← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15401–15440 · переход к 15406.

стр. 15401

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: اصنَعوا (١) المعروفَ فيما بينَكم. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾: حثَّ بعضَكم (٢) على بعضٍ. وقولُه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. يقولُ: وإن تَعاسَرَ الرجلُ والمرأةُ في رَضاعِ ولدِها منه، فامتنَعَتْ مِن رَضاعِه، فلا سبيلَ له عليها، وليس له إكراهُها على رَضاعِه (٣)، ولكنَّه يستأجِرُ للصبيِّ مُرْضِعةً غيرَ أُمِّه البائنةِ منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. قال: إِن أَبَتِ الأمُّ أَنْ تُرْضِعَ ولدَها - إذا طلَّقها زوجُها (٤)؛ أبوه - الْتَمسَ له (٥) مُرْضِعةً أُخرى، والأمُّ أحقُّ إذا رَضِيت مِن

стр. 15402

أجرِ الرضاعِ بما تَرْضَى به غيرُها، فلا ينبغي له أن يُنْزَعَ منها. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: إن هي أبَت أنْ تُرْضِعَه، ولم تُواتِك فيما بينَك وبينَها؛ عاسَرَتْك في الأجرِ، فاسْتَرْضِعْ له أُخرى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: فرَض لها مِن قَدْرِ ما يَجِدُ، فقالت: لا أَرْضى هذا - قال: وهذا بعدَ الفِراقِ، فأما وهي زوجتُه فهي (٢) تُرْضِعُ له (٣) طائِعةً ومُكْرَهةً، إن شاءتْ وإنْ أبَتْ - فقال لها: ليس لي زيادةٌ على هذا، إن أحبَبْتِ أنْ تُرْضِعي بهذا فأَرْضِعي، وإن كرِهتِ استَرْضعتُ ولدي. فهذا قولُه: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾. وقولُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليُنفِقِ الذي بانَتْ منه امرأتُه، إذا كان ذا سَعةٍ من المالِ وغِنًى، مِن سَعةِ مالِه وغناه، على امرأتِه البائنةِ، في أجرِ رَضاعِ ولدِه منها، وعلى ولدِه الصغير، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. يقولُ: ومن ضُيِّق عليه رزْقُه، فلم يُوسَّعْ عليه، فليُنفِقْ مما أعطاه اللَّهُ، على قدرِ مالِه وما أُعطِي منه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15403

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: من سَعَةِ مَوْجِدَتِهِ (١)، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾. قال: من قُتِر عليه رزْقُه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. يقولُ: مِن طاقتِه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾. قال: فرَض لها مِن قدْرِ ما يجدُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. قال: على المطلَّقةِ إِذا أَرْضَعت له (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي سنانٍ، قال: سأل عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ عن أبي عُبيدةَ، فقيل له: إنه يَلْبَسُ الغليظَ مِن الثيابِ، ويأكلُ أخشنَ الطعامِ. فبعث إليه بألفِ دينارٍ، وقال للرسولِ: انظُرْ ما يصنعُ إذا هو أخَذها. فما لبِث أنْ لبِس ألْيَنَ الثيابِ، وأكَل أطْيَبَ الطعامِ، فجاء الرسولُ فأخبَره. فقال: ﵀، تَأَوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ

стр. 15404

رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (١). وقولُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لا يُكلِّفُ اللهُ أحدًا من النفقةِ على مَن تلزمُه نفقتُه بالقرابةِ والرحمِ إلا (٢) ما أعطاه؛ إن كان ذا سَعَةٍ فمن سَعَتِه، وإن كان مقدورًا عليه رزْقُه [فمما رزَقه اللهُ] (٣)، على قدرِ طاقتِه، لا يكلِّفُ اللهُ (٤) الفقيرَ نفقةَ الغنيِّ، ولا أحدًا (٥) مِن خلْقِه إلا فَرْضَه الذي أوْجَبَه عليه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: يقولُ: لا يُكَلِّفُ الفقيرَ مثلَ ما يكلِّفُ الغنيَّ. حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزهريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن هُشيمٍ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: إلا ما افْتَرَض عليها. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. يقولُ: إلا ما أطاقَتْ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا

стр. 15405

يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال: لا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يَتَصَدَّقَ [وليس عندَه ما يَتصدَّقُ به، ولا يُكلِّفُه اللَّهُ أنْ يُزَكِّيَ] (١) وليس عندَه ما يُزَكِّي. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سيجعَلُ اللَّهُ للمُقِلِّ مِن المالِ، المقدورِ عليه رزقُه، ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. يقولُ: مِن بعدِ شدّةٍ رَخاءٌ، ومن بعدِ ضِيقٍ سَعَةً، ومِن بعدِ فقرٍ غنًى. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: بعدَ الشدَّةِ الرخاءَ. وقولُه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكم (٢) مِن أهلِ قريةٍ طَغَوا عن أمرِ ربِّهم وخالفوه، وعن أمرِ رسلِ ربِّهم، فتَمادَوا في طُغْيانِهم وعُتُوِّهم، ولَجُّوا في كفرِهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 15406

السُّديِّ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. قال: غَيَّرتْ وعَصَتْ. حدَّثني يونسُ، قال أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. قال: العُتوُّ ههنا الكفرُ والمعصيةُ؛ عَتَوْا: [كفَروا. ترَكَتْ] (١) أمرَ ربِّها: [عَتَتْ عنه] (٢) ولم تَقْبَلْه. وقيل: إنهم كانوا قومًا خالفوا أمرَ ربِّهم في الطلاقِ، فَتَوَعَّد اللهُ بالخبرِ عنهم هذه الأمةَ، أن يفعَلَ بهم فِعْلَه بهم إن خالفوا أمرَه في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمَةَ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ سليمانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾. قال: قريةٍ عُذِّبت في الطلاقِ. وقولُه: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: فحاسَبْناها على نعمتِنا عندَها وقِلَّةِ (٣) شكرِها ﴿حِسَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: حسابًا استقْصَيْنا فيه عليهم، لم يُعْفَ لهم فيه عن شيءٍ، ولم يُتَجَاوَزْ فيه عنهم. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. قال: لم يُعْفَ (٤) عنها، الحسابُ الشديدُ: الذي ليس

