كما حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاء، قال: قال الحسن في قوله: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: صفاءُ القواريرِ في بياضِ الفضةِ (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: بياضُ الفضةِ في صفاءِ القواريرِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: كان ترابُها مِن فضةٍ (٢).
وقولُه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، قال: صفاءُ الزجاجِ في بياضِ الفضةِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: لو احتاج أهلُ الباطلِ أن يَعْمَلُوا إناءً مِن فضةٍ، يُرى ما فيه مِن خَلْفِه كما يُرى ما في باطنِ (٣) القواريرِ، ما قَدَرُوا عليه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: هي مِن فضةٍ، وصفاؤُها صفاءُ القواريرِ وبياضُ الفضةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال: على صفاءِ القواريرِ وبياضِ الفضةِ.
وقولُه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. يقولُ: قدَّروا تلك (٥) الآنيةَ التي يُطافُ عليهم بها
стр. 15892
تقديرًا على [قَدْرِ رِيِّهم] (١)، لا تزيد ولا تَنْقُصُ عن ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قُدِّرتْ لرِيِّ القومِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: [قَدْرَ ريِّهم] (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عبيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: لا تَنْقُصُ ولا تَفِيضُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: لا تَتْرَعُ (٤) فتُهَرَاقَ، ولا يَنقُصُون [مِن مائِها] (٥) فتَنْقُصَ، فهي مَلْأَى.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾: قدَّروها لرِيِّهم (٦).
стр. 15893
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾.
قال: قُدِّرَتْ على رِيِّ القومِ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قدَّروها لريِّهم على قَدْرِ شُرْبِهم؛ أهلُ الجنةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٌ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: مُمْتَلِئةٌ لا تُهَراقُ، وليست بناقصةٍ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قَدَّروها على قَدْرِ الكفِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾. قال: قُدِّرَتُ للكفِّ (٣).
واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿قَدَّرُوهَا﴾ بفتح القافِ، بمعنى: قدَّرها لهم السُّقاةُ الذين يَطُوفون بها عليهم. ورُوِى عن الشعبيِّ وغيرِه من المتقدمين، أنَّهم قرءَوا ذلك بضمِّ القافِ: (قُدِّروها) (٤) بمعنى: قُدِّرَتْ عليهم، فلا زيادةَ فيها ولا نُقْصَانَ.
стр. 15894
والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها فتحُ القافِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأَةِ عليه.
قولُه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويُسْقَى هؤلاء الأبرارُ في الجنةِ كأسًا؛ وهى كلُّ إناءٍ كان فيه شرابٌ، فإذا كان فارغًا مِن الخَمْرِ لم يُقَلْ له: كأس. وإنما يقالُ له: إناءٌ. كما يقالُ للطَّبَقِ الذي تُهْدَى فيه الهديةُ: المِهْدَى. مقصورًا، ما دامت عليه الهديةُ، فإذا فَرَغ مما عليه كان طَبَقًا أو خِوَانًا ولم يكنْ، مِهْدًى، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. يقولُ: كان مِزاجُ شرابِ الكأسِ (١) التي يُسْقَون منها زَنْجَبِيلًا.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يُمْزَجُ لهم شرابُهم بالزَّنْجَبِيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. قال: تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾. قال: يَأْثُرُ (٣) لهم ما (٤) كانوا يشربون في الدنيا. زاد
стр. 15895
الحارثُ في حديثهِ: فيُحَبِّبُه إليهم (١).
وقال بعضُهم: الزَّنْجَبِيلُ: اسمٌ للعينِ التي منها مِزاجُ شرابِ الأبرارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: رفيعةً (٢) يَشْرَبُها المُقَرَّبون صِرْفًا، وتُمْزَجُ لسائرِ أهلِ الجنةِ.
وقولُه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عينًا في الجنةِ تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا. قيل: عُنِى بقولِه: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: سَلِسَةٌ مُنْقادًا ماؤُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عينًا سَلِسَةٌ مُسْتَقِيدًا ماؤُها (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾، قال: سَلِسَةٌ يَصْرِفونها حيثُ شاءُوا (٤).
وقال آخرون: عُنِى بذلك أنَّها شديدةُ الجرْيَةِ.
стр. 15896
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. قال: حديدةَ الجِرْيَةِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن شِبْلٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: سَلِسَةَ الجِرْيَةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: حديدةَ الجِرْيَةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى السَّلْسبِيل وفي إعرابِه؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: إنَّ "سلسبيل" صفةٌ للعين بالتَّسَلْسُلِ (٣). وقال بعضُهم: إنما أراد عينًا تُسَمَّى سلسبيلًا؛ أي تُسَمَّى مِن طِيبِها (٤) السلسبيلَ، أي تُوصفُ للناسِ، كما تقولُ: الأَعْوَجِيُّ (٥) والأَرْحبيُّ (٦) والمَهْرِيُّ (٧) من الإبلِ، وكما تُنْسَبُ الخيلُ إذا
стр. 15897
وُصفت إلى هذه الخيلِ المعروفةِ المنسوبةِ، كذلك تُنْسَبُ العينُ إلى أنَّها تُسَمَّى؛ لأن القرآنَ نزَل (١) على كلامِ العربِ، قال: وأنشَدني يونسُ:
صَفْراءُ مِن نَبْعٍ يُسَمَّى سَهْمُها … مِنْ طُولِ ما صَرَعَ الصُّبُودَ الصَّيِّبُ (٢)
فرفع "الصَّيِّب"؛ لأنه لم يُرِدْ أنْ يُسَمَّى بالصَّيِّبِ، إنما الصَّيِّبُ مِن صفةِ الاسمِ والسهمِ. وقولُه: "يسمى سهمها". أي يُذْكَرُ سَهْمُها. قال: وقال بعضُهم (٣): لا، بل هو اسمُ العينِ، وهو معرفةٌ، ولكنه لما كان رأسَ آيةٍ وكان مفتوحًا، زِيدَتْ فيه الألفُ، كما قال: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾. وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: السلسبيلُ نعتٌ، أراد: سَلِسٌ في الحَلْقِ، فلذلك حَرِيٌّ أن تُسَمَّى بسلاستِها.
وقال آخرُ منهم (٤): ذكَروا أنَّ السلسبيلَ اسمٌ للعينِ، وذكَروا أنه صفةٌ للماءِ لسَلَسِه (٥) وعُذُوبتِه. قال: ونرى أنه لو كان اسمًا للعينِ، لكان تركُ الإجراءِ فيه أكثرَ، ولم نَرَ أحدًا ترَك إجراءَها، وهو جائزٌ في العربيةِ؛ لأنَّ العرب تُجْرِى ما لا يُجْرَى في الشعرِ، كما قال مُتمِّمُ بنُ نُوَيْرةَ (٦):
فما وَجُدُ أَظْآرٍ (٧) ثَلاثٍ رَوَائِمٍ … رَأَيْنَ مَجَرًّا (٨) مِن حُوارٍ ومَصْرَعًا
فأجرَى "روائم" وهى مما لا يُجْرَى.
стр. 15898
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ قولَه: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ للعينِ، وُصِفَتْ بالسَّلاسةِ في الحَلْقِ، وفى حال الجَرْي، وانقيادِها لأهلِ الجنةِ، يُصَرِّفونها حيثُ شاءُوا، كما قال مجاهدٌ، وقتادةُ. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿تُسَمَّى﴾: تُوصَفُ.
وإنما قلتُ ذلك أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على أن قولَه: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ صفةٌ لا اسمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويطوفُ على هؤلاء الأبرارِ وِلدانٌ، وهم الوُصَفَاءُ، مُخَلَّدون.
اختلَف أهلٌ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أنَّهم لا يموتون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾. أي: لا يموتون.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (١).
وقال آخرون: عُنِى بذلك: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾: مُسَوَّرُون.
وقال آخرون: بل عُنِى به أنهم مُقَرَّطون. وقيل: عُنِى به أنَّهم دائمٌ شبابُهم، لا
стр. 15899
يَتَغَيَّرون عن تلك السنِّ.
وذُكر عن العربِ أنَّها تقولُ للرجلِ إذا كَبِر وثَبَت (١) سوادُ شَعْرِه: إنه لمُخْلِدٌ. وكذلك إذا كَبِر وثَبَتَتْ (٢) أضراسُه وأسنانُه، قيل: إنه لمُخْلِدٌ (٣). يرادُ به أنه ثابتُ الحالِ، وهذا تصحيحٌ لِما قال قتادةُ من أن معناه: لا يموتون (٤)؛ لأنهم إذا ثَبَتُوا على حالٍ واحدةٍ، فلم يَتَغَيَّروا بهَرَمٍ ولا شَيْبٍ ولا موتٍ، فهم مُخَلَّدون. وقيل: إنَّ معنى قولِه: ﴿مُخَلَّدُونَ﴾: مُسَوَّرون، بلغةِ حِمْيَرَ، ويُنْشَدُ لبعضِ شعرائِهم (٥):
ومُخَلَّداتِ باللُّجَينِ كأَنما … أَعْجَازُهُنَّ أَقَاوِرُ الكُثْبانِ
وقولُه: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إذا رأيت يا محمدٌ هؤلاء الولدانَ مجتمعين أو مفترقين، تحسبُهم في حُسْنِهم، ونقاءِ بياضِ وجُوهِهم، وكثرتِهم، لُؤْلُؤًا مبدَّدًا، أو مجتمعًا مصبوبًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنٌ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾. قال: من كثرتِهم وحُسْنِهم (٦).
стр. 15900
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ مِن حُسْنِهم وكثرتِهم ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.
وقال قتادةُ عن أبي أيوبَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: ما مِن أهلِ الجنةِ من أحدٍ إلا ويَسْعَى عليه ألفُ (١) غلامٍ، كلُّ غلامٍ على عملٍ ما عليه صاحبُه (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ قولَه: ﴿حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.
قال: في كثرةِ اللُّؤْلُؤُ، وبياضِ اللُّؤْلُؤِ.
وقولُه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وإذا نظَرْت ببصرِك يا محمدٌ، ورَمَيْت بطَرْفك فيما أَعْطَيتُ هؤلاءِ الأبرارَ في الجنةِ مِن الكرامةِ. وعُنِى بقولِه: ﴿ثَمَّ﴾: الجنةُ، ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾. وذلك أَن أَدْناهم منزلةً مَن يَنْظُرُ في مُلْكِه، فيما قيل، في مسيرةِ أَلْفَى عامٍ، يَرَى أقصاه كما يَرَى أَدْناه.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في السببِ الذي من أجلِه لم يُذْكَرُ مفعولُ: ﴿رَأَيْتَ﴾ الأولُ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما فعَل ذلك؛ لأنه يريدُ رُؤْيةً لا تَتَعَدَّى، كما تقولُ: ضَنَنْتُ في الدارِ. أخبرَ بمكانِ ظنِّه، فأخبَر بمكانِ رؤْيتِه. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما فعَل ذلك؛ لأن معناه: وإذا رأَيْت ما ثَمَّ رأَيْت نعيمًا. قال: وصلُح إضمارٌ "ما" كما قيل: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]. يريدُ: ما بينَكم. قال: ويقالُ: إذا رأيت ثَمَّ. يريدُ: إذا نظَرْتَ ثُمَّ، إِذا رمَيْت ببصرِك هناك رأَيْت نعيمًا.
стр. 15901
وقوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. يقولُ: ورأيت مع النعيمِ الذي تَرى لهم ثَمَّ، مُلْكًا كبيرًا. وقيل: إنَّ ذلك الملكَ الكبيرَ تسليمٌ الملائكةِ عليهم واستئذانُهم عليهم.
[ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني مَن سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. قال: تسليمَ الملائكةِ (١).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾.
قال: بلغَنا أنه تسليمُ الملائكةِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. قال: فسَّرها سفيانُ، قال: تستأذنُ الملائكةُ عليهم.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. قال: استئذانُ الملائكةِ عليهم] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فوقَهم. يعنى: فوقَ هؤلاءِ الأبرارِ ثيابُ سُنْدُسٍ. وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يتأوَّلُ قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ﴾: فوقَ حِجالهم المبنيةِ (٤) عليهم، ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾. وليس ذلك بالقولِ المدفوعِ؛ لأنَّ ذلك إذا كان فوقَ حِجالٍ هم فيها، فقد
стр. 15902
علَاهم، فهو عالِيَهم.
وقد اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ وبعضُ قرَأَةِ مكةَ: (عالِيهمْ) بتسكينِ الياءِ (١). وكان عاصمٌ وأبو عمرٍو وابنُ كثيرٍ يقرَءُونه بفتحِ الياءِ، فمن فتَحها جعَل قولَه: ﴿عَالِيَهُمْ﴾ اسمًا مرافعًا للثيابِ، مثلَ قولِ القائلِ: ظاهرُهم ثيابُ سُنْدُسٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾. يعني: ثيابُ ديباجٍ رقيقٍ حسنٍ. والسُّنْدُسُ: هو ما رَقَّ مِن الديباجِ.
وقولُه: ﴿خُضْرٌ﴾. اختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ وأبو عمرٍو (٢) برفعِ: ﴿خُضْرٌ﴾ على أنها نعتٌ للثيابِ، وخفضِ: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، عطفًا به على السُّنْدُسِ، بمعنى: وثيابُ إِسْتَبْرَقٍ. وقرَأ ذلك عاصمٌ وابنُ كثيرٍ: (خُضْرٍ) خفضًا، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ رفعًا (٣)، عطفًا بالإستبرقِ على الثيابِ، بمعنى: عالِيهم إستبرقٌ، وتَصْيِيرًا (٤) للخُضْرِ نعتًا للسُّنْدُسِ. وقرَأ ذلك نافعٌ: ﴿خُضْرٌ﴾ رفعًا، على أنَّها نعتٌ للثيابِ، ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ رفعًا، عطفًا به على الثيابِ. وقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الكوفةِ: (خُضْرٍ وإِسْتَبْرَقٍ) خفضًا كلاهما (٥). وقرَأ ذلك ابنُ مُحَيْصِنٍ بتركِ إجراءِ الإستبرقِ: (وإِسْتَبْرَقَ) بالفتحِ (٦)، بمعنى: وثيابُ إستبرقٍ، وفتح ذلك؛
стр. 15903
لأنه وجَّهه إلى أنه اسمٌ أعجميٌّ، ولكلَّ هذه القراءاتِ التي ذكرناها وجهٌ ومذهبٌ، غيرُ الذي ذكرْنا عن ابن مُحَيْصِنٍ؛ فإنها بعيدةٌ من معروفِ كلامِ العربِ، وذلك أَنَّ الإسْتَبْرَقَ نكرةٌ، والعربُ تُجْرِى الأسماءَ النكرةَ وإنْ كانت أعجميةً. والإسْتَبْرَقُ: هو ما غَلُظَ مِن الدِّيباجِ. وقد ذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ في ذلك، فيما مضى قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادته ههنا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الإستبرقُ الدِّيباجُ الغليظُ (٢).
وقولُه: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. يقولُ: وحَلَّاهم ربُّهم أَساوِرَ، وهي جمعُ أَسْوِرَةٍ، مِن فضةٍ.
وقولُه: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وسَقى هؤلاءِ الأبرارَ ربُّهم شرابًا طهورًا. ومِن طُهْرِه أنه لا يَصِيرُ بولًا نَجَسًا، ولكنه يصيرُ رَشْحًا مِن أبدانِهم كرَشْحِ المسكِ.
كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال: عَرَقٌ يَفيضُ مِن أعراضِهم مثلَ ريحِ المسكِ (٣).
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ التيميِّ مثلَه.
قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال: إِنَّ الرجلَ مِن أهل الجنةِ
стр. 15904
يُقْسَمُ له شهوةُ مائةِ رجلٍ مِن أهلِ الدنيا، وأَكْلُهم وهِمَّتُهم، فإِذا أَكَل سُقِى شرابًا طهورًا، فيَصِيرُ رَشْحًا يَخْرُجُ مِن جِلْدِه أطيبَ ريحًا مِن المسكِ الأَذْفَرِ، ثم تعودُ شهوتُه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ له. قال: ما ذكِر من الأشربةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانٍ، عن أبي قِلابةَ: إنَّ أهلَ الجنةِ إذا أكلوا وشَرِبوا ما شاءوا، دَعَوا بالشرابِ الطهورِ فيشربونه، فتطهُرُ بذلك بطونُهم، ويكونُ ما أكلوا وشَرِبوا رَشْحًا وريحَ مِسْكٍ، فتَضْمُرَ لذلك بطونُهم (٣).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ الرياحيِّ، عن أبي هريرةَ أو غيرِه - شكَّ أبو جعفرٍ الرازيُّ - قال: صَعِد جبريلُ بالنبيِّ ﷺ ليلةَ أُسْرى به إلى السماءِ السابعةِ، فاسْتَفْتَح، فقيل له: مَن هذا؟ فقال: جبريلُ. قيل: ومَن معك؟ قال: محمدٌ. قالوا: أَوَ قَدْ أُرسل إليه (٤)؟ قال: نعم. قالوا: حيَّاه اللهُ مِن أخٍ وخَليفةٍ، فنعم الأخُ، ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المَجِيءُ جاء. قال: فدخَل فإذا هو برجلٍ أَشْمَطَ (٥) جالسٍ على
стр. 15905
كرسيٍّ عند بابِ الجنةِ، وعندَه قومٌ جلوسٌ بيضُ الوجُوه أمثالُ القراطيسِ، وقومٌ في ألوانِهم شيءٌ، فقام الذين في ألوانِهم شيءٌ، فدخَلوا نَهَرًا فاغْتَسَلوا فيه، فخرَجوا وقد خَلَص مِن ألوانِهم شيءٌ، ثم دخلوا نَهَرًا آخرَ فاغْتَسلوا فيه، فخرَجوا وقد خَلَصَتْ ألوانُهم، فصاروا مثلَ ألوانِ أصحابِهم، فجاءوا فجلَسوا إلى أصحابِهم، فقال: يا جبريلُ من هذا الأَشْمَطُ؟ ومَن هؤلاءِ البيضُ الوجوهُ؟ ومَن هؤلاءِ الذين في ألوانِهم شيءٌ؟ وما هذه الأنهارُ التي اغْتَسلوا فيها؟ فجاءوا وقد صَفَتْ ألوانُهم، قال: هذا أبوك إبراهيمُ، أَوَّلُ مَن شَمِط على الأرضِ، وأما هؤلاء البيضُ الوجوهُ، فقومٌ لم يَلْبِسوا إيمانهم بظلمٍ. وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيءٌ، فقومٌ خَلَطُوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، فتابوا، فتاب اللهُ عليهم. وأما الأنهارُ، فأوَّلُها رحمةٌ، والثاني نعمةٌ، والثالثُ سقاهم ربُّهم شرابًا طهورًا (١).
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهؤلاءِ الأبرارِ حينئذٍ: إِنَّ هذا الذي أَعْطَيناكم مِن الكرامةِ كان لكم ثوابًا على ما كنتم في الدنيا تعملون مِن الصالحاتِ، ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. يقولُ: وكان عملُكم فيها مَشْكُورًا، حَمِدكم عليه ربُّكم، ورَضِيه لكم، فأثابكم بما أثابكم به من الكرامةِ عليه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾: غفَر لهم الذنبَ، وشكَر لهم الحَسَنَ (٢).
стр. 15906
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ (١): ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾. قال: لقد شكَر اللهُ سعيًا قليلًا (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدِ ﷺ : إنا نحنُ نزَّلنا عليك يا محمدُ هذا القرآنَ تنزيلًا، ابتلاءً منَّا واختبارًا.
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. يقولُ: اصْبِرْ لما امتَحَنك به ربُّك من فرائضِه، وتبليغِ رسالاتِه، والقيامِ بما أَلْزَمك القيامَ به في تنزيلِه الذي أَوْحاه إليك، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. يقولُ: ولا تُطِعْ في معصيةِ اللهِ من مشركي قومِك ﴿آثِمًا﴾. يريدُ: برُكُوبِه معاصيَه، ﴿أَوْ كَفُورًا﴾. يعني جحودًا لنعمِه عندَه وآلائِه قِبَلَه، فهو يكفُرُ به، ويعبُدُ غيرَه.
وقيل: إنَّ الذي عُنِي بهذا القولِ أبو جهلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: نزَلت في عدوِّ اللهِ أبى جهلٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنه بلَغه أن أبا جهلٍ قال: لئِن رأَيْتُ محمدًا يُصلِّي لأطأَنَّ على (٤) عنُقِه. فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (٥).
стр. 15907
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: الآثِمُ: المُذْنبُ الظالمُ، والكفورُ، هذا كلُّه واحدٌ. وقيل: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾. والمعنى: ولا كفورًا.
قال الفرَّاءُ (١): "أو" ههنا بمنزلةِ ["لا"، و "أو"] (٢) في الجحدِ والاستفهامِ والجزاءِ تكونٌ بمعنى "لا"، فهذا مِن ذلك من ذلك مع الجحدِ، ومنه قولٌ الشاعرِ (٣):
لا وَجْدُ ثَكْلَى كما وَجِدْتُ وَلا … وَجْدُ عَجُولٍ أَضَلَّهَا رُبَعُ (٤)
أَوْ وَجْدُ شَيْخٍ أَضَلَّ نَاقَتَهُ … يَوْمَ تَوَافَى (٥) الحَجِيجُ فَانْدَفَعُوا
أراد: ولا وَجْدُ شيخٌ، قال: وقد يكونُ في العربيةِ: لا تُطِيعنَّ منهم من أَثِم أو كفَر، فيكونُ المعنى في "أو" قريبًا من معنى "الواوِ"، كقولك للرجلِ: لأُعْطِينَّك سألتَ أو سكتَّ. معناه: لأُعْطِينَّك على كلِّ حالٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: واذكر يا محمدُ اسم ربِّكَ فادْعُه به بكرةً في صلاةِ الصبحِ، وعشيًّا في صلاةِ الظهرِ والعصرِ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾.
يقولُ: ومن الليلِ فاسْجُدْ له في صلاتِك، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. يعنى: أكثرَ
стр. 15908
الليلِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. يعنى: الصلاةَ والتسبيحَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. قال: بُكْرةً صلاةَ الصبحِ، وأصيلًا صلاةَ الظُّهرِ؛ الأصيلُ.
وقولُه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾. قال: كان هذا أوَّلَ شيءٍ فرضَه (١). وقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: ثم مُحِى هذا عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن الناسِ، وجعله نافلةً، فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال: فجعَلها نافلةً.
وقولُه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ هؤلاءِ المشرِكين باللهِ يُحِبُّون العاجلةَ، يعنى الدنيا، يقولُ: يُحِبُّون البقاءَ فيها، وتُعْجِبُهم زينتُها، ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: يقولُ: ويَدعون خلفَ ظُهُورِهم العملَ
стр. 15909
للآخرة، وما لهم فيها النجاةُ من عذابِ اللهِ يومَئِذٍ، وقد تأوَّله بعضُهم بمعنى: ويَذَرُون يومًا ثقيلًا، وليس ذلك قولًا مَدْفوعًا، غيرَ أن الذي قلناه أشبهُ بمعنى الكلمةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾. قال: الآخرة.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: نحنُ خَلَقْنا هؤلاءِ المشركين باللهِ، المخالفين أمرَه ونهيَه، ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: وشَدَدْنا خَلْقَهم، من قولِهم: قد أُسِر هذا الرجلُ فأُحْسِن أَسْرُه. أسره. بمعنى: قد خُلِق فأُحسِن خَلْقُه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. يقولُ: شَدَدْنا خَلْقهم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 15910
قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: خَلْقَهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. وأَسْرَهم: خَلْقَهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٢).
وقال آخرون: الأَسْرُ المفَاصِلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: سمِعْتُه - يعني خلَّادًا - يقولُ: سمِعتُ أبا سعيدٍ، وكان قد قرَأ القرآنَ على أبي هريرةَ، قال: ما (٣) قرَأتُ القرآنَ إلا على أبي هريرةَ، هو أقْرَأني، وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: هي المَفاصِلُ (٤).
وقال آخرون: بل هو القُوَّةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: الأسرُ القُوَّةُ.
стр. 15911
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخْتَرْناه، وذلك أَنَّ الأَسْرَ هو ما ذكرتُ عندَ العربِ، ومنه قولُ الأَخْطَلِ (١):
مِنْ كلِّ مُجْتَنَبٍ شديدٍ أَسْرُهُ … سَلِسِ القِيادِ تخالُهُ مُخْتالا
ومنه قولُ العامةِ: خُذْه بأَسْرِه. أي هو لك كلُّه.
وقولُه: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: وإذا نحنُ شِئْنا أهلَكْنا هؤلاءِ وجِئْنا بآخرين سِواهم من جنسِهم، أمثالِهم مِن الخلقِ، مخالِفين لهم في العملِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. قال: بنى آدمَ الذين خالَفوا طاعته. قال: وأمثالَهم من بني آدمَ.
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: إِنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ لمن تذكَّر واتَّعَظ واعْتَبَر.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. قال: إنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ (٢).
стр. 15912
وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: فمن شاء أيُّها الناسُ اتَّخَذ إلى رضا ربِّه بالعمل بطاعتِه، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَا تَشاءُونَ اتخاذَ السبيلِ إلى ربِّكم أَيُّهَا الناسُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ ذلك لكم؛ لأنَّ الأمرَ إليه لا إليكم، وهو في قراءة عبدِ اللهِ فيما ذُكر: (وما تَشاءُونَ إِلَّا ما شاءَ اللهُ) (١).
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. فلن يَعْدُو منكم أحدٌ ما سبَق له في علمِه بتدبيرِكم.
وقولُه: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾. يقولُ: يُدْخِلُ ربُّكُم مَن يَشاءُ منكم رحمتِه، فيتوبُ عليه حتى يموتَ تائبًا من ضلالتِه، فيغفرُ له ذنوبَه، ويُدْخِلُه جنَّتَه، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. يقولُ: الذين ظلَموا أنفسَهم، فماتوا على شركِهم، أعدَّ لهم في الآخرةِ عذابًا مؤلمًا مُوجِعًا، وهو عذابُ جهنمَ. ونُصِب قولُه: ﴿وَالظَّالِمِينَ﴾؛ لأنَّ الواوَ ظرفٌ لـ: ﴿أَعَدَّ﴾، والمعنى: وأعدَّ للظالمين عذابًا أليمًا. وذكر أنَّ ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿ولِلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ) (٢) بتكريرِ اللَّام، وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك، ويُنْشَدُ لبعضِهم (٣):
أقولُ لَها إذا سألَتْ طَلَاقًا … إلامَ تُسارعين إلى فِرَاقي
стр. 15913
ولآخرَ (١):
فأَصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنَه عَن بِمَا بِهِ … أَصَعَّدَ في غاوى الهَوَى أَم تَصَوَّبَا؟
بتكريرِ الباءِ، وإنما الكلامُ: لا يسأَلْنه عمَّا به.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الإنسان"
стр. 15914
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "والمُرْسلاتِ"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والرياحُ المرسلاتُ يَتْبَعُ بعضُها بعضًا. قالوا: والمُرْسَلاتُ هي الرياحُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، أنه سأل ابنَ مسعودٍ، فقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الريحِ (١).
حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا النضرُ بنُ شميلٍ (٢)، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، أنه سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. فذكَر نحوَه (٣).
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. يعنى: الريحِ (٤).
стр. 15915
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ (١) السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحبِ الكَلْبيِّ في قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الرياحُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الريحِ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ عن: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الريحِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الريحُ (٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٦).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: والملائكةِ التي تُرْسَلُ بالعُرْفِ.
стр. 15916
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: كان مسروقٌ يقولُ في المرسلاتِ: هي الملائكةُ (١).
حدَّثنا إسرائيلُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سليمانَ، قال: سمعتُ أبا الضحى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: الملائكةِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ ووكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الرسلُ تُرْسَلُ بالعُرْفِ (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السكرىيُّ، قال: ثنا محمدُ بن يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. قال: هي الرسلُ تُرْسَلُ بالمعروفِ (٢).
قالوا: فتأويلُ الكلامِ: والملائكةِ التي أُرْسِلَتْ بأَمرِ اللهِ ونهيِه، وذلك هو العُرْفُ.
وقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: ﴿عُرْفًا﴾: متتابعًا كعُرْفِ الفرسِ، كما قالت العربُ: الناسُ إلى فلانٍ عُرْفٌ واحدٌ. إذا توجَّهوا إليه فأكثَرُوا (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدِّثتُ عن داودَ بن الزبرقان، عن صالحٍ، [عن ابن] (٤) بُريدةَ في قولِه: ﴿عُرْفًا﴾. قال: يَتْبَعُ بعضُها بعضًا.
стр. 15917
والصوابُ من القول في ذلك عندَنا أن يقالَ: إنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالمرسلاتِ عُرْفًا، وقد تُرْسَلُ عُرْفًا الملائكةُ، وتُرْسَلُ كذلك الرياحُ، ولا دَلالة تدُلُّ على أنَّ المَعْنِيَّ بذلك أحدُ الجنسين (١) دونَ الآخرِ، وقد عمَّ جَلَّ ثناؤُه بإقسامِه بكلِّ ما كانت صفتُه ما وصَف، فكلُّ مَن كانت صفتُه كذلك، فداخلٌ في قَسَمِه ذلك؛ مَلَكًا أو ريحًا أو رسولًا مِن بنى آدمَ مُرْسَلًا.
وقولُه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. يقولُ جلَّ ذكرُه: فالرياحِ العاصفاتِ عصفًا، يعني الشديداتِ الهبوبِ السريعاتِ المرِّ (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن (٣) عرعرَةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما العاصفاتُ عصفًا؟ قال: الريحُ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبى العُبَيْدَيْن، أنه سأل عبدَ اللهِ بن مسعودٍ، فقال: ما العاصفاتُ عصفًا؟ قال: الريحُ (٥).
حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ،
стр. 15918
عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، عن عبدِ اللهِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بن مسعودٍ. فذكر مثلَه (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بنِ كُهيلٍ، عن مسلمٍ البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ. فذكَر مثله.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: الريحِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: هي الرياحُ (٤).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: هي الرياحُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بن معاذٍ، قال: ثنى أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحبِ الكَلْبيِّ في قولِه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: هي الرياحُ.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ الضريرُ وسعيدُ بنُ محمدٍ، عن إسماعيلَ أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قوله: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ
стр. 15919
عَصْفًا﴾. قال: هي الريحُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ مثلَه.
قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: الريحِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾. قال: الرياحِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٢).
وقولُه: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بالناشراتِ نَشْرًا الريحُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن المسعوديِّ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن أنه سأل ابن مسعودٍ عن ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الريح (٣).
حدَّثنا خلَّاد بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بن شميلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ،
стр. 15920
عن سلمةَ بن كهيلٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، عن ابن مسعودٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلمٍ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. فذكَر مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن مسلم البطينِ، عن أبي العُبَيْدَيْن، قال: سألتُ عبدَ اللهِ. فذكَر مثلَه.
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الريحِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ معاذٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي صالحٍ صاحب الكَلْبيِّ في قولِه: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: هي الرياحُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الرياحِ (٢).
وقال آخرون: هي المطرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال:
стр. 15921
سألتُ أبا صالحٍ عن قولِه: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: المطرُ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: هي المطرُ.
قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحِ مثلَه.
وقال آخرون: بل هي الملائكةُ التي تَنْشُرُ الكتبَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾. قال: الملائكةِ تَنْشُرُ الكتبَ (٢).
وأولى الأقوالِ في ذلك عندنا بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ الله تعالى ذكرُه أَقْسَم بالناشراتِ نَشْرًا، ولم يَخْصُصْ شيئًا من ذلك دونَ شيءٍ، فالرياحُ تَنْشُرُ السحابَ، والمطَرُ يَنْشُرُ الأرضَ، والملائكةُ تَنْشُرُ الكتب، ولا دَلالةَ مِن وجهٍ يجبُ التسليمُ له، على أنَّ المرادَ من ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ ما كان ناشرًا.
وقولُه: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معناه؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك الملائكةُ التي تُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرٌ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. قال: الملائكةِ (٢).
стр. 15922
[قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. قال: الملائكةِ] (١).
قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾. قال: الملائكةِ (٢)
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك القرآنُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾.
يعنى القرآنَ، ما فرَّق اللهُ فيه بين الحقِّ والباطلِ (٣).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقال: أَقْسَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالفارقاتِ، وهى الفاصلاتُ بين الحقِّ والباطلِ، ولم يخْصُصْ بذلك منهنَّ بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك قَسَمٌ بكلِّ فارقةٍ بين الحقِّ والباطل؛ مَلَكًا كان أو قرآنًا، أو غيرَ ذلك.
وقولُه: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. يقولُ: فالمبلِّغاتِ وحيَ اللهِ رسلَه، وهى الملائكةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 15923
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. يعنى: الملائكةِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: هي الملائكةُ تُلْقى الذكرَ على الرسلِ وتبلِّغُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: الملائكةُ تُلْقى القرآنَ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾. قال: الملائكةِ (٣).
وقولُه: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فالملقياتِ ذكرًا إلى الرسلِ، إعذارًا مِن اللهِ إلى خَلْقِه، وإنذارًا منه لهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. قال: عذرًا من اللهِ، ونذرًا منه إلى خلقِه (٢).
стр. 15924
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾: عذرًا للهِ على خلقِه، ونذرًا للمؤمنين يَنْتَفِعون به، ويَأْخُذُون به (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾. يعني: الملائكةَ.
واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرَأةِ المدينةِ والشامِ وبعضُ المكيين وبعضُ الكوفيِّين: ﴿عُذْرًا﴾ بالتخفيفِ، (أو نُذُرًا) بالتثقيلِ (٢). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ وبعضُ البصريين بتخفيفِهما (٣). وقرَأه آخرون من أهل البصرةِ بتثقيلِهما (٤)، والتخفيفُ فيهما أعجبُ إليَّ وإن لم أدفَعْ صحةَ التثقيلِ؛ لأنهما مَصدَران بمعنى الإعذارِ والإنذارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، إن الذي تُوعَدون أيُّها الناسُ من الأمورِ لواقعٌ، وهو كائنٌ لا محالةَ، يعنى بذلك يومَ القيامةِ، وما ذكر اللهُ أنه أعدَّ لخلقِه يومئذٍ من الثوابِ والعذابِ.
وقولُه: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾. يقولُ: فإذا النجومُ ذَهَب ضياؤُها، فلم يكن يَكنْ
стр. 15925
لها نورٌ ولا ضوءٌ، ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾. يقولُ: وإذا السماءُ شُقِّقت وصُدِّعت،
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾. يقولُ: وإذا الجبالُ نُسِفت من أصلِها، فكانت هباءً منبثًّا،
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. يقول تعالى ذكره: وإذا الرسلُ أُجِّلت للاجتماعِ لوقتِها يومَ القيامةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. يقولُ: جُمِعت (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ (٢) في قولِ اللَّهِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾. قال: أُجِّلت (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُجِّلت.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُوعِدت (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا
стр. 15926
الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُقِّتت ليوم القيامةٍ. وقرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]. قال: والأجلُ الميقاتُ. وقرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١)﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقرأ: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]. قال: إلى يومِ القيامةِ. قال: لهم أجَلٌ إلى ذلك اليومِ حتى يَبْلُغوه (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: وُعِدت.
واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ غيرَ أبي جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾ بالألف وتشديدِ القافِ. [وقرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ بالواوِ وتشديدِ القافِ] (٣): (وُقِّتَت) (٤). وقرَأه أبو جعفرٍ: (وُقِتَتْ) بالواوِ وتخفيفِ القافِ (٥).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ، ولغاتٌ مشهوراتٌ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِها قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإنما هو "فُعِّلت" من الوقتِ، غيرَ أن من العرب من يَسْتَثْقِلُ ضمةَ الواوِ، كما يَسْتَثْقِلُ كسرةَ الباءِ في أولِ الحرفِ، فيَهْمِزُها، فيقولُ: هذه أُجُوهٌ حسانٌ. بالهمزِ، ويُنْشِدُ بعضُهم (٦):
يَحِلُّ أُحَيْدَه (٧) ويُقالُ بَعْلٌ … ومِثلُ تَموُّلٍ (٨) منه افتِقارٌ
стр. 15927
وقولُه: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا عبادَه من هولِ ذلك اليومِ وشدتِه: لأيِّ يومٍ أُجِّلت الرسلُ فوُقِّتت؟ ما أعظمَه وأهولَه! ثم بيَّن ذلك وأيُّ يومٍ هو؟ فقال: ﴿أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾.
يقولُ: ليومٍ يَفْصِلُ اللهُ فِيه بينَ خلقِه القضاءَ، فيأخذُ للمظلومِ من الظالمِ، ويَجْزِى المحسن بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: يومٍ يُفْصَلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالهم؛ إلى الجنةِ وإلى النارِ (١).
وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وأى شيءٍ أدراك يا محمدُ ما يومُ الفصلِ؟ مُعظِّمًا بذلك أمرَه وشدةَ هولِه.
كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعظيمًا لذلك اليومِ (١).
وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الوادى الذي يَسيلُ في جهنمَ من صديدِ أهلِها: للمُكذِّبين بيوم الفصلِ [يومَ الفصلِ] (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
стр. 15928
لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: ويلٌ واللهِ طويلٌ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم نُهْلِكِ الأممَ الماضين الذين كذَّبوا رُسُلى وجحَدوا آياتي، من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ،
ثم نُتبِعُهم الآخرِين بعدَهم ممن سلَك سبيلَهم في الكفرِ بي وبرسلى، كقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مدينَ، فنُهْلِكُهم كما أهلَكنا الأوَّلين قبلَهم،
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: كما أهلَكنا هؤلاء بكفرِهم بي وتكذيبِهم برسُلى، كذلك سُنتى في أمثالِهم من الأممِ الكافرةِ، فنُهْلِكُ المجرِمين بإجرامِهم إذا طَغَوا وبغَوا،
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذبين بأخبارِ اللهِ التي ذكَرها في هذه الآيةِ، الجاحدين قدرتَه جلَّ ثناؤُه على ما يشاءُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ أَيُّها الناسُ، ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يعنى من نطفةٍ ضعيفةٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يعنى بالمهينِ الضعيفَ (٢).
وقولُه: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. يقولُ: فجعلنا الماءَ المهينَ في رحمٍ استقرَّ فيها فتمكَّن.
стр. 15929
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. قال: الرحمِ (١).
وقولُه: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ لخروجِه من الرَّحم عندَ اللهِ،
﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (فقدَّرنا) بالتشديدِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ الكوفةِ والبصرةِ بالتخفيفِ (٢).
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مَعروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ أُوثِرُ (٣) التخفيفَ؛ لقولِه: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. إذ كانت العربُ قد تَجمَعُ بينَ اللغتين، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧].
فجمَع بينَ التشديدِ والتخفيفِ، و (٤) كما قال الأعشى (٥):
وأنكَرَتْني وما كان الذي نكِرَت … من الحوادِثِ إلا الشيبَ والصَّلَعا
وقد يجوزُ أن يكونَ المعنى في التشديدِ والتخفيفِ واحدًا، فإنه محكيٌّ عن العرب: قُدِر عليه الموتُ وقُدِّر. بالتخفيفِ والتشديد (٦).
стр. 15930
وعُنى بقولِه: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. قال: فملَكنا فنعمَ المالِكون (١).
وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بأن الله خلَقهم من ماءٍ مَهِينٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُنبِّهًا عبادَه على نعمه عليهم: أَلَمْ نَجْعَلْ أَيُّها الناسُ الأَرْضَ لكم ﴿كِفَاتًا﴾. يقولُ: وِعاءً، يُقالُ: هذا كِفتُ هذا وكَفِيتُه. إذا كان وعاءَه. وإنما معنى الكلامِ: ألم نَجْعَلِ الأرضَ كِفاتَ أحيائِكم وأمواتِكم؛ تَكْفِتُ أحياءَكم في المساكنِ والمنازلِ، فتضُمُّهم فيها وتجمعُهم، وأمواتَكم في بطنِها في القبورِ، فيُدْفَنون فيها.
وجائزٌ أن يكونَ عُنى بقولِه: ﴿كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾: تَكْفِتُ أذاهم في حالِ حياتِهم، وجِيَفَهم بعدَ مماتِهم (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. يقولُ: كِنًّا (٣).