← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 15926–15965 · переход к 15931.

стр. 15926

الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُقِّتت ليوم القيامةٍ. وقرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]. قال: والأجلُ الميقاتُ. وقرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١)﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقرأ: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]. قال: إلى يومِ القيامةِ. قال: لهم أجَلٌ إلى ذلك اليومِ حتى يَبْلُغوه (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: وُعِدت. واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ غيرَ أبي جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾ بالألف وتشديدِ القافِ. [وقرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ بالواوِ وتشديدِ القافِ] (٣): (وُقِّتَت) (٤). وقرَأه أبو جعفرٍ: (وُقِتَتْ) بالواوِ وتخفيفِ القافِ (٥). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ، ولغاتٌ مشهوراتٌ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِها قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإنما هو "فُعِّلت" من الوقتِ، غيرَ أن من العرب من يَسْتَثْقِلُ ضمةَ الواوِ، كما يَسْتَثْقِلُ كسرةَ الباءِ في أولِ الحرفِ، فيَهْمِزُها، فيقولُ: هذه أُجُوهٌ حسانٌ. بالهمزِ، ويُنْشِدُ بعضُهم (٦): يَحِلُّ أُحَيْدَه (٧) ويُقالُ بَعْلٌ … ومِثلُ تَموُّلٍ (٨) منه افتِقارٌ

стр. 15927

وقولُه: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا عبادَه من هولِ ذلك اليومِ وشدتِه: لأيِّ يومٍ أُجِّلت الرسلُ فوُقِّتت؟ ما أعظمَه وأهولَه! ثم بيَّن ذلك وأيُّ يومٍ هو؟ فقال: ﴿أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾. يقولُ: ليومٍ يَفْصِلُ اللهُ فِيه بينَ خلقِه القضاءَ، فيأخذُ للمظلومِ من الظالمِ، ويَجْزِى المحسن بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: يومٍ يُفْصَلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالهم؛ إلى الجنةِ وإلى النارِ (١). وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وأى شيءٍ أدراك يا محمدُ ما يومُ الفصلِ؟ مُعظِّمًا بذلك أمرَه وشدةَ هولِه. كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعظيمًا لذلك اليومِ (١). وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الوادى الذي يَسيلُ في جهنمَ من صديدِ أهلِها: للمُكذِّبين بيوم الفصلِ [يومَ الفصلِ] (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ

стр. 15928

لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: ويلٌ واللهِ طويلٌ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألم نُهْلِكِ الأممَ الماضين الذين كذَّبوا رُسُلى وجحَدوا آياتي، من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، ثم نُتبِعُهم الآخرِين بعدَهم ممن سلَك سبيلَهم في الكفرِ بي وبرسلى، كقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مدينَ، فنُهْلِكُهم كما أهلَكنا الأوَّلين قبلَهم، ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: كما أهلَكنا هؤلاء بكفرِهم بي وتكذيبِهم برسُلى، كذلك سُنتى في أمثالِهم من الأممِ الكافرةِ، فنُهْلِكُ المجرِمين بإجرامِهم إذا طَغَوا وبغَوا، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذبين بأخبارِ اللهِ التي ذكَرها في هذه الآيةِ، الجاحدين قدرتَه جلَّ ثناؤُه على ما يشاءُ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ﴾ أَيُّها الناسُ، ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يعنى من نطفةٍ ضعيفةٍ. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. يعنى بالمهينِ الضعيفَ (٢). وقولُه: ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. يقولُ: فجعلنا الماءَ المهينَ في رحمٍ استقرَّ فيها فتمكَّن.

стр. 15929

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾. قال: الرحمِ (١). وقولُه: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ لخروجِه من الرَّحم عندَ اللهِ، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (فقدَّرنا) بالتشديدِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةٍ الكوفةِ والبصرةِ بالتخفيفِ (٢). والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مَعروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ أُوثِرُ (٣) التخفيفَ؛ لقولِه: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. إذ كانت العربُ قد تَجمَعُ بينَ اللغتين، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]. فجمَع بينَ التشديدِ والتخفيفِ، و (٤) كما قال الأعشى (٥): وأنكَرَتْني وما كان الذي نكِرَت … من الحوادِثِ إلا الشيبَ والصَّلَعا وقد يجوزُ أن يكونَ المعنى في التشديدِ والتخفيفِ واحدًا، فإنه محكيٌّ عن العرب: قُدِر عليه الموتُ وقُدِّر. بالتخفيفِ والتشديد (٦).

стр. 15930

وعُنى بقولِه: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن المباركِ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. قال: فملَكنا فنعمَ المالِكون (١). وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بأن الله خلَقهم من ماءٍ مَهِينٍ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُنبِّهًا عبادَه على نعمه عليهم: أَلَمْ نَجْعَلْ أَيُّها الناسُ الأَرْضَ لكم ﴿كِفَاتًا﴾. يقولُ: وِعاءً، يُقالُ: هذا كِفتُ هذا وكَفِيتُه. إذا كان وعاءَه. وإنما معنى الكلامِ: ألم نَجْعَلِ الأرضَ كِفاتَ أحيائِكم وأمواتِكم؛ تَكْفِتُ أحياءَكم في المساكنِ والمنازلِ، فتضُمُّهم فيها وتجمعُهم، وأمواتَكم في بطنِها في القبورِ، فيُدْفَنون فيها. وجائزٌ أن يكونَ عُنى بقولِه: ﴿كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾: تَكْفِتُ أذاهم في حالِ حياتِهم، وجِيَفَهم بعدَ مماتِهم (٢). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. يقولُ: كِنًّا (٣).

стр. 15931

حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا خالدٌ، عن مسلمٍ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن الربيعِ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أنه وجَد قملةً في ثوبِه، فدفَنها في المسجدِ، ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، قال: ثنا مسلمٌ الأعورُ، عن زاذانَ، عن ربيعِ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ليثٍ، قال: قال مجاهدٌ في الذي يرى القملةَ في ثوبِه، وهو في المسجد، ولا أدرى قال: في صلاةٍ أم لا: إن شئتَ فألقِها، وإن شئتَ فَوَارِها؛ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: بطنُها لأمواتِكم، وظهرُها لأحيائِكم (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. قال: تكْفِتُ أذاهم، ﴿أَحْيَاءً﴾: تواريه، ﴿وَأَمْوَاتًا﴾: يُدفَنون تكْفِتُهم. وقد حدَّثني به ابنُ حميدٍ مرةً أخرى، فقال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾. قال: تَكْفِتُ أذاهم وما يَخْرُجُ منهم، ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: تَكْفِتُهم في الأحياءِ والأمواتِ (٣).

стр. 15932

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: أحياءً يكونون فيها. قال محمدُ بنُ عمرٍو: يَغيبون فيها ما أرادوا. وقال الحارثُ: ويَغيبون فيها ما أرادوا. وقولُه: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: يُدْفَنون فيها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ الآية: يَسْكُنُ فيها حيُّهم، ويُدْفَنُ فيها ميتُهم. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ قتادةَ: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾. قال: أحياءً: فوقَها على ظهرِها، وأمواتًا: يُقْبَرون فيها (٢). واختلَف أهلُ العربيةِ في الذي نصَب: ﴿أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ (٣): نُصِب على الحالِ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٤): بل نُصِب ذلك بوقوعِ الكِفاتِ عليه، كأنك قلتَ: ألم نَجْعَلِ الأَرضَ كِفاتَ أحياءٍ وأمواتٍ. فإذا نوِّنت نصَبتَ، كما يَقْرَأُ مَن يَقْرَأُ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤، ١٥]. وهذا القولُ أشبهُ عندى بالصوابِ. وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا في الأرضِ جبالًا ثابتاتٍ فيها، باذخاتٍ شاهقاتٍ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. يعنى: الجبالَ.

стр. 15933

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾. يقولُ: جبالًا مُشْرِفاتٍ (١). وقولُه: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. يقولُ: وأسقَيْناكم ماءً عَذْبًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. يقولُ: عَذْبًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَاءً فُرَاتًا﴾. قال: عَذْبًا (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. أي: ماء عذبًا. حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن شبيبٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾. قال: من أربعةِ أنهارٍ؛ سَيْحان، وجَيْحانَ، والنيلِ، والفراتِ، وكلُّ ماءٍ يَشْرَبُه ابنُ آدمَ فهو (٣) من هذه الأنهارِ، وهي تَخْرُجُ من تحتِ صخرةٍ من عندِ بيتِ المقدسِ؛ وأما سَيْحانُ فهو ببلخٍ (٤)، وأما جَيحانُ

стр. 15934

فدجلةُ، وأما الفراتُ ففراتُ الكوفةِ، وأما النيلُ [فهو نيلُ مصرَ] (١) (٢). وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بهذه النعمِ، التي أنعمتُها عليكم، من خلقى الكافرين بها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يُقالُ (٣) لهؤلاء المكذِّبين بهذه النِّعمِ والحججِ التي احتجَّ بها عليهم يومَ القيامةِ: انطلِقوا إلى ما كنتم بِهِ في الدنيا تكذِّبون من عذابِ اللهِ لأهلِ الكفرِ به، ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: إلى ظلِّ دخانٍ ذى ثلاثِ شُعَبٍ، ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾، وذلك أنه يَرْتَفِعُ من وقودِها الدخانُ فيما ذُكِر، فإذا تصاعدَ تفرَّقَ شُعَبًا ثلاثا، فذلك قولُه: ﴿ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. قال: دخانِ جهنمَ (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].

стр. 15935

قال: والسُّرادقُ: دخانُ النارِ. فأحاطَ بهم سرادقُها، ثم تفرَّق، فكان ثلاثَ شُعَب، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾؛ شُعبةٍ ههنا، وشُعْبةٍ ههنا، وشُعْبةٍ ههنا، ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (١). وقولُه: ﴿لَا ظَلِيلٍ﴾. يقولُ: لا هو يُظِلُّهم مِن حرِّها، ﴿وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾: ولا [يُكِنهم من لهبِها] (٢). وقولُه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. يقولُ تعالى ذكره: إن جهنم تَرْمى بشررٍ كالقَصْرِ. فقرَأ ذلك قرأةُ الأمصارِ: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ بجزمِ الصادِ. واختلَف الذين قرءُوا ذلك كذلك في معناه؛ فقال بعضُهم: هو واحدُ القصورِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. يقولُ: كالقصرِ العظيمِ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: ذكَر القصرَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يزيدُ بنُ يونسَ، عن أبي صخرٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: كان القُرَظِيُّ يقولُ: إن

стр. 15936

على جهنمَ سورًا، فما خرَج من وراءِ السور مما يَرْجِعُ فيها في عِظَمِ القصرِ، ولونِ القارِ (١). وقال آخرون: بل هو الغليظُ من الخشبِ، كأصولِ النخلِ وما أشبهَ ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبد الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: القصْرُ خشبٌ كنا ندَّخِرُه للشتاءِ ثلاثَ أذرعٍ، وفوقَ ذلك، ودونَ ذلك، كنا نُسمِّيه القصرَ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ ابنَ عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: القصرُ: خشبٌ كان يُقْطَعُ في الجاهلية ذراعًا أقلَّ أو أكثرَ، يُعْمَدُ (٣) به. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: كنا نَقْصُرُ في الجاهليةِ ذراعين أو ثلاثَ (٤) أذرعٍ، وفوقَ ذلك ودونَ ذلك، نُسَمِّيه القَصْرَ.

стр. 15937

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. فالقَصْرُ: الشجرُ المُقَطَّعُ، ويقالُ: القَصْرُ: النخلُ المقطوعُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَالْقَصْرِ﴾. قال: حُزَمِ الشجرِ، يعنى الحُزمةَ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، و (٣) ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (٤) في هذه الآية: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: مثلَ قَصْرِ النخلةِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾: أصولِ الشجرِ، وأصولِ النخلِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. قال: كأصلِ الشجرِ (٦). حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾: القَصْرُ: أصولُ

стр. 15938

الشجرِ العظامِ، كأَنَّها أجوازُ الإبلِ الصُّفرِ. وَسَطُ كلِّ شيءٍ جَوْزُه، وهى الأجوازُ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمٌ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: قرَأها الحسنُ: ﴿كَالْقَصْرِ﴾. وقال: هو الجَزْلُ مِن الخشبِ. قال: واحدتُه: قَصْرَةٌ وقَصْرٌ، مثلَ: جمرةٌ وجمرٌ، وتمرةٌ وتمرٌ (٢). وذُكر عن ابن عباسٍ أنه قرَأ ذلك: (كالقَصَرِ) بتحريكِ الصادِ (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: أخبَرني حسينٌ المُعَلِّمُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها: (كالقَصَرِ) بفتحِ القافِ والصادِ (٤). قال: وقال هارونُ: أخبَرنى أبو عمرٍو أنَّ ابن عباسٍ قرَأها: (كالْقَصَرِ)، وقال: قَصَرُ النخلِ، يعنى الأعناقَ. وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندَنا ما عليه قرَأَةُ الأمصار، وهو سكونُ الصادِ، وأولى التأويلاتِ به أنه القَصْرُ مِن القصورِ؛ وذلك لدَلالةِ قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. على صحتِه، والعربُ تُشَبِّهُ الإبلَ بالقصورِ المَبْنيَّةِ، كما قال الأخطلُ في صفةِ ناقةٍ (٥):

стр. 15939

كأنَّها بُرْجُ رُومِيٌّ يُشَيَّدُهُ … لُزَّ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأَحْجارِ وقيل: ﴿بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. ولم يُقَلْ: كالقصورِ. والشَّررُ جماعٌ، كما قيل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. ولم يُقَل: الأدبارُ. لأنَّ الدبرَ بمعنى الأدبار، وفُعِل (١) ذلك توفيقًا بين رؤوسِ الآياتِ ومقاطعِ الكلامِ؛ لأنَّ العربَ تفعلُ ذلك كذلك، وبلسانِها نزل القرآنُ. وقيل: ﴿كَالْقَصْرِ﴾. ومعنى الكلامِ: كعِظَمِ القصرِ، كما قيل: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]. ولم يُقَلْ: كعُيونِ الذي يُغْشَى عليه. لأنَّ المرادَ في التشبيهِ الفعلُ لا العينُ (٢). كما حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءِ بن السائبِ، أنه سأل الأسودَ عن هذه الآيةِ: ﴿تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾. فقال: مثلَ القصرِ. وقولُه: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كأَنَّ الشَّررَ الذي ترمى به جهنمُ كالقصرِ جمالاتٌ سودٌ؛ أي أَيْنُقٌ (٣) (*) سودٌ، وقالوا: الصُّفرُ في هذا الموضعِ بمعنى السودِ. قالوا: وإنما قيل لها: صفرٌ. وهى سودٌ؛ لأنَّ ألوانَ الإِبلِ السودِ تَضْرِبُ إلى الصفرةِ؛ ولذلك قيل لها: صفرٌ. كما سُمِّيت الظباءُ أُدْمًا؛ لما يَعْلُوها في بياضِها مِن الظلمةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ

стр. 15940

راشدٍ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن الحسنِ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: الأَيْنُقُ السودُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: كالنُّوقِ السودِ الذي رأيتم (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ قال: نوقٌ سودٌ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: هي الإبلُ (٤). قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: كالنُّوقِ السودِ الذي رأيتم (٢). وقال آخرون: بل عُنِى بذلك قُلُوسُ (٥) السفن، شبه بها الشَّررَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15941

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾: فالجِمالاتُ الصفرُ: قُلُوسُ السفنِ، التي تُجمَعُ فتُوثَقُ بها السفنُ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سعيدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سألتُ ابن عباسٍ عن قولهِ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: قُلُوسُ سفن البحرِ، يُجْمَلُ (٢) بعضُها إلى بعضٍ حتى تكونَ كأوساطِ الرجالِ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عبد الرحمنِ بن عابسٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ سُئل عن: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. فقال: حبالُ السفنِ، يُجْمَعُ بعضُها إلى بعضٍ حتى تكونَ كأوساطِ الرجالِ (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بن عابسٍ، قال: ثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا هلالُ بن خبابٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: قُلُوسُ الجِسْرِ. حدَّثني [حوثرةُ بنُ محمدٍ المنْقَرِيُّ] (٥)، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ اللهِ القطانُ، قال: ثنا هلالُ بن خبابٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: الحبالُ (٦).

стр. 15942

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: قُلُوسُ سفنِ البحرِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. قال: حبالُ الجسورِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: كأنه قِطَعُ النُّحاسِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾. يقولُ: قِطَعُ النُّحاسِ (٢). وأولى الأقوال عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بالجمالاتِ الصفرِ الإبلُ السودُ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وأنَّ الجِمالاتِ جمعُ جمالٍ، نظيرُ رِجالٍ ورِجالاتٍ، وبُيُوتٍ وبُيُوتاتٍ. وقد اختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (جِمالاتٌ) (٣)، بكسرِ الجيمِ، والتاءِ، على أنَّها جمعُ جمالٍ، وقد يجوزُ أن يكونَ أُريد بها جمعُ جمالةٍ، والجِمالةُ جمعُ جَمَلٍ، كما الحجارةُ جمعُ حَجَرٍ،

стр. 15943

والذِّكارةُ جمعُ ذَكَرٍ. وقرَأ ذلك عامة قرأةِ الكوفيِّين: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ﴾ بكسرِ الجيمِ (١)، على أنَّها جمعُ جَمَلٍ، جُمِع على جِمالةٍ، كما ذكَرْتُ مِن جمعِ حَجَرٍ حِجَارةٌ. ورُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (جُمالاتٌ)، بالتاءِ وضمِّ الجيمِ (٢)، كأنه جمعُ جُمالةٍ، مِن الشيءِ المجملِ. حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن الحسينِ المُعَلِّمِ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنَّ لقارئ ذلك اختيارَ أيِّ القراءتين شاء، مِن كسرِ الجيمِ وقراءتِها بالتاءِ، وكسرِ الجيمِ وقراءتِها بالهاءِ التي تَصِيرُ في الوصلِ تاءً؛ لأنهما القراءتان المعروفتان في قرَأةِ الأمصارِ، فأما ضمُّ الجيمِ فلا أستجيزُه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرَأَةِ على خلافِه. وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومَ القيامةِ للمكذَّبين. هذا الوعيدُ الذي توعَّد اللهُ به المكذِّبين مِن عبادِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المكذِّبين بثوابِ اللهِ وعقابِه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُ أَهلُ التكذيبِ بثوابِ اللهِ وعقابِه. وَلا يُؤذَنُ لهم فيعتذرونَ مما اجْتَرموا في الدنيا من الذنوبِ.

стр. 15944

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾. وقد عَلِمْتَ بخبرِ اللهِ تعالى عنهم أنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧]. وأنَّهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]. في نظائرِ ذلك، مما أخبرَ اللهُ ورسولُه عنهم أنَّهم يقولونه؟ قيل: إنَّ ذلك في بعضِ الأحوالِ دونَ بعضٍ. وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾. يُخْبِرُ عنهم أنَّهم لا يَنْطِقُون في بعضِ أحوالِ ذلك اليومِ، لا أنَّهم لا يَنطِقون ذلك اليومَ كلَّه. فإن قال: فهل مِن بُرْهانِ يُعْلَمُ به حقيقةُ ذلك؟ قيل: نعم، وذلك إضافةُ يومٍ إلى قولِه: ﴿لَا يَنْطِقُونَ﴾. والعربُ لا تُضِيفُ اليوم إلى "فعلَ"، "يفعل"، إلا إذا أرادَتِ الساعةَ من اليومِ، والوقْتَ منه، وذلك كقولِهم: آتيك يومَ يَقْدَمُ فلانٌ. وأَتيتُك يومَ زارك أخوك. فمعلومٌ أن معنى ذلك: أَتَيْتُك ساعةً زارك، أو آتِيك ساعةً يَقْدَمُ، وأنه لم يكنْ إتيانُه إيَّاه اليوم كلَّه؛ لأنَّ ذلك لو كان أخذ اليوم كلَّه لم يُضَفِ اليومُ إلى "فعل" و "يفعل"، ولكن فُعِل ذلك إذا كان اليومُ بمعنى "إذْ" و "إذا" اللَّتين يطْلبان الأفعالَ دونَ الأسماءِ. وقولُه: ﴿فَيَعْتَذِرُونَ﴾ رُفع عطفًا على قولِه: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾. وإنَّما اخْتِير ذلك على النصب وقبلُه جحدٌ؛ لأنه رأسُ آيةٍ، قُرِن بينَه وبينَ سائرِ رءُوسِ الآياتِ التي قبلَها، ولو كان جاء نصبًا كان جائزًا، كما قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]. وكلُّ ذلك جائزٌ فيه، أعْنِى الرفعَ والنصبَ، كما قيل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]. رفعًا ونصبًا. وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بخبرِ اللهِ عن هؤلاءِ القومِ، وما هو فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ.

стр. 15945

وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المكذِّبين بالبعثِ يومَ يُبْعثون: هذا يومُ الفصلِ الذي يَفْصِلُ اللهُ فيه بالحقِّ بينَ عبادِه، ﴿جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: جمَعْناكم فيه لموعدِكم الذي كنا نَعِدُكم في الدنيا الجمعَ فيه بينَكم وبينَ سائرِ مَن كان قبلَكم من الأممِ الهالكةِ، فقد وفَّيْنا لكم بذلك، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾. يقولُ: واللهُ مُنْجِرٌ لكم ما وعَدكم في الدنيا من العقابِ على تكذيبِكم إيَّاه، بأنكم مَبْعوثون لهذا اليومِ، إن كانت لكم حيلةٌ تَحْتالونها في التخلُّصِ مِن عقابِه اليومَ فاحتالوا. وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين بهذا الخبرِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الذين اتقَوا عقابَ اللهِ، بأداءِ فرائضِه في الدنيا واجتنابِ معاصِيه، في ظلالٍ ظليلةٍ، وكِنٍّ كَنِينٍ، لا يُصِيبُهم أذى حرٍّ ولا قرٍّ، إذ كان الكافرون باللهِ في ظلٍّ ذى ثلاثِ شُعَبٍ، لا ظليلٍ ولا يُغْنِى مِن اللَّهَبِ، ﴿وَعُيُونٍ﴾: أنهارٍ تجرى خلالَ أشجارِ جناتِهم، ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: يأْكُلون منها كلما اشْتَهوا، لا يخافون ضرَّها، ولا عاقبةً مكروهِها. وقولُه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يقالُ لهم: كُلُوا أَيُّها القومُ مِن هذه الفواكهِ، واشرَبوا من هذه العيونِ كلَّ ما اشْتَهيتم ﴿هَنِيئًا﴾. يقولُ: لا تَكْديرَ عليكم ولا تَنْغِيصَ فيما تَأْكُلونه وتشرَبون منه، ولكنَّه لكم دائمٌ لا يزولُ، ومَرِئٌ لا يُورِثُكم أذًى في أبدانِكم.

стр. 15946

وقولُه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يقالُ لهم: هذا جزاءٌ بما كنتم في الدنيا تَعْملون من طاعةِ اللهِ، وتَجْتهدون فيما يُقرِّبُكم منه. وقولُه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: إنا كما جَزَيْنا هؤلاء المتقين، بما وصَفْنا من الجزاءِ، على طاعتِهم إيَّانا في الدنيا، كذلك نَجْزِى ونُثِيبُ أهلَ الإحسانِ في طاعتِهم إيَّانا، وعبادتِهم لنا في الدنيا على إحسانِهم، لا نُضِيعُ في الآخرةِ أجرَهم. وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ للذين يُكذِّبون خبَرَ اللهِ عمَّا أخبَرهم به مِن تكريمِه هؤلاءِ المتقين بما أكرَمهم به يومَ القيامةِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه تهدُّدًا ووعيدًا منه للمكذِّبين بالبعثِ: كُلُوا في بقيةِ آجالِكم، وتمتَّعوا ببقيةِ أعمارِكم، إنكم مجرمون، مَسْنُونٌ بكم سنةَ من قبلَكم مِن مُجْرِمى الأممِ الخاليةِ، التي مُتِّعت بأعمارِها إلى بلوغِ كتبِها آجالَها، ثم انتَقَمِ اللهُ منها بكفرِها، وتكذيبِها رسلَها. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. قال: عُنِى به أهلُ الكفرِ (١). وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ويلٌ يومئذٍ للمكذِّبين الذين كذَّبوا خبَرَ اللهِ الذي أخبَرهم به عمَّا هو فاعلٌ بهم في هذه الآيةِ. وقولُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا قيل

стр. 15947

لهؤلاءِ المجرمين المكذِّبين بوعيدِ اللهِ أهلِ التكذيبِ به: ارْكَعوا. لا يَرْكعون. واختلَف أهلُ التأويلِ في الحينِ الذي يقالٌ لهم فيه؛ فقال بعضُهم: يقالُ لهم ذلك في الآخرةِ حينَ يُدْعَون إلى السجودِ فلا يستطِيعون. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. يقولُ: يُدْعَون يومَ القيامةِ إلى السجودِ فلا يَسْتَطِيعون السجودَ. من أجلِ أنهم لم يكونوا يَسْجُدون للهِ في الدنيا (١). وقال آخرون: بل قيل ذلك لهم في الدنيا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾: عليكم بحسنِ الركوعِ، فإنَّ الصلاةَ مِنَ اللهِ بمكانٍ. وقال قتادةُ عن ابن مسعودٍ أنه رأى رجلًا يصلِّى ولا يَرْكَعُ، وآخرُ يَجُرُّ إزارَه، فَضَحِك، قالوا: ما يُضْحِكُك؟ قال: أَضْحَكِنى رجلان؛ أما أحدُهما فلا يَقْبلُ اللهُ صلاتَه، وأما الآخرُ فلا يَنْظُرُ اللهُ إليه (٢). وقيل: عُنِى بالركوعِ في هذا الموضعِ الصلاةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 15948

الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قال: صلُّوا (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إنَّ ذلك خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن هؤلاءِ القومِ المجرمين، أنَّهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيِه؛ لا يأْتِمرون لأمرِه، ولا يَنْتَهون عمَّا نهاهم عنه. وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ للذين كذَّبوا رسلَ اللهِ، فردُّوا عليهم ما بلَّغوا مِن أَمرِ اللهِ إِيَّاهم ونهيهِ لهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره: فبأيِّ حديثٍ بعد هذا القرآن. [أي: أنتم] (٢) أيُّها القومُ كذَّبتم به مع وضوحِ برهانِه وصحةِ دلائلِه، أنه حقٌّ مِن عندِ اللهِ، (تؤمنون). يقولُ: تُصدِّقون؟ وإنما أعلَمهم اللهُ تعالى ذكرُه أنَّهم إن لم يُصدِّقوا بهذه الأخبارِ التي أخبرَهم بها في هذا القرآنِ، مع صحةِ حُجَجِه على حقيقتِه، لم يُمْكِنْهم الإقرارُ بحقيقةِ شيءٍ مِن الأخبارِ (٣) التي لم يُشاهِدوا المُخْبَرَ عنه ولم يُعايِنوه، وأنهم إن صدَّقوا بشيءٍ مما غاب عنهم لِدليلٍ قام عليه، لَزِمهم مثلُ ذلك في أخبارِ هذا القرآنِ، واللهُ أعلمُ. آخرُ تفسيرِ سورةِ "والمرسلاتِ"

стр. 15949

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيرُ سورةِ "عَمَّ يَتساءلون" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عن أيِّ شيءٍ يتساءلُ هؤلاء المشرِكون باللهِ ورسولِه من قريشٍ يا محمدُ؟ وقيل ذلك له ﷺ ، وذلك أن قريشًا جعَلت - فيما ذُكِر عنها - تَخْتَصِمُ وتتجادلُ في الذي دعاهم إليه رسولُ اللهِ ﷺ ؛ من الإقرارِ بنبوَّتِه، والتصديقِ بما جاء به من عندِ اللهِ، والإيمانِ بالبعثِ، فقال اللهُ لنبيِّه: فيم يتساءلُ هؤلاء القومُ ويَخْتَصِمون؟ و "في" و "عن" في هذا الموضعِ بمعنًى واحدٍ. ذكرُ مَن قال ما ذكَرْتُ حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، عن مِشعرٍ، عن محمدِ بن جُحَادةَ، عن الحسنِ، قال: لما بُعثِ النبيُّ ﷺ جعَلوا يتساءلون بينَهم، فأنزَل اللهُ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى: الخبرِ العظيمِ (١). قال أبو جعفرٍ: ثم أخبرَ اللهُ نبيَّه ﷺ عن الذي يَتَساءلونه، فقال: يَتَساءلون ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. يعنى: عن الخبرِ العظيمِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ (٢) بالنبأِ العظيم؛ فقال بعضُهم: أُريد به القرآنُ.

стр. 15950

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. قال: القرآنِ (١). وقال آخرون: عُنِى به البعثُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾: وهو البعثُ بعدَ الموتِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾. قال: النبأُ العظيمُ: البعثُ بعدَ الموتِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. قال: يومِ القيامةِ. قال: قالوا: هذا اليومُ الذي تَزْعُمون أنَّا نحيَا فيه وآباؤُنا. قال: فهم فيه مختلِفون، لا يؤمِنون به، فقال اللهُ: ﴿قُلْ (٣) هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨، ٦٩]. يومُ القيامةِ لا يُؤمِنون به. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٤) يقولُ: معنى ذلك: عمَّ يَتَحَدَّثُ (٥) به قريشٌ في

стр. 15951

القرآن. ثم أجاب، فصارت ﴿عَمَّ﴾ كأنها في معنى: لأيِّ شيءٍ يَتَساءلون عن القرآنِ؟! ثم أخبرَ فقال: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. بينَ مصدِّقٍ ومكذِّبٍ، فذلك اختلافُهم. وقولُه: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي صاروا هم فيه مُختلِفون فرِيقَينِ؛ فريقٌ به مصدِّقٌ، وفريقٌ به مكذِّبٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: فتساؤلُهم بينَهم في النبأِ الذي هذه صفتُه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: عن النبأِ الذي هم فيه مختلِفون: البعثِ بعدَ الموتِ، فصار الناسُ فيه فريقَينِ؛ مصدِّقٌ ومكذِّبٌ، فأما الموتُ فقد أقرُّوا به؛ لمعاينَتِهم إياه، واختلَفوا في البعثِ بعد الموتِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾: صار الناسُ فيه رجلَيْنِ؛ مصدِّقٌ ومكذَّبٌ، فأما الموتُ فإنهم أقرُّوا به كلُّهم؛ لمعاينتِهم إياه، واختلَفوا في البعثِ بعدَ الموتِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾. قال: مصدِّقٌ ومكذِّبٌ (٢). وقولُه: ﴿كَلَّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمُ هؤلاء المشرِكون

стр. 15952

الذين يُنكرون بعثَ اللهِ إياهم أحياءَ بعدَ مماتِهم. وتوعَّدهم جلَّ ثناؤُه على هذا القولِ منهم، فقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: سيعلَمُ هؤلاء الكفارُ المُنكِرون وعيدَ اللهِ أعداءَه ما اللهُ فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ. ثم أكَّد الوعيدَ بتكريرٍ آخرَ، فقال: ما الأمرُ كما يَزْعُمون من أن الله غيرُ محيِيهم بعدَ مماتهم، ولا مُعاقبهم على كفرِهم به، سيَعْلَمون أن القولَ غيرُ ما قالوا إذا لقُوا الله، وأَفْضَوا إلى ما قدَّموا من سيِّئِ أعمالِهم. وذُكِر عن الضحاكِ بن مزاحمٍ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: الكفارُ، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾: المؤمنون (١). وكذلك كان يَقْرَؤُها (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه معدِّدًا على هؤلاء المشرِكين نِعَمَه وأيادِيَه عندَهم، وإحسانَه إليهم، وكفرانَهم ما أنعَم به عليهم، ومتوعِّدَهم بما أعدَّ لهم عندَ ورودِهم عليه، من صنوفِ عقابِه، وأليمِ عذابِه، فقال لهم: ألم نَجْعَلِ الأَرضَ لكم مِهَادًا تَمْتَهدونها وتَفْتَرشونها. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. أي: بِساطًا.

стр. 15953

﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾. يقولُ: والجبال للأرضِ أوتادًا أن تَميدَ بكم، ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾: ذُكرانًا وإناثًا، وطوالًا وقِصارًا، أو ذوى دَمامةٍ [وجمالٍ. مثلَ] (١) قولِه: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. يَعْني به ضُرَباءَهم (٢)، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. يقولُ: وجعَلنا نومَكم لكم راحةً ودَعةً، تهدَءون به وتَسْكُنون، كأنكم أمواتٌ لا تَشْعُرون، وأنتم أحياءٌ لم تُفَارِقْكم الأرواحُ. والسَّبتُ والسُّباتُ هو السكونُ. ولذلك سُمِّى السبتُ سبتًا؛ لأنه يومُ راحةٍ ودعَةٍ، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَلنا الليلَ لكم غِشاءَ يَتَعَشَّاكم سوادُه، وتُغَطِّيكم ظلمتُه، كما يُغَطِّى الثوبُ لابسَه؛ لتسكُنوا فيه عن التصرُّف لِمَا كنتم تتصرَّفون له نهارًا، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): فلما لَبِسنَ الليلَ أو حينَ نَصَّبَتْ … له من خَذا آذانِها وهْوَ جانحُ (٤) يعنى بقولِه: لبِسن الليلَ: أُدْخِلْنَ في سوادِه فاستتَرْنَ به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾. قال: سكَنًا (٥). وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. يقولُ: وجعَلْنا النهارَ لكم ضياءً؛ لتنتَشِروا

стр. 15954

فيه لمعايشِكم (١)، وتتصرَّفوا فيه لمصالحِ دنياكم، وابتغاءَ فضلِ اللهِ فيه. وجعَل جلَّ ثناؤُه النهارَ - إذ كان سببًا لتصرُّفِ عبادِه لطلبِ المعاشِ فيه - معاشًا، كما في قولِ الشاعرِ: وأخو الهُمومِ إذا الهُمومُ تَحضَّرَت … جُنْحَ الظلامِ وِسادُه لا يَرْقُدُ فجعل الوسادَ هو الذي لا يَرْقُدُ، والمعنى لصاحبِ الوسادِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿النَّهَارَ مَعَاشًا﴾. قال: يَبْتَغون فيه من فضلِ اللهِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ﴾: وسَقَّفْنا فوقَكم. فجعَل السقفَ بناءً، إذ كانت العربُ تُسَمِّى سقوفَ البُيوتِ (٣) - وهى سماؤُها - بناءً، وكانت السماء للأرضِ سُقُفًا، فخاطَبهم بلسانِهم، إذ كان التنزيلُ بلسانِهم، وقال: ﴿سَبْعًا شِدَادًا﴾. إذ كانت وِثاقًا محكَمةَ الخلقِ، لا صُدوع فيهنَّ ولا فُطورَ، ولا يُبْلِيهن مَرُّ الليالي والأيامِ. وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا﴾. يعنى بالسراجِ الشمسَ. وقولُه: ﴿وَهَّاجًا﴾. يعنى: وقَّادًا مُضيئًا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 15955

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يقولُ: مُضيئًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. يقولُ: سراجًا منيرًا. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولُه: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. قال: يتلألأُ (٢). حدَّثنا ابن عبدُ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. قال: الوهَّاجُ المنيرُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. قال: بتلألأُ ضوءُه. وقولُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بالمعصراتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الرياح التي تَعْصِرُ في هبوبِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15956

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾: فالمعصراتُ الريحُ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةً أنه كان يَقْرَأُ: (وأنزَلْنا بالمعصراتِ). يعنى: الرياحِ (٢). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: الريحِ] (٣). وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٤)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هي في بعضِ القراءةِ: (وَأَنْزَلْنا بالمعصِراتِ) (٥): الرياحِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: المعصراتُ الرياحُ. وقرَأ قولَه: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٦) [الروم: ٤٨]. وقال آخرون: بل هي السحابُ التي تتحلَّبُ بالمطرِ ولمَّا تُمْطِرْ، كالمرأةِ المعصِرِ

стр. 15957

التي قد دنا أوانُ حيضِها ولم تَحِضْ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: المعصراتُ السحابُ (١). حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. يقولُ: من السحابِ (٢). قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: السحابِ (٣). وقال آخرون: بل هي السماءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: من السماءِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا (٤) سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: من السماواتِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾. قال: من السماءِ (٥).

стр. 15958

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله أخبرَ أنه أنزَل من المعصِراتِ - وهى التي قد تحلَّبت بالماءِ من السحابِ - ماءً. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن القولَ في ذلك على أحد الأقوالِ الثلاثةِ التي ذكَرْتُ، والرياحُ لا ماءَ فيها فيَنْزِلَ منها، وإنما يَنْزِلُ بها، وكان يَصِحُّ أن تكونَ الرياحَ (١) لو كانت القراءةُ: (وأنزلنا بالمعصِراتِ). فلما كانت القراءةُ: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ عُلِم أن المعنيَّ بذلك ما وصَفتُ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن "الباءَ" قد تَعْقُبُ في مثلِ هذا الموضعِ "مِن". قيلَ: ذلك وإن كان كذلك، فالأغلبُ من معنى "مِن" غيرُ ذلك، والتأويلُ على الأغلبِ من معنى الكلامِ. فإن قال: فإن السماءَ قد يجوزُ أن تكونَ مرادًا بها. قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن الأغلبَ من نزولِ الغيثِ من السحابِ دونَ غيرِه. وأما قولُه: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. يقولُ: مَاءً مُنْصَبًا يَتْبَعُ بعضُه بعضًا. كتَجِّ دماءِ البُدْنِ، وذلك سفكُها. وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُنْصَبًّا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 15959

أبيه، عن ابن عباس: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: ماءً من السماءِ مُنْصَبًّا. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُنْصَبًّا (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: الثَّجَّاجُ المنصَبُّ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ عن الربيعِ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُنْصَبًّا (٣). قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: مُتَتَابِعًا (٣). وقال بعضُهم: عُنِى بالثجَّاجِ الكثيرُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، [قال: قال ابنُ زيدٍ] (٤): ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾. قال: كثيرًا. ولا يُعرَفُ في كلامِ العربِ من صفة الكثرة الثجُّ، وإنما الثجُّ الصبُّ المتتابعُ، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : "أفضلُ الحجِّ العجُّ (٥) والثجُّ" (٦). يَعْنى بالثجِّ صبَّ دماءِ الهدايا

стр. 15960

والبُدْنِ بذبحِها. يُقالُ منه: ثجَجْتُ، دمَه، فأنا أثجُّه ثجًّا، وقد ثَجَّ الدمُ، فهو يَثِجُّ ثُجوجًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: لنُخْرِجَ بالماء الذي تُنْزِلُه من المعصِراتِ إلى الأرضِ حبًّا. والحبُّ كلُّ ما تَضَمَّنَه كِمامُ الزرعِ التي تُحْصَدُ، وهي جمعُ حبةٍ، كما الشعيرُ جمعُ شعيرةٍ، وكما التمرُ جمعُ تمرةٍ. وأما النباتُ فهو الكلأُ الذي يُرْعَى من الحشيشِ والزروعِ. وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. يقولُ: ولنُخْرِجَ بذلك الغيثِ جناتٍ، وهى البساتينُ. وقال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. والمعنى: وثمرَ جَنَّاتٍ. فترَك ذكرَ الثمرِ استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه من ذكرِه. وقولُه: ﴿أَلْفَافًا﴾. يعنى: ملتفةً مجتمعةً. وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: مجتمِعةً (١).

стр. 15961

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. يقولُ: جناتٍ التفَّ بعضُها ببعضٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: مُلتفةً (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: التفَّ بعضُها إلى بعضٍ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: التفَّ بعضُها إلى بعضٍ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: ملتفةً. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾. قال: هي الملتفةُ بعضُها فوقَ بعضٍ. واختلف أهلُ العربيةِ في واحدِ الألفافِ؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: واحدُها: لِفٌّ. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: واحدُها: لِفٌّ ولفيفٌ. قال: وإِن شِئْتَ كان الألفافُ جمعًا، واحدُه جمعٌ أيضًا، فتقولُ: جنةٌ لَفَّاءُ، وