← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15751–15790 · переход к 15756.

стр. 15751

وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ذلك في سياق آياتٍ تقَدَّم فيهن أمرُ اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيِّه ﷺ بالجِدِّ في الدعاءِ إليه، والصبرِ على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكونَ مِن نوعِ (١) تلك، أشبهُ منها بأن تكونَ مِن غيرها. وذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أن ذلك في قراءتِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٢). وقولُه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولربِّك فاصبِرْ على ما لقيتَ فيه من المكروهِ. [واختلَفت عباراتُ أهلِ التأويلِ فيه؛ فقال بعضُهم فيه: هو الذي قلنا] (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: فاصبِرْ (٤) على ما أُوذيتَ (٥). حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: حُمِّل أمرًا عظيمًا؛ محاربةَ العربِ ثم العجمِ من بعدِ العربِ في اللهِ (٦).

стр. 15752

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولرَبِّك فاصْبِرْ على عَطِيتِك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: اصْبِرْ على عطيتِك (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ، قال: اصْبِرْ على عطيتِك للهِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾. قال: عطيتَك اصْبِرْ عليها. القولُ في تأويلِ قوله : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾. قال أبو جعفرٍ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: فإذا نُفِخ في الصُّورِ. فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ شديدٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ وأسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾: قال رسولُ اللهِ ﷺ " كيف أنْعَمُ وصاحب القرنِ قد الْتَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه

стр. 15753

يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فيه". فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ : كيف نقولُ؟ فقال: "تقولون: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ توَكَّلْنا" (١). حدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: إذا نُفِخ في الصورِ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ الحكمُ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: إذا نُفِخ (٣) في الصورِ (٤). حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: في الصورِ. قال: هو شيءٌ كهيئة البوقِ حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: هو يومُ يُنْفَخُ في الصورِ، [والناقورُ هو] (٥) الذي يُنْفَخُ فيه. قال ابنُ عباسٍ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج إلى أصحابِه، فقال: "كيف أنْعَمُ وصاحبُ القرنِ قد التَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه،

стр. 15754

ثم أقبل بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَةِ". فاشْتَدَّ ذلك على أصحابه، فأَمَرَهم أن يقولوا: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا. حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. يقولُ: الصُّورِ، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقولُ: شديدٌ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال الحسنُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: إذا نفخ في الصُّورِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. والناقورُ الصُّورُ، والصورُ الخَلْقُ، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾. يقولُ: شديدٌ (٣). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. يعنى الصُّورَ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع قولَه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: الناقورُ الصُّورُ (٢). قال: حدَّثنا مِهْرانُ (٤)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه. حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾. قال: الصُّورِ (٥) (٢).

стр. 15755

وقولُه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : كِلْ يا محمدُ أمرَ الذي خَلَقْتُه في بطنِ أمِّه وحيدًا لا شيءَ له من مالٍ ولا ولدٍ، إليَّ. وذُكِر أنه عُنى بذلك الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أَنْزَلَ اللهُ في الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميِّ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، وقولَه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .. إلى آخرِها (١) [الحجر: ٩٢]. حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. قال: خلَقْتُه وحدَه، ليس معه مالٌ ولا ولدٌ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن محمدِ بن شَريكٍ، عن ابن أبي نَحِيحٍ (٣)، عن مجاهدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. قال: نزَلَت في الوليدِ بن المغيرةِ، وكذلك الخلقُ كلُّهم (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ

стр. 15756

وَحِيدًا﴾: [وهو الوليدُ بنُ المغيرةِ، أخْرَجه اللهُ مِن بطنِ أمِّه وحيدًا] (١)، لا مالَ له ولا ولدَ، فرزَقه اللهُ المالَ والولدَ والثروةَ والنَّماءَ (٢). حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ حتى بلَغ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. قال: هذه الآياتُ أُنْزِلت في الوليدِ بن المُغيرةِ. حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يعنى الوليدَ بنَ المغيرةِ. وقولُه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هذا المالِ الذي ذكَره اللهُ، وأَخْبَر أنه جعَله للوحيدِ ما هو، وما مبلغُه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك دنانيرَ، ومبلغُها ألفُ دينارٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: كان مالُه ألفَ دينارٍ (٣). حدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عمرانَ الكوفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: ألفَ دينار (٤).

стр. 15757

وقال آخرون: كان أربعةَ آلافِ دينارٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال: بلَغَني أنه أربعةُ آلافِ دينارٍ. وقال آخرون: كان ماله أرضًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: الأرضَ (١). حدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ مثلَه. وقال آخرون: كان ذلك غَلَّةَ شهرٍ بشهرٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَلْبَسٌ إمامُ مسجدِ ابن عُليةً، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ ﵁ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾. قال: غلة شهرٍ بشهرٍ (٢).

стр. 15758

حدثَّني أبو حفصٍ الجُبَيرِيُّ (١)، قال: ثنا حَلْبَسٌ الضُّبَعيُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يقلْ: عن عمرَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا غالب بنُ حَلْبَسٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يَقُلْ: عن عمرَ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا حَلْبَسُ بنُ محمدٍ العِجْليُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه. والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾، وهو الكثيرُ، الممدود عدده أو مساحته. القولُ في تأويلِ قوله : ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْتُ له بنينَ شُهودًا. ذُكِر أنهم كانوا عشرةً. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾. قال: كان بَنُوه عشرةً (٣). وقولُه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وبسَطْتُ له في العيشِ

стр. 15759

بَسْطًا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: بُسِط له. حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. قال: من المالِ والولدِ (١). وقولُه: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَأْمُلُ ويَرْجُو أَن أَزِيدَه مِن المالِ والولدِ، على ما أعْطَيْتُه، ﴿كَلَّا﴾. يقولُ: ليس ذلك كما يَأْمُلُ ويَرْجُو، مِن أن أزيدَه مالًا وولدًا وتمهيدًا في الدنيا، ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. يقولُ: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا كان لآياتِنا؛ وهى حُجَجُ الله على خلقِه، مِن الكتبِ والرسلِ، ﴿عَنِيدًا﴾. يعنى مُعانِدًا للحقِّ مجانبًا له، كالبعير العنُودِ، ومنه قولُ القائلِ (٢): إذا نزَلْتُ فَاجْعَلانِي وَسَطَا … إني كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. يقولُ: لآيتِنا جَحودًا (٣). حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني

стр. 15760

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو: مُعانِدًا لها. وقال الحارثُ: معاندًا عنها، مُجانبًا لها (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنِيدًا﴾. قال: مُعاندًا للحقِّ مُجانبًا. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: [﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كَفُورًا بآياتِ اللهِ، جَحودًا بها (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾] (٣). قال: مُشاقًا، وقيل: عَنيدًا. وهو من عانَد مُعانَدَةً فهو مُعانِدٌ، كما قيل: عامٌ قابلٌ، وإنما هو مُقْبِلٌ. وقولُه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سأكَلِّفُه مشقةً من العذاب، لا راحةَ له فيها (٤). وقيل: إِن الصَّعودَ جبلٌ من (٥) النارِ، يُكَلَّفُ أهلُ النارِ صعودَه. ذكرُ الرواية بذلك حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدِ بن زائدةَ، قال:

стр. 15761

ثنا شَريكٌ، عن [عمارٍ الدُّهنِيِّ] (١)، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ : ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: "هو جبلٌ في النارِ من نارٍ يُكَلَّفون أن يَصْعَدوه، فإذا وضَع يدَه ذابَت، فإذا رفَعها عادَت، فإذا وضَع رجلَه كذلك" (٢). حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثُ، عن دَرَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعودُ جبلٌ مِن نارٍ، يَصْعَدُ فيه سبعين خَريفًا، ثم يَهْوى به كذلك منه أبدًا" (٣). حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: مشقةً من العذابِ] (٤). حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. أي: عذابًا لا راحةَ فيه (٥). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿سَأُرْهِقُهُ

стр. 15762

صَعُودًا﴾. قال: مشقةً من العذابِ. حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾. قال: تعبًا من العذابِ. القولُ في تأويلِ قوله : ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا، فكَّر فيما أنْزَل اللهُ (١) على عبدِه محمدٍ ﷺ من القرآنِ، وقدَّر ما (٢) يقولُ فيه. ﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فلُعِن كيف قدَّر ما هو قائلٌ فيه. ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾] (٣). يقولُ: ثم لعن كيف قدَّر القولَ (٤) فيه. ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. يقولُ: ثم روَّى في ذلك. ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾. يقولُ: ثم قبَض ما بينَ عينيَه، ﴿وَبَسَرَ﴾. يقولُ: كلَح [وكَرُه] (٥) وجهُه، ومنه قولُ تَوْبةَ بن الحُمَيِّرِ (٦): وقد رابَني منها صدودٌ رأيْتُه … وإعراضُها عن حاجتي وبُسُورُها وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبارُ عن الوحيدِ أنه فعَل.

