← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15786–15825 · переход к 15791.

стр. 15786

قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وكنا نكذِّبُ بيومِ المجازاةِ والثوابِ والعقابِ (١)، فلا (٢) نصدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ ولا حسابٍ، ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. يقولُ: قالوا (٣): حتى أتانا الموتُ الموقَنُ به، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. يقولُ: فما يَشْفَعُ لهم الذين شَفَّعهم اللهُ في أهلِ الذنوبِ مِن أهلِ التوحيدِ، فتنفعَهم شفاعتُهم. وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الله تعالى ذكرُه مُشَفَّعٌ بعضَ خَلْقِه في بعضٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها من (٤) الشفاعةِ، قال: ثم تَشْفَعُ الملائكةُ والنبيون والشهداءُ والصالحون والمؤمنون، ويُشفِّعُهم اللهُ فيقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. فيُخْرِجُ مِن النارِ أكثرَ مما أُخرج مِن جميعِ الخلقِ من النارِ، ثم يقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. ثم قرَأ عبدُ اللهِ: يا أيُّها الكفارُ، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. وعقَد بيدِه أربعًا، ثم قال: هل تَرَوْن في هؤلاء من خيرٍ؟ ألا ما يُتْركُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ (٥).

стр. 15787

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عمِّي وإسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي الزَّعراءِ، قال: قال عبدُ اللهِ: لا يَبْقى في النارِ إلا أربعةٌ، أو ذو الأربعةِ - الشكُّ مِن أبي جعفرٍ الطبريِّ - ثم يَتْلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ المؤمنين يومَ القيامةِ. ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ مِنْ أمتى رجلًا يُدْخِلُ الله بشفاعتِه الجنةَ أكثرَ مِن بني تميمٍ". قال الحسنُ: أكثرُ من ربيعةَ ومضرَ، كنا نُحدَّثُ أنَّ الشهيدَ يَشْفَعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (١). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال: تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ بعضَهم في بعضٍ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ (٣) ثورٍ، عن معمرٍ، و (٤) أخبرَني مَن سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إنَّ الرجلَ ليَشْفَعُ للرجلين والثلاثةِ والرجلِ (٥). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى قال: ثنا ابنُ (١) ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبى

стр. 15788

قلابةَ، قال: يُدْخِلُ اللهُ بشفاعةِ رجلٍ مِن هذه الأمةِ الجنةَ، مثلَ بني تميمٍ. أو قال: أكثرَ مِن بني تميمٍ (١). وقال الحسنُ: مثلُ ربيعةَ ومُضَرَ (٢). وقولُه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرةِ اللهِ إيَّاهم بهذا القرآنِ مُعْرِضِين، لا يَسْتمِعون لها، فيتَّعِظوا ويَعْتَبِروا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي عن هذا القرآنِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فما لهؤلاء المشركين باللهِ عن التذكرة مُعْرِضين. مولِّين عنها توليةَ الحُمُرِ المستنفِرةِ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك [عامةُ قرأةِ المدينة: (مُسْتَتَفَرَةٌ) بفتحِ الفاءِ (٤)، بمعنى مذعورةٌ قد ذعَرتها القسورةُ. وقرَأته] (٥) عامهُ قرأَةِ

стр. 15789

الكوفةِ والبصرةِ بكسرِ الفاءِ، وهى (١) قراءةُ بعضِ المكيِّين أيضًا بمعنى نافرةٍ (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وكان الفرَّاءُ يقولُ (٣): الفَتْحُ والكَسْرُ في ذلك كثيران في كلامِ العربِ؛ وأنشَد: أمْسِكْ حِمارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ … في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب وقولُه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القَسْوَرَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الرماةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ (٤). حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي موسى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هي الرماةُ (٦).

стр. 15790

[قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ] (١)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله. حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾. قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ] (٢). زاد الحارثُ في حديثِه قال: وقال بعضُهم في القَسْوَرَةِ: هو الأسَدُ. وبعضُهم: الرماةُ. حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القَسْوَرَةُ الرماةُ. فقال رجلٌ (٣) لعكرمةَ: هو الأَسَدُ بلسان الحبشةِ؟ فقال عكرمة: اسمُ الأسدِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. [قال: الرماةِ] (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ،

стр. 15791

عن [سليمِ بن عبدٍ] (١) السَّلُولِّي، عن ابن عباسٍ، قال: هي الرماةُ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماةُ القُنَّاصُ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: [قَسْوَرَةٌ النَّبْلُ (٣). وقال] (٤) آخرون: هم القُنَّاصُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. يعنى: رجالِ القَنْصِ (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هم القُنَّاصُ (٦). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن

стр. 15792

جبيرٍ، قال: هم القُنَّاصُ. وقال آخرون: هم جماعةُ الرجالِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، فقال: ما أَعْلَمُه بِلُغَةِ أحدٍ مِن العرب الأسدَ، هي عُصَبُ الرجالِ (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ عبدِ الوارثِ، قال: سمِعتُ أبى يُحَدِّثُ، قال: ثنا داودُ، قال: ثنى عباسُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى بنى هاشمٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، قال: جَمْعُ الرجالِ، ألم تَسْمَعْ ما قالت فلانةُ في الجاهليةِ: [يا بنتى كوني] (٢) خَيْرةً لخيِّرَه … أخوالُها في الحيِّ أهلُ (٣) القسورهْ (٤) وقال آخرون: هي أصواتُ الرجالِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ

стр. 15793

في: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو (١) رِكْزُ الناسِ (٢)؛ أصواتهم (٣). قال أبو كريبٍ، قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]. وقال آخرون: بل هو الأسدُ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بن (٤) سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ (٥) حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن سِيْلانَ، أن أبا هريرةَ كان يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ (٦). حدَّثني محمدُ بنُ [معمرٍ، [عن عبدِ الملكِ بن عمرٍو] (٧) (٨)، قال: ثنا هشامٌ، عن زيدٍ، [عن ابن سيلانَ، عن أبي هريرةَ في قولِه] (٩): ﴿فَرَّتْ مِنْ

стр. 15794

قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسدِ. حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللهِ : ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هو الأسدُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قتيبةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهْرانَ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل عن قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية الأسدُ، وبالفارسيةِ شار، وبالنَّبَطِيَّة (٢) أريا، وبالحبشية قسورةٌ (٣). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. يقولُ: الأسدِ. حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي هريرةَ قال: الأسدِ. حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القسورةُ الأسدُ (٤). وقولُه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين في إعراضِهم (٥) عن هذا القرآنِ أنهم لا يَعْلَمون أنه من عندِ اللهِ،

стр. 15795

ولكن كلُّ رجلٍ منهم يريدُ أن يؤتَى كتابًا من السماءِ يَنْزِلُ عليه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. قال: [قد قال] (١) قائلون من الناسِ: يا محمد، إِنْ سَرَّك أن نَتَّبِعَك فَأتِنا بكتابٍ، خاصةً إلى فلانٍ وفلانٍ، نُؤْمَرُ فيه باتِّباعك. قال قتادةُ: يُريدون أن يُؤتوا براءةً بغير عملٍ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾. قال: إلى فلانِ [بن فلانٍ] (٣) من ربِّ العالمين (٤). وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمون، من أنهم لو أوتوا صحفًا مُنَشَّرَةً صدَّقوا (٥)، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾. يقولُ: لكنهم لا يَخافون عقابَ (٦) اللهِ، ولا يُصَدِّقون بالبعثِ والثوابِ والعقابِ،

стр. 15796

فذلك الذي دعاهم إلى الإعراضِ عن تذكرةِ اللهِ، وهوَّن عليهم (١) تركَ الاستماعِ لوحيهِ وتنزيلِه. وبنحوِ الذي قلْنا [في ذلك] (٢) قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ إنما أفسَدهم أنهم كانوا لا يُصَدِّقون بالآخرةِ، ولا يَخافونَها، هو الذي أفسَدهم (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ (٤) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ (٥) تَذْكِرَةٌ﴾: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ المشرِكون في هذا القرآن من أنه سحرٌ يُؤْثَرُ، وأنه قولُ البشرِ، ولكنه تذكِرةٌ من اللهِ لخلقِه، ذكَّرهم به. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15797

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾. أي: القرآنَ (١). وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فمن شاء من عباد الله الذين ذكَّرهم اللهُ بهذا القرآنِ ذكرَه، [فاتَّعظ به واستعمَل] (٢) ما فيه من أمرِ اللهِ ونهِيه، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ (٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَذْكُرون هذا القرآنَ فيتَّعِظون (٤) به، ويَسْتَعْمِلون (٥) ما فيه، إلا أن يَشَاءَ اللهُ أن يَذْكُرُوه (٣)، لأنه لا أحدَ يَقْدِرُ على شيءٍ إلا بأن يَشَاءَ اللهُ أن يُقَدِّرَه عليه ويُعْطِيه القدرة عليه. وقولُه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى [وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾] (٦). يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ (٧) أهلٌ أن يَتَّقِى عبادُه عقابَه على معصيتِهم إياه، فيَجْتَنِبوا معاصِيَه، ويُسَارعوا إلى طاعتِه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. يقولُ: هو أهلٌ أن يَغْفِرَ ذنوبهم إذا هم فعَلوا ذلك، [ولا] (٨) يُعاقبهم عليها مع توبتهم منها. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15798

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. ربُّنا محقوقٌ أن تُتَّقَى مَحارِمُه، وهو أَهلُ المغفرةِ يَغْفِرُ الذنوبَ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾. قال: أهلٌ أن تُتَّقَى محارمُه، وأهل المغفرةِ: أهلٌ أن يَغْفِرَ الذنوبَ (٢). آخر تفسير سورة المدثر

стр. 15799

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [تفسيرُ سورةِ "القيامةِ" القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فقرَأت ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ ﴿لَا﴾ مفصولةً من ﴿أُقْسِمُ﴾، سوى الحسنِ والأعرجِ، فإنه ذُكِر عنهما أنهما كانا يَقْرَآن ذلك: (لأُقْسِمُ بِيومِ القيامةِ) بمعنى: أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ، ثم أُدخِلَت عليها لامُ القسمِ (١). والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرها في هذ الموضعِ: ﴿لَا﴾، مفصولةً، ﴿أُقْسِمُ﴾، مبتدأةً، على ما عليه قرَأَةِ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القَرأةِ عليه. وقد اختلَف الذين قرءَوا ذلك على الوجهِ الذي اختَرنا قراءتَه به في تأويلِه، فقال بعضُهم: ﴿لَا﴾ صلة، وإنما معنى الكلام: أُقسمُ بيومِ القيامة (٢).

стр. 15800

[ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريجٍ، عن الحسنِ بن مسلمِ بن يَنَّاقٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قال: أُقْسِمُ بيوم القيامةِ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾. قال: أُقْسِمُ. وقال آخرون منهم: بل دخَلت "لا" توكيدًا للكلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك سمِعتُ أبا هشام الرفاعيَّ يقولُ: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عيَّاشٍ يقولُ: قولُه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾] (٢): توكيدٌ للقسمِ، كقوله: لا واللهِ (٣). وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: "لا" ردٌّ لكلامٍ قد مضَى من كلامِ المشركينِ الذين كانوا يُنْكرون الجنةَ والنارَ، ثم ابتُدِئ القسَمُ، فقيل: أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ، وكان يقولُ: كلُّ يمينٍ قبلَها ردٌّ لكلامٍ فلا بدَّ من تقديمِ "لا" قبلَها، ليُفَرَّقَ بذلك بينَ اليمينِ التي تكونُ جَحْدًا واليمينِ التي تُستأنَفُ. ويقولُ: ألا ترَى أنك تقولُ مُبتدئًا: والله إنَّ الرسول لحقٌّ. وإذا قُلْتَ: لا، واللهِ إنَّ الرسولَ لحقٌّ. فكأنك أكذَبتَ قومًا أنكَرُوه؟ (٤)

стр. 15801

واختلَفوا أيضًا في ذلك: هل هو قسَمٌ أم لا، فقال بعضُهم: هو قسَمٌ؛ أَقْسَم ربُّنا بيومِ القيامةِ، وبالنفسِ اللَّوامةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبى الخيرِ بن تميمٍ عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ممن أنت؟ فقلتُ: من أهلِ العراقِ. فقال: مِن (١) أيهم؟ قال: فقلتُ: من بني أسدٍ. فقال: مِن حَرُورِيَّتِهم (٢)، أو ممن أنعَم اللهُ عليهم؟ فقلتُ: لا، بل ممن أنعَم اللهُ عليهم. فقال لي: سَلْ. فقلتُ: لا أُقْسِمُ بيومِ القيامةِ؟ فقال: يُقْسِمُ ربُّك بما شاء مِن خَلْقِه (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: أَقْسَم بهما جميعًا (٤). وقال آخرون: بل أَقْسَم بيومِ القيامةِ، ولم يُقْسِم بالنفسِ اللوامةِ. وقال: معنى قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾: ولستُ أُقْسِمُ بالنفسِ اللوَّامةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ:

стр. 15802

أَقْسَم بيوم القيامة، ولم يُقسِمْ بالنفسِ اللوامةِ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ الله أَقْسَم بيومِ القيامةِ وبالنفسِ اللوَّامةِ. وجعَل "لا" ردًّا لكلامٍ قد كان تقدَّمه من قومٍ، وجوابًا لهم. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ؛ لأن المعروفَ من كلامِ الناسِ في محاوراتِهم إذا قال أحدُهم: لا واللهِ، لا فعَلْتُ كذا. أنه يَقْصِدُ بـ "لا" ردَّ الكلامِ، وبقولِه: واللهِ. ابتداءَ يمينٍ، وكذلك قولُهم: لا أُقْسِمُ بالله لا فعلَتُ كذا. فإذا كان المعروفُ من معنى ذلك ما وصَفنا، فالواجبُ أن يكونَ سائرُ ما جاء من نظائرِه جاريًا مَجْرَاه، ما لم يَخْرُجْ شيءٌ من ذلك عن المعروفِ بما يَجِبُ التسليمُ له. وبعدُ، فَإِنَّ الجميعَ من الحُجَّةِ مُجْمِعون على أنَّ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قَسَمٌ، فكذلك قولُه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. إلا أن تأتى حُجَّةٌ تدلُّ على أنَّ أحدهما قسَمٌ، والآخر خبرٌ. وقد دلَّلْنا على أنَّ قراءةَ من قرَأ الحرفَ الأوَّلَ: "لأقسم" بوصلِ اللامِ بـ "أُقْسِمُ" قراءةٌ غيرُ جائزةٍ (٢)، بخلافِها ما عليه الحجةُ مجمعةٌ. فتأويلُ الكلامِ إذن: لا، ما الأمرُ كما تقولون أيُّها الناسُ، من أنَّ الله لا يَبْعَثُ عِبادَه بعد مماتهم أحياءً، أُقْسِمُ بيوم القيامةِ. وكانت جماعةٌ تقول: قيامةُ كلِّ نفسٍ موتُها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ ومسعرٍ، عن زيادِ بن علاقةَ، عن

стр. 15803

المغيرة بن شعبةَ، قال: يقولون: القيامةُ القيامةُ (١). وإنما قيامةُ أحدِهم موتُه (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مسعرٍ وسفيانَ، عن أبي قيسٍ (٣)، قال: شهِدتُ جنازةً فيها علقمةُ، فلما دفَن قال: أما هذا فقد قامت قيامتُه (٢). وقولُه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: فقال بعضُهم: معناه: ولا أُقسِمُ بالنفسِ التي تَلُومُ على الخيرِ والشرِّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جريج، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: تلومُ على الخيرِ والشرِّ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: تلومُ على الخيرِ والشرِ (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخيرِ بن تميمٍ، عن سعيِد بن جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: هي النفسُ اللئُومُ (٦).

стр. 15804

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّها تلومُ على ما فات وتَنْدَمُ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. قال: تَنْدَمُ على ما فات، وتلومُ عليه (٢). وقال آخرون: بل اللوامةُ: الفاجرةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. أي: الفاجرةِ (٣). وقال آخرون: بل هي المذمومةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. يقولُ: المذمومةِ (٣). وهذه الأقوالُ التي ذكَرْناها عمن ذكَرْناها عنه، وإن اختلَفت بها ألفاظُ قائليها، فمتقارِباتُ المعانى. وأشبهُ القولِ في ذلك بظاهرِ التنزيل أنَّها

стр. 15805

تلومُ صاحبَها على الخيرِ والشرِّ، وتَنْدَمُ على ما فات. والقرَأَةُ كلُّهم مُجْمِعُون على قراءةِ هذه بفصلِ "لا" من "أُقْسِمُ". وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيظُنُّ ابنُ آدمَ أن لن نقْدِرَ على جمعِ عظامه بعد تَفَرُّقها؟! بلي قادِرين على أعظمَ من ذلك؛ أن نُسَوِّىَ بنانَه، وهى أصابعُ يدَيْهِ ورجلَيْهِ، فنجعَلَها شيئًا واحدًا كخفِّ البعيرِ، أو حافرِ الحمارِ، فكان لا يَأْخُذُ ما يَأْكُلُ إلا يفيه كسائرِ البهائمِ، ولكنَّه فرَق أصابعَ يديه يَأْخُذُ بها ويَتَنَاوَلُ، ويَقْبِضُ إذا شاء ويَبْسُطُ، فحسَّن خَلْقَه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخيرِ بن تميمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قال لى ابنُ عباسٍ: سَلْ. فقلتُ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: لو شاء لجعَله خُفًّا أو حافرًا (١). حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: أنا قادرٌ على أن أَجْعَلَ كفَّه (٢) مُجَمَّرةً (٣) مثلَ خفِّ البعير (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، عن إسرائيلَ، عن مغيرةَ، عمن حدَّثه،

стр. 15806

عن سعيدِ بن جُبَيرٍ عن ابن عباسٍ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: أن نَجْعَلَه خفًّا أو حافرًا (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرِمةَ: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: على أن نَجْعَلَه مثلَ خفِّ البعيرِ، أو حافرِ الحمارِ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: جعَلها يدًا، وجعَلها أصابعَ يَقْبِضُهنَّ ويَبْسُطُهنَّ، ولو شاء لجمَعهن، فأنقَيتَ (٣) الأرضَ بفِيك، ولكن سوَّاكَ خَلْقًا حَسَنًا. قال أبو رجاءٍ: وسُئل عكرِمةُ فقال: لو شاء لجعَلها كخفِّ البعيرِ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾: رِجْلَيه، قال: كخفِّ البعيرِ، فلا يعملُ بهما شيئًا (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾: قادرٌ والله ربُّنا (٦) على أن يجعلَ بنانَه كحافرِ الدابةِ، أو كخفِّ البعيرِ، ولو شاء لجعَله كذلك، وإنما يُنْقِى (٧) طعامَه بفيه.

стр. 15807

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: لو شاء جعَل بنانَه مثلَ خفِّ البعيرِ، أو حافرِ الدابةِ (١). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾. قال: البنانُ: الأصابعُ، يقولُ: نحن قادِرون على أن نجعلَ بنانَه مثلَ خفِّ البعيرِ (٢). واختلف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ: ﴿قَادِرِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: نُصِب لأنه واقعٌ موقعَ "نَفْعَلُ"، فلما رُدَّ إلى "فاعلٍ" نُصب. وقالوا: معنى الكلام: أَيَحْسَبُ الإنسانُ أن لن نَجْمَعَ عظامَه، بلى نَقْدِرُ (٣) على أن نُسَوِّي بنانَه. ثم صُرِف "نَقْدِرُ" إلى ﴿قَادِرِينَ﴾. وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: نُصب على الخروجِ من: "نجمع"، كأنه قِيل في الكلامِ: أَيَحْسَبُ أن لن نقوَى عليه؟ بلى قادِرين على أَقْوى منك. [يريدُ: بلى] (٤) نَقْوَى مُقْتَدِرين على أكثرَ (٥) من ذا. وقال: قولُ الناسِ: بلى نَقْدِرُ، فلما صُرِفت إلى قادرين نُصِبت - خطأٌ؛ لأن الفعلَ لا يُنْصَبُ بتحويلِه من "يَفْعَلُ" إلى "فاعلٍ". ألا ترَى أنك تقولُ: أتقومُ إلينا. فإن حوَّلتها إلى "فاعلٍ" قلت: أقائمٌ، وكان خطأً أن تقولَ: قائمًا. قال: وقد كانوا يَحْتَجُّون بقولِ الفرزدقِ (٦): عَلَى قسَمٍ لا أَشْتُمُ الدهرَ مُسْلِمًا … ولا خارِجًا مِن فيَّ زورُ كلامِ

стр. 15808

فقالوا: إنما أراد: لا أشْتُم، ولا يَخْرُجُ. فلما صرفها إلى "خارج" نصَبها، وإنما نصب لأنه أراد: عاهَدتُ (١) ربِّي لا شاتمًا أحدًا، ولا خارجًا من فيَّ زورُ كلام. وقوله: لا أَشْتُم. في موضع نصبٍ (٢). وكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: نُصِب على "نجمع": أي بل نَجمَعُها قادرين على أن نُسَوِّيَ بنانَه، وهذا القولُ الثاني (٣) أشبه بالصحة على مذهب أهل (٤) العربية. القول في تأويل قوله : ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: ما يَجْهَلُ (٥) ابنُ آدمَ أن ربَّه قادرٌ على أن يَجْمَعَ عظامه، ولكنه يريد أن يَمضِىَ أمامه قُدُمًا في معاصى الله، لا يُثنِيه عنها شيءٌ، ولا يتوبُ منها أبدًا، ويُسَوِّفُ التوبةَ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ (٦).

стр. 15809

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي الخير بن تميم الضبيِّ، عن سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: يَمضِي قُدُمًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. يعنى الأملَ؛ يقولُ الإنسانُ: أعمَلُ ثم أتوبُ قبل يوم القيامةِ. ويقال (٢): هو الكفرُ بالحقِّ بينَ يدى القيامة (٣). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: يَمضِي أمامَه راكبًا رأسَه (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قال الحسنُ: لا تَلْقَى ابن آدمَ إلا تَنْزِعُ نفسُه إلى معصيةِ اللهِ قدمًا قُدُمًا، إلا مَن قد عصم الله (٥). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه:

стр. 15810

﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قُدُمًا في المعاصى (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن عمرٍو، عن إسماعيلَ السديِّ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قُدُمًا. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضر، عن عكرِمةَ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: قُدُمًا لا يَنْزِعُ عن فُجورٍ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيدِ بن جبير: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: سوف أتوبُ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يَرْكَبُ رأسه في طلب الدنيا دائبًا، ولا يَذْكُرُ الموت. ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: هو الأملُ، يأمُلُ (٣) الإنسانُ؛ أعيش وأصيبُ من الدنيا، كذا، وأصيب كذا. ولا يَذْكُرُ الموت (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل: يُرِيدُ الإنسانُ الكافرُ ليُكَذِّبَ بيومِ القيامة.

стр. 15811

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. يقول: الكافرُ يُكَذِّبُ بالحسابِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾. قال: يُكَذِّبُ بما أمامه؛ يوم القيامةِ والحسابِ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل يُرِيدُ الإنسانُ ليَكْفُرَ بالحقِّ بين يدي القيامةِ. والهاءُ على هذا القول في قوله: ﴿أَمَامَهُ﴾. من ذكر القيامة، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك قبلُ. وقوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يَسْأَلُ ابنُ آدمَ السائرُ دائبًا في معصيةِ اللهِ قُدُمًا: متى يومُ القيامةِ؟ تشويفًا منه للتوبة، فبيَّن الله له ذلك فقال: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عطية، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، [عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. قال: يقولُ: سوف] (٣)

стр. 15812

[أتوبُ. قال: فبيَّن له؛ ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ] (٢)، عن قتادة قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ: متى يومُ القيامة؟ قال: وقال عمر بن الخطاب ﵁: مَن سأل (٣) عن يوم القيامةِ فليَقرَأ هذه السورة (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾: متى يكون ذلك؟ فقرأ: ? ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: فكذلك يكونُ يومُ القيامة. وقوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾. اختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأه أبو جعفرٍ القارئُ ونافعٌ وابن أبي إسحاقَ: (فإذَا بَرَقَ). بفتحِ الراء، بمعنى شخَص وفُتِح عندَ الموتِ؛ وقرأ ذلك شيبةُ وأبو عمرٍو وعامةُ قرأة الكوفة: ﴿بَرِقَ﴾. بكسرِ الراءٍ، بمعنى: فزع وشقَّ (٥). وقد حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني حجاجٌ، عن

стр. 15813

هارونَ، قال: سألتُ أبا عمرو بن العلاء عنها، فقال: ﴿بَرِقَ﴾ له بالكسر، بمعنى: حارَ. قال: وسألتُ عنها عبد الله بن أبي إسحاق، فقال: (برق) بالفتح، إنما برق [الحَنْظَلُ اليابس، وما برق البصرُ؟! قال: فذكرتُ ذلك لأبى عمرٍو فقال: إنما يَبْرُقُ الحَنْظَلُ] (١) والنارُ والبرقُ. وأما البصرُ فبرق عند الموت. قال: فأخبرتُ بذلك أبا (٢) إسحاق، فقال: أخَذتُ قراءتي عن الأشياخ؛ نصر بن عاصم وأصحابه. فذكرت ذلك لأبى عمرو، فقال: لكنى لا آخُذُ عن نصرٍ ولا عن أصحابه. كأنه يقولُ: آخُذُ عن أهل الحجاز (٣). وأولى القراءتين في ذلك عندَنا بالصواب كسرُ الراء: ﴿فَإِذَا بَرِقَ﴾. بمعنى: فَزِع فشُقَّ وفُتِح من هول يوم (٤) القيامة وفزَع الموت. وبذلك جاءت أشعارُ العرب، أنشَدني بعض الرواة عن أبي عُبيدة للكلابيِّ (٥): لما أتاني ابنُ صُبَيحٍ راغِبًا … أعطيتُه عيْساء (٦) منها فبرق وحُدِّثتُ عن أبي زكريا الفرَّاءِ، قال (٧): أنشدني بعضُ العرب (٨):

стр. 15814

نعاني حنانةُ (١) طُوبالةً (٢) … تَسَفُّ يَبِسًا من العِشرِقِ (٣) فنفسَك فانْعَ ولا تَنْعَنى … وداو الكُلُوم ولا تَبْرَقِ ففتح الراء. وفسَّره أنه يقولُ: لا تفزَع من هول الجراحِ التي بك. قال: وكذلك يَبْرَقُ البصرُ يومَ القيامةِ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾: يعنى ببرقِ البصر الموتَ، وبروقُ البصرِ هي الساعةُ (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾. [قال: عند الموتِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾] (٦): شَخَص البصرُ (٧).

стр. 15815

وقولُه: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. يقولُ: ذهَب ضوء القمر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾. [يقولُ: وذهب ضوء القمر] (١) فلا ضوءَ له. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسن: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾: [هو ضوءُه] (٢)، يقولُ: ذهَب ضوءُه (٣). وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وجمع بينَ (٤) الشمسِ والقمر في ذهاب الضوء، فلا ضوءَ لواحدٍ منهما. وهى في قراءة عبدِ اللهِ فيما ذُكِر لى: (وجُمِع بينَ الشمس والقمر) (٥). وقيل: إنهما يُجمعان ثم يكوَّران، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]. وإنما قيل: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. لما ذكرت من أن معناه: جُمع بينهما، وكان بعضُ نحويِّى الكوفة يقولُ: إنما قيل: ﴿وَجُمِعَ﴾. على مذهبِ: وجمع النُّوران، كأنه قيل: وجُمع الضياءان. وهذا قولُ الكِسائيِّ (٦).

стр. 15816

وبنحوٍ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: كُوِّرا يومَ القيامةِ (١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: جُمِعا فرُمي بهما في الأرضِ. وقرَأ (٢): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: كوِّرت في الأرض والقمرُ معها (٣). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني سعيدُ [بنُ أبى] (٤) أيوب، عن أبى شيبةَ الكوفيِّ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، أنه تلا هذه الآية يومًا: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال: يُجمعان يوم القيامةِ، ثم يُقْذَفان في البحرِ، فيكونُ نارُ الله الكبرى (٥). وقولُه: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾. و (٦) بفتح الفاءِ قرأ ذلك قرَأَةُ الأمصارِ، لأن العينَ منه في "يفعل" (٧) مكسورةٌ، وإذا كانت العينُ من "يَفْعَلُ" مكسورةً،

стр. 15817

فإن العربَ تَفْتَحُها في المصدر منه، إذا نطقت به على "يَفْعِلُ" (١)، فتقولُ: فرَّ يَفِرُّ مَفَرًّا (٢). [بمعنى: فرارًا] (٣)، كما قال الشاعرُ (٤): يا لَبَكرٍ أنشروا لى كُلَيبا … يا لبكرٍ أين أينَ الفِرارُ (٥) [فإذا أُريد بهذا] (٦)، هذا المعنى من مفعل قالوا: أين المفرُّ؟ بفتح الفاء، وكذلك المدَبُّ من دبَّ يَدِبُّ، كما قال بعضُهم (٧). كأن بقايا الأَثر (٨) فوقَ متونِه … مَدَبُّ الدَّبَى (٩) فوقَ النقَا (١٠) وهو سارحُ وقد يُنْشَدُ بكسرِ الدالِ، والفتحُ فيها أكثرُ، وقد تَنْطِقُ العربُ بذلك، وهو مصدرٌ بكسر العين وزعَم الفرَّاءُ أنهما لغتان، وأنه سمع: جاء على مَدَبِّ السيل (١١)، ومَدِبِّ السيلِ (١١)، وما في قميصِه مَصَحٌّ ومَصِحٌّ. فأما البصريون فإنهم في المصدرِ يَفْتَحون العين من "مَفْعَل" إذا كان الفعلُ على يَفْعِل، وإنما يُجيزون كسرها إذا أريد بالمفعل المكانُ الذي يُفَرُّ إليه، وكذلك

стр. 15818

المضرِبُ: المكانُ الذي يُضْرَبُ فيه، إذا كُسِرت الراءُ. ورُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك بكسر الفاءِ، ويقولُ: إنما المفِرُّ: مَفرُّ الدابةِ حيث تَفِرُّ (١). والقراءة التي لا أَسْتَجِيرُ غيرَها: الفتحُ في الفاء من: ﴿الْمَفَرُّ﴾؛ لإجماع الحجة من القرأةِ عليها، وأنها اللغةُ المعروفةُ في العربِ، إذا أُريد بها الفرارُ، وهو في هذا الموضع بمعنى الفِرارِ. وتأويل الكلام: يقولُ الإنسانُ يومَ يُعايِنُ أهوال القيامة: أين الفرارُ (٢) من هول هذا الذي قد نزَل. ولا فرارَ. يقولُ الله جلَّ ذكرُه: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يقول جلَّ ثناؤه: ليس هنا (٣) فِرارٌ يَنْفَعُ صاحبه؛ لأنه لا ينجيه فرارُه، ولا شيء يَلْجَأُ إليه من حصنٍ ولا جبلٍ ولا مَعْقِلٍ من أمر الله الذي قد حضر، وهو الوزَرُ. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يقولُ: لا حِرْزَ (٤). حدثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يعنى (٥): لا حِصْنَ ولا مَلْجَأَ (٤).

стр. 15819

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا أدهمُ (١) بنُ طريفٍ، قال: سمِعتُ مُطَرِّفَ بنَ الشخِّيرِ يَقْرَأُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، فلما أَتَى على: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: هو الجبَلُ، إن الناسَ إذا فرُّوا قالوا: عليك بالوزرِ (٢). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، عن شعبة (٣)، عن أدهم، قال: سمعتُ مطرِّفًا يقولُ: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: كلَّا لَا جَبَلَ. حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجهضَمِيُّ، قال: ثني أبى، عن خالدِ بن قيسٍ، عن قتادة، عن الحسن: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: لا جبَلَ (٤). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ علية (٥)، عن أبى رجاءٍ، عن الحسن في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَر﴾. قال: كانت العربُ تُخِيفُ بعضها بعضًا، قال: كان الرجلان يَكُونان في ماشيتِهما فلا يَشْعُرَان بشيءٍ، حتى تَأْتِيهما الخيلُ، فيقولُ أحدُهما لصاحبه: يا فلان، الوزَرَ الوزَرَ. الجبَلَ الجبَلَ (٦). حدَّثنى أبو حفصٍ الجُبَيريُّ (٧)، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا أبو مودودٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَر﴾. قال: لا جبَلَ. حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ،

стр. 15820

عن أبي مودود، قال: سمعتُ الحسنَ. فذكَر نحوَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا وَزَرَ﴾: مَلْجَأَ ولَا جبَلَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: لا جبَلَ ولا حِرْزَ ولا مَنْجَى. قال الحسنُ: كانت العربُ في الجاهليةِ إذا خَشُوا عدوًّا قالوا: عليكم الوزرَ. أي: عليكم الجبلَ. حدَّثنا محمدُ بن عبيد [النَّحاسُ المحاربيُّ] (٢)، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ (٣)، عن أبى قلابةَ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾، قال: لا حِصنَ (٤). حدَّثنا أحمدُ بن هشامٍ، قال: ثنا عبيد الله، قال: أخبرنا سفيان، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبى قلابةَ بمثلِه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ، مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ طَهمانَ، عن قتادة في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. يقول: لا حِصْنَ (٥). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿لَا وَزَرَ﴾.

стр. 15821

قال: لا جبَلَ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن مولًى للحسن (٢)، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لَا وَزَرَ﴾: لا حِصْنَ (٣). [حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن شبيبٍ، عن أبي قلابةَ: ﴿لَا وَزَرَ﴾: لا حصن] (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي حُجَيرٍ (٥)، عن الضحاك: لا حصن (٦). حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾: يعنى: الجبل، بلغةِ حمير (٧). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾. قال: [لا مُتَغَيَّبَ يُتَغَيَّبُ] (٨) فيه من ذلك الأمر (٩) الذي لا منجَى له منه.

стр. 15822

وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إلى ربِّكَ أَيُّها الإنسانُ يومئذٍ الاستقرارُ، وهو الذي يُقِرُّ جميع خلقه مَقَرَّهم. واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحو الذي قلْنا فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. قال: استقَرَّ أهلُ الجنةِ في الجنة، وأهلُ النارِ في النارِ، وقرَأ قول الله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقال آخرون: عُنِى بذلك: إلى ربِّك المنتهى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. أي: المنتهى (١). القول في تأويل قوله : ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: يُخَبَّرُ الإِنسانُ يومَئِذٍ، يعنى يومَ يُجْمَعُ الشمس والقمرُ، فيُكَوَّران - بما قدَّم وأخَّر. واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: بما قدَّم من عمل خير أو شرٍّ أمامه؛ مما عمله في الدنيا قبل مماته، وما أخَّر بعدَ

стр. 15823

مماته من (١) حسنةٍ أو سيئةٍ، فيُعْمَلُ بها من بعده. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: ما عمِل قبلَ موتِه، وما سنَّ فعمل به بعد (٢) موته (٣). حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريم الجزريِّ، عن زياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود قال: ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾: من عمله، ﴿وَأَخَّرَ﴾: من سُنَّةٍ عُمل بها، من خيرٍ بعدَه أو شرٍّ (٤). وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنَبَّأُ الإنسان يومئذٍ بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة. ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعةِ، فَيْنبَأُ بذلك (٥). وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنبَّأُ بِأَوَّلِ عمله وآخره.

стр. 15824

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: بأوَّلِ عملِه وآخرِه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصور] (١) عن مجاهدٍ مثله. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثله. وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيم مثله (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من طاعةِ اللهِ، ﴿وَأَخَّرَ﴾ مِن حقوقِ الله التي ضيَّعها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: بما قدَّم من طاعةِ اللهِ، وأَخَّر مما ضَيَّع مِن حقوق الله. حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: بما قدَّم من طاعتِه، وأَخَّر مِن حقِّ اللهِ (٣).

стр. 15825

وقال آخرون: بل معنى ذلك: بما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ مما عَمِله، وما أخَّر مما ترَك من عملِه من طاعةِ اللهِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: ما: أخَّر ما ترَك من العملِ لم يَعْمَلُه، ما ترك من طاعةِ اللهِ لم يَعْمَلْ به، وما قدَّم: ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا، أنَّ ذلك خبرٌ مِنَ اللهِ أنَّ الإنسانَ يُنبأُ بكلِّ ما قدَّم أمامه، [مما عَمِل مِن خير أو شرٍّ في حياته] (٢)، وأَخَّر بعده، مِن سُنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ مما قدَّم وأخَّر، وكذلك ما قدَّم من عملٍ عَمِله من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّر بعده من عملٍ كان عليه فضيَّعه، فلم يَعْمَلْه مما قدَّم وأخَّر، ولم يَخْصُص اللهُ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ ذلك مما يُنبأُ به الإنسانُ يومَ القيامةِ. وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقول جلَّ وعزَّ: بل للإنسان على نفسه من نفسه رُقَبَاءُ يَرْقُبُونه بعمله، ويَشْهَدون عليه به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقولُ: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه
следующие страницы →