← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15436–15475 · переход к 15441.

стр. 15436

السَّائحاتُ الصائماتُ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: يعني صائماتٍ (٢). وقال آخرون: السائحاتُ المهاجراتُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ (٣) الدراورديُّ، عن زيد بنِ أسلمَ، قال: السائحاتُ المهاجراتُ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾. قال: مهاجراتٍ، ليس في القرآنِ، ولا في أمةِ محمدٍ سياحةٌ إلا الهجرةُ، وهي التي قال اللَّهُ : ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٥) [التوبة: ١١٢]. وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ في معنى السائحين، فيما مضى قبلُ بشواهدِه، مع ذكْرِنا أقوالَ المختلفِين فيه، فكرِهْنا إعادتَه (٦). وكان بعضُ أهلِ العربية (٧) يقولُ: نرى أنَّ الصائمَ إنما سُمِّي سائحًا لأن السائحَ لا زادَ معه، وإنما يأكلُ حيثُ يجدُ الطعامَ، فكأنه أُخِذ من ذلك.

стр. 15437

وقولُه: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ وهنَّ اللَّواتي قد افْتُرِعْنَ (١) وذهبَت عُذْرتُهنَّ، ﴿وَأَبْكَارًا﴾ وهنَّ اللَّواتي لم يُجامَعْن، ولم يُفْتَرَعْنَ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. يقولُ: علِّموا بعضَكم بعضًا ما تَقُون به مَن تُعلِّمونه النارَ، وتدفعونها به عنه إذا عمل به من طاعةِ اللَّهِ، واعْملوا بطاعةِ اللَّهِ. وقولُه: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقولُ: وعلِّموا أهليكم مِن العملِ بطاعةِ اللَّهِ ما يَقُون به أنفسَهم مِن النارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ في قولِه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال: علِّموهم، أدِّبوهم (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن

стр. 15438

عليِّ بنِ أبي طالبٍ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. يقولُ: أدِّبوهم وعلِّموهم. حدَّثني الحسينُ (١) بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ خُثَيْمٍ، عن محمدِ بنِ خالدٍ الضبيِّ، عن الحكمِ، عن عليٍّ مثلَه. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: اعملوا بطاعةِ اللَّهِ، واتقوا معاصيَ اللَّهِ، ومروا أهليكم بالذكرِ، يُنْجِكم (٢) اللَّهُ مِن النارِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ- جلَّ وعزَّ -: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: اتقوا اللَّهَ، وأَوْصوا (٤) أهليكم بتقوى اللَّهِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. قال: قال: تقِيهم؛ أن تأمرَهم بطاعةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتَنهاهم عن معصيتِه، وأن تقومَ عليهم بأمرِ اللَّهِ، تأمرُهم به، ويساعدُهم عليه، فإذا رأيتَ للَّهِ معصيةً قرَعْتَهم (٦) عنها، وزجَرْتَهم عنها. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُوا

стр. 15439

أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قال: مُرُوهم بطاعةِ اللَّهِ، وانهَوهم عن معصيتِه (١). وقولُه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. يقولُ: حطَبُها الذي يوقدُ على هذه النارِ، بنو آدمَ وحجارةُ الكِبْريتِ. وقولُه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾. يقولُ: على هذه النارِ ملائكةٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ، غِلاظٌ على أهلِ النارِ، شِدادٌ عليهم، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾. يقولُ: لا يُخالِفون اللَّهَ في أمرِه الذي يأمرُهم به، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. يقولُ: وينتَهون إلى ما يأمرُهم به ربُّهم. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِه (٢) يومَ القيامةِ للذين جحَدوا وحدانيتَه في الدنيا: يأيُّها الذين كَفَروا باللَّهِ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: يقالُ لهم: إنما تُثابون اليومَ، وذلك يومُ القيامةِ، وتُعطَون جزاءَ أعمالِكم التي كنتم في الدنيا تعملون، فلا تطلبوا المعاذيرَ منها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.

стр. 15440

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾. يقولُ: ارْجِعوا من ذنوبِكم إلى طاعةِ اللَّهِ، وإلى ما يُرضِيه عنكم، ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. يقولُ: رجُوعًا لا تعودون فيه (١) أبدًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سُئل عمرُ عن التوبةِ النصوحِ، فقال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ الرجلُ مِن العملِ السيئِ، ثم لا يعودَ إليه أبدًا (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن عمرَ، قال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ ثم لا يعودَ فيه أبدًا، أو لا يريدَ أن يعودَ (٣). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بشيرٍ يخطُبُ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يذنبُ الذنبَ ثم لا يَرْجِعُ فيه.

