← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15646–15685 · переход к 15651.

стр. 15646

﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾. لم تُحرَسِ السماءُ في الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ، فلما بعَث اللهُ محمدًا ﷺ حُرِست السماءُ الدنيا، ورُمِيت الشياطينُ بالشُّهُبِ، فقال إبليسُ: لقد حدَث في الأرضِ حَدَثٌ. فأمَر الجنَّ فتفرَّقت في الأرضِ لتأتيَه بخبرِ ما حدَث، فكان أولُ مَن بَعَث نفرًا مَن أهلِ نَصِيبين، وهى أرضٌ باليمنِ، وهم أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعثهم إلى تِهامةَ وما يلى اليمنَ، فمضَى أولئك النفرُ، فأتَوا على الوادى وادِى نخلةَ، وهو من الوادِى مَسيرةَ ليلتَيْنِ، فوجَدوا به نبيَّ اللهِ ﷺ يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ، فسمِعوه يَتْلُو القرآنَ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ﴾، يعني: فُرِغ مِن الصلاةِ، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. يقول (١): مؤمِنين. لم يَعْلَمْ بهم رسولُ اللهِ ﷺ ، ولم يَشْعُرْ أنه صُرِف إليه أحدٌ، حتى أنزَلَ اللهُ عليه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فآمنا به ولن نُشْرِكَ بربِّنا أحدًا، وآمَنا بأنه تعالى أمْرُ ربِّنا وسلطانُه وقدرتُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: فعلُه وأمرُه وقدرتُه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن

стр. 15647

أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: تعالى أمرُ ربِّنا. حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ في هذه الآيةِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. يقولُ: أمرُ رَبِّنا (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ (٢)، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السدىِّ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: أمرُ ربِّنا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. قال: تعالى أمرُه أن يَتَّخِذَ -ولا يكُونُ الذى قالوا- صاحبةً أو (٤) ولدًا، وقرَأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [حتى ختَمَها] (٥) [الإخلاص: ١، ٢]. قال: لا يَكُونُ ذلك منه. وقال آخرون: عُنِى بذلك جلالُ ربِّنا وذكرُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال عكرِمةُ في قولِه تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: جلالُ ربِّنا (٦). حدَّثني محمدُ بنُ عمارة، قال: ثنى خالدُ بن يزيدَ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ، عن

стр. 15648

فضيلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: جلالُ رَبِّنا (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيمِيِّ، قال: قال عكرمةُ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: جلالُ ربِّنا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. أى: تعالى جلالُه وعظمتُه وأمرُه. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: تعالى أمرُ ربِّنا؛ تعالَت عظمتُه (٣). وقال آخرون: معنى ذلك (٤): غِنَى ربِّنا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ فى قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا (٦).

стр. 15649

حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسن في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: غِنَى ربِّنا (١) حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سليمانَ التيميِّ، عن الحسنِ وعكرِمةَ في قولِه: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال أحدُهما: غِناه. وقال الآخر: عظمتُه. وقال آخرون: عُنِى بذلك الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ. وقالوا: ذلك كان [جَهْلَةً من كلامِ الجنِّ] (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى سارةَ، عن أبيه، عن أبي جعفرٍ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. قال: كان كلامًا (٣) من جهلةِ الجنِّ (٤). وقال آخرون: عُنِى بذلك ذِكْرُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ قال: ذِكْرُه (٥). وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: تعالَت عظمةُ ربِّنا وقدرتُه وسلطانُه.

стр. 15650

وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن للجَدِّ فى كلامِ العربِ معنَيَيْنِ؛ أحدُهما: الجَدُّ الذى هو أبو الأبِ أو (١) أبو الأمِّ، وذلك غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ به هؤلاء النفَرُ، الذين وصَفهم اللهُ بهذه الصفةِ، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. ومَن وصَف اللهَ بأن له والدًا (٢) أو جَدًّا، و (٣) هو أبو الأبِ أو أبو الأمِّ، فلا شكَّ أنه مِن المشرِكين. والمعنى الآخرُ: الجَدُّ الذى هو (٤) بمعنى الحَظِّ؛ يُقالُ: فلانٌ ذو جَدٍّ في هذا الأمرِ. إذا كان له حظٌّ فيه، وهو الذي يُقالُ له بالفارسيةِ: البَخْتُ. وهذا المعنى الذى قصَده هؤلاء النفَرُ مِن الجِنِّ بقيلِهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. إن شاء اللهُ، وإنما عَنَوا أن حَظْوتَه من المُلكِ والسلطانِ والقدرةِ والعظمةِ عاليةٌ، فلا تكونُ له صاحبةٌ ولا ولدٌ؛ لأن الصاحبةَ إنما تكونُ للضعيفِ العاجِزِ، الذى تَضْطَرُّه الشهوةُ الباعثةُ إلى اتخاذِها له (٥)، وأن الولدَ إنما يكونُ عن شهوةٍ أزعَجته إلى البِضاعِ (٦) الذى يحدُثُ منه الولدُ؛ فقال النفَرُ مِن الجنِّ: علا مُلكُ ربِّنا وسُلطانُه وقدرتُه وعظمتُه أن يكونَ ضعيفًا ضَعْفَ خلقِه الذين تَضْطَرُّهم الشهوةُ إلى اتخاذِ (٧) صاحبةٍ، أو وِقاعِ شيءٍ يكونُ منه ولدٌ. وقد بيَّن عن صحةِ ما قُلْنا فى ذلك إخبارُ الله عنهم أنهم [قالوا: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، فأخبر جلَّ ثناؤه أنهم] (٨) إنما نزَّهوا اللهَ عن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ

стр. 15651

بقولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾. يُقال منه: رجُلٌ جَدِّىٌّ وجديدٌ ومَجْدودٌ. أى: ذو حظٍّ فيما هو فيه؛ ومنه قولُ حاتمٍ الطائيِّ (١): اغْزُوا بَنى ثُعَلٍ فَالغَزْوُ جَدُّكُمُ … عُدُّوا الرَّوايا (٢) ولا تبْكُوا لمن قُتِلا (٣) وقال آخرُ (٤): ترَفَّعَ (٥) جَدُّك إني امرؤٌ … سَقَتْني إليك الأعادى سِجَالا وقولُه: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ يعنى زوجةً ﴿وَلَا وَلَدًا﴾. واختلَفت القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى﴾. فقرَأ ذلك أبو جعفرٍ القارئُ وستةَ أحرفٍ أُخرَ بالفتحِ، منها: ﴿أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ (٦). وكان نافعٌ يَكْسِرُها كلَّها (٧) إلا ثلاثةَ أحرفٍ؛ أحدُها: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، والثاني: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾، والثالثُ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ (٨). وأما قرَأةُ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ،

стр. 15652

فإنهم يَفْتَحون جميعَ ما في آخِر سورةِ "النَّجْمِ" وأوَّلِ سورةِ "الجنِّ"، إلا قولَه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾، وقولَه: (قال (١) إنَّما أدعو ربي). وما بعدَه إلى آخرِ السورةِ، فإنهم يَكْسِرُون ذلك غيرَ قولِه: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾. وأما عاصمٌ فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها إلا قولَه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه كان يَفْتَحُها (٢)، وأما أبو عمرٍو فإنه كان يَكْسِرُ جميعَها [مِن أولِها إلى] (٣) قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فإنه كان يَفْتَحُ هذه وما بعدَها (٤). فأما الذين فتَحوا جميعَها إلا في موضعِ القولِ كقولِه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا﴾. وقوله: (قال إنَّما أدْعُو رَبِّى)، ونحوِ ذلك، فإنهم عطَفوا "أنَّ" فى كلِّ السورةِ على قولِه: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾، وآمنَّا بكلِّ ذلك. ففتَحوها بوقوعِ الإيمانِ عليها. وكان الفرَّاءُ يقولُ (٥): لا يَمنَعْك (٦) أن تجدَ الإيمانَ يَقْبُحُ (٧) في بعض ذلك -مِن الفتحِ، وإنَّ الذي [يَقْبُحُ مِن] (٨) ظهورِ الإيمانِ قد يَحْسُنُ (٩) فيه فعلٌ مضارعٌ للإيمانِ يُوجِبُ (١٠) فتحَ "أنَّ"، كما قالتِ العربُ (١١):

стр. 15653

إذا ما الغانِياتُ بَرَزْنَ يومًا … وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونا فنصَب العيونَ لإتْباعِها الحواجبَ، وهى لا تُزَجَّجُ، وإنما تُكْحَلُ، فَأَضْمَر لها الكَحْلَ، [كذلك يُضْمَرُ] (١) في الموضع الذى لا يَحْسُنُ فيه "آمنَّا": "صدَّقْنا"، و "أُلْهِمنا"، و "شهِدنا" (٢). قال: ويُقَوِّى (٣) النصْبَ قولُه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. فينبَغِى لمن كسَر أَنْ يَحذِفَ "أن" مِن "لو"؛ لأنَّ "إِنَّ" إذا خُفِّفَت لم تكن في (٤) حكايةٍ، ألا تَرَى أنك تقولُ: أقولُ (٥) لو فعَلتَ لفعَلتُ. ولا تُدْخِلُ "أنْ". وأما الذين [كسَروا كلَّها] (٦) وهم في ذلك يقولون: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾. فكأَنَّهم أَضْمَروا يمينًا مع "لو"، وقطَعوها عن النَّسَقِ على أوَّلِ الكلامِ، فقالوا: واللهِ أنْ لو اسْتَقاموا. قال: والعربُ تُدْخِلُ "أنْ" فى هذا الموضعِ مع اليمينِ وتحذِفُها، قال الشاعرُ (٧): فأُقْسِمُ لو شيءٌ أتانا رَسُولُه … سِواكَ ولَكِنْ لم نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا [قال: وأنشَدني] (٨) آخَرُ (٩): أما واللهِ أنْ لو كنتَ حُرًّا … وما بالحُرِّ أنتَ ولا العَتِيقِ فأَدْخَل "أنْ". ومن كسَر كلَّها ونصَب: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. فإنه خصَّ