стр. 15407

فيه مِن (١) العفوِ شيءٌ. حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾. يقولُ: لم تُرْحَمْ (٢). وقولُه: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾. يقولُ: وعذَّبْناها عذابًا عظيمًا مُنكَرًا. وذلك عذابُ جهنمَ. وقولُه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذاقَتْ هذه القريةُ التي عَتَتْ عن أمرِ ربِّها ورسلِه، عاقبةَ ما عَمِلت وأتَت مِن معاصي اللهِ والكفرِ به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. قال: عقوبةَ (٣) أمرِها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. قال: ذاقَت عاقبةَ ما عَمِلت مِن الشرِّ، الوبالُ العاقبةُ. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ

стр. 15408

أَمْرِهَا﴾. يقولُ: عاقبةَ أمرِها (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. قال: جزاءَ أمرِها (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾. يعني بوبالِ أمرِها جزاءَ أمرِها الذي قد حلَّ. وقولُه: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكان الذي أَعْقَب أمرَهم، وذلك كفرُهم باللهِ وعصيانُهم إيَّاه، ﴿خُسْرًا﴾. يعني: غَبْنًا. لأنَّهم باعوا نعيمَ الآخرةِ بخسيسٍ مِن الدنيا قليلٍ، وآثروا اتِّباعَ أهوائِهم، على اتِّباعِ أمرِ اللَّهِ . القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعدَّ اللَّهُ لهؤلاءِ القومِ الذين عَتَوا عن أمرِ ربِّهم ورسلِه عذابًا شديدًا. وذلك عذابُ النارِ الذي أعدَّه لهم (٣) في القيامةِ، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي

стр. 15409

الْأَلْبَابِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فخافوا اللهَ واحْذَروا سَخَطَه، بأداءِ فرائضِه واجتنابِ معاصِيهِ، يا أُولي العقولِ. كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. قال: يا أُولي العقولِ. وقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه (١). وقولُه: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالذكرِ والرسولِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: الذكرُ (٢) القرآنُ، والرسولُ محمدٌ ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. قال: الذكرُ القرآنُ، والرسولُ محمدٌ ﷺ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. قال: القرآنُ روحٌ (٤) مِن اللهِ. وقرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ [الشورى: ٥٢]، وقرَأ: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾. قال: القرآنُ. وقرَأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا

стр. 15410

جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١]. قال: بالقرآنِ. وقرَأ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]. قال: القرآنُ. قال: وهو الذكرُ، وهو الروحُ (١). وقال آخرون: الذكرُ هو الرسولُ ﷺ . والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا، أنَّ الرسولَ ترجمةٌ عن الذكرِ، ولذلك (٢) نُصِب؛ لأنَّه مردودٌ عليه على البيانِ عنه والترجمةِ. فتأويلُ الكلامِ إذن: قد أنزَل اللهُ إليكم، يا أولي الألبابِ، ذِكرًا مِن اللهِ لكم يُذكِّرُكم به، ويُنبِّهُكم على حظِّكم مِن الإيمانِ باللهِ، والعملِ بطاعتِه؛ رسولًا يتلو عليكم آياتِ اللَّهِ التي أنزَلها عليه مُبيِّناتٍ (٣) لمن سمِعها وتَدَبَّرها، أنَّها مِن عندِ اللهِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قد أنزَل اللهُ إليكم، أيُّها الناسُ، ذِكرًا؛ رسولًا، يتلو عليكم آياتِ اللهِ مبيناتٍ، كي يُخرِجَ الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. يقولُ: وعمِلوا بما أمَرهم اللهُ به وأطاعوه، ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يعني مِن الكفرِ، وهي الظلماتُ، إلى النورِ. يعني إلى الإيمانِ. وقولُه: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومن يُصدِّقْ

стр. 15411

باللهِ ويعمَلْ بطاعتِه، ﴿يُدْخِلْهُ (١) جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: يُدْخِلْه (١) بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكِثين مقيمين في البساتينِ التي تجري من تحتِها الأنهارُ أبدًا، لا يموتون، ولا يَخْرُجون منها أبدًا. وقولُه: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وَسَّع اللهُ عليه (٢) في الجناتِ رِزْقًا. يعني بالرِّزْقِ: ما رزَقه فيها مِن المَطاعمِ والمَشاربِ، وسائرِ ما أعدَّ لأوليائِه فيها، فطَيَّبَه لهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي خلَق سبعَ سماواتٍ، لا ما يَعْبُدُ المشركون مِن الآلهةِ والأوثانِ التي لا تقدِرُ على خَلْقِ شيءٍ. وقولُه: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وخلَق مِن الأرضِ [سبعًا مثلَ السماواتِ السبعِ. وقد قِيل: إنَّما قِيل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ] (٣) مِثْلَهُنَّ﴾؛ لما في كلِّ واحدةٍ منهنَّ مثلَ ما في السماواتِ مِن الخلْقِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا

стр. 15412

شُعْبَةُ، عن عمرِو بنِ مرَّةَ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. قال عمرٌو: قال: في كلِّ أرضٍ مثلُ إبراهيمَ، ونحوُ ما على الأرضِ من الخلْقِ. وقال ابنُ المثنى [في حديثِه] (١): في كلِّ سماءٍ إبراهيمُ (٢). حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. قال: لو حدَّثْتُكم بتفسيرِها لكَفَرْتم، وكفرُكم تكذيبُكم بها (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللهِ، قال: خلقَ اللهُ سبعَ سماواتٍ غِلَظُ كلِّ واحدةٍ مسيرةُ خَمْسِمائةِ عامٍ، وبينَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ خمسُمائةِ عامٍ، وفوقَ السبعِ السماواتِ الماءُ، واللهُ جلَّ ثناؤُه فوقَ الماءِ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن أعمالِ بني آدمَ. والأرضُ سَبعٌ، بينَ كلِّ أرضٍ (٤) خَمسُمائةِ عامٍ، وغِلَظُ كلِّ أرضِ خَمسُمائةِ عامٍ (٥). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ سعدٍ القُمِّيُّ الأشْعَريُّ، عن جعفرِ بنِ أبي (٦) المُغيرةِ الخُزاعيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ:

стр. 15413

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية؟ فقال ابنُ عباسٍ: ما يُؤْمِنُك أنْ أُخْبِرَك بها (١) فتَكْفُرَ (٢)! حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ (٣)، عن عَنْبَسَةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذه الأرضُ إلى تلك الأرضِ (٤) مِثلُ الفُسْطاطِ ضَرَبْتَه بأرضِ (٥) فَلاةٍ، وهذه السماءُ إلى تلك السماءِ، مثلُ حَلْقةٍ رَمَيْتَ بها في أرضِ فَلاةٍ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: السماءُ أوَّلُها مَوْجٌ مَكْفوفٌ، والثانيةُ صَخْرَةٌ، والثالثةُ حديدٌ، والرابعةُ نُحاسٌ، والخامسةُ فِضَّةٌ، والسادسةُ ذهبٌ، والسابعةُ ياقوتةٌ (٦). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى حميدُ بنُ قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذا البيتُ - الكعبةُ - رابعُ أربعةَ عشرَ بيتًا، في كلِّ سماءٍ بيتٌ، [كلُّ بيتٍ منها] (٧) حَذْوَ صاحبِه، لو وقَع وقَع عليه، وإن هذا الحرمَ [حرَمٌ، بِناؤُه] (٨) مِن السماواتِ السبعِ والأرضين السبعِ.

стр. 15414

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. خلَق سبعَ سماواتٍ وسبعَ أرضين؛ في كلِّ سماءٍ مِن سمائه، وأرضٍ مِن أرضِه، خَلْقٌ مِن خلْقِه، وأمرٌ مِن أمرِه، وقَضاءٌ مِن قضائِه. [حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. قال: في كلِّ سماءٍ وفي كلِّ أرضٍ، خَلْقٌ مِن خلقِه، وأمرٌ مِن أمرِه، وقضاءٌ مِن قضائِه] (١) (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قال: بينا النبيُّ ﷺ جالسٌ مرَّةً مع أصحابِه، إذ مرَّت سَحائِبُ (٣)، فقال النبيُّ ﷺ : "أتَدْرون ما هذا؟ هذا العَنانُ، هذه روايا الأرضَ، يسوقُها اللَّهُ إلى قومٍ لا يعبدُونه". ثم قال: "أتَدْرون ما هذه السماءُ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "هذه السماءُ؛ مَوْجٌ مكفُوفٌ، وسَقْفٌ محفوظٌ". ثم قال: "أتَدْرون ما فوقَ ذلك"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فوقَ ذلك سماءٌ أُخرى". حتى عَدَّ سبعَ سماواتٍ وهو يقولُ: "أتدرون ما بينَهما"؟ [ثم يقولُ: "بينَهما] (٤) خمسُمائةِ سنةٍ". ثم قال: "أتَدْرون ما فوقَ ذلك"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "فوقَ ذلك العرشُ". قال: "أتدرون ما بينَهما"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "بينَهما خمسُمائةِ سنةٍ". ثم

стр. 15415

قال: "أتَدْرون ما هذه الأرضُ"؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "تحتَ ذلك أرضٌ". قال: "أتَدْرون ما (١) بينَهما؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. "قال: "بينَهما مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ". حتى عدَّ سبعَ أرَضِينَ. ثم قال: "والذي نفسي بيدِه، لو دُلِّيَ رجلٌ بحبلٍ حتى يبلُغَ أسفلَ الأرضِ (٢) السابعةِ، لَهَبَط على اللَّهِ". ثم قَرَأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) [الحديد: ٣]. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الْتَقَى أربعةٌ مِن الملائكةِ بينَ السماءِ والأرضِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: مِن أين جئتَ؟ قال أحدُهم: أَرْسَلَني ربي مِن السماءِ السابعةِ، وتركتُه ثَمَّ. و (٤) قال الآخَرُ: أَرسَلَني ربى مِن الأرضِ السابعةِ وتركتُه ثَمَّ. و (٤) قال الآخرُ: أرسَلني ربي مِن المشرقِ وتركتُه ثَمَّ. و (٤) قال الآخرُ: أرسَلني ربي مِن المغربِ وتركتُه ثمَّ (٥). وقولُه: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يتنزَّلُ أمرُ اللَّهِ بينَ السماءِ السابعةِ والأرضِ السابعةِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 15416

قولَه: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾. قال: بينَ الأرضِ السابعةِ، إلى السماءِ السابعةِ (١). وقولُه: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَتَنَزَّلُ (٢) قضاءُ اللَّهِ وأمرُه بينَ ذلك، كي تَعْلموا أيها الناسُ كُنْهَ قُدْرتِه وسُلْطانِه، وأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يَمْتَنِعُ عليه أمرٌ شاءَه، ولكنَّه على ما يشاءُ قديرٌ، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِتَعْلَموا (٣) أن اللَّهَ بكلِّ شيءٍ مِن خَلْقِه محيطٌ عِلمًا، لا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ مِن ذلك ولا أكبرُ. يقولُ ﷻ : فخافوا أيها (٤) المخالفون أمرَ ربِّكم عقوبتَه، فإنه لا يَمْنَعُه مِن عقوبتِكم مانعٌ، وهو على ذلك قادرٌ، ومحيطٌ أيضًا بأعمالِكم، فلا يَخْفَى عليه منها خافِيةٌ (٥)، وهو مُحْصيها عليكم، ليُجازِيَكم بها، يومَ تُجْزى كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ.

стр. 15417

تفسيرُ سورةِ التحريمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يأيُّها النبيُّ المحرِّمُ على نفسِه ما أحلَّ اللَّهُ له، يَبتغي بذلك مَرْضاةَ أزواجِه، لِمَ تُحرِّمُ على نفسِكَ الحلالَ الذي أحلَّه اللَّهُ لكَ؛ تلتمسُ بتحريمِكَ ذلك مرضاةَ أزواجِكَ؟ واختلف أهلُ العلمِ في الحلالِ الذي كان اللَّهُ أحَلَّه لرسولِه، فحرَّمه على نفسِه ابتغاءَ مرضاةِ نسائِه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك ماريةَ مملوكتَه القبطيةَ؛ حرَّمها على نفسِه بيمينٍ أنه لا يَقْرَبُها، طلبًا بذلك رضا حفصةَ ابنةِ عمرَ زوجتِه؛ لأنها كانت غارتْ بأنْ خلا بها رسولُ اللَّهِ ﷺ في يومِها وفي حجرتِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ (١) بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنى ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أصاب أمَّ إبراهيمَ في بيتِ بعضِ نسائِه، قال: فقالت: أي رسولَ اللَّهِ، في بيتي وعلى فراشي! فجعَلها عليه حرامًا، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف تحرِّمُ عليكَ الحلالَ؟ فحلَف لها باللَّهِ لا يُصيبُها، فأنزَل اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. قال زيدٌ: فقولُه: "أنتِ عليَّ حرامٌ". لغوٌ.

стр. 15418

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: قال مسروقٌ: إنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه، وآلَى منها فجعَل [الحلالَ حرامًا] (١)، وقيل في اليمينِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: آلَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وحرَّم، فعُوتِب في التحريمِ، وأُمِر بالكفارةِ في اليمينِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ (٣)، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: قال لها: "أنتِ عليَّ حرامٌ، وواللَّهِ لا أطَؤُكِ" (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. قال: كان الشعبيُّ يقولُ: حرَّمها عليه، وحلَف لا يقربُها، فعُوتِب في التحريمِ، وجاءت الكفارةُ في اليمينِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعامرٍ الشعبيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه. قال الشعبيُّ: حلَف بيمينٍ مع التحريمِ، فعاتَبه اللَّهُ في التحريمِ، وجعَل له الكفارةَ في اليمينِ (٥). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 15419

النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: قال أبي (١): وجَدَتِ امرأةٌ مِن نساءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مع جاريتِه في بيتها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أنَّى كان هذا الأمرُ، وكنتُ أهونَهن عليكَ؟ فقال لها رسولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْكُتي، لا تَذْكُرِي هَذَا لأحَدٍ، هيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُها بَعْدَ هَذَا أبدًا". فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وكيف تُحرِّمُ عليكَ ما أحلَّ اللَّهُ لك حين (٢) تقولُ: "هي عليَّ حرامٌ (٣)؟ " فقال: "واللَّهِ لا آتِيها أبَدًا". فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قد غَفَر اللهُ هذا لك، وقولُه (٤): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: كانت الرسولِ اللَّهِ ﷺ فتاةٌ، فَغَشِيَها، فبصُرت به حفصةُ، وكان اليومُ يومَ عائشةَ، وكانتا متظاهرتَينِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : اكْتُمي عَليَّ، ولا تَذْكُرِي لعائشةَ ما رأيْتِ". "فذكرتْ حفصةُ لعائشةَ، فغضِبتْ عائشةُ، فلم تزلْ بنبيِّ اللَّهِ ﷺ ، حتى حلَف ألَّا يَقرَبَها (٣)، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، وأمَره أن يُكَفِّرَ عن يمينهِ، ويأتيَ جاريتَه (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، [عن عطاءٍ] (٦)، عن عامرٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: في جاريةٍ له أتاها، فاطَّلعتْ عليه حفصةُ، فقال:

стр. 15420

"هي عليَّ حرامٌ، فاكتُمي ذلك ولا تخبري به أحدًا". فذكَرتْ ذلك. وقال آخرون: بل حرَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، فجعَل اللَّهُ تحريمَه إيَّاها بمنزلةِ اليمينِ، فأَوجَب فيها من الكفارةِ مثلَ الذي أوجَب في اليمينِ إذا حنِث فيها صاحبُها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أمر اللَّهُ النبيَّ ﷺ والمؤمنين إذا حرَّموا شيئًا مما أحلَّ لهم أن يُكفِّروا أَيْمانَهم، بإطعامِ عشرةِ مساكينَ، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ، وليس يَدخلُ ذلك في طلاقٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: كانت حفصةُ وعائشةُ متحابَّتَين، وكانتا زوجَ (٢) النبيِّ ﷺ ، فذهَبتْ حفصةُ إلى أبيها تتحدَّثُ عندَه، فأرسَل النبيُّ ﷺ إلى جاريتِه، فظلَّت معه في بيتِ حفصةَ، وكان اليومَ الذي يأتي فيه عائشةَ، فرجَعت حفصةُ، فوجَدتهما في بيتِها، فجعَلت تَنتظرُ خروجَهما، وغارت غَيرةً شديدةً، فأخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، ودخَلتْ حفصةُ فقالتْ: قد رأيتُ مَن كان عندَك، وواللَّهِ لقد سُؤْتَنِي. فقال النبيُّ ﷺ : "واللَّهِ لأَرْضِيَنَّكِ، فإِنِّي مُسِرٌّ إليكِ سِرًّا فاحْفَظِيه". قالت: ما هو؟ قال: "إني أُشْهِدُكِ أَنَّ سُرِّيَّتِي هذه

стр. 15421

عليَّ حرامٌ رِضًا لكِ". وكانت حفصةُ وعائشةُ تَظَاهَران على نساءِ النبيِّ ﷺ ، فانطلقتْ حفصةُ إلى عائشةَ، فأسرَّت إليها أن أبشري، إن النبيَّ ﷺ قد حرَّم عليه فَتاتَه. فلما أَخبَرت بسِرِّ النبيِّ ﷺ ، أظهَر اللَّهُ النبيَّ ﷺ ، فأنزَلَ اللَّهُ على رسولهِ لما تَظاهَرتا عليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا هشامٌ الدستوائيُّ، قال: كتَب إليَّ يحيى يحدِّثُ عن يَعْلَى بنِ حكيمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ في الحرامِ: يمينٌ يكفِّرُها. وقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. يعني أن النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾. فكَفَّر يمينَه، فصيَّر الحرامَ يمينًا (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: أنبَأنا أبو عثمانَ أن النبيَّ ﷺ دخَل بيتَ حفصةَ، فإذا هي ليست ثَمَّ (٣)، فجاءته فتاتُه، فألقَى عليها سِتْرًا، فجاءت حفصةُ فقَعَدت على البابِ حتى قَضى رسولُ اللَّهِ ﷺ حاجتَه، فقالت: واللَّهِ لقد سُؤْتَنِي، أَجامَعتَها في بيتي؟ أو كما قالت. قال: وحرَّمها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، أو كما قال.

стр. 15422

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: كان حرَّم فتاتَه القِبْطيةَ أمَّ ولدِه إبراهيمَ، يُقالُ لها: ماريةُ. في يومِ حفصةَ، وأسرَّ ذلك إليها، فأطلَعتْ عليه عائشةَ، وكانتا تَظَاهرانِ على نساءِ النبيِّ ﷺ ، فأحلَّ اللَّهُ له ما حرَّم على نفسِه، فأُمِر أن يكفِّرَ عن يمينِه، وعُوتِب في ذلك، فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال قتادةُ: وكان الحسنُ يقولُ: حرَّمها عليه، فجعَل اللَّهُ فيها كفارةَ يمينٍ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ ﷺ حرَّمها، يعني جاريتَه، فكانت يمينًا (٢). حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ: مَنِ المرأتان؟ قال: عائشةُ وحفصةُ. وكان بَدءُ الحديثِ في شأنِ أمِّ إبراهيمَ القبطيةِ، أصابها النبيُّ ﷺ في بيتِ حفصةَ في يومِها، فوجَدته حفصةُ، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، لقد جئتَ إليَّ شيئًا فريًّا (٣)، ما جئتَ إلى أحدٍ من أزواجِكَ، في يومِي، وفي دَورِي، وعلى فراشِي! قال: "أَلا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أَقْرَبَها؟ ". قالتْ: بلى. قال: فحرَّمها. وقال: "لا تَذْكُرِي ذلك لأَحَدٍ". فذكَرتْه لعائشةَ، فأظهَره اللَّهُ عليه، فأنزَل اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. الآيات كلّها. فبلَغنا أن النبيَّ ﷺ كفَّر يمينَه، وأصاب جاريتَه (٤).

стр. 15423

وقال آخرون: بل كان ذلك شرابًا يشربُه، وكان يُعجِبُه ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في شرابٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ البغداديُّ عمرُو بنُ الهيثمِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، قال: نزَلت في شرابٍ. والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: كان الذي حرَّمه رسولُ اللَّهِ ﷺ على نفسِه شيئًا كان اللَّهُ قد أحلَّه له. فجائزٌ أن يكونَ ذلك كان جاريتَه، وجائزٌ أن يكونَ كان شرابًا من الأشربةِ، وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك، غيرَ أنه أيَّ ذلك كان، فإنه تحريمُ شيءٍ كان له حلالًا، فعاتَبه اللَّهُ تعالى ذكرُه على تحريمِه على نفسِه ما كان قد أحلَّه، وبيَّن تَحِلَّةَ يمينِه، في يمينٍ كان حلَف بها مع تحريمِه ما حرَّم على نفسِه. فإن قال قائلٌ: وما برهانُك على أنه ﷺ كان حلَف مع تحريمِه ما حرَّم، فقد علِمتَ قولَ مَن قال: لم يكنْ من النبيِّ ﷺ في ذلك غيرُ التحريمِ، وأن التحريمَ هو اليمينُ؟ قيل: إن البرهانَ على ذلك واضحٌ، وهو أنه لا يُعقلُ في لغةٍ عربيةٍ ولا أعجميةٍ، أن قولَ القائلِ لجاريتِه أو طعامٍ أو شرابٍ: هذا عليَّ حرامٌ. يمينٌ، فإذا كان ذلك غيرَ معقولٍ، فمعلومٌ أن اليمينَ غيرُ قولِ القائلِ للشيءِ الحلالِ له: هو عليَّ حرامٌ. وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلنا، وفسَد ما خالَفه.

стр. 15424

وبَعْدُ، فجائزٌ أن يكونَ تحريمُ النبيِّ ﷺ ما حرَّم على نفسِه من الحلالِ الذي كان اللَّهُ أحلَّه له بيمينٍ، فيكونَ قولُه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ معناه: لِمَ تحلفُ على الشيءِ الذي قد أحلَّه اللَّهُ ألَّا تقربَه، فتحرِّمَه على نفسِك باليمينِ؟ وإنما قلنا: إن النبيَّ ﷺ حرَّم ذلك، وحلَف مع تحريمِه؛ لما حدَّثني الحسنُ بنُ قَزَعةَ، قال: ثنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: آلَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وحرَّم، فأُمِرَ [في الإيلاءِ] (١) بكفارةٍ، وقيل له في التحريمِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: واللَّهُ غفورٌ [يا محمدُ] (٣) لذنوبِ التائبين مِن عبادِه [من ذُنُوبِهم] (٤)، وقد غفَر لك تحريمَكَ على نفسِكَ ما أحلَّه اللَّهُ لك، رحيمٌ بعبادِه أن يُعاقبَهم على ما قد تابوا منه من الذنوبِ بعدَ التوبةِ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قد بيَّن اللَّهُ لكم تَحلَّةَ أيمانِكم، وحَدَّها لكم أيُّها الناسُ، ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: يتولاكم بنصرِه أيُّها المؤمنون، وهو العَلِيمُ بمصالحِ خلقِه، الحَكِيمُ في تدبيرِه إياهم، وصرفِهم فيما هو أعلَمُ به. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ

стр. 15425

حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذ أسَرَّ النبيُّ محمدٌ إلى بعضِ أزْوَاجِه. وهو في قولِ ابنِ عباسٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلمَ وابنِه عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ والشعبيِّ والضحاكِ بنِ مزاحمٍ: حَفْصةُ. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك. وقولُه: ﴿حَدِيثًا﴾. والحديثُ الذي أسرَّ إليها في قولِ هؤلاءِ، هو قولُه لمن أسرَّ إليه ذلك من أزواجِه، تحريمُ فتاتِه، أو ما حرَّم على نفسِه، مما كان اللَّهُ قد أحلَّه له، وحَلِفُه على ذلك في قولِه لها: "لا تَذْكُرِي ذلك لأحدٍ". وقولُه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أخبَرت بالحديثِ الذي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ صاحبَتَها، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: وأَظْهَر اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ على أنَّها قد أنبأت بذلك صاحبتَها. وقولُه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الكسائيِّ: ﴿عَرَّفَ﴾ بتشديدِ الراءِ (١)، بمعنى: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ بعضَ ذلك الحديثِ، وأخبرَها به. وكان الكسائيُّ ذكَر عن الحسنِ البصريِّ وأبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ وقتادةَ، أنهم قرَءوا ذلك: (عَرَفَ) بتخفيفِ الراءِ (٢)، بمعنى: عرَف لحفصةَ بعضَ ذلك الفعلِ الذي فعَلتْه من إفشائِها سرَّه وقد استكْتَمها إيَّاه. أي: غَضِب مِن ذلك عليها رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وجازاها عليه. من قول القائلِ لمن أساء إليه: لأعْرِفنَّ لك يا فلانُ ما فعَلْتَ. بمعنى:

стр. 15426

لأُجازينَّك عليه. وقالوا: وجازاها رسولُ اللَّهِ ﷺ على ذلك مِن فعلِها بأنْ طلَّقها. وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ بتشديدِ الراءِ، بمعنى: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ. يعني ما أَظْهَره اللَّهُ عليه مِن حديثِها صاحبتَها؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه (١). وقولُه: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. يقولُ: وتَرَك أنْ يُخبِرَها ببعضِ ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾: قولُه لها: لا تَذْكُريه، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾. وكان كريمًا عليه (٢). وقولُه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾. يقولُ: فلما خبَّر حفصةَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ بما أظهَره اللَّهُ عليه مِن إفشائِها سرَّ رسولِ اللَّهِ ﷺ إلى عائشةَ، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾. يقولُ: قالت حفصةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ : مَن أنبأك هذا الخبرَ وأخبَرك به؟ ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال محمدٌ نبيُّ اللَّهِ لحفصةَ: خبَّرني به العليمُ الخبيرُ، العليمُ بسرائرِ عبادِه وضمائرِ قلوبِهم، الخبيرُ بأمورِهم، الذي لا يَخْفى عليه شيءٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا

стр. 15427

نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: ولم تشكَّ أنَّ صاحبتَها أخبَرت عنها، قال: " ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ". القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه: إنْ تتوبا إلى اللَّهِ أيَّتُها المرأتان، فقد مالت قلوبُكما إلى محبةِ ما كرِهه رسولُ اللَّهِ ﷺ ؛ مِن اجتنابِه جاريتَه وتحريمِها على نفسِه، أو تحريمِ ما كان له حلالًا مما حرَّمه على نفسِه بسببِ حفصةَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. يقولُ: زاغَت قلوبُكما. يقولُ: قد أَثِمت قلوبُكما (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن زُبَيدٍ (٢)، عن مجاهدٍ، قال: كنا نرى أنَّ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. [شيءٌ هيِّنٌ] (٣)، حتى سمِعتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما) (٤).

стр. 15428

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: مالت قلوبُكما. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. أي: قد مالت قلوبُكما (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. يقولُ: زاغَت. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: زاغت قلوبُكما. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللَّهُ: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: سَرَّهما أنْ يجتنِبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، وذلك لهما موافقٌ، ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إلى أنْ سرَّهما ما كرِه رسولُ اللَّهِ ﷺ . وقولُه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للتي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ حديثَه، والتي أفشَت إليها حديثَه، وهما عائشة وحفصةُ ﵄. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ثورٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أزلْ حريصًا أن أسألَ عمرَ

стр. 15429

عن المرأتين مِن أزواجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ اللَّتين قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾. قال: فحجَّ عمرُ وحجَجْتُ معه، فلما كان ببعضِ الطريقِ عدَل عمرُ وعدَلْتُ معه بالإداوةِ، ثم أتاني فسكبْتُ على يدِه فتوضَّأ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، من المرأتان من أزواجِ النبيِّ ﷺ اللَّتان قال اللَّهُ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ قال عمرُ: واعجبًا لك يا بنَ عباسٍ. قال الزهريُّ: وكرِه واللَّهِ ما سأله عنه ولم يكْتُمْ. قال: هي حفصة وعائشةُ. قال: ثم أخَذ يسوقُ الحديثَ، فقال: كنا معشرَ قريشٍ قومًا نَغلِبُ النساءَ، فلما قدِمنا المدينةَ. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أشهبُ (٢)، عن مالكٍ، عن أبي النضرِ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأل عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتَين على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال: عائشةُ وحفصةُ (٣). حدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ] (٤)، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ (٥) أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: مكَثتُ سنةً وأنا أريدُ أن أسألَ عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتين فما أجدُ له موضعًا أسألُه فيه، حتى خرَج حاجًّا وصحِبْتُه، حتى إذا كان بمَرِّ الظَّهرانِ ذهَب لحاجتِه، وقال: أدْرِكْني بإداوةٍ مِن

стр. 15430

ماءٍ. فلما قضَى حاجتَه ورجَع أتيتُه بالإداوةِ أصبُّها عليه، فرأيتُ موضعًا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتان المتظاهرتان على رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فما قضَيْتُ كلامي حتى قال: عائشةُ وحفصةُ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سماكٌ أبو زُمَيلٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، قال: ثنى عمرُ بنُ الخطابِ، قال: لما اعتزَل نبيُّ اللَّهِ ﷺ نساءَه، دخَلْتُ عليه وأنا أرى في وجْهِه الغضبَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما شقَّ عليك مِن شأنِ النساءِ، فلئن كنتَ طلَّقْتَهنَّ فإن اللَّهَ معك، وملائكتَه، وجبريلَ وميكائيلَ، وأنا وأبو بكرٍ معك، وقلَّما تكلَّمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ، إلا رجَوْتُ أن يكونَ اللَّهُ مصدِّقَ قولي، فنزَلت هذه الآيةُ؛ آيةُ التخييرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ الآية. وكانت عائشةُ ابنةُ أبي بكرٍ وحفصةُ تظاهران على سائرِ نساءِ النبيِّ ﷺ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾. يقولُ: على معصيةِ النبيِّ ﷺ وأذاه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال ابنُ عباسٍ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، إني لأُريدُ أنْ أسألَك عن أمرٍ، وإني لأهابُك. قال: لا تهبْني (٣). فقال: مَن اللَّتان تظاهرتا على رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: عائشةُ وحفصةُ.

стр. 15431

وقولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾. يقولُ: فإنَّ اللَّهَ هو وليُّه وناصرُه [عليهما، وعلى كلِّ مَن بغاه سوءًا، ﴿وَجبْرِيلُ﴾. يقولُ: وجبريلُ أيضًا وليُّه وناصرُه] (١)، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وخيارُ المؤمنين أيضًا مولاه وناصرُه. وقيل: عُنِي بصالحِ المؤمنين في هذا الموضعِ أبو بكرٍ وعمرُ ﵄. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ (٢) الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عبدِ الوهابِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: عمرُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: خيارُ المؤمنين؛ أبو بكرٍ الصدِّيقُ وعمرُ (٤). حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي (٥) إسرائيلَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ (٦)، مِن قريةٍ بمروٍ، يقالُ لها: سِيَنانُ (٧). عن عبيدِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أبو بكرٍ وعمرُ. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

стр. 15432

الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: وخيارُ المؤمنين. وقال آخرون: عُنِي بصالحِ المؤمنين الأنبياءُ صلواتُ اللَّهِ عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هم الأنبياءُ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: هم الأنبياءُ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: الأنبياءُ (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ قولَه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه في معنى الجمعِ، وهو بمعنى (٣) قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]. فـ "الإنسانُ" وإنْ كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى الجمعِ، ونظيرُ قولِ الرجلِ: لا يَقْرَيَنِّي (٤) إلا قارئَ القرآنِ. فقارئُ القرآنِ وإن كان في اللفظِ واحدًا، فمعناه الجمعُ؛ لأنه قد أَذِن لكلِّ قارئٍ القرآنَ أن يقْرِيَه، واحدًا كان أو جماعةً. وقولُه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. يقولُ: والملائكةُ مع جبريلَ وصالحِ المؤمنين لرسولِ اللَّهِ ﷺ أعوانٌ على مَن آذاه وساءَه وأراد مَساءتَه.

стр. 15433

والظهيرُ في هذا الموضعِ بلفظِ واحدٍ في معنى جمعٍ، ولو أُخرِج بلفظِ الجمعِ لقيل: والملائكةُ بعدَ ذلك ظُهراءُ. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: وبدأ بصالحِ المؤمنين ههنا قبلَ الملائكةِ، قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: عسى ربُّ محمدٍ إِنْ طلَّقكنَّ معشرَ أزواجِ محمدٍ ﷺ أنْ يُبْدِلَه منكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ. وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ تحذيرًا من اللَّهِ نساءَه لمَّا اجتمَعْن عليه في الغَيرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هشيمٌ (١)، قال: أخبَرنا حميدٌ الطويلُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اجتمَع على رسولِ اللَّهِ ﷺ نساؤُه في الغَيرةِ، فقلتُ لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكم أنْ يُبْدِلَه أزواجًا خيرًا منكنَّ. قال: فنزَل كذلك (٢). حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن عمرَ، قال:

стр. 15434

بلَغني عن بعضِ أمهاتِنا، أمهاتِ المؤمنين، شدَّةٌ على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأذاهُنَّ إِيَّاه، فاستَقْريْتُهنَّ امرأةً امرأةً، أعظُها وأنهاها عن أذى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأقولُ: إن أبَيْتُنَّ أبدَله اللَّهُ خيرًا منكنَّ. حتى أتيتُ - حسِبتُ أنه قال: على زينبَ - فقالت: يا بنَ الخطابِ، أما في رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يعِظُ نساءَه حتى تَعِظَهنَّ أنت؟ فأمسَكْتُ، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: بلَغني عن أمهاتِ المؤمنين شيءٌ، فاستَقْريْتُهنَّ أقولُ: لَتَكُفُّنَّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أو ليُبْدِلَنَّه اللَّهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ، حتى أتيتُ على إحدى أمهاتِ المؤمنين، فقالت: يا عمرُ، أما في رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يَعِظُ نساءَه حتى تعِظَهنَّ أنت؟ فكفَفْتُ، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ الآية (١). واختلفتِ القرأةِ في قراءةِ قولِه: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ بتشديدِ الدالِ: (يُبَدِّلَه أزواجًا) مِن "التبديل" (٢). وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿يُبْدِلَهُ﴾ بتخفيفِ الدالِ من "الإبدالِ" (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾. يعني: خاضِعاتٍ للَّهِ بالطاعةِ، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾. يعني:

стр. 15435

مصدِّقاتٍ باللَّهِ ورسولِه. وقولُه: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. يقولُ: مطيعاتٍ للَّهِ . كما حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَانِتَاتٍ﴾. مطيعاتٍ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿قَانِتَاتٍ﴾. قال: مطيعاتٍ. وقولُه: ﴿تَائِبَاتٍ﴾. يقولُ: راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللَّهُ منهنَّ مِن طاعتِه عما يكرَهُه منهنَّ، ﴿عَابِدَاتٍ﴾. يقولُ: مُتذلِّلاتٍ للهِ بالطاعةِ. وقولُه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. يقولُ: صائماتٍ. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: صائماتٍ (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: صائماتٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: صائماتٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال:

стр. 15436

السَّائحاتُ الصائماتُ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: يعني صائماتٍ (٢). وقال آخرون: السائحاتُ المهاجراتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ (٣) الدراورديُّ، عن زيد بنِ أسلمَ، قال: السائحاتُ المهاجراتُ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: مهاجراتٍ، ليس في القرآنِ، ولا في أمةِ محمدٍ سياحةٌ إلا الهجرةُ، وهي التي قال اللَّهُ : ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٥) [التوبة: ١١٢]. وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ في معنى السائحين، فيما مضى قبلُ بشواهدِه، مع ذكْرِنا أقوالَ المختلفِين فيه، فكرِهْنا إعادتَه (٦). وكان بعضُ أهلِ العربية (٧) يقولُ: نرى أنَّ الصائمَ إنما سُمِّي سائحًا لأن السائحَ لا زادَ معه، وإنما يأكلُ حيثُ يجدُ الطعامَ، فكأنه أُخِذ من ذلك.

стр. 15437

وقولُه: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ وهنَّ اللَّواتي قد افْتُرِعْنَ (١) وذهبَت عُذْرتُهنَّ، ﴿وَأَبْكَارًا﴾ وهنَّ اللَّواتي لم يُجامَعْن، ولم يُفْتَرَعْنَ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: علِّموا بعضَكم بعضًا ما تَقُون به مَن تُعلِّمونه النارَ، وتدفعونها به عنه إذا عمل به من طاعةِ اللَّهِ، واعْملوا بطاعةِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقولُ: وعلِّموا أهليكم مِن العملِ بطاعةِ اللَّهِ ما يَقُون به أنفسَهم مِن النارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ في قولِه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال: علِّموهم، أدِّبوهم (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن

стр. 15438

عليِّ بنِ أبي طالبٍ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقولُ: أدِّبوهم وعلِّموهم. حدَّثني الحسينُ (١) بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ خُثَيْمٍ، عن محمدِ بنِ خالدٍ الضبيِّ، عن الحكمِ، عن عليٍّ مثلَه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: اعملوا بطاعةِ اللَّهِ، واتقوا معاصيَ اللَّهِ، ومروا أهليكم بالذكرِ، يُنْجِكم (٢) اللَّهُ مِن النارِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ- جلَّ وعزَّ -: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: اتقوا اللَّهَ، وأَوْصوا (٤) أهليكم بتقوى اللَّهِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال: قال: تقِيهم؛ أن تأمرَهم بطاعةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتَنهاهم عن معصيتِه، وأن تقومَ عليهم بأمرِ اللَّهِ، تأمرُهم به، ويساعدُهم عليه، فإذا رأيتَ للَّهِ معصيةً قرَعْتَهم (٦) عنها، وزجَرْتَهم عنها. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُوا

стр. 15439

أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: مُرُوهم بطاعةِ اللَّهِ، وانهَوهم عن معصيتِه (١). وقولُه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. يقولُ: حطَبُها الذي يوقدُ على هذه النارِ، بنو آدمَ وحجارةُ الكِبْريتِ. وقولُه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾. يقولُ: على هذه النارِ ملائكةٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ، غِلاظٌ على أهلِ النارِ، شِدادٌ عليهم، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾. يقولُ: لا يُخالِفون اللَّهَ في أمرِه الذي يأمرُهم به، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. يقولُ: وينتَهون إلى ما يأمرُهم به ربُّهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِه (٢) يومَ القيامةِ للذين جحَدوا وحدانيتَه في الدنيا: يأيُّها الذين كَفَروا باللَّهِ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: يقالُ لهم: إنما تُثابون اليومَ، وذلك يومُ القيامةِ، وتُعطَون جزاءَ أعمالِكم التي كنتم في الدنيا تعملون، فلا تطلبوا المعاذيرَ منها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.

стр. 15440

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ارْجِعوا من ذنوبِكم إلى طاعةِ اللَّهِ، وإلى ما يُرضِيه عنكم، ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. يقولُ: رجُوعًا لا تعودون فيه (١) أبدًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سُئل عمرُ عن التوبةِ النصوحِ، فقال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ الرجلُ مِن العملِ السيئِ، ثم لا يعودَ إليه أبدًا (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن عمرَ، قال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ ثم لا يعودَ فيه أبدًا، أو لا يريدَ أن يعودَ (٣). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بشيرٍ يخطُبُ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يذنبُ الذنبَ ثم لا يَرْجِعُ فيه.
следующие страницы →