стр. 15441

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سألتُ عمرَ عن قولِه: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: هو العبدُ يتوبُ مِن الذنبِ ثم لا يعودُ فيه أبدًا. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ فلا يعودَ. حدَّثنا به ابنُ حميدٍ مرَّةً أخرى، قال: أخبَرني عن عمرَ بهذا الإسنادِ، فقال: التوبةُ النصوحُ الذي يذنبُ ثم [لا يريدُ أن يعودَ] (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يتوبُ ثم لا يعودُ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: التوبةُ النصوحُ، الرجلُ يذنبُ الذنبَ ثم لا يعودُ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: التوبةُ النصوحُ ألَّا يعودَ صاحبُها لذلك الذنبِ الذي يتوبُ منه، ويقالُ: توبتُه ألا يَرْجِعَ إلى ذنبٍ ترَكه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 15442

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: يستغفرون ثم لا يعودون (١). حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: النصوحُ أن يَتَحَوَّلَ عن الذنبِ ثم لا يعودَ له أبدًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: هي الصادقةُ الناصحةُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ : ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾. قال: التوبةُ النصوحُ الصادقةُ؛ يعلمُ أنها - صدقًا - ندامةٌ على خطيئتِه، وحبُّ الرَّجْعةِ إلى طاعتِه، فهذا النصوحُ. واختلَفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عاصمٍ: ﴿نَصُوحًا﴾ بفتحِ النونِ على أنه مِن نعتِ التوبةِ وصفتِها (٣). وذُكر عن عاصمٍ (٤) أنه قرَأه: (نُصُوحًا) بضمِّ النونِ، بمعنى المصدرِ مِن قولِهم: نصَح فلانٌ لفلانٍ نُصُوحًا. وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ النونِ على الصفةِ للتوبةِ؛ لإجماعِ الحجةِ على ذلك (٥).

стр. 15443

وقولُه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. يقولُ: عسى ربُّكم أيُّها المؤمنون أن يمحوَ عنكم سيئاتِ أعمالِكم التي سلَفت منكم، ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. يقولُ: وأن يُدْخِلَكم بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ محمدًا ﷺ ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. يقولُ: يسعى نورُهم أمامَهم، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾. يقولُ: وبأيمانِهم كتابُهم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ إلى: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: يأخُذون كتابَهم فيه البشرى (١). ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يقولون: ربَّنا أتمِمْ لنا نورَنا. يسألون ربَّهم أن يُبْقِيَ لهم نورَهم فلا يُطْفِئَه حتى يجوزوا الصراطَ، وذلك حينَ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. قال: قولُ المؤمنين حينَ يُطْفَأُ نورُ المنافقين (٢).

стр. 15444

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ، قال: ليس أحدٌ إلا يُعْطَى نورًا يومَ القيامةِ؛ يُعْطَى المؤمنُ والمنافقُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، فيَخْشى المؤمنُ أنْ يُطْفَأَ نورُه، فذلك قولُه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قال: كان يذكِّرُنا ويَبْكي، ويصدِّقُ قولَه فعلُه، يقولُ: يأيُّها الناسُ إنكم مكتوبون عندَ اللَّهِ بأسمائِكم وسِيماكم ومجالسِكم ونجواكم وخَلائِكم، فإذا كان يومُ القيامةِ قيل: يا فلانَ بنَ فلانٍ، هاك نورَك، ويا فلانَ بنَ فلانٍ، لا نورَ لك (١). وقولُه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾. يقولُ: واسْتُرْ علينا ذنوبَنا، ولا تفضَحْنا بها بعقوبتِك إيَّانا عليها، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: إنك على إتمامِ نورِنا لنا (٢)، وغفرانِ ذنوبِنا عنا، وغيرِ ذلك من الأشياءِ - ذو قدرةٍ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : يأيُّها النبيُّ جاهِدِ الكفارَ بالسيفِ، والمنافِقين بالوعيدِ واللسانِ. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾. قال: أمَر اللَّهُ نبيَّه ﵇ أنْ يجاهدَ الكفارَ بالسيفِ، ويُغْلِظَ على المنافقين بالحدودِ (٣).

стр. 15445

﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: واشْدُدْ عليهم في ذاتِ اللَّهِ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يقولُ: ومسكنُهم (١) جهنمُ، ومصيرُهم الذي يصيرون إليه نارُ جهنمَ، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبئس الموضعُ الذي يُصارُ (٢) إليه جهنمُ. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: مثَّل اللَّهُ مثلًا للذين كفروا باللَّهِ مِن الناسِ وسائرِ الخلقِ، امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ؛ كانتا تحتَ عبدَين مِن عبادِنا صالحَينِ؛ وهما نوحٌ ولوطٌ ﵉ فخانتاهما. ذُكر أنَّ خيانةَ امرأةِ نوحٍ زوجَها أنها كانت كافرةً، وكانت تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ. وأنَّ خيانةَ امرأةِ لوطٍ لوطًا، أن لوطًا كان يُسِرُّ (٣) الضيفَ، وتَدُلُّ عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمان بنِ قتةَ (٤)، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانت امرأةُ نوحٍ تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ. وكانت امرأةُ لوطٍ تَدُلُّ على الضيفِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عمرَ، قال: ثنا

