولُ: ومن ضُيِّق عليه رزْقُه، فلم يُوسَّعْ عليه، فليُنفِقْ مما أعطاه اللَّهُ، على قدرِ مالِه وما أُعطِي منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15403

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: من سَعَةِ مَوْجِدَتِهِ (١)، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. قال: من قُتِر عليه رزْقُه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. يقولُ: مِن طاقتِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: فرَض لها مِن قدْرِ ما يجدُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: على المطلَّقةِ إِذا أَرْضَعت له (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ عن أبي عُبيدةَ، فقيل له: إنه يَلْبَسُ الغليظَ مِن الثيابِ، ويأكلُ أخشنَ الطعامِ. فبعث إليه بألفِ دينارٍ، وقال للرسولِ: انظُرْ ما يصنعُ إذا هو أخَذها. فما لبِث أنْ لبِس ألْيَنَ الثيابِ، وأكَل أطْيَبَ الطعامِ، فجاء الرسولُ فأخبَره. فقال: ﵀، تَأَوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ

стр. 15404

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١). وقولُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يُكلِّفُ اللهُ أحدًا من النفقةِ على مَن تلزمُه نفقتُه بالقرابةِ والرحمِ إلا (٢) ما أعطاه؛ إن كان ذا سَعَةٍ فمن سَعَتِه، وإن كان مقدورًا عليه رزْقُه [فمما رزَقه اللهُ] (٣)، على قدرِ طاقتِه، لا يكلِّفُ اللهُ (٤) الفقيرَ نفقةَ الغنيِّ، ولا أحدًا (٥) مِن خلْقِه إلا فَرْضَه الذي أوْجَبَه عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: يقولُ: لا يُكَلِّفُ الفقيرَ مثلَ ما يكلِّفُ الغنيَّ. حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن هُشيمٍ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: إلا ما افْتَرَض عليها. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. يقولُ: إلا ما أطاقَتْ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا

стр. 15405

يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: لا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ [وليس عندَه ما يَتصدَّقُ به، ولا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يُزَكِّيَ] (١) وليس عندَه ما يُزَكِّي. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سيجعَلُ اللَّهُ للمُقِلِّ مِن المالِ، المقدورِ عليه رزقُه، ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. يقولُ: مِن بعدِ شدّةٍ رَخاءٌ، ومن بعدِ ضِيقٍ سَعَةً، ومِن بعدِ فقرٍ غنًى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: بعدَ الشدَّةِ الرخاءَ. وقولُه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكم (٢) مِن أهلِ قريةٍ طَغَوا عن أمرِ ربِّهم وخالفوه، وعن أمرِ رسلِ ربِّهم، فتَمادَوا في طُغْيانِهم وعُتُوِّهم، ولَجُّوا في كفرِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن
следующие страницы →