стр. 15654

ذلك بالوَحْيِ (١)، وجعَل: ﴿وَأَلَّوِ﴾ مضمرةً فيها اليمينُ على ما وصَفْتُ. وأما نافعٌ فإنَّ (٢) ما فتَح مِن ذلك، فإنه ردَّه على قولِه: ﴿أُوحِيَ إِلَيَّ﴾. وما كسَره فإنه جعَله مِن قولِ الجنِّ. وأحبُّ ذلك إلىَّ أن أقرَأَ به الفتحُ فيما كان وحيًا، والكسرُ فيما كان مِن قولِ الجنِّ؛ لأنَّ ذلك أفصحُها فى العربيةِ، وأبْيَنُها في المعنى، وإن كان للقراءاتِ الأُخَرِ وجوهٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها. القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ مخبرًا عن قيلِ النفَرِ مِن الجنِّ الذين استمَعوا القرآن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾: وهو إبليسُ (٣). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. وهو إبليسُ. حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ من المكيِّين، عن مجاهدٍ: ﴿سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. قال: هو إبليسُ. ثم قال سفيانُ: سمِعتُ أَنَّ الرجلَ إذا سجَد جلَس إبليسُ يَبكى يقولُ: يا ويلَه، أُمِر بالسجودِ فعصَى، فله النارُ،

стр. 15655

وأُمِر ابنُ آدمَ بالسجودِ فسجَد، فله الجنةُ (١). حدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. فقال: عصاه واللهِ سفيهُ الجنِّ، كما عصاه [سفيهُ الإنسِ] (٢). وأما الشَّطَطُ مِن القولِ، فإنه ما كان تعدِّيًا (٣). وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. قال: ظُلْمًا كبيرًا (٤). وقولُه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. يقولُ: قالوا: وأنَّا حَسِبْنا (٥) أن لن تقولَ بنو آدمَ والجنُّ على اللهِ كذبًا من القولِ. والظنُّ [في هذا الموضعِ] (٦) بمعنى الشكِّ، وإنما أنكَر هؤلاء النفرُ مِن الجنِّ أن تكونَ عَلِمَت أن [يكونَ أحدٌ] (٧) يَجْتِرئُ على الكذبِ على اللهِ لمَّا سمِعَت القرآنَ؛ لأنهم قبلَ أن يَسمعوه،

стр. 15656

وقبلَ أنْ يعلموا تكذيبَ اللهِ الزاعمين أن للهِ صاحبةً وولدًا وغيرَ ذلك من معانى الكفرِ -كانوا يَحْسَبون أنَّ إبليسَ صادقٌ فيما يَدْعو بني آدمَ إليه من صنوفِ الكفرِ، فلما سمِعوا القرآنَ أَيقَنُوا أنه كان كاذبًا فى كلِّ ذلك؛ فلذلك قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾. فسمَّوه سفيهًا. وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ: وأنه كان رجالٌ من الإنسِ يَسْتَجِيرون برجالٍ مِن الجنِّ في أسفارِهم إذا نزَلوا منازلَهم. وكان ذلك من فعلِهم فيما ذُكِر لنا، كالذى حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان رجالٌ مِن الإِنسِ يَبِيتُ (١) أحدُهم بالوادِى في الجاهليةِ، فيقولُ: أَعوذُ بعزيزِ هذا (٢) الوادِى. فزادهم ذلك إثمًا (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كان الرجلُ منهم إذا نزَل الوادىَ فبات به، قال: أعوذُ بعزيزِ هذا الوادى من شرِّ سفهاءِ قومِه (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ [فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ (٥) رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا إذا نزَلوا الوادىَ قالوا: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادى من شرِّ ما فيه. فتقولُ الجنُّ: ما نمْلِكُ لكم ولا

стр. 15657

لأنفسِنا ضرًّا ولا نفعًا (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا في الجاهليةِ إذا نزَلوا بالوادى قالوا: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادِى [مِن شرِّ ما فيه] (٢). فيقولُ الجنِّيُّون: تَتَعوَّذون بنا ولا نَمْلِكُ لأنفسِنا ضرًّا ولا نفعًا! حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا يقولون إذا هبَطوا واديًا: نعوذُ بعظماءِ هذا الوادِى (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. ذُكِر لنا أنَّ هذا الحىَّ مِن العربِ كانوا إذا نزَلوا بوادٍ قالوا: نعوذُ بأعزِّ أهلِ هذا المكانِ. قال اللهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. أى: إثمًا، وازْدادتِ الجنُّ عليهم بذلك جرأةً (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾: كانوا في الجاهليةِ إذا نزَلوا مَنْزِلًا يقولون: نعوذُ بأعزِّ أهلِ هذا المكانِ (٤).

стр. 15658

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾. قال: كانوا يقولون: فلانٌ مِن الجنِّ ربُّ هذا الوادى. فكان أحدُهم إذا دخل الوادى يعوذُ بربِّ ذلك (١) الوادِى من دونِ اللهِ، قال: [فيزدهم ذلك] (٢) رَهَقًا، وهو الفَرَقُ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا نزَل بوادٍ قَبلَ الإسلامِ قال: إنى أعوذُ بكبيرِ هذا الوادِى. فلما جاء الإسلامُ عاذوا باللهِ، وترَكوهم. وقولُه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فزاد الإنسُ الجنَّ باستعاذتِهم بعزيزِهم، جُرأةً عليهم، وازدادوا هم (٤) بذلك إثمًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. فزادَهم ذلك إثمًا (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللهُ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. أى: إثمًا، وازْدادتِ الجنُّ عليهم بذلك جُرْأةً.