стр. 15446

سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بن قتةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: ما زَنَتا. ثم ذكَر نحوَه. [حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ أنه كان يُسِرُّ ضيفَه وتَدلُّ عليهم. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قال في هذه الآيةِ، ذكَر امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: ما زَنيا في هذه الآيةِ؛ أما امرأةُ نوحٍ فكانت تخبرُ عنه أنه مجنونٌ، وأما خيانةُ امرأةِ لوطٍ فكانت تدُلُّ على الضَّيفِ] (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ الهمْدانيِّ، عن الضحاكِ، [عن ابنِ عباسٍ] (٢): ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾. قال: ما بغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: في الدِّينِ خانتاهما. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غيرِ دينِهما، فكانت امرأةُ نوحٍ تُطْلِعُ على سرِّ نوحٍ، فإذا آمن مع نوحٍ أحدٌ أخبَرت (٣) الجبابرةَ مِن قومِ نوحٍ به، فكان ذلك مِن أمرِها؛ وأما امرأةُ

стр. 15447

لوطٍ فكانت إذا ضاف [لوطٌ أحدًا] (١) أخبَرت به أهلَ المدينةِ ممن يعمَلُ السوءَ، ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو أبي (٣) سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: في الدِّينِ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا مشركتين. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بن سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾. قال: كانتا مخالفتَين دينَ النبيِّ ﷺ كافرتين باللَّهِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البجليِّ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ: ما كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ وامرأةِ نوحٍ؟ فقال: أما امرأةُ لوطٍ فإنَّها كانت تدُلُّ على الأَضيافِ، وأما امرأةُ نوحٍ فلا عِلْمَ لي بها. وقولُه: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلم يُغْنِ نوحٌ ولوطٌ عن امرأتَيْهما مِن اللَّهِ لمَّا عاقَبَهما على خيانتِهما أزواجَهما شيئًا، ولم ينفَعْهما أن كانت أزواجُهما أنبياءَ.

стр. 15448

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية: هاتان زوجتا نبيَّيِ اللَّهِ لمَّا عصَتا ربَّهما، لم تُغْنِ أزواجُهما عنهما مِن اللهِ شيئًا. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية. قال: يقولُ اللَّهُ: لم يُغْنِ صلاحُ هذين عن هاتين شيئًا، وامرأةُ فرعونَ لم يضرَّها كفرُ فرعونَ (١). وقولُه: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. وقال اللَّهُ لهما يومَ القيامةِ: ادْخُلا أيَّتُها المرأتان نارَ جهنمَ مع الداخلين فيها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وضرب اللَّهُ مثلًا للذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدوه امرأةَ فرعونَ، التي آمنت باللَّهِ ووحَّدته، وصدَّقت رسولَه موسى، وهي تحتَ عدوٍّ من أعداءِ اللَّهِ كافرٍ، فلم يضرَّها كفرُ زوجِها، إذ كانت مؤمنةً باللَّهِ، وكان مِن قضاءِ اللَّهِ في خلْقِه ألا تزِرَ وازرةٌ وزرَ أُخرى، وأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبَت، إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، فاستجاب اللَّهُ لها، فبنى لها بيتًا في الجنةِ.

стр. 15449

كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ (٢)، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تُعذَّبُ بالشمسِ، فإذا انصرَف عنها (٣) أظلَّتْها الملائكةُ بأجنحتِها، وكانت تَرى بيتَها في (٤) الجنةِ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، قال: قال سلمانُ: كانت امرأةُ فرعونَ. فذكَر نحوَه (٦). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تسألُ: مَن غلَب؟ فيقالُ: غلَب موسى وهارونُ. فتقولُ: آمنتُ بربِّ موسى وهارونَ. فأرسَل إليها فرعونُ، فقال: انظروا أعظمَ صخرةٍ تجِدونها، فإن مضَت على قولِها فألْقُوها عليها، وإنْ رجَعت عن قولِها فهي امرأتُه. فلما أتَوْها رفَعت بصرَها إلى السماءِ، فأَبصَرَت بيتَها في السماءِ، فمضَت على قولِها، فانْتَزَع (٧)، روحَها، وأُلْقِيت الصخرةُ على جسدٍ ليس فيه روحٌ (٨). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ

стр. 15450

مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: وكان أعتى أهلِ الأرضِ على اللَّهِ، وأبعَدَه مِن اللَّهِ، فواللَّهِ ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجِها حين أطاعت ربَّها، لتعلَموا أنَّ اللَّهَ حكَمٌ عدلٌ، لا يؤاخِذُ عبدَه إلا بذنبِه (١). وقولُه: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾. تقولُ: وأَنْقِذْني مِن عذابِ فرعونَ، ومِن أنْ أعملَ عملَه، وذلك كُفرُه باللَّهِ. وقولُه: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. تقولُ: وخلِّصْني وأنقِذْني مِن عملِ القومِ الكافرين بك ومِن عذابِهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وضرَب اللَّهُ مثلًا للذين آمنوا مريمَ ابنةَ عمرانَ، ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾. يقولُ: التي منَعت جيبَ دِرْعِها جبريلَ ﵇. وكلُّ ما كان في الدِّرْعِ مِن خَرْقٍ أو فَتْقٍ فإنه يُسمَّى فَرْجًا، وكذلك كلُّ صَدْعٍ وشَقٍّ في حائطٍ، أو فرجِ سقفٍ، فهو فرجٌ. وقولُه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. يقولُ: فنفَخْنا فيه في (٢) جَيْبِ درعِها، وذلك فرجُها، ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جبريلَ، وهو الروحُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15451