стр. 15763

ذكرُ [من قال ذلك] (١) حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبادِ (٢) بن منصورٍ، عن عكرمةَ، أن الوليدَ بنَ المغيرةِ جاء إلى النبيِّ ﷺ ، فقرَأ عليه القرآنَ، فكأنه رَقَّ له، فبلَغ ذلك أبا جهلٍ، فأتاه (٣)، فقال: [أي عمِّ] (٤)، إن قومَك يُريدون أن يَجْمَعوا لك مالًا. قال: لمَ؟ قال: يُعْطُونكه، فإنك أتيْتَ محمدًا تَتَعَرَّضُ لمَا قِبَلَه. قال: قد علِمَت قريشٌ أنى أكثرُها مالًا. قال: فقلْ فيه قولًا يَعْلَمُ قومُك أنك مُنْكِرٌ لما قال، وأنك كارهٌ له. قال: فماذا أقولُ فيه، فواللهِ ما منكم رجلٌ أعلمُ بالشعرِ منى، ولا أعلمُ برَجَزِه منى، ولا بقَصيده، ولا بأشعارِ الجنِّ، واللهِ ما يُشْبِهُ الذي يقولُ شيئًا مِن هذا، واللهِ إن لقولِه [الذي يقولُ] (٥) لَحلاوةً، وإنه لَيَحْطِمُ ما تحتَه، وإِنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى. قال: واللهِ لا يَرْضَى قومُك حتى تقولَ فيه. قال: فدَعْنى حتى أُفَكِّر فيه. فلما فكَّر قال: هذا سحرٌ يَأْثُره عن غيرِه. فنَزَلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. قال قتادةُ: خرَج من بطنِ أمِّه وحيدًا، فنَزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ﴾ (٦). حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ إلى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾. قال: دخَل الوليدُ بنُ المغيرةِ على أبى بكرِ بن أبي قُحافةَ ﵁، يَسْأَلُه عن

стр. 15764

القرآنِ، فلمَّا أَخْبَره خرَج على قريشٍ، فقال: يا عَجَبًا لما يقولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فواللهِ ما هو بشعرٍ، ولا بسحرٍ، ولا بهَذيٍ من الجنونٍ، وإن قولَه لَمِن كلامِ اللهِ، فلمَّا سمَع بذلك النفرُ من قريشٍ ائْتَمروا، وقالوا: واللهِ لئن صبَأ الوليدُ، لتَصْبَأَنَّ قريشٌ. فلما سمِع بذلك أبو جهلٍ قال: أنا واللهِ أكْفِيكم شأنَه. فانْطَلَق حتى دخَل عليه بيتَه، فقال للوليد: ألم تَرَ قومَك قد جمَعوا لك الصدقةَ؟ قال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال له أبو جهلٍ: يَتَحَدَّثون أنك إنما تَدْخُلُ على ابن أبي قُحافةَ لتُصِيبَ مِن طعامِه. قال الوليدُ: قد [تَحدَّثَ بهذا] (١) عَشِيرتي، [فَلَايْمُ جَابِرِ بن قُصَيٍّ] (٢)، لا أَقْرَبُ أبا بكرِ، ولا عمرَ ولا ابنَ أبى كبشةَ، وما قولُه إلا سحرٌ يُؤثر. فأنْزَل اللهُ على نبيِّه ﷺ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. زعَموا أنه قال: واللهِ لقد نظَرْتُ فيما قال هذا الرجلُ، فإذا هو ليس بشعرٍ، وإنَّ له لَحلاوةً، وإن عليه لَطَلاوةً، وإنه لَيعلو وما يُعْلَى، وما أَشُكُ أنه سحرٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الآيةَ، ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَه: قبض ما بينَ عينيه وكلَح (٤). حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ يومَ دارِ النَّدوةِ.

стр. 15765

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. يعنى: الوليدُ بنُ المغيرةِ، دعاه نبيُّ اللهِ ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أَنْظُرَ. فَفَكَّر، ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، فجعل اللهُ له سقَرَ. حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال: هذا الوليدُ بنُ المغيرةِ، قال: سأَبْتارُ (١) لكم هذا الرجلَ الليلةَ. فأتَى النبيَّ ﷺ ، فوجَده قائمًا يُصَلِّي ويَقْتَرِئُ، وأتاهم فقالوا: مَهْ. قال: سَمِعْتُ قولًا حُلْوًا أخضرَ مُثْمِرًا يَأْخُذُ القلوبَ. فقالوا: [هو شعرٌ] (٢). فقال: لا واللهِ، ما هو بالشعرِ، ليس أحدٌ أعلمَ بالشعرِ منى، أليس قد عرَضَت عليَّ الشعراءُ شعرَهم، نابغةُ وفلانٌ؟ قالوا: فهو كاهنٌ. فقال: لا واللهِ ما هو بكاهنٍ (٣)، قد عرَفتُ (٤) الكَهانَة. قالوا (٥): فهذا سحرُ الأَوَّلِين اكْتَتَبه. قال: لا أدرى، إن كان شيئًا فعسى، هو إذن سحرٌ يُؤْثَرُ. فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بشعرٍ، ثم قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بكَهانةٍ. وقولُه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم ولَّى عن الإيمانِ بما أَنْزَل اللهُ من كتابِه والتصديقِ به، واسْتَكْبر عن الإقرارِ بالحقِّ. فَقَالَ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: فقال إن هذا الذي يتلوه محمدٌ، إلا سحرٌ] (٦)

стр. 15766

يَأْثُره عن غيره. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال: يَأْخُذُه عن غيرِه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزينٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. قال: يَأْثُرُه عن غيرِه (١). وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الوحيدِ في القرآنِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يَتْلُوه محمدٌ إلا قولُ البشرِ، يقولُ: ما هو إلا كلامُ ابن آدمَ، وما هو بكلامِ اللهِ. القولُ في تأويلِ قوله : ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، سَأُورِدُه بابًا مِن أبوابِ جهنَم، اسمُه سَقَرُ، ولم يُجْرَ ﴿سَقَرَ﴾؛ لأنه اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ.

стр. 15767

وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأى شيءٍ أدْراك يا محمدُ، أَيُّ شيءٍ سَقَرُ؟ ثم بَين جلَّ وعزَّ ما سَقَرُ، فقال: هي نارٌ، ﴿لَا تُبْقِي﴾ [مَن فيها حيًّا، ﴿وَلَا تَذَر﴾] (١) من فيها ميتًا (٢)، ولكنها تُحْرِقُهم كلما جُدِّد خَلْقُهم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن (٣) ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. قال: لا تُمِيتُ ولا تُحيِى (٤). حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٥)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا [ابنُ أبي] (٦) ليلى، عن مَزِيدةَ (٧) في قولِه: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾. قال: لا تُبْقِى منهم شيئًا أن تَأْكُلهم، فإذا خُلِقوا لها لا تَذَرُهم حتى تَأْخُذَهم فتَأْكُلهم. وقولُه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه: مُغَيَّرةٌ لبَشَرةِ أهلها، والدَّوَّاحةُ مِن نعتِ سَقَر، وبالردِّ عليها رُفِعَت، وحسُن الرفعُ فيها، وهى نكرةٌ وسَقَرُ معرفةٌ، لما فيها

стр. 15768

مِن معنى المدحِ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. قال: الجِلْدِ (١). حدثَّني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. قال: تَلْفَحُ الجُلْدَ لَفْحةً، فتَدَعُه أَشدَّ (٢) سَوادًا مِن الليلِ. حدثَّني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم (٣)، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. أي: تُلَوَّحُ أجسادُهم عليها (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. أي: حَرَّاقةٌ للجلدِ (٥). حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ (٦): ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ: تُحرِقُ بشَرةَ الإنسانِ (٤).

стр. 15769

حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. قال: تُغَيِّرُ البَشَرَ، تُحرِقُ البَشَرَ، يقالُ: قد لاحَه استقبالُه السماءَ، ثم قال: و (١) النارُ تُغَيِّرُ ألوانَهم. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رزَينٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: غيَّرت جلودهم فاسْوَدَّت. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزينٍ، مثلَه (٢). حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يعنى: بَشَرِ الإنسانِ، يقولُ: تُحْرِقُ بَشَرَه. ورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ: مُعَرِّضَةٌ (٣). وأخْشَى أن يكونَ خبرُ عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ هذا، غَلَطًا، وأن يكونَ موضِعُ "مُعَرِّضة" "مُغَيِّرة"، لكن صُحِّف فيه. وقولُه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: على سَقَرَ تسعةَ عَشَرَ مِن الخَزَنةِ.

стр. 15770

وذُكرِ أن ذلك لما أُنْزِل على رسولِ الله ﷺ ، قال أبو جهلٍ ما حدثَّني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فَلمَّا سمِع أبو جهلٍ بذلك قال لقريشٍ: ثكِلَتْكم أمَّهاتكم، أَسْمَعُ ابنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُم أَن خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ (١)، أفيَعْجِزُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يَبْطِشوا برجلٍ مِن خَزنةِ جهنمَ؟ فأوْحى [الله ] (٢) إلى رسولِ اللهِ ﷺ أن يأتيَ أبا جهلٍ، فيَأْخُذ بيدِه في بَطْحَاءِ مكةَ، فيقولَ له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥،٣٤] فلما فعل ذلك به رسولُ اللهِ ﷺ قال أبو جهلٍ: واللهِ لا تَفْعَلُ أنت وربُّك شيئًا. فأخزاه اللهُ يومَ بدرٍ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. ذُكر لنا أن أبا جهلٍ حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريشٍ، أما يَسْتطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أن يَغْلِبوا واحدًا مِن خَزَنَةِ النار وأنتم الدُّهُمُ؟ فصاحبُكم يحدِّثُكُم (٤) أَنَّ عليها تسعةَ عَشَرَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال أبو جهلٍ: يحدِّثُكم (٥) محمدٌ أَنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عَشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ؛ ليَجْتَمِعُ كُلُّ عَشَرَةٍ على واحدٍ (٦).

стр. 15771

حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. قال: خَزَنَتُها تسعةَ عَشَرَ. وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَلْنا خَزَنَةَ النارِ إلا ملائكةٌ، يقولُ لأبي جهلٍ في قولِه لقريشٍ: أما يَسْتَطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أنْ تَغْلِبَ منهم (١) واحدًا؟ فمن ذا يَغْلِبُ خَزَنَةَ النارِ، وهم الملائكةُ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾. قال: ما جعَلْناهم رجالًا، فيأخُذ كلُّ رجلٍ رجلًا، كما قال هذا. وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقولُ: وما جَعَلْنا عِدَّةَ هؤلاءِ الخَزَنةِ: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. [يقولُ: إلا بلاءً للذين كفَروا] (٢) باللهِ مِن مُشركي قريشٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾: إلا بلاءً.

стр. 15772

وإنما جعَلَ الله جلَّ وعزَّ الخبَرَ عن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم فتنةً للذين كفروا؛ لتكذيبهم بذلك، وقولِ بعضِهم لأصحابِه: أنا أكْفِيكُموهم. ذكرُ الخبر عمَّن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. قال: جُعِلوا فتنةً، قال أبو الأشدِّ بنُ الجُمَحِيِّ: لا يبلغون رَتْوَتى (١) حتى أُجْهِضَهم عن جهنمَ (٢). وقولُه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لِيَسْتَيْقِنَ أَهلُ التوراةِ والإنجيلِ حقيقةَ ما في كُتُبهم من الخبرِ عن عدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم، إذا (٣) وافَق ذلك ما أَنْزَل الله في كتابِه على محمدٍ ﷺ . وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾. قال: وإنَّها في التوراةِ والإنجيلِ تسعَةَ عشَرَ. فأراد اللهُ أَنْ يَسْتَيْقِنَ أهل الكتابِ، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا (٤).

стр. 15773

حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم، عِدَّةُ خَزَنَةِ أَهلِ النارِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: يُصَدِّقُ القرآن الكتب التي كانت قبلَه، فيها كلِّها؛ التوراةِ والإنجيلِ: أنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعَةَ عَشَرَ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. قال: لِيَسْتَيْفِنَ أهلُ الكتابِ حينَ وافَق عِدَّةُ خَزَنَةِ النارِ ما في كُتُبِهم (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عِدَّةُ خَزَنَةِ جهنمَ تِسْعَةَ عَشَرَ في التوراةِ والإنجيلِ (٤). وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أَنك رسولُ اللهِ. وقولُه: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَزْداد الذين آمنوا

стр. 15774

باللهِ تصديقًا إلى تَصْدِيقِهم بالله وبرسوله، بتَصْدِيقِهِم بِعِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم. وقوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: ولا يَشُكُّ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ في حقيقةِ ذلك، والمؤمنون باللهِ من أمةِ محمدٍ ﷺ . وقولُه: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَقُولُ الذين في قلوبِهم مرضُ النفاقِ، والكافرون باللهِ مِن مشركي قريشٍ: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. أي: نفاقٌ (١). حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾. [يقولون: حينَ] (٢) يُخَوِّفُنا بهؤلاء التسعةَ عَشَرَ. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كما أضَلَّ الله هؤلاء المنافقين والمشركين، القائلين في خبرِ اللهِ جَلَّ وعزَّ عَن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم: أيُّ شيءٍ أراد اللهُ بهذا الخبرِ مِن المَثَلِ حينَ يُخوِّفنا بذِكْرِ عِدَّتِهم. [وهَدى به المؤمنين] (٣)، فازْدادوا بتَصْدِيقهم إلى إيمانِهم إيمانًا: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقِه فيَخْذُلُه عن إصابةِ الحقِّ: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيُوفِّقُه لإصابةِ الصوابِ، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ مِن كَثْرَتِهم (٤)، ﴿إِلَّا هُوَ﴾. يعنى: الله.

стр. 15775

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. أي: مِن كَثْرتِهم (١). وقولُه: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما النارُ التي وصَفْتُها إلا تذكرةٌ أُذَكِّرُ بها البَشَرَ، وهم بنو آدمَ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى [لِلْبَشَرِ﴾. يعنى النارَ] (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. قال: النارُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾: ليس القولُ كما يقولُ مَن زعم أنه يَكْفِى أصحابَه المشركين خَزَنَةَ جهنَم [التسعةَ العشَرَ] (٤) حتى

стр. 15776

يُجْهِضَهم عنها، ثم أَقْسَم ربُّنا جلَّ ذكرُه فقال: ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾. يقولُ: والليل إذا (١) ولَّى ذاهبًا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾: إذا (١) ولَّى (٢). وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وَاللَّيْلِ [إِذا دَبَرَ] (٣)) قال: دُبُورُه إظلامُه (٤). واختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ (٥)، وبعضُ قرَأَةِ مكةِ والكوفةِ: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ (٦). [وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ فيما ذُكِر عنه يقولُ: قريشٌ تقولُ: دبرَ الليلُ. وقرأ ذلك بعضُ قرَأَةِ مكةَ وبعضُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ: (إذا دَبَر)] (٧) (٨). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى،

стр. 15777

فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. وقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ في ذلك؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: هما لغتان، يقالُ: دَبَرَ النهارُ [وأَدْبَر] (١)، ودَبَرَ الصيفُ وأَدْبَر (٢). وكذلك: قَبَل وأَقْبَل. فإذا قالوا: أَقْبَل الراكبُ وأَدْبَر. لم يقولوه إلا بالألفِ. وقال بعضُ البصريِّين: (واللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ). يعنى: إذا دبَر النهارَ وكان في آخرِه، قال: ويقالُ: دبَرنى. إذا جاء خَلْفِى، وأَدْبَر. إذا ولَّى. والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما لغتان بمعنًى؛ وذلك أنه مَحْكِيٌّ عن العربِ: قَبَح الله ما قَبَل منه وما دَبَر. وأخرى أنَّ أهل التفسيرِ لم يُمَيِّزوا في تفسيرِهم (٣) بينَ القراءتين، وذلك دليل [على أنَّهم] (٤) فعَلوا ذلك كذلك؛ لأنهما بمعنًى واحدٍ. وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والصبحِ (٥) إذا أضاء. [كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾: إذا أَضاء] (٦) وأقبل (٧). ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ جهنمَ لإحْدَى الكُبَرِ، يعنى (٨).

стр. 15778

الأمورَ العِظامَ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. [يعنى: جهنمَ] (١). [حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يعني: جهنمَ] (٢). حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُميع، عن أبى رَزِينٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: جهنمَ (٣). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: هذه النارُ. حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: هي النارُ (٤).

стр. 15779

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يعنى: جهنمَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. يعنى: جهنمَ (١). وقولُه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ النارَ لإحْدَى الكُبَرِ، نذيرًا لبنى آدمَ. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾، وما الموصوفُ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك النارُ، وقالوا: هي صفةٌ للهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾، وقالوا: هي النذيرُ، فعلى قولِ هؤلاءِ "النذير" نُصِب على القطعِ من "إحدى الكُبَرِ"؛ لأنَّ إحْدَى الكُبَرِ" معرفةٌ، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرةٌ، والكلامُ قد يَحْسُنُ الوقوفُ عليه دونَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: والله ما أُنْذِرَ الناسُ بشيءٍ أَدهى منها، أو بداهيةٍ هي أَدْهى منها (١). وقال آخرون: بل هي مِن صفةِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عن نفسِه، أنه نذيرٌ لخَلْقِه، وعلى هذا القولِ، يَجِبُ أن يكونَ نَصْبُ قوله: ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروجِ مِن جملةِ الكلامِ المتقدَّمِ، فيكونُ معنى الكلامِ: وما جعَلْنا أصحابَ

стр. 15780

النارِ إلا ملائكة نذيرًا للبشر، يعنى: إنذارًا لهم، فيكونُ قولُه: ﴿نَذِيرًا﴾ (١). بمعنى: إنذارًا (٢)، كما قال: [﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾] (٣) [الملك: ١٧]. بمعنى إنذارِى، ويكونُ أيضًا بمعنى: إنَّها لإحْدَى الكُبَرِ، صيَّرنا ذلك كذلك نذيرًا، فيكونُ قولُه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدِّيًا عن معنى صَيَّرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قَصْدُ مَن قال ذلك إن شاء اللهُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينِ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾. قال: جهنمَ، ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: أنا لكم منها نذيرٌ، فاتَّقُوها (٤) وقال آخرون: بل ذلك مِن صفةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقالوا: نُصِب "نذيرا" على الحالِ، مما في قولِه: ﴿قُمْ﴾. وقالوا: معنى الكلامِ: قُم نذيرًا للبشرِ فَأَنْذِرْ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. قال: الخلْقِ، قال: بنو آدمَ البشرُ، فقيل له: محمدٌ النذيرُ؟ قال: نعم يُنْذِرُهم (٥). وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: نذيرًا للبشرِ، لمن شاء منكم أيُّها الناسُ أنْ يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيةِ اللهِ.

стр. 15781

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾. قال: مَن شَاء اتَّبَع طاعةَ اللهِ، ومَن شاء تأخَّر عنها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾: يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيتِه (٢). القول في تأويلِ قولِه : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾. قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ نفسٍ مأمورةٍ منهيةٍ بما عَمِلت من معصيةِ الله في الدنيا، رهينةٌ في جهنمَ، ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾؛ فإنَّهم غيرُ مُرْتَهَنين، ولكنَّهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن

стр. 15782

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. يقولُ: مأخُوذَةٌ بعملِها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: غَلق (٢) الناسُ كلُّهم إلا أصحابَ اليمينِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: لا يُحاسَبون (٤). حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: أصحابُ اليمينِ لا يُرْتَهَنُون بذنوبهم، ولكنْ يَغْفِرُها (٥) اللهُ لهم. وقرَأ قول اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] قال: لا يُؤاخِذُهم اللهُ بسَيِّئ أعمالِهم، ولكنْ يَغْفِرُها (٦) لهم، ويتجاوزُها عنهم كما وعَدهم. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾. قال: كلُّ نفسٍ سبَقَتْ

стр. 15783

لها (١) كلمةُ العذاب، يَرْتَهنُها (٢) اللهُ في النارِ، لا يَرْتَهِنُ الله أحدًا من أهلِ الجنةِ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. يقولُ: ليسوا رهينةً، ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: إن كان أحدهم سبقَتْ له كلمة العذابِ جُعِل مَنْزله في النارِ، يكونُ فيها رَهْنًا، وليس يُرْتَهِنُ أحدٌ مِن أهلِ الجنةِ، هم في جناتٍ يتساءلون. واختلَف أهلُ التأويلِ في أصحابِ اليمينِ الذين ذكرَهم اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هم أطفالُ المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ فُضَيل، عن الأعمشِ، [عن عثمانَ] (٤)، عن زاذانَ، عن عليٍّ ﵁ في هذه الآيةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: هم الولدانُ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ أبي اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ إلَّا أَصْحَب اليمين. قال: أطفال المسلمين.

стр. 15784

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عثمانَ بن عميرٍ أبى اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: أولادَ المسلمين (١). [حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى اليقظانِ، عن زاذانَ، عن عليٍّ، ﵁: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾. قال: هم الولدانُ] (٢). [وقال آخرون: هم الملائكةُ. ذكرُ مَن قال ذلك] (٢) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هم الملائكةُ (٣). وإنما قال من قال: أصحابُ اليمينِ في هذا الموضعِ هم الولدانُ وأطفالُ المسلمين. ومن قال: هم الملائكةُ. لأنَّ هؤلاء لم يكنْ لهم ذنوبٌ، وقالوا: لم يكونوا ليَسْأَلوا المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، إلا أنهم لم يَقْتَرِفوا في الدنيا مأثمًا (٤)، ولو كانوا اقْتَرفوها وعرفوها، لم يكونوا ليَسْأَلوهم عما سلَكهم (٥) في

стр. 15785

سَقَرَ؛ لأنَّ كلَّ مَن دخل الجنةَ (١) من بنى آدمَ ممَّن بلَغ حدَّ التكليفِ ولزِمه فرضُ الأمرِ والنَّهْي، قد علمِ أنَّ أحدًا لا يُعاقَبُ إلا على المعصيةِ. وقولُه: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقولُ: أصحاب اليمينِ في بساتينَ، يتساءلون عن المجرمين (٢) الذين سُلِكوا في سَقَرَ: أيُّ شيءٍ (٣) سلَككم في سَقَرَ؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. يقولُ: قال المجرمون لهم: لم نَكُ في الدنيا من المصلِّين للهِ وحدَه (٤). ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بُخْلًا بما خوَّلهم اللهُ، ومنْعًا له من حقِّه. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. يقولُ: وكنا نخوضُ في الباطلِ، وفيما يَكْرهُه اللهُ مع كلِّ (٤) مَن يخوضُ فيه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. قال: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَوْا (٥) معه. حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾. قال: يقولون: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَيْنا معه (٦). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾.

стр. 15786

قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وكنا نكذِّبُ بيومِ المجازاةِ والثوابِ والعقابِ (١)، فلا (٢) نصدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ ولا حسابٍ، ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. يقولُ: قالوا (٣): حتى أتانا الموتُ الموقَنُ به، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. يقولُ: فما يَشْفَعُ لهم الذين شَفَّعهم اللهُ في أهلِ الذنوبِ مِن أهلِ التوحيدِ، فتنفعَهم شفاعتُهم. وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الله تعالى ذكرُه مُشَفَّعٌ بعضَ خَلْقِه في بعضٍ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها من (٤) الشفاعةِ، قال: ثم تَشْفَعُ الملائكةُ والنبيون والشهداءُ والصالحون والمؤمنون، ويُشفِّعُهم اللهُ فيقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. فيُخْرِجُ مِن النارِ أكثرَ مما أُخرج مِن جميعِ الخلقِ من النارِ، ثم يقولُ: أنا أرحمُ الراحمين. ثم قرَأ عبدُ اللهِ: يا أيُّها الكفارُ، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. وعقَد بيدِه أربعًا، ثم قال: هل تَرَوْن في هؤلاء من خيرٍ؟ ألا ما يُتْركُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ (٥).

стр. 15787

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عمِّي وإسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي الزَّعراءِ، قال: قال عبدُ اللهِ: لا يَبْقى في النارِ إلا أربعةٌ، أو ذو الأربعةِ - الشكُّ مِن أبي جعفرٍ الطبريِّ - ثم يَتْلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ المؤمنين يومَ القيامةِ. ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ مِنْ أمتى رجلًا يُدْخِلُ الله بشفاعتِه الجنةَ أكثرَ مِن بني تميمٍ". قال الحسنُ: أكثرُ من ربيعةَ ومضرَ، كنا نُحدَّثُ أنَّ الشهيدَ يَشْفَعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (١). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قال: تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ بعضَهم في بعضٍ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ (٣) ثورٍ، عن معمرٍ، و (٤) أخبرَني مَن سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إنَّ الرجلَ ليَشْفَعُ للرجلين والثلاثةِ والرجلِ (٥). حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى قال: ثنا ابنُ (١) ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبى

стр. 15788

قلابةَ، قال: يُدْخِلُ اللهُ بشفاعةِ رجلٍ مِن هذه الأمةِ الجنةَ، مثلَ بني تميمٍ. أو قال: أكثرَ مِن بني تميمٍ (١). وقال الحسنُ: مثلُ ربيعةَ ومُضَرَ (٢). وقولُه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. يقولُ: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرةِ اللهِ إيَّاهم بهذا القرآنِ مُعْرِضِين، لا يَسْتمِعون لها، فيتَّعِظوا ويَعْتَبِروا. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي عن هذا القرآنِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فما لهؤلاء المشركين باللهِ عن التذكرة مُعْرِضين. مولِّين عنها توليةَ الحُمُرِ المستنفِرةِ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك [عامةُ قرأةِ المدينة: (مُسْتَتَفَرَةٌ) بفتحِ الفاءِ (٤)، بمعنى مذعورةٌ قد ذعَرتها القسورةُ. وقرَأته] (٥) عامهُ قرأَةِ

стр. 15789

الكوفةِ والبصرةِ بكسرِ الفاءِ، وهى (١) قراءةُ بعضِ المكيِّين أيضًا بمعنى نافرةٍ (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وكان الفرَّاءُ يقولُ (٣): الفَتْحُ والكَسْرُ في ذلك كثيران في كلامِ العربِ؛ وأنشَد: أمْسِكْ حِمارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ … في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب وقولُه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القَسْوَرَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الرماةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ (٤). حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي موسى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: الرماةِ (٥). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: هي الرماةُ (٦).

стр. 15790

[قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ] (١)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله. حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾. قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ] (٢). زاد الحارثُ في حديثِه قال: وقال بعضُهم في القَسْوَرَةِ: هو الأسَدُ. وبعضُهم: الرماةُ. حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. قال: القَسْوَرَةُ الرماةُ. فقال رجلٌ (٣) لعكرمةَ: هو الأَسَدُ بلسان الحبشةِ؟ فقال عكرمة: اسمُ الأسدِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾. [قال: الرماةِ] (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ،
следующие страницы →