стр. 15659

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. يقولُ: خطيئةً (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: فيزدادون عليهم جُرأةٌ (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: ازدادوا عليهم جُرأةً. وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنَّ الكفارَ ازدادوا (٣) بذلك طغيانًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: زاد الكفارُ طغيانًا (٤). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: فزادوهم فَرَقًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: فيزيدُهم ذلك رهقًا، وهو الفَرَقُ (٥).

стр. 15660

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. قال: زادهم الجنُّ خوفًا (١). وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فزاد الإنسُ الجنَّ بفعلِهم ذلك إثمًا، وذلك أنهم (٢) زادوهم (٣) استحلالًا لمحارمِ اللهِ. والرَّهَقُ في كلامِ العربِ: الإثمُ وغِشْيانُ المحارمِ، ومنه قولُ الأعشى (٤): لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي مِن دونِ رُؤْيَتِها … هَلْ يَشْتَفِي وَامِقٌ (٥) مَا لَم يُصِبْ رَهَقَا يقول: ما لم يغْشَ محرَّمًا. القولُ في تأويل قولِه : ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾. قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاءِ النفرِ مِن الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾. يعنى أنَّ الرجالَ من الجنِّ ظنُّوا كما ظنَّ الرجالُ من الإنسِ أنْ لن يَبْعَثَ اللهُ أحدًا رسولًا إلى خَلْقِه، يدعوهم إلى توحيدِه. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن الكلْبيِّ: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا

стр. 15661

ظَنَنْتُمْ﴾: ظَنَّ كفارُ الجنِّ كما ظنَّ كفرةُ الإنسِ أنْ لن يبعثَ اللهُ رسولًا (١). وقولُه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. يقولُ مخبرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ: وأنا طَلَبْنا السماءَ وأركانَها (٢)، ﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ﴾. يقولُ: فوجَدْناها قد (٣) مُلِئَتْ ﴿حَرَسًا شَدِيدًا﴾. يعني حفظةً (٤)، ﴿وَشُهُبًا﴾. وهى جمعُ شِهابٍ، وهى النُّجومُ التى كانت تُرْجَمُ بها الشياطينُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: كانت الجنُّ تستمِع، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذي حدَث في السماءِ لشيءٍ حدَث في الأرضِ. قال: فذهبوا يَطْلُبون حتى رأَوْا النبيَّ ﷺ خارجًا من سوقِ عُكاظٍ يُصلى بأصحابِه الفجرَ، فذهَبوا إلى قومِهم مُنْذِرِينَ (٥). القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وأنا، معشرَ الجنِّ، كنا

стр. 15662

نقعُدُ مِن السماءِ مقاعدَ نَستَمِعُ (١) ما يحدُثُ وما يكونُ فيها، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ فيها منا ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. يعني: شِهابَ نارٍ قد رُصِد له (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. كانتِ الجنُّ تسمعُ (٣) سَمْعَ السماءِ، فلما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ ، حُرِست السماءُ، ومُنِعوا ذلك، فتفقَّدَتِ الجنُّ ذلك مِن أنفسِها، وذُكر لنا أنَّ أشرافَ الجنِّ كانوا بنَصِيبِينَ، فطَلَبُوا ذلك، [وضرَبوا إليه] (٤)، حتى سقطُوا على نبيِّ اللهِ ﷺ وهو يُصلى بأصحابِه عامدًا إلى عُكاظٍ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ حتى بلغ: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. فلما وجَدوا ذلك رجَعوا إلى إبليسَ، فقالوا: مُنِع منَّا السَّمْعُ. فقال لهم: فإن السماءَ لم تُحْرَثْ قطُّ إلا على أَحدِ أَمرَين: إما لعذابٍ يُريد اللهُ أَن يُنْزِلَه على أهلِ الأرضِ بغتةً، وإما نبىٍّ مرشِدٍ مُرسَلٍ (٦). قال: فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَأَنَّا لَا

стр. 15663

نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. وقولُه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ هؤلاء النفرِ مِن الجنِّ: وأنا لا نَدْرِى أعذابًا أراد اللهُ أنْ يُنْزِلَه بأهلِ الأرضِ، بمنعِه إيَّانا السَّمْعَ مِن السماءِ، ورجْمِه مَن اسْتَمَعَ منَّا فيها بالشُّهُبِ، ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. يقولُ: أم أراد بهم ربُّهم الهُدَى بأن يَبْعَثَ فيهم (١) رسولًا مُرْشِدًا يُرْشِدُهم إلى الحقِّ. وهذا التأويلُ على التأويلِ الذي ذكَرْناه عن ابنِ زيدٍ قبلُ. وذُكِر عن الكَلْبيِّ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: ثنا سعيدٌ] (٢)، عن الكلْبىِّ فى قولِه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾؛ أن يُطِيعُوا هذا الرسولَ فيُرشدهم أو يَعصوه فيُهلكهم. وإنما قلنا القولَ الأوَّلَ لأنَّ قولَه: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. عقيبُ قولِه: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية، فكان ذلك بأن يكونَ مِن تمامِ قصةِ ما وَلِيَه وقَرُب منه أولَى (٣) بأن يكونَ مِن تمامِ خبرِ ما [بَعُدَ منه] (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا

стр. 15664

الصَّالِحُونَ﴾. وهم المسلمون العاملون بطاعةِ اللهِ، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ومنا دونَ الصالحين، ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. يقولُ: قالوا (١): كنا أهواءً مُخْتَلِفةً، وفِرَقًا شتَّى، منا المؤمنُ والكافرُ. والطرائِقُ: جمعُ طريقةٍ، وهي طريقةُ الرجلِ ومذهبُه. والقِدَدُ: جمعُ قِدَّةٍ، وهى الضروبُ والأجناسُ المختلفةُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ الرازىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، في قولِه: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. يقولُ: أهواءً مُخْتلِفَةً. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. يقولُ: أهواءً شتَّى، منا المسلمُ، ومنا المشركُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: كان القومُ على أهواءٍ شتَّى. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: أهواءً مُختَلِفةً (٣).

стр. 15665

حدَّثني [محمدُ بنُ عمرٍو] (١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ؛ جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: مسلمين وكافرين (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: شتَّى، مؤمنٌ وكافرٌ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾. قال: صالحٌ وكافرٌ. وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾. وقولُه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: وأنا عَلِمْنا أَنْ لنْ نُعْجِزَ اللهَ فى الأرضِ إن أراد بنا سُوءًا، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ إِن طَلَبَنا فنفوتَه. وإنما وصَفوا اللهَ بالقدرةِ عليهم حيثُ كانوا. ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: قالوا: وأنَّا لمَّا سمِعْنا القرآنَ الذي [هدانا اللهُ به] (٣) إلى الطريقِ المستقيمِ ﴿آمَنَّا بِهِ﴾. يقولُ: صدَّقنا به، وأَقْرَرْنا أَنَّه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. يقولُ: فمن يُصدِّقْ بربِه ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾. يقولُ: فلا يخافُ أَنْ يُنْقَصَ مِن حسناتِه، فلا يُجازَى عليها، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾: ولا إثمًا يُحْمَلُ عليه مِن سيئاتِ غيرِه، أو سيئةً لم (٤) يعملْها.

стр. 15666

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. يقولُ: لا يخافُ نَقْصًا من حسناتِه، ولا زيادةً في سيئاتِه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. يقولُ: فلا يخافُ أن يُنقَصَ (٢) مِن عملِه شيئًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا﴾. أى: ظُلمًا؛ أنْ يُظْلَمَ مِن حسناتِه فيُنْقَصَ منها شيئًا، أو يُحْمَلَ عليه ذنبُ غيرِه، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾: ولا مأثمًا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾. قال: لا يخافُ أنْ يُبْخَسَ مِن أجرِه شيئًا، ﴿وَلَا رَهَقًا﴾؛ فيُظْلَمَ ولا يُعطَى شيئًا (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ

стр. 15667

تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ النفرِ من الجنِّ: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ الذين قد خضَعُوا للهِ بالطاعةِ، ﴿وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ وهم الجائِرون عن الإسلامِ وقصدِ السبيلِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾. قال: العادِلون عن الحقِّ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْقَاسِطُونَ﴾. قال: الظالمون (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿الْقَاسِطُونَ﴾: الجائِرون. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْقَاسِطُونَ﴾. قال: الجائِرون (٣).

стр. 15668

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المُقْسِطُ: العادلُ، والقاسِطُ: الجائِرُ (١). وذكَر بيتَ شعرٍ: قَسَطْنَا على الأَمْلاكِ فِي عَهْدِ تُبَّعٍ … ومِنْ قَبْلِ مَا أَدْرَى (٢) النُّفُوسَ عقابَها وقال: هذا مثلُ التَّرِبِ والمُتْرِبِ. قال: والتَّرِبُ: المِسكينُ، وقرَأ: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]. قال: والمُتْرِبُ: الغنىُّ. وقولُه: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. يقولُ: قالوا (٣): فمن أَسْلَم للهِ وخضَع له بالطاعةِ، فأُولئك تعمَّدوا وتَوخَّوا (٤) رَشَدًا في دينِهم، ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ﴾. يقولُ: [وأمّا] (٥) الجائِرُون عن الإسلامِ، ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾، تُوقَدُ بهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ (٦) عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وأنْ لو استقام هؤلاء القاسِطون على طريقةِ الحقِّ والاستقامةِ ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. يقولُ: لوسَّعْنا عليهم في الرزقِ، [وبَسَطْنا لهم] (٧) في الدنيا. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لِنَخْتبرَهم فيه.

стр. 15669

واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. يعنى بالاستقامةِ: الطاعةَ. فأمَّا الغَدَقُ فالماءُ الطاهرُ الكثيرُ، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقولُ: لِنَبْتَلِيَهم به (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: طريقةِ الإسلامِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: نافعًا كثيرًا، لأَعْطيناهم ماءً (٢) كثيرًا؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: حتى يَرْجِعوا لما كتَبه (٣) عليهم مِن الشقاءِ (٤). حدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابىُّ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ ابنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: طريقةِ الحقِّ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. يقولُ: ماءً (٢) كثيرًا، ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، قال: لِنَبْتَلِيَهم به حتى يَرْجِعوا إلى ما كُتِب عليهم مِن الشقاءِ (٥).

стр. 15670

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ (١)، عن علقمةَ بنِ مرْثَدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: الإسلامِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: الكثيرُ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لِنَبْتلِيَهم به (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبى سِنانٍ، عن غير واحدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾. قال: المالُ (٣)، والغَدَقُ: الكثيرُ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: حتى يَرْجِعوا إلى عِلْمى فيهم (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: لأَعْطيناهم مالًا كثيرًا. وقولُه: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنَبْتَلِيَهم. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن بعضِ أصحابِه، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ فى قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: الدِّينِ، ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: مالًا كثيرًا؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنبتلِيَهم فيه (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا

стр. 15671

عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: لو آمنوا كلُّهم لأَوْسَعْنا عليهم مِن الدنيا، قال اللهُ: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. يقول: لِنبتلِيَهم بها (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: لو آمنوا (٢) لوُسِّع عليهم في الرزْقِ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. قال: لنَبْتَلِيَهم فيه (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿مَاءً غَدَقًا﴾. قال: عَيْشًا رَغَدًا (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: الغَدَقُ الكثيرُ، [ماءً كثيرًا] (٥) ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: لنختبِرهم فيه. حدَّثنا عمروُ بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلىُّ، قال: ثنا المطَّلبُ بنُ زيادٍ، عن السديِّ (٦)، قال: قال عمرُ، ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. قال: أينما كان الماءُ كان المالُ، وأين كان المالُ كانتِ الفتنةُ (٧). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأن لو اسْتَقاموا على الضلالةِ (٨) لأَعْطَيناهم سَعَةً

стр. 15672

من الرزقِ لنَستَدرجَهم بها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيْرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا [عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال:] (١) على طريقةِ الضلالِة (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْ لو اسْتَقاموا على طريقةِ الحقِّ فآمنوا، لَوَسَّعْنا عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾. قال: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ كقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. والماءُ الغَدَقُ يعنى المالَ (٣) الكثيرَ؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. لنبتَلِيَهم فيه (٤). وقولُه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: ومَن يُعْرِضُ عن ذكرِ ربه الذى ذكَّره به، وهو هذا القرآنُ؛ ومعناه: ومَن

стр. 15673

يُعْرِضْ عن استماعِ القرآنِ واستعمالِه، يَسْلُكْه اللهُ ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. يقولُ: يَسْلُكْه اللهُ عذابًا شديدًا شاقًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. يقولُ: شُقَّةً (١) مِن العذابِ يَصْعَدُ فيها (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى؛ وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: مَشَقَّةً مِن العذابِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: جَبَلٌ في جهنَّمَ (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. عذابًا لا راحةَ فيه.

стр. 15674

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: صَعُودًا مِن عذابِ اللهِ، لا راحةَ فيه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾. قال: الصَّعَدُ: العذابُ المُتعِبُ (٢). واختلَفتِ القرَأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يَسْلُكْهُ﴾، فقرَأه بعضُ قرَأةِ مكةَ والبصرةِ (نَسْلُكْهُ) بالنونِ، اعتبارًا بقولِه (٣): ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ أنَّها بالنونِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الكوفةِ بالياءِ، بمعنى: يَسْلُكْهُ اللهُ، ردًّا على الربِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، [وأُوحِيَ إِلَيَّ] (٥): ﴿أَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا﴾ أيُّها الناسُ ﴿مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ولا تُشْرِكوا به فيها شيئًا، ولكن أفرِدوا له التوحيدَ، وأخْلِصوا له العبادةَ.

стр. 15675

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾: كانت اليهودُ والنصارى إذا دخَلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشرَكوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يوحِّدَ (١) اللهَ وحدَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. قال: قالت الجنُّ لنبيِّ اللهِ: كيف لنا نَأْتى المسجد (٢)، ونحن ناءُون عنك؟ أو (٣): كيف نَشْهدُ معك الصلاةَ ونحنُ ناءُون عنك؟ فنزَلت: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. قال: كانت اليهودُ والنصارى إذا دخَلوا كنائسَهم وبِيَعَهم أشركوا باللهِ، فأَمَر اللهُ نبيَّه أن يُخلِصَ الدعوةَ له إذا دخَل المسجدَ (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن خُصَيْفٍ، عن عكرمةَ:

стр. 15676

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. قال: المساجدَ كلَّها (١). وقولُه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: وأنه لما قام عبدُ اللهِ. يقولُ: محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ ، يدعو اللهَ؛ يقولُ: لا إلهَ إلا اللهُ. ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: كادوا يكونون على محمدٍ جماعاتٍ، بعضُها فوقَ بعضٍ. واحدُها لِبْدَةٌ، وفيها لغتانِ: كسرُ اللامِ "لِبْدَةٌ"، ومَن كسَرها جمَعها "لِبَدٌ"، وضمُّ اللامِ "لُبْدَةٌ"، ومَن ضمَّها جمَعها "لُبَدٌ" بضَمِّ اللَّامِ، و (٢) لابِدٌ، ومَن جمَع لابدًا قال: لُبَّدًا. مثل راكعٍ ورُكَّعٍ، وقرأَةُ الأمصارِ على كسرِ اللَّامِ من لِبَدٍ، غَيرَ ابنِ مُحَيْصِنٍ، فَإِنَّه كان يَضمُّها (٣). وهما بمعنًى واحدٍ، غيرَ أنَّ القراءةَ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ أحبُّ إليَّ، والعربُ تَدْعو الجرادَ الكثيرَ الذى قد رَكِب بعضُه بعضًا: لِبْدَةً؛ ومنه قولُ عبدِ منافِ بنِ رِبْعٍ (٤) الهذليِّ: صَابُوا (٥) بستَّةِ أَبْياتٍ وأَرْبعةٍ … حتى كأنَّ عليهمْ جابيًا لِبَدا والجابي: الجرادُ الذي يَجْبى كُلَّ شَيءٍ يَأْكُلُه. واختلَف أهلُ التأويلِ فى الذين عُنُوا بقولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾؛ فقال

стр. 15677

بعضُهم: عنَى بذلك الجنَّ أنَّهم كادوا يَرْكَبون رسولَ اللهِ ﷺ لما سمِعوا القرآنَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: لما سمِعُوا النبيَّ ﷺ يَتْلو القرآن [كادوا يَركبونَه من الحِرصِ لما سمِعوه يَتلو القرآنَ] (١)، ودَنَوا منه، فلم يَعلمْ بهم، حتى أتاه الرسولُ، فجعَل يُقرِئُه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾: كادوا يَرْكبُونه حرصًا على ما سمِعُوا منه مِن القرآنِ (٣). قال أبو جعفرٍ: ومن قال هذا القول جعَل قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. مما أوحِيَ إلى النبيِّ ﷺ ، فيكونُ معناه: قلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجنِّ، وأنه لمَّا قام عبدُ اللهِ يَدْعوه. وقال آخرون: بل هذا مِن قولِ النَّفَرِ مِن الجنِّ، لما رجَعوا إلى قومِهم أَخْبَرُوهم بما رأَوْا مِن طاعةِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ له، [وائْتِمامِهم به] (٤) في الركوعِ والسجودِ.

стр. 15678

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن معمرٍ، قال: ثنا أبو هشامٍ (١)، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قولُ الجنِّ لقومِهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: لما رأَوْه يُصلِّى، وأصحابُه يَرْكعون بركوعِه، ويسجُدون بسجودِه. قال: عَجِبوا مِن طَوَاعيةِ أصحابِه له. قال: فقالوا لقومِهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: كان أصحابُ نبىِّ اللهِ ﷺ يأْتَمُّون به، فيَرْكعون بركوعِه، ويسجُدون بسجُودِه (٣). ومَن قال هذا القولَ الذي ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ وسعيدٍ، يفتَحُ (٤) الألفَ مِن قولِه: ﴿وَأَنَّهُ﴾. عطَف بها على قولِه: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾. مفتوحةً، وجاز له كسْرُها على الابتداءِ. وقال آخرون: بل ذلك مِن خبرِ اللهِ الذي أَوْحَى إلى نبيِّه ﷺ ، لعلمِه أنَّ الإنسَ والجنَّ تَظاهروا عليه، ليُبْطِلوا الحقَّ الذى جاءهم به، فأبى اللهُ إلا إتمامَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ

стр. 15679

اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: تلبَّدَتِ الجِنُّ والإنسُ على هذا الأمرِ ليُطْفِئُوه، فأبى اللهُ إلا أنْ يَنْصُرَه ويُمْضِيَه، ويُظْهِرَه على مَن ناوأَه. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِبَدًا﴾. قال: لما قام النبىُّ ﷺ تَلَبَّدَتِ الجنُّ والإنسُ، فحَرَصوا على أَنْ يُطْفِئوا هذا النورَ الذى أنزَله اللهُ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: تَظاهَروا عليه بعضُهم على بعضٍ، تَظاهَروا على رسولِ الله ﷺ (٢). ومَن قال هذا القولَ فتَح الألفَ مِن قولِه: ﴿وَأَنَّهُ﴾. وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أَنَّ رسولَه محمدًا ﷺ لما قام يَدْعوه، كادتِ العربُ تكونُ عليه جميعًا في إطفاءِ (٣) نورِ اللهِ. وإنما قلنا ذلك أولَى التأويلاتِ بالصوابِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. عقيبَ قولِه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾. وذلك مِن اللهِ جلَّ وعزَّ خبرٌ، فكذلك قولُه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾. وأخرى أنَّه تعالى ذكرُه أتْبَع بذلك قولَه: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فمعلومٌ أن الذي (٤) يَتْبَعُ ذلك الخبرُ عمَّا لَقِيَ المَأْمُورُ

стр. 15680

بأن [لا يَدعوَ (١) مع اللهِ أحدًا] (٢) - في ذلك، لا (٣) الخبرُ عن (٤) كثرةِ إجابةِ المَدْعُوِّين وسرعتِهم إلى الإجابةِ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عَوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾. قال: لما قام رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا إلهَ إلا اللهُ". ويَدْعو الناسَ إلى ربِّهم، كادت العربُ تَلَبَّدُ (٥) عليه جميعًا (٦). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: تَرَا كَبُوا (٧) عليه (٨). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: بعضُهم على بعضٍ. حدَّثني علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. يقولُ: أعوانًا (٩). حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى

стр. 15681

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: جميعًا (١). [حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: جميعًا] (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. قال: واللُّبَدُ: الشيءُ الذي بعضُه فوق بعضٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ (٣) إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفتِ القرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾؛ [فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين على وجهِ] (٤) الخبرِ: (قال) بالألفِ (٥). ومن قرَأ ذلك كذلك، جعَله خبرًا مِن اللهِ عن نبيِّه محمدٍ ﷺ أنه قال، فيكونُ معنى الكلامِ: وأنه لما قام عبدُ اللهِ يدعوه تلبَّدوا عليه، قال لهم: إنما أدعو ربي، ولا أشركُ به أحدًا. وقرَأ ذلك بعضُ المدنيِّين وعامةُ قرأةِ الكوفةِ على وجهِ الأمرِ من اللهِ لنبيِّه

стр. 15682

محمدٍ ﷺ : ﴿قُلْ﴾ (١) يا محمدُ للناسِ الذين كادوا يكونون عليك (٢) لِبَدًا: إنَّما أَدْعُو ربِّى، ولا أُشْرِكُ به أحدًا. والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقولُه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ لمشركى العربِ الذين ردُّوا عليك ما جئتَهم به مِن النصيحةِ: إني لا أمْلِكُ لكم ضَرًّا في دينكم ولا في دنياكم، ولا رَشَدًا أرشدُكم؛ لأن الذى يَمْلِكُ ذلك هو اللهُ الذى له مُلْكُ كلِّ شيءٍ. وقولُه: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾. [يقولُ له: قل يا محمدُ لهم: إنِّي لن يَمنَعَنى مِن اللهِ أحدٌ] (٣) من خَلْقِه إذا (٤) أراد بى أمرًا، ولا يَنْصُرُني منه ناصرٌ. وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ أُنْزِلت على النبيِّ ﷺ لأنَّ بعضَ الجنِّ قال: أنا أُجِيرُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمىٌّ أنه ذُكِر له أنَّ جنِّيًّا مِن الجنِّ مِن أشرافِهم ذا تَبَعٍ قال: إنما يريدُ محمدٌ أن نُجيرَه، وأنا أُجِيرُه. فأنزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ (٥).

стр. 15683

وقولُه: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقولُ: ولن أَجِدَ مِن دونِ اللهِ ملْجَأً (١) ألجأُ إليه. كما (٢) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (٣). أي: مَلْجَأً ونَصِيرًا (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مُلْتَحَدًا﴾. قال: مَلْجَأً (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾. يقولُ: ناصِرًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل لمشركي العربِ: إنى لا أمْلِكُ لكم ضَرًّا ولا رَشَدًا، ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. يقولُ: إلا أنْ أُبْلِغَكم مِن اللهِ ما أمَرنى بتبليغِكم إيَّاه، وإلا رسالاتِه التي أَرْسَلني بها إليكم، فأَمَّا الرَّشَدُ والخِزْلانُ فبيدِ اللهِ، هو [مالكُ ذلك] (٦) دونَ سَائِرِ خَلْقِه، يهدى مَن

стр. 15684

يشَاءُ، ويَخْذُلُ مَن أراد (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. فذلك الذى أمْلِكُ (٢) بلاغًا مِنَ اللهِ ورسالاتِه (٣). وقد يَحْتَمِلُ ذلك معنًى آخرَ، وهو أن تكونَ ["إلا" حرفين] (٤)، وتكونَ "لا" مُنْقَطِعَةً مِن "إنْ"، فيكون معنى الكلامِ: قل: إني لن يُجِيرَني مِنَ اللهِ أحدٌ إِنْ لم أُبَلِّغْ رسالاتِه. ويكونَ نَصْبُ البلاغِ من إضمارِ فعلٍ من الجزاءِ، كقولِ القائلِ: إلا قيامًا فقُعُودًا، وإلا إعطاءً فردًّا جميلًا، بمعنى: إلا تَفْعَلِ الإعطاءَ فردًّا جميلًا. وقولُه: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يعصِ اللهَ فيما أمَره ونهاه، [فكَذَّبَ به رسولَه] (٥)، فجحَد رسالتَه (٦)، فإنَّ له نارَ جهنمَ يَصْلاها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. يقولُ: ماكثين فيها أبدًا إلى غيرِ نهايةٍ. وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حتى (٧) إذا عايَنوا ما

стр. 15685

يَعِدُهم ربُّهم من العذابِ وقيامِ الساعةِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عدَدًا﴾؛ أجُنْدُ (١) اللهِ الذى أشركوا به، أم هؤلاء المشركون به؟! القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ، ﵇: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ من قومِك: ما أدرى أقريبٌ ما (٢) يَعِدُكم به ربُّكم من العذاب وقيام الساعةِ، ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾. يعنى: غايةً معلومةً تَطُولُ مدَّتُها. وقولُه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. يعني جلَّ ذكرُه بعالمِ الغيبِ: عالمُ ما غاب عن أبصارِ خَلْقِه فلم يَرَوْه، فلا يُظهِرُ على غَيْبِه أحدًا، فيُعْلِمَه أو يُرِيَه (٣)، إلا من ارتضى من رسولٍ، فإنه يُظهِرهُ على ما شاء من ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾. فأعلم الله سبحانه
следующие страницы →