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾: فنَفَخنا في جَيْبِها مِن روحِنا (١). ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾. يقولُ: وآمنت بعيسى، وهو كلمةُ اللَّهِ، ﴿وَكُتُبِهِ﴾. يعني: التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. يقولُ: وكانت مِن القومِ المُطيعين. كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: مِن المطيعين (١). آخرُ تفسيرِ سورةِ "التحريمِ"

стр. 15452

تفسيرُ سورةِ "الملكِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾. يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿تَبَارَكَ﴾: تعاظم وتعالى، ﴿الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾: بيدِه مُلْكُ الدنيا والآخرةِ وسُلْطانُهما، نافذٌ فيهما أمرُه وقضاؤُه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يقولُ: وهو على ما يشاءُ فعلَه ذو قدرةٍ، لا يمنعُه مِن فعلِه مانعٌ، ولا يحولُ بينَه وبينَه عَجْزٌ. وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ فأمات مَن شاء وما شاء، وأحيا مَن أراد وما أراد إلى أجلٍ معلومٍ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. يقولُ: ليختبرَكم فينظرَ أيُّكم له أيُّها الناسُ أَطْوعُ، وإلى طلبِ رضاه أَسرعُ. وقد حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾. قال: أذلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ بالموتِ، وجعَل الدنيا دارَ حياةٍ ودارَ فناءٍ، وجعَل الآخرةَ دارَ جزاءٍ وبقاءٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ﴾: ذُكر أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّ اللَّهَ أذَلُّ ابنَ آدمَ بالموتِ" (٢).

стр. 15453

وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو القويُّ الشديدُ انتقامُه ممَّن عصاه وخالَف أمرَه، ﴿الْغَفُورُ﴾ ذنوبَ مَن أناب إليه وتاب مِن ذنوبِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن صفتِه: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ طَبَقًا فوقَ طَبَقٍ، بعضُها فوقَ بعضٍ. وقولُه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما تَرى في خلقِ الرحمنِ الذي خلَق؛ لا في سماءٍ ولا في أرضٍ، ولا في غيرِ ذلك - ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. يعني: مِن اختلافٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قالُ أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: ما تَرى فيهم مِن اختلافٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. قال: مِن اختلافٍ (١). واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ

стр. 15454

الكوفيِّين: ﴿امِنْ تَفَاوُتٍ﴾ بألفٍ (١). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: (مِن تَفَوُّتٍ) بتشديدِ الواوِ، بغيرِ ألفٍ (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان بمعنًى واحدٍ، كما قيل: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ و (لا تُصاعِرْ) (٣). وتَعهَّدتُ فلانًا وتعاهَدْتُه، وتَطَهَّرتُ وتظاهَرتُ، وكذلك التفاوتُ والتَّفوُّتُ. وقولُه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. يقولُ: فرُدَّ البصرَ، هل ترَى فيه مِن صُدُوعٍ ووُهِيٍّ (٤)؟ وهي مِن قولِ اللَّهِ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥]. بمعنى يَتَشقَّقْن ويَتَصدَّعنَ. و"الفُطُورُ": مصدرُ فَطَر فُطُورًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال: الفُطُورُ الوُهِيُّ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. يقولُ: هل تَرى مِن خَلَلٍ يابنَ آدمَ.

стр. 15455

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾. قال: مِن خَلَلٍ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾. قال: مِن شُقُوقٍ (٢). وقولُه: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ثم رُدَّ البصرَ يابنَ آدمَ كرَّتين؛ مرَّةً بعد أخرى، فانْظُرْ هل تَرى من فُطورٍ أو تفاوتٍ، ﴿كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾. يقولُ: يَرْجِعْ إليك بَصَرُك صاغرًا مُبْعَدًا، مِن قولِهم للكلبِ: اخْسَأْ. إذا طَرَدوه، أي: ابعُدْ صاغرًا، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. يقولُ: وهو مُعْيٍ كالٌّ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾. يقولُ: هل تَرى في السماءِ مِن خَلَلٍ، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ بسوادِ الليلِ. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. يقولُ: ذليلًا. وقولِه: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ يقولُ: مرجفٌ (٣).

стр. 15456

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة قولَه: ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾. أي: حاسرًا، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. أي: مُعْيٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَاسِئًا﴾. قال: صاغرًا، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾. يقولُ: مُعْيٍ، لم يَرَ خَلَلًا ولا تفاوُتًا (١). وقال بعضُهم: الخاسئُ والحسيرُ واحدٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الآية. قال: الخاسئُ والحاسرُ واحدٌ؛ حَسُر طَرْفُه أَنْ يَرَى فيها فَطْرًا، فرجَع وهو حسيرٌ قبلَ أَنْ يَرى فيها فَطْرًا. قال: فإذا جاء يومُ القيامةِ انفطرتْ ثم انشقَّتْ، ثم جاء أمرٌ أكبرُ من ذلك، انكشَطَتْ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ وهي النُّجُومُ، وجعَلها مصابيحَ لإضاءتِها. وكذلك الصبحُ إنما قيل له: صبحٌ. للضوءِ الذي يُضِيءُ للناسِ مِن النهارِ، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. يقول: وجعَلنا المصابيحَ التي زيَّنا بها السماءَ الدنيا رجومًا للشياطينِ تُرْجَمُ بها.

стр. 15457

وقد حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه إنما خلَق هذه النجومَ لثلاثِ خصالٍ؛ خلَقها زينةً للسماءِ الدنيا، ورجومًا للشياطينِ، وعلاماتٍ يُهْتَدى بها، فمَن يتأوَّلُ فيها غيرَ ذلك فقد قال برَأْيِه، وأَخْطَأ حظَّه، وأضاع نصيبَه، وتكلَّف ما لا عِلْمَ له به (١). وقولُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَعْتَدْنا للشياطينِ في الآخرةِ عذابَ السعيرِ، تُسْعَرُ عليهم فَتُسْجَرُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ الذي خلَقهم في الدنيا، ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرةِ، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. يقولُ: وبِئْسَ المصيرُ عذابُ جهنمَ. وقولُه: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾. يعني: إذا أُلْقِي الكافرون في جهنمَ، ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾. يعني لجهنمَ، ﴿شَهِيقًا﴾. يعني بالشَّهِيقِ الصوتَ الذي يَخْرُجُ مِن الجوفِ بشدَّةٍ كصوتِ الحمارِ، كما قال رُؤْبةُ في صفةِ حمارٍ (٢): حَشْرَجَ في الجَوْفِ سَحِيلًا أَوْ شَهَقْ حَتَّى يُقَالَ نَاهِقٌ ومَا نَهَقْ

стр. 15458

وقولُه: ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾. يقولُ: [وهي] (١) تَغْلِي. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾. يقولُ: تَغلِي كما يَغْلِي القِدْرُ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تكادُ جَهنمُ ﴿تَمَيَّزُ﴾. يقولُ: تَتَفرَّقُ وتَتَقَطَّعُ من الغيظِ على أهلِها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يقولُ: تَتَفرَّقُ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15459

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾: تكادُ يُفارِقُ بعضُها بعضًا وتَنْفَطِرُ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. يقولُ: تَفرَّقُ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ قال: التَّميُّزُ التَّفَرُّقُ مِن الغيظِ على أهلِ معاصي اللَّهِ، غضبًا للَّهِ، وانتقامًا له (٢). وقولُه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: كُلما أُلْقِي في جهنَّمَ جماعةٌ، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. يقولُ: سأَل الفوجَ خَزَنَةُ جهنمَ، فقالوا لهم: أَلم يأْتِكم في الدنيا نذيرٌ يُنْذِرُكم هذا العذابَ الذي أنتم فيه؟ فأجابهم المساكينُ فقالوا: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُنا هذا، فكذَّبْناه وقُلْنا له: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾. يقولُ: في ذَهابٍ عن الحقِّ بعيدٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقال الفَوْجُ الذي أُلْقِي في النارِ للخَزَنَةِ: ﴿لَوْ كُنَّا﴾ في الدنيا، ﴿نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ مِن النُّذُرِ ما جاءونا به من النصيحةِ، أو نَعْقِلُ عنهم ما كانوا يَدْعوننا إليه، ﴿مَا كُنَّا﴾ اليومَ ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يعني أهلَ النارِ. وقولُه: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾. يقولُ: فَأَقرُّوا بذنبِهم.

стр. 15460

ووَحَّد "الذنبَ" وقد أُضِيف إلى الجَمْعِ؛ لأن فيه معنى فِعْلٍ، فأدَّى الواحدُ عن الجميعِ، كما يقالُ: خرَج عطاءُ الناسِ، وأَعْطِيَةُ الناسِ. ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: فبُعْدًا لأهلِ النارِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. يقولُ: بُعْدًا (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ: عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال: "سُحقًا" وادٍ في جهنَّمَ (٢). والقرَأةُ على تخفيفِ الحاءِ مِن "السُّحْقِ"، وهو الصوابُ عندَنا؛ لأنَّ الفصيحَ مِن كلامِ العربِ ذلك، ومِن العربِ مَن يُحرِّكُها بالضمِّ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين يخافون ربَّهم بالغيبِ. يقولُ: وهم لم يَرَوْه،

стр. 15461

﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يقولُ: لهم عفوٌ مِن اللَّهِ عن ذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. يقولُ: وثوابٌ مِن اللَّهِ لهم على خَشْيتِهم إيَّاه بالغيبِ جزيلٌ. وقولُه: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ يقولُ جلَّ ثناؤُه: وأَخْفُوا قولَكم وكلامَكم أيُّها الناسُ أو أَعْلِنوه وأَظْهِروه، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. يقولُ: إنه ذو علمٍ بضمائرِ الصدورِ التي لم يُتَكلَّمْ بها، فكيف بما نُطِق به وتكلِّم به، أُخْفى ذلك أو أُعْلِن؛ لأنَّ مَن لم تَخْفَ عليه ضمائرُ الصدورِ، فغَيْرُها أَحْرى ألا يَخْفى عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ الربُّ جلَّ ثناؤُه، ﴿مَنْ خَلَقَ﴾: مَن خَلَقه. يقولُ: كيف يَخْفى عليه خَلْقُه الذي خلَق، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ بعبادِه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالِهم. وقولُه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي جعَل لكم الأرضَ ذلولًا سهلًا، سهَّلها لكم، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. واختلَف أهلُ العلمِ في معنى: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾؛ فقال بعضُهم: مناكبُها جبالُها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾. يقولُ: جبالِها (١).

стр. 15462

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن بشيرِ بنِ كعبٍ أنه قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. فقال لجاريةٍ له: إن دَرَيْتِ ما مناكبُها فأَنْتِ حُرَّةٌ لوجْهِ اللَّهِ. قالت: فإن مناكبَها جبالُها. فكأنما سُفِع في وجهِه، ورَغِب في جاريتِه، فسأَل؛ فمنهم من أمرَه، ومنهم مَن نهاه، فسأل أبا الدرداءِ، فقال: الخيرُ في طُمأْنينةٍ، والشرُّ في ريبةٍ، فذَرْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن بشيرِ بنِ كعبٍ بمثلِه سواءً. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾: جبالِها. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي مَنَاكِبِهَا﴾، قال: في جبالِها (٢). وقال آخرون: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: أطرافِها ونواحِيها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. يقولُ: امشُوا في أطرافِها (٣).

стр. 15463

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أن بشيرَ بنَ كعبٍ العدويَّ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لجاريتِه: إن أَخْبَرتِني ما مناكبُها فأنتِ حرَّةٌ. فقالت: نواحِيها. فأراد أن يتزوَّجَها، فسأل أبا الدرداءِ، فقال: إن الخيرَ في طُمأنينةٍ، وإن الشرَّ في رِيبةٍ، فدَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. قال: طُرُقِها وفِجاجِها (١). وأولى القولين عندي بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فامْشُوا في نواحِيها وجوانبِها. وذلك أنَّ نواحيَها نظيرُ مناكبِ الإنسانِ، التي هي مِن أطرافِه. وقولُه: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾. يقولُ: وكُلوا مِن رزقِ اللَّهِ الذي أخرَجه لكم مِن مناكبِ الأرضِ، ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى اللَّهِ نشرُكم مِن قبورِكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أيُّها الكافرون، ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾. يقولُ: فإذا الأرضُ تذهبُ بكم وتَجِيءُ وتَضْطَرِبُ، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو اللَّهُ، ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو الترابُ فيه

стр. 15464

الحَصْباءُ الصِّغارُ، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. يقولُ: فستعلمون أيُّها الكفرةُ كيف عاقبةُ نذيرِي لكم، إذ كذَّبْتُم به، وردَدْتُموه على رسولِي. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد كذَّب الذين مِن قبلِ هؤلاءِ المشركين مِن قريشٍ مِن الأممِ الخاليةِ - رسلَهم، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. يقولُ: فكيف كان نكيري تكذيبَهم إيَّاهم؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾. يقولُ: أو لم يَرَ هؤلاء المشركون إلى الطيرِ فوقَهم صافاتٍ أجنحتَهنَّ؟ ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾. يقولُ: ويَقْبِضْنَ أجنحتهنَّ أحيانًا؟ وإنما عُنِي بذلك أنها تَصُفُّ أجنحتَها أحيانًا، وتَقْبِضُ أحيانًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿صَافَّاتٍ﴾. قال: الطيرُ يَصُفُّ جَناحَه كما رأيتَ، ثم يَقْبِضُه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾: بَسْطُهنَّ أَجْنِحتَهنَّ وقبْضُهنَّ (٢).

стр. 15465

وقولُه: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾. يقولُ: ما يُمسِكُ الطيرَ الصافاتِ فوقَكم إلا الرحمنُ. يقولُ: فلهم بذلك مُدَّكَرٌ إنِ ادَّكَرُوا، ومُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَروا، يَعْلمون به أنَّ ربَّهم واحدٌ لا شريكَ له، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ بكلِّ شيءٍ ذو بَصَرٍ وخِبْرةٍ، لا يدخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ، ولا يُرى في خَلْقِه تفاوتٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين به مِن قريشٍ: مَن هذا الذي هو جندٌ لكم أيُّها الكافرون به، يَنْصُرُكم مِن دونِ الرحمنِ إن أراد بكم سوءًا، فيدفعَ عنكم ما أراد بكم مِن ذلك؟ ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الكافرون باللَّهِ إلا في غرورٍ مِن ظنِّهم أنَّ آلهتَهم تقرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفَى، وأنَّها تَنْفعُ أو تَضُرُّ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أمَّن هذا الذي يُطْعِمُكم ويَسْقِيكم ويأتي بأقواتِكم إن أَمْسَك ربُّكم رِزْقَه الذي يرزقُكم عنكم؟ وقولُه: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. يقولُ: بل تمادَوْا في طغيانٍ ونفورٍ عن الحقِّ واستكبارٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15466

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. يقولُ: في ضلالٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾. قال: كُفُورٍ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ لا يُبْصِرُ ما بينَ يدَيْه وما عن يمينِه وشمالِه، ﴿أَهْدَى﴾. يقولُ: أشدُّ استقامةً على الطريقِ، وأهْدَى له، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ مَشْيَ بني آدمَ على قَدَمَيه، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: على طريقٍ لا اعْوِجاجَ فيه. وقيل: ﴿مُكِبًّا﴾. لأنه فِعلٌ غيرُ واقعٍ، وإذا لم يكنْ واقعًا أَدْخلوا فيه الألفَ، فقالوا: أَكبَّ فلانٌ على وجْهِه، فهو مُكِبٌّ. ومنه قولُ الأعشى (٣): مُكِبًّا على رَوْقَيْهِ (٤) يَحْفِرُ عِرْقَهَا … علَى ظَهْرِ عُرْيَانِ الطَّرِيقَةِ أَهْيَما (٥) فقال: مُكِبًّا. لأنه فِعلٌ غيرُ واقعٍ، فإذا كان واقعًا حُذِفت منه الأَلفُ، فقيل: كبَبْتُ فلانًا على وجْهِه، وكبَّه اللَّهُ على وجْهِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15467

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. يقولُ: من يَمْشي في الضلالِة أهدى، أمن يمْشِي مهتديًا (١)؟ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾. قال: في الضلالةِ، ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: حقٍّ مستقيمٍ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾: يعني الكافرَ، ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ المؤمنُ؟ ضرَب اللَّهُ مَثَلًا لهما. وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أن الكافرَ يَحشُرُه اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه، فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ يومَ القيامةِ أَهْدَى أمَّن يَمْشِي سَوِيًّا يومئذٍ؟ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى﴾: هو الكافرُ، أكبَّ على معاصي اللَّهِ في الدنيا، حشَره اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه، فقيل: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحْشَرُ الكافرُ على وجْهِه؟ قال: "إِنَّ الذي أمشاه على رِجْليْه قادرٌ أن يَحْشُرَه يوم القيامةِ على وجْهِه".

стр. 15468

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾. قال: هو الكافرُ يعملُ بمعصيةِ اللَّهِ، فيَحْشُرُه اللَّهُ يومَ القيامةِ على وجْهِه. قال معمرٌ: قيل للنبيِّ ﷺ : كيف يَمْشُون على وجُوهِهم؟ قال: "إِنَّ الذي أَمْشاهم على أَقْدَامِهم قادرٌ على أن يُمْشِيَهم على وُجُوهِهم" (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. قال: المؤمنُ، عَمِل بطاعةِ اللَّهِ، فيحشُرُه اللَّهُ على طاعتِه (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قلْ يا محمدُ للذين يُكذِّبون بالبعثِ مِن المشركين: اللَّهُ الذي أنشأَكم فخلقَكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ تَسْمعون به، ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ تُبْصِرون بها، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ تَعْقِلون بها، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. يقولُ: قليلًا ما تشكرون ربَّكم على هذه النِّعمِ (٢) التي أَنعَمها عليكم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ: اللَّهُ ﴿الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، يقولُ: اللَّهُ الذي خلَقكم في الأرضِ، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وإلى

стр. 15469

اللَّهِ تُحْشَرون، فتُجْمَعون مِن قبورِكم لموقفِ الحسابِ، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويقولُ المشركون: متى يكونُ ما تَعِدُنا مِن الحشرِ إلى اللَّهِ إن كنتم صادقين في وَعْدِكم إيَّانا ما تَعِدُوننا؟ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المُسْتَعْجِليك بالعذابِ وقيامِ الساعةِ: إنما علمُ الساعةِ، ومتى تقومُ القيامةُ، عندَ اللَّهِ، لا يعلمُ ذلك غيرُه، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. يقولُ: وما أنا إلا نذيرٌ لكم أُنْذِرُكم عذابَ اللَّهِ على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبان لكم إنذارَه. وقولُه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلما رأى هؤلاء المشركون عذابَ اللَّهِ ﴿زُلْفَةً﴾. يقولُ: قريبًا، وعايَنوه، ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: ساء اللَّهُ بذلك وجوهَ الكافرين. وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿زُلْفَةً﴾ قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: لما عايَنوه (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: مُعايَنَةً.

стр. 15470

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: قد اقْتَرَب (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لِما عايَنَت مِن عذابِ اللَّهِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قال: لما رأَوْا عذابَ اللَّهِ زُلْفةً. يقولُ: سِيئَتْ وجوهُهم حينَ عايَنوا من عذابِ اللَّهِ وخِزْيهِ ما عايَنوا (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾. قيل: الزُّلفةُ حاضرٌ، قد حضَرهم عذابُ اللَّهِ (٣). ﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. يقولُ: وقال اللَّهُ لهم: هذا العذابُ الذي كنتم به تَدْعُون ربَّكم أَنْ يُعَجِّلَه لكم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقِيلَ

стр. 15471

هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾. قال: استعجالُهم بالعذابِ. واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ بتشديدِ الدالِ، بمعنى: تَفْتَعِلون، مِن الدعاءِ. وذُكر عن قتادةَ والضحاكِ أنهما قرَأا ذلك: (تَدْعُونَ) بمعنى: تَفْعلون في الدنيا (١). حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرنا أبانٌ العطارُ وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ أنه قرَأها: (الذي كُنْتُمْ بِهِ تَدْعُونَ) خفيفةً، ويقولُ: كانوا يَدْعون بالعذابِ. ثم قرَأ: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأةِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ للمشركين مِن قومِك: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ فأَماتني، ﴿وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا﴾

стр. 15472

فأخَّر في آجالِنا، ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ باللَّه من عذابٍ مُوجعٍ مؤلمٍ؟ وذلك عذابُ النارِ. يقولُ: ليس يُنْجِي الكفارَ من عذابِ اللَّهِ موتُنا وحياتُنا، فلا حاجةَ بكم إلى أن تَسْتَعْجِلوا قيامَ الساعةِ ونزولَ العذابِ، فإن ذلك غيرُ نافِعكم، بل ذلك بلاءٌ عليكم عظيمٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ: ربُّنا ﴿الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: صدَّقْنا به، ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾. يقولُ: وعليه اعْتَمَدْنا في أُمورِنا، وبه وَثِقْنا فيها، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ: فستعلمون أيُّها المشركون باللَّهِ الذي هو في ذَهابٍ عن الحقِّ، والذي هو على غيرِ طريقٍ مستقيمٍ منا ومنكم، إذا صِرْنا إليه وحُشِرْنا جميعًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ لهؤلاء المشركين: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيُّها القومُ العادلون باللَّهِ، ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. يقولُ: غائرًا لا تنالُه الدِّلاءُ، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. يقولُ: فمن يَجِيئُكم بماءٍ مَعِينٍ. يعني بالمَعِينِ الذي تَراه العيونُ ظاهرًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15473

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. يقولُ: بماءٍ عذبٍ (١). حدَّثنا [عبدُ الأعلى] (٢) بنُ واصلٍ، قال: ثنى عبيدُ بنُ هاشمٍ (٣) البَزَّازُ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: لا تنالُه الدِّلاءُ، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال: الظاهرِ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾. أي: ذاهبًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. قال: الماءُ المَعِينُ الجارِي (٥). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾: ذاهبًا، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: جارٍ (٦). وقيل: ﴿غَوْرًا﴾. فوصَف الماءَ بالمصدرِ، كما قيل: ليلةٌ غَمٌّ (٧). يرادُ: ليلةٌ غَامَّةٌ (٧). آخرُ تفسيرِ سورةِ "الملكِ"

стр. 15474

تفسيرُ سُورةِ "ن" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ن﴾؛ فقال بعضُهم: هو الحوتُ الذي عليه الأَرَضُون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شيءٍ القلمُ، فَجَرَى بما هو كائنٌ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، فخُلِقَت منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ، فبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النُّونِ، [فتحرَّك النونُ، فمادت الأرضُ] (١)، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإِنَّ الجبالَ لتَفْخَرُ على الأرضِ. قال: وقرَأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (٢). حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي

стр. 15475

ظَبْيانَ، أو مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ففُتِقَتْ منه السماواتُ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى سليمانُ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَوَّلُ ما خلَق اللَّهُ القلمُ، قال: اكْتُبْ. قال: ما أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى بما يكونُ من ذلك اليومِ إلى قيامِ الساعةِ، ثم خُلِق النُّونُ، ورُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِقَتْ منه السماءُ، وبُسِطَتِ الأرضُ على ظَهْرِ النونِ، فاضطَربَ النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ (٢). حدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوَّلُ ما خلَق اللَّهُ مِن شَيءٍ القلمُ، فقال له: اكْتُبْ. فقال: وما أَكْتُبُ يا ربِّ؟ قال: اكْتُبِ القَدَرَ. قال: فجَرَى القلمُ بما هو كائنٌ من ذلك إلى قيامِ الساعةِ، ثم رُفِع بخارُ الماءِ، ففُتِق منه السماواتُ، ثم خُلِق النُّونُ فدُحِيت الأرضُ على ظَهْرِه، فاضْطرَب النُّونُ، فمادَتِ الأرضُ، فأُثْبِتَت بالجبالِ، فإنها لتَفْخَرُ على الأرضِ (٣). حدَّثنا واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، أن إبراهيمَ بنَ
следующие страницы →