هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. قال: استعجالُهم بالعذابِ.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ بتشديدِ الدالِ، بمعنى: تَفْتَعِلون، مِن الدعاءِ.
وذُكر عن قتادةَ والضحاكِ أنهما قرَأا ذلك: (تَدْعُونَ) بمعنى: تَفْعلون في الدنيا (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنا أبانٌ العطارُ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ أنه قرَأها: (الذي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ) خفيفةً، ويقولُ: كانوا يَدْعون بالعذابِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ للمشركين مِن قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ فأَماتني، ﴿وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾
стр. 15472
فأخَّر في آجالِنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ باللَّه من عذابٍ مُوجعٍ مؤلمٍ؟ وذلك عذابُ النارِ. يقولُ: ليس يُنْجِي الكفارَ من عذابِ اللَّهِ موتُنا وحياتُنا، فلا حاجةَ بكم إلى أن تَسْتَعْجِلوا قيامَ الساعةِ ونزولَ العذابِ، فإن ذلك غيرُ نافِعكم، بل ذلك بلاءٌ عليكم عظيمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ: ربُّنا ﴿الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: صدَّقْنا به، ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ: وعليه اعْتَمَدْنا في أُمورِنا، وبه وَثِقْنا فيها، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: فستعلمون أيُّها المشركون باللَّهِ الذي هو في ذَهابٍ عن الحقِّ، والذي هو على غيرِ طريقٍ مستقيمٍ منا ومنكم، إذا صِرْنا إليه وحُشِرْنا جميعًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ العادلون باللَّهِ، ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. يقولُ: غائرًا لا تنالُه الدِّلاءُ، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. يقولُ: فمن يَجِيئُكم بماءٍ مَعِينٍ. يعني بالمَعِينِ الذي تَراه العيونُ ظاهرًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 15473
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. يقولُ: بماءٍ عذبٍ (١).
حدَّثنا [عبدُ الأعلى] (٢) بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ هاشمٍ (٣) البَزَّازُ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: لا تنالُه الدِّلاءُ، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال: الظاهرِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. أي: ذاهبًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال: الماءُ المَعِينُ الجارِي (٥).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: ذاهبًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: جارٍ (٦).
وقيل: ﴿غَوْرًا﴾. فوصَف الماءَ بالمصدرِ، كما قيل: ليلةٌ غَمٌّ (٧). يرادُ: ليلةٌ غَامَّةٌ (٧).
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الملكِ"
стр. 15474
تفسيرُ سُورةِ "ن"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ن﴾؛ فقال بعضُهم: هو الحوتُ الذي عليه الأَرَضُون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شيءٍ القلمُ، فَجَرَى بما هو كائنٌ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، فخُلِقَت منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ، فبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النُّونِ، [فتحرَّك النونُ، فمادت الأرضُ] (١)، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإِنَّ الجبالَ لتَفْخَرُ على الأرضِ. قال: وقرَأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢).
حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي
стр. 15475
ظَبْيانَ، أو مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ففُتِقَتْ منه السماواتُ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى سليمانُ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، قال: اكْتُبْ. قال: ما أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى بما يكونُ من ذلك اليومِ إلى قيامِ الساعةِ، ثم خُلِق النُّونُ، ورُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِقَتْ منه السماءُ، وبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النونِ، فاضطَربَ النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ (٢).
حدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شَيءٍ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فقال: وما أَكْتُبُ يا ربِّ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ من ذلك إلى قيامِ الساعةِ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِق منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ فدُحِيت الأرضُ على ظَهْرِه، فاضْطرَب النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ (٣).
حدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، أن إبراهيمَ بنَ
стр. 15476
أبي بكرٍ أخبرَه عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: النُّونُ الحوتُ الذي تحتَ الأرضِ السابعةِ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: ثنا الأعمشُ، أنَّ ابنَ عباسٍ قال: إِنَّ أوَّلَ شيءٍ خُلِق القلمُ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ واصلٍ، عن ابنِ فُضَيلٍ، وزاد فيه: ثم قرَأ ابنُ عباسٍ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي الضُّحى مسلمِ بنِ صُبيحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إِنَّ أَوَّلَ شيءٍ خلَق ربي القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فكتَب ما هو كائنٌ إلى أنْ تقومَ الساعةُ، ثم خلَق النُّونَ فوقَ الماءِ، ثم كبَس الأرضَ عليه (٣).
وقال آخرون: ﴿ن﴾ حرفٌ مِن حروفِ الرحمنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الر﴾، و ﴿حم﴾، و ﴿ن﴾: حروفُ الرحمن مُقطَّعةٌ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا عيَّاشُ (٥) بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن
стр. 15477
أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الر﴾، و ﴿حم﴾، و ﴿ن﴾. قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (١).
وقال آخرون: ﴿ن﴾: الدَّواةُ، ﴿وَالْقَلَمِ﴾: القلمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا أخي عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ، عن ثابتٍ الثُّمَاليِّ (٢)، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنَّ اللَّهَ خلَق النُّونَ وهى الدواةُ، وخلَق القلمَ فقال: اكْتُبْ. فقال: ما أكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ؛ من عملٍ مَعْمُولٍ، بِرٍّ أو فجورٍ، أو رزقٍ مقسومٍ، حلالٍ أو حرامٍ. ثم أَلْزَم كلَّ شيءٍ من ذلك شأْنَه، دخولَه في الدنيا، ومُقامَه فيها كم؟ وخروجَه منها كيف؟ ثم جعَل على العبادِ حَفَظَةً، وللكتابِ خُزَّانًا، فالحفظةُ يَنْسَخون كلَّ يومٍ مِن الخُزَّانِ عملَ ذلك اليومِ، فإذا فَنِي الرزْقُ وانقَطَع الأَثَرُ، وانقَضَى الأجلُ، أَتَتِ الحَفَظَةُ الخَزنةَ يَطْلُبون عملَ ذلك اليومِ، فتقولُ لهم الخَزَنةُ: ما نجدُ لصاحبِكم عندَنا شيئًا. فتَرْجِعُ الحفَظَةُ فيَجِدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابنُ عباسٍ: ألستم قومًا عَرَبًا تَسمعون الحَفَظَةَ يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]. وهل يكونُ الاسْتِنْساخُ إلا مِن أَصلٍ (٣)؟
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿ن﴾. قال: هو الدواةُ (٤).
стр. 15478
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرٌو، عن قتادةَ، قال: النُّونُ الدَّواةُ.
وقال آخرون: ﴿ن﴾: لَوْحٌ مِن نورٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ المُكْتِبُ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ الجَزَرِيُّ، عن فُراتِ بنِ أبي الفُراتِ، عن معاويةَ بنِ قرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : " ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: لَوْحٌ مِن نورٍ يَجْرِي بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ" (١).
وقال آخرون: ﴿ن﴾ قَسَمٌ أقسَم اللَّهُ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يُقْسِمُ اللَّهُ بما شاء.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قال: هذا قَسَمٌ أقسَم اللَّهُ به (٢).
وقال آخرون: هي اسمٌ مِن أسماءِ السورةِ.
وقال آخرون: هي حرفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ. وقد ذكَرْنا القولَ فيما جانَس ذلك مِن حروفِ الهِجاءِ التي افْتُتِحَتْ بها أوائلُ السورِ، والقولُ في قولِه نظيرُ القولِ
стр. 15479
في ذلك (١).
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ: ﴿ن﴾، فأَظْهَر النُّونَ فيها وفي: ﴿يس﴾ عامةُ قرأةِ الكوفةِ خلا الكِسائيَّ، وعامةُ قرأةِ البصرةِ؛ لأنَّها حرفُ هِجاءٍ، والهِجَاءُ مبنيٌّ على الوقوفِ عليه وإنِ اتَّصَل، وكان الكِسائيُّ يُدْغِمُ النُّونَ الآخرةَ منهما ويُخْفِيها بناءً على الاتصالِ (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان فصيحتان، بأيَّتهما قرَأ القارئُ أصاب، غيرَ أَنَّ إِظْهَارَ النُّونِ أَفصحُ وأَشْهَرُ، فهو أَعْجَبُ إليَّ.
وأما القلمُ فهو القلمُ المعروفُ، غيرَ أنَّ الذي أَقسَم به ربُّنا مِن الأقلامِ القلمُ الذي خلَقه اللَّهُ تعالى ذكرُه، فأَمَره فجَرَى بكتابةِ جميعِ ما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ معاويةَ (٣) الأَنماطيُّ، قال: ثنا عبَّادٌ بنُ العوَّامِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ سليمٍ، قال: سمِعتُ عطاءً قال: سألتُ الوليدَ بنَ عُبادةَ بنِ الصامتِ: كيف كانت وصيةُ أبيك حينَ حضَره الموتُ؟ فقال: دعاني فقال: أي بنيَّ، اتقِ اللَّهَ، واعلمْ أنك لن تتقيَ اللَّهَ، ولن تبلُغَ العلمَ حتى تُؤمِنَ باللَّهِ وحدَه، والقدرِ خيرِه وشرِّه، إني سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ أولَ ما خلَق اللَّهُ خلَق القلمَ، فقال له: اكْتُبْ. قال: يا ربِّ وما أكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القدرَ". قال: "فجَرَى القلم في تلك الساعةِ بما كان، وما هو كائنٌ إلى الأَبَدِ" (٤).
стр. 15480
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ شَقيقٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا رباحُ بنُ زيدٍ، عن عمرَ (١) بنِ حَبيبٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بزَّةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أَوَّلُ شيءٍ خلَق اللَّهُ القَلَمُ، وأَمَره فكتَب كلَّ شيءٍ" (٢).
حدَّثنا موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا نُعيمُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا ابنُ المباركِ بإسنادِه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣)(٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن ناسًا يُكَذِّبون بالقَدَرِ. فقال: إنَّهم يُكَذِّبون بكتابِ اللَّهِ، لآخُذنَّ بشَعرِ أحدِهم [فَلَأَنْفُضَنَّ به] (٥). إِنَّ اللَّهَ كان على عَرْشِه قبل أن يخلُقَ شيئًا، فكان أوَّلَ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، فجَرَى بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ، فإنما يَجْرِي الناسُ على أمرٍ قد فُرِغ منه (٦).
стр. 15481
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو هاشمٍ (١) سَمِع مجاهدًا، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ - لا يَدْرِي (٢) ابنَ عمرَ أو ابنَ عباسٍ - قال: إِنَّ أوَّلَ ما خلقَ اللَّهُ القلمُ، فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ، وإنما يَعْمَلُ الناسُ اليومَ فيما قد فُرِغ منه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، وحدَّثني عبيدُ (٤) بنُ آدمَ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن أيوبَ بنِ زيادٍ، قال: ثنى عُبادةُ (٥) بنُ الوليدِ بنِ عُبادةَ بن الصامتِ، قال: أخبَرني أبي، قال: قال أبي عُبادةُ بنُ الصامتِ: يا بُنيَّ، سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "إنَّ أوَّلَ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فجَرَى في تلك الساعةِ بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ" (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. قال: الذي كُتِب به الذِّكْرُ (٧).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، أخبرَه
стр. 15482
عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. قال: الذي كُتِب به الذِّكْرُ.
وقولُه: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. يقولُ: والذي يَخُطُّون ويكتُبون. إذا وُجِّه التأويلُ إلى هذا الوجهِ كان القَسَمُ بالخَلْقِ وأفعالِهم. وقد يَحْتَمِلُ الكلامُ معنًى آخرَ، وهو أنْ يكونَ معناه: وسَطْرِهم ما يَسْطُرون. فتكونُ "ما" بمعنى المصدرِ. وإذا وُجِّه التأويلُ إلى هذا الوجهِ كان القَسَمُ بالكتابِ، كأنه قيل: ن والقلمِ والكتابِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قال: وما يَخُطُّون.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. يقولُ: يكتُبون (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قال: ما يكْتُبون (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا
стр. 15483
يَسْطُرُونَ﴾: وما يكتُبون (١).
يقالُ منه: سَطَر فلانٌ الكتابَ، فهو يسطُرُ سَطْرًا. إذا كتَبه. ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ:
إِنِّي وَأَسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا (٢)
وقولُه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ما أنت بنعمةِ ربِّك بمجنونٍ. مكذِّبًا بذلك مشركي قريشٍ الذين قالوا له: إنك مجنونٌ.
وقولُه: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإن لك يا محمدُ لثوابًا مِن اللَّهِ عظيمًا، على صبرِك على أذى المشركين إيَّاك، غيرَ منقوصٍ ولا مقطوعٍ. من قولِهم: حبلٌ مَنِينٌ، إذا كان ضعيفًا، وقد ضَعُفَت مُنَّتُه، إِذا ضَعُفَت قوَّتُه.
وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾. قال: محسُوبٍ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ
стр. 15484
وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإنك يا محمدُ لعلى أدبٍ عظيمٍ، وذلك أدبُ القرآنِ الذي أدَّبه اللَّهُ به، وهو الإسلامُ وشرائعُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: دينٍ عظيمٍ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ: إنك على دينٍ عظيمٍ، وهو الإسلامُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: الدينِ (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: سُئِلت (٤) عائشةُ عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قالت: كان خُلُقُه القرآن. تقولُ: كما
стр. 15485
هو في القرآنِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. ذُكِر لنا أن سعدَ (٢) بنَ هشامٍ سأَل عائشةَ عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالت: ألسْتَ تَقْرَأُ القرآنَ؟ قال: قلتُ: بلى. قالت: فإِن خُلُقَ رسولِ اللَّهِ ﷺ كان القرآنَ (٣).
حدَّثنا عُبيدُ بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن سعدِ (٢) بنِ هشامٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين رحمةُ اللَّهِ عليها، فقلتُ: أخْبِريني عن خُلُقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . فقالت: كان خلقُه القرآنَ، أَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤)؟
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن أبى الزاهريةِ، عن جُبيرِ بنِ نُفيرٍ (٥)، قال: حجَجْتُ فدخَلْتُ على عائشةَ، فَسَأَلْتُها عن خلقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقالت: كان خلقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ القرآنَ (٦).
стр. 15486
حدَّثنا عُبيدُ بنُ أسْباطَ، قال: ثنى أبي، عن فُضيلِ بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: أدبِ القرآنِ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. قال: على دينٍ عظيمٍ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: يعني دينَه وأمْرَه الذي كان عليه، مما أمَرَه اللَّهُ (٣) ووكَله إليه (٢).
وقولُه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فستَرَى يا محمدُ، ويَرَى مشركو قومِك الذين يَدْعُونك مجنونًا ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾. يقولُ: تَرَى ويَرَوْن.
وقولُه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال
стр. 15487
بعضُهم: تأويلُه: بأيِّكم المجنونُ. كأَنَّه وجَّه معنى الباءِ في قولِه: ﴿بِأَيِّكُمُ﴾. إلى معنى "في"، وإذا وُجِّهَت الباءُ إلى معنى "في" كان تأويلُ الكلامِ: ويُبْصِرون في أيِّ الفريقين المجنونُ؟ في فريقِك يا محمدُ أو في فريقِهم؟ ويكونُ "المجنونُ" اسمًا مرفوعًا بالباءِ.
ذكرُ مَن قال: معنى ذلك: بأيِّكم المجنونُ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: المجنونُ (١).
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: بأيِّكم المجنونُ.
وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: بأيِّكم الجنونُ. وكأن الذين قالوا هذا القولَ وجَّهوا المفتونَ إلى معنى الفتنةِ أو الفتونِ، كما قيل: ليس له معقولٌ ولا معقودُ رأىٍ (٢). بمعنى: ليس له عقلٌ ولا عقدُ رأيٍ. فكذلك وُضِع المفتونُ موضعَ الفُتُونِ.
ذكرُ مَن قال: المفتونُ بمعنى المصدرِ، وبمعنى الجنونِ
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: الشيطانُ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ
стр. 15488
الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: يعني الجنونَ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: يقولُ: بأيِّكم الجنونُ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أيُّكم أولى بالشيطانِ. فالباءُ على قولِ هؤلاء زيادةٌ؛ دخولُها وخروجُها سواءٌ، ومثَّل هؤلاء ذلك بقولِ الراجزِ (٢):
نحن بنو جَعْدةَ أصحابُ الفَلَجْ
نَضْرِبُ بالسيفِ ونَرْجُو بالفَرَجْ
بمعنى: ونَرْجُو الفَرَجَ. فدخولُ الباءِ في ذلك عندَهم في هذا الموضعِ وخروجُها سواءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: يقولُ: أيُّكم أولى بالشيطانِ.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾. قال: أيُّكم أولى بالشيطانِ (٣).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك نحوَ اختلافِ أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: معنى ذلك: فستُبْصِرُ ويُبْصِرون أيُّكم المفتونُ.
стр. 15489
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (١): ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾: المفتونُ (٢) ههنا بمعنى الجنونِ، وهو في مذهبٍ الفُتُونُ، كما قالوا: ليس له معقولٌ ولا مجلودٌ (٣). قال: وإن شئتَ جَعَلْتَ ﴿بِأَيِّكُمُ﴾: في أيِّكم؛ في أيِّ الفريقين المجنونُ. قال: وهو حينَئذٍ اسمٌ ليس بمصدرٍ.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: بأيِّكم الجنونُ. ووَجَّه المفتونَ إلى الفتونِ بمعنى المصدرِ؛ لأن ذلك أظهرُ معاني الكلامِ، إذا لم يُنْوَ إسقاطُ الباءِ، وجعَلْنا لدخولِها وجهًا مفهومًا. وقد بيَّنَّا أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في القرآنِ شيءٌ لا معنى له (٤).
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن ربَّك يا محمد هو أعلمُ بمن ضلَّ عن سبيلِه، كضلالِ كفارِ قريشٍ عن دينِ اللَّهِ وطريقِ الهدى، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. يقولُ: وهو أعلمُ بمَن اهْتَدَى، فاتَّبَع الحقَّ وأقَرَّ به، كما اهْتَدَيْتَ أنت فاتَّبَعْتَ الحقَّ. وهذا من مَعارِيضِ الكلامِ، وإنما معنى الكلامِ: إن ربَّك هو أعلمُ يا محمدُ بك، و [أنك لمهتدى] (٥)، وبقومِك مِن كفارِ قريشٍ، وأنهم لضالُّون (٦) عن سبيلِ الحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١)﴾.
стр. 15490
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فلا تُطِعْ يا محمدُ، المُكذِّبين بآياتِ اللَّهِ ورسولِه.
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ودَّ المكذِّبون بآياتِ اللَّهِ لو تَكْفُرُ باللَّهِ يا محمدُ فيَكْفُرون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: وَدُّوا لو تَكْفُرُ فيَكْفُرون (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: تَكْفُرُ فَيَكْفُرون (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: تَكْفُرُ فيَكْفُرون.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ودُّوا لو تُرَخِّصُ لهم فيُرخِّصون، أو تَلِينُ في دينِك فيَلينون في دينِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: لو تُرَخِّصُ لهم فيرَخِّصون (٣).
стр. 15491
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: لو تَرْكَنُ إلى آلهتِهم وتَتْرُكُ ما أنت عليه مِن الحقِّ فيُمالِئونك (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. يقولُ: وَدُّوا يا محمدُ لو أدْهَنْتَ عن هذا الأمرِ فأدْهَنوا معك.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال: ودُّوا لو يُدْهِنُ رسولُ اللَّهِ ﷺ فيُدْهِنون (٢).
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ودَّ هؤلاء المشركون يا محمدُ لو تَلِينُ لهم في دينِك بإجابتِك إياهم إلى الركونِ إلى آلهتِهم، فيَلِينون لك في عبادتِك إلهَك، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]. وإنما هو مأخوذٌ مِن الدُّهنِ، شبَّه التليينَ في القولِ بتليينِ الدُّهْنِ.
وقولُه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: ولا تُطِعْ يا محمدُ كلَّ ذي إكثارٍ للحلفِ بالباطلِ، ﴿مَهِينٍ﴾ وهو الضعيفُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أن بعضَهم وجَّه معنى المهينِ
стр. 15492
إلى الكذَّابِ، وأحْسَبُه فعَل ذلك لأنَّه رأَى أنه إذا وُصِف بالمَهانةِ، فإنما وُصِف بها لمهانةِ نفسِه، وكانت عليه، وكذلك صفةُ الكَذُوبِ، إنما يَكْذِبُ لمهانةِ نفسِه (١) عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. والمهينُ الكذَّابُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. قال: ضعيفٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾: وهو المِكْثارُ في الشرِّ (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. يقولُ: كلَّ مِكْثارٍ في الحلفِ، مَهينٍ ضعيفٍ (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن الحسنِ
стр. 15493
وقتادةَ: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾. قال: هو المكثارُ فى الشرِّ.
وقولُه: ﴿هَمَّازٍ﴾. يعني: مُغتابٍ للناسِ يأكُلُ لحومَهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿هَمَّازٍ﴾: يعني الاغتيابَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَمَّازٍ﴾: يَأْكُلُ لحومَ المسلمين (٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال: الهَمَّازُ الذى يَهْمِزُ الناسَ بيدِه ويَضْرِبُهم، وليس باللسانِ. وقرَأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. الذي يَلْمِزُ الناسَ بلسانِه. والهمزُ أصلُه الغمزُ، فقيل للمغتابِ: هَمَّازٌ. لأنه يَطْعُنُ فى أعراضِ الناسِ بما يَكْرَهون، وذلك غمزٌ عليهم (٣).
وقولُه: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. يقولُ: مَشَّاءٍ بحديثِ الناسِ بعضِهم في بعضٍ، يَنْقُلُ حديثَ بعضِهم إلى بعضٍ.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 15494
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَمَّازٍ﴾: يَأْكُلُ لحومَ المسلمين، ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: يَنْقُلُ الأحاديثَ مِن بعضِ الناسِ إلى بعضٍ.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾: يَمْشِى بالكذبِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبىِّ في قولِه: ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال: هو الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ، وأصلُه مِن ثَقيفٍ، وعِدادُه فى بنى زُهْرةَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾.
وقولُه: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بخيلٍ بالمالِ، ضَنينٍ به عن الحقوقِ.
وقولُه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. يقولُ: مُعْتَدٍ على الناسِ، ﴿أَثِيمٍ﴾: ذى إثمٍ بربِّه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مُعْتَدٍ﴾. قال: مُعْتَدٍ فى عملِه، ﴿أَثِيمٍ﴾ بربِّه (٢).
стр. 15495
وقولُه: ﴿عُتُلٍّ﴾. يقولُ: وهو عُتُلٌّ، والعُتُلُّ الجافي الشديدُ في كفرِه، وكلُّ شديدٍ قوىٍّ فالعربُ تُسَمِّيه عُتُلًّا. ومنه قولُ ذى الإِصْبَعِ العَدْوانىِّ (١):
*والدهرُ يَغْدُو مِعْتَلًا جَذَعَا*
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عُتُلٍّ﴾: والعتلُّ: العاتلُ الشديدُ المنافقُ (٢).
حدَّثنى إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ العَقَدىُّ، قال: ثنا زُهَيرُ ابنُ محمدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن وهبٍ الذِّمَارىِّ، قال: تَبْكِى السماءُ والأرضُ مِن رجلٍ أَتَمَّ اللهُ خَلْقَه، وأَرْحَب جوفَه، وأَعْطاه مَقْضَمًا (٣) مِن الدنيا، ثم يَكونُ ظَلومًا للناسِ، فذلك العتلُّ الزَّنيمُ (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن أبى الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: العُتُلُّ: الأَكُولُ الشَّروبُ القوىُّ الشديدُ، يُوضَعُ فى الميزانِ فلا يَزِنُ شَعيرةً، يَدْفَعُ المَلَكُ مِن أولئك سبعين ألفًا دُفْعةً فى جهنمَ (٥).
стр. 15496
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: العتلُّ الشديدُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ فى قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: العتلُّ الصحيحُ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن كثيرِ ابنِ الحارثِ، عن القاسمِ مولى معاويةَ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ عن العُتلِّ الزنيمِ، قال: "الفاحشُ اللئيمُ" (٢).
قال معاويةُ: وثنى عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ الفِهْرِيُّ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بمثلِ ذلك.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: فاحشُ الخُلُقِ، لئيمُ الضَّريبةِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: هو الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: هو الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ (٥).
стр. 15497
قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تَبْكِى السماءُ مِن عبدٍ أَصَحَّ اللهُ جسمَه، وأَرْحَب جوفَه، وأعْطاه مِن الدنيا مَقْضَمًا، فكان للناسِ ظَلومًا، فذلك العتلُّ الزنيمُ" (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ، قال: العتلُّ الصحيحُ الشديدُ.
حدَّثنى جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورىُّ، قال: ثنا أبو زكريا، وهو يحيى بنُ مصعبٍ، عن عمرَ بنِ نافعٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. فقال: ذلك الكافرُ اللئيمُ.
حدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الأزْدىُّ، قال: ثنا يحيى -يعني ابنَ يمانٍ- عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، قال: العتلُّ الزنيمُ الفاحشُ اللئيمُ الضَّريبةِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: شديدِ الأَشَرِ (٢).
стр. 15498
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿عُتُلٍّ﴾. قال: العتلُّ الشديدُ.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. ومعنى ﴿بَعْدَ﴾ في هذا الموضعِ معنى "مع"، وتأويلُ الكلامِ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. أى: مع العَتْلِ زنيمٌ.
وقولُه: ﴿زَنِيمٍ﴾. والزنيمُ فى كلامِ العربِ الملصَقُ بالقومِ وليس منهم. ومنه قولُ حسانَ بنِ ثابتٍ (١):
وأنت زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشمٍ … كما نِيطَ خلفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ
وقال آخرُ (٢):
زَنيمٌ ليس يُعْرَفُ مَن أبوه … بَغِيُّ الأُمِّ ذو حَسَبٍ لَئِيمُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿زَنِيمٍ﴾. قال: والزنيمُ: الدَّعِىُّ. ويقالُ: الزنيمُ رجلٌ كانت به زَنَمةٌ (٣) يُعْرَفُ بها. ويقالُ: هو الأخنسُ بنُ شَرِيقٍ الثقفىُّ حليفُ بنى زُهرةَ. وزعَم أُناسٌ مِن بنى زُهْرةَ أن الزنيمَ هو الأسودُ بنُ عبدِ يَغوثَ الزهرىُّ، وليس به (٤).
стр. 15499
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: أخبَرنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن عكرمةَ، قال: هو الدَّعِيُّ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى سليمانُ بنُ بلالٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْملةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنه سمِعه يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال سعيدٌ: هو المُلْصَقُ بالقومِ ليس منهم (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ كما تُعْرَفُ الشاةُ بزَنَمتِها، المُلْصَقُ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، [قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه زعَم أن الزنيمَ الملحقُ النَّسَبِ] (٣).
وقال آخرون: هو الذى له زَنَمةٌ كزَنَمةِ الشاةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى الزَّنيمِ، قال: نُعِت فلم يُعْرَفْ حتى قيل: ﴿زَنِيمٍ﴾. قال:
стр. 15500
وكانت له زَنَمةٌ فى عنقِه يُعْرَفُ بها (١).
وقال آخرون: كان دَعِيًّا.
حدَّثنى الحسينُ بنُ علىٍّ الصُّدَائىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ عاصمٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: نزَل على النبىِّ ﷺ : ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال: فلم نَعْرِفْه حتى نزَل على النبىِّ ﷺ : ﴿بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: فعرَفْناه؛ له زَنَمةٌ كزنمةِ الشاةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أصحابِ التفسيرِ، قالوا: هو الذى يكونُ له زَنَمةٌ كزنمةِ الشاةِ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: الزنيمُ. يقولُ: كانت له زَنمةٌ في أصلِ أذنِه. يقالُ: هو اللئيمُ المُلْصَقُ فى النَّسبِ (٣).
وقال آخرون: هو المُرِيبُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا تَميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: الزنيمُ
стр. 15501
المريبُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ بالشرِّ (٢).
وقال آخرون: هو الظَّلومُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿زَنِيمٍ﴾. قال: ظلومٍ (٣).
وقال آخرون: هو الذى يُعْرَفُ بأُبْنةٍ (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في الزنيمِ: الذي يُعْرَفُ بأُبْنةٍ. قال أبو إسحاقَ: وسمِعتُ الناسَ فى إمرةِ زيادٍ يقولون: العُتُلُّ الدَّعِيُّ.
وقال آخرون: هو الجِلْفُ الجافى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، قال:
стр. 15502
سمِعْتُ شهرَ بنَ حَوْشَبٍ يقولُ: هو الجِلْفُ الجافى، الأَكولُ الشَّروبُ مِن الحرامِ (١).
وقال آخرون: هو علامةُ الكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، ثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ، قال: الزنيمُ علامةُ الكفرِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ، قال: الزنيمُ علامةُ الكافرِ.
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الزنيمُ يُعْرَفُ بهذا الوصفِ كما تُعْرَفُ الشاةُ (٣).
وقال آخرون: هو الذى يُعْرَفُ باللُّؤْمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن حُصَيْفٍ، عن عكرمةَ، قال: الزنيمُ الذى يُعْرَفُ باللُّؤْمِ، كما تُعْرَفُ الشاةُ بزَنَمَتِها (٤).
وقال آخرون: هو الفاجرُ.
стр. 15503
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ فى قولِه: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾. قال: الزنيمُ الفاجرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾.
اخْتَلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَنْ كَانَ﴾. فقرَأ ذلك أبو جعفرٍ المَدَنىُّ وحمزةُ: (أ أن كان ذا مالٍ) بالاستفهامِ بهمزتين (١)، وتَتَوَجَّهُ قراءةُ مَن قرَأ ذلك كذلك إلى وجهين؛ أحدُهما: أن يكونَ مُرادًا به تَقْريعُ هذا الحلَّافِ المَهِينِ، فقيل: ألأن كان هذا الحَلَّافُ المهينُ ذا مالٍ وبنينَ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؟ وهذا أظهرُ وجهيه. والآخرُ: أن يكونَ مُرادًا به: ألأن كان ذا مالٍ وبنينَ تُطِيعُه؟ على وجهِ التوبيخِ لمن أطاعه. وقرَأ ذلك بعدُ سائرُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ﴾ على وجهِ الخبرِ بغيرِ استفهامٍ بهمزةٍ واحدةٍ (٢)، ومعناه إذا قُرِئ كذلك: ولا تُطِعْ كلَّ حلافٍ مهينٍ، أن كان ذا مالٍ وبنينَ. كأنه نهاه أن يُطِيعَه مِن أجلِ أنه ذو مالٍ وبنينَ.
وقولُه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: إِذا تُقْرَأُ عليه آياتُ كتابِنا قال: هذا مما كتَبه الأوَّلون. استهزاءً به، وإنكارًا منه أن يكونَ ذلك من عندِ اللهِ.
وقولُه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال
стр. 15504
بعضُهم: معناه: سنَخْطِمُه بالسيفِ، فَنَجْعَلُ ذلك علامةً باقيةً وسمةً ثابتةً فيه ما عاش.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: فقاتَل يومَ بدرٍ، فخُطِم بالسيفِ فى القتالِ (١)
وقال آخرون: بل معنى ذلك: سنَشِينُه شَينًا باقيًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: شَيْنٌ لا يُفارِقُه آخرَ ما عليه (٢).
وقال آخرون: سِيما على أنفِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. قال: سَنَسِمُ على أنفِه (٣).
وأولى القولين بالصوابِ في تأويلِ ذلك عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: سنُبَيِّنُ أمرَه بيانًا واضحًا حتى يَعْرِفوه، فلا يَخْفَى عليهم، كما لا تَخْفَى السِّمةُ على
стр. 15505
الخرطومِ. وقال: [معنى قولِ قتادةَ] (١): شَيْنٌ لا يُفارِقُه آخرَ ما عليه. وقد يَحْتَمِلُ أيضًا أن يكونَ خُطِم بالسيفِ، فجُمِع له مع بيانِ عيوبِه للناسِ الخَطْمُ بالسيفِ.
ويعنى بقولِه: ﴿سَنَسِمُهُ﴾: سنَكْوِيه.
وقال بعضُهم (٢): معنى ذلك: سَنَسِمُه سِمةَ أهلِ النارِ. أى: سنُسَوِّدُ وجهَه. وقال: إن الخرطومَ وإن كان خُصَّ بالسِّمةِ، فإنه فى مذهبِ الوجهِ؛ لأن بعضَ الوجهِ يُؤَدِّى عن بعضٍ، والعربُ تقولُ: واللهِ لأَسِمَنَّكَ وَسْمًا لا يُفارِقُك. يُرِيدون الأنفَ. قال: وأنشَدني بعضُهم (٣)
لأعْلُطَنَّه وَسْمًا لا يُفارِقُه … كما يُحَزُّ بحُمَّى المِيسَمِ البحِرُ (٤)
والبَحَرُ (٤) داءٌ يَأْخُذُ الإِبلَ فتُكْوَى على أنفِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾. أى: بلَوْنا مُشركِي قريشٍ. يقولُ: امتحَنَّاهم فاختبَرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾. يقولُ: كما امتحَنَّا أصحابَ البستانِ، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾. يقولُ: إِذ حلَفوا ليَصْرِمُنَّ ثمرَها إذا أصبَحوا.
﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾: ولا يَقولون: إن شاء اللهُ.
وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 15506
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادُ بنُ السرىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم: ٢٤]. قال: هم ناسٌ من الحبشةِ كانت لأبيهم جنةٌ، كان يُطْعِمُ المساكينَ منها، فلما مات أبوهم، قال بنوه: واللهِ إن كان أبونا لأحمقَ حينَ يُطْعِمُ المساكينَ. فأقسَموا ليَصْرِمُنَّها مُصبِحين، ولا يَسْتَثنْون، ولا يُطْعِمون مسكينًا (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾. قال: كانت الجنةُ لشيخٍ، وكان يَتَصَدَّقُ، فكان بنوه يَنْهَونه عن الصدقةِ، وكان يُمْسِكُ قوتَ سنتهِ، ويُنْفِقُ ويَتَصَدَّقُ بالفضلِ، فلما مات أبوهم غدَوا عليها فقالوا: ﴿لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ (٢).
وذُكِر أن أصحابَ الجنةِ كانوا أهلَ كتابٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا﴾ الآية. قال: كانوا مِن أهلِ الكتابِ (٣).
والصَّرْمُ القطعُ.
وإنما عنَى بقولِه: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾: لَيَجُدُّنَّ (٤) ثمرتَها. ومنه قولُ امرِئِ القيسِ (٥)
стр. 15507
صَرَمَتْك بعدَ تواصُلٍ دَعْدُ (١) … وبدَا لِدَعْدٍ بعضُ ما يَبْدُو
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فطرَق جنَّةَ هؤلاء القومِ ليلًا طارقٌ من أمرِ اللهِ وهم نائمون. ولا يكونُ الطائفُ فى كلامِ العربِ إلا ليلًا، ولا يكونُ نهارًا، وقد يقولون: أَطَفْتُ به نهارًا.
وذكَر الفرَّاءُ (٢) أن أبا الجرَّاحِ أنشَده:
أطَفتُ بها (٣) نهارًا غيرَ ليلٍ … وأَلْهَى رَبَّها طلبُ الرِّخالِ
والرِّخالُ (٤) هى أولادُ الضأنِ الإناثُ.
وبنحوِ الذي قلْنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ (٥)، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الطوفانِ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾. قال: هو أمرٌ من اللهِ (٦).
стр. 15508
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. قال: طاف عليها أمرٌ من اللهِ وهم نائمون.
وقولُه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بالصريمِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به الليلُ الأسودُ. وقال (١): معنى ذلك: فأصبَحت جنتُهم محترقةً سوداءَ كسوادِ الليلِ المظلمِ البهيمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بنِ عسكرٍ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا شيخٌ لنا، عن شيخٍ من كَلْبٍ يُقالُ له: سليمانُ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. قال: الصَّريمُ الليلُ (٢). قال: وقال في ذلك أبو عمرِو ابنُ العلاءِ ﵀ (٣):
ألَا بَكَرَتْ وعاذِلَتي تَلُومُ … تُهَجِّدُنى وما انكَشَفَ الصَّرِيمُ
وقال أيضًا (٤):
تطاوَلَ ليلُك الجَوْنُ البَهِيمُ … فما يَنْجَابُ عن صبحٍ صرِيمُ
إذا ما قُلْتَ أَقْشَعَ أَو تَنَاهَى … جَرَتْ من كلِّ ناحيةٍ غيومُ
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأصبَحت كأرضٍ تُدْعى الصريمَ، معروفةٍ
стр. 15509
بهذا الاسِم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ: قال: أخبرني تميمُ (١) بنُ عبدِ الرحمنِ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: هى أرضٌ باليمنِ يقالُ لها: ضَرَوانُ (٢). من صنعاءَ على ستةِ أميالٍ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فتنادَى هؤلاء القومُ وهم أصحابُ الجنةِ. يقولُ: نادى بعضُهم بعضًا، ﴿مُصْبِحِينَ﴾. يقولُ: بعد أن أصبَحوا.
﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ﴾. وذلك الزرعُ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم حاصِدي زرعِكم،
﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. يقولُ: فمضَوا إلى حرثِهم وهم يتسارُّون (٤) بينهم، ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾. يقولُ: وهم يتسارُّون (٥) يقولُ بعضُهم لبعضٍ:
لا يَدْخُلَنَّ جنتَكم اليومَ عليكم مسكينٌ.
стр. 15510
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾. يقولُ: يُسِرُّون ألا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عليكم مسكينٌ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: لما مات أبوهم غدوا عليها، فقالوا: لا يَدْخُلَنَّها اليَوْمَ عليكم مِسْكِينٌ (٢).
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الحردِ" في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: معناه: على قدرةٍ في أنفسهم وجدٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: ذو قدرةٍ (٣)
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على جِدٍّ قادِرين في أنفسهم (٤).
قال: ثنا ابنُ علية، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾. قال: على جهدٍ. أو قال: على جِدٍّ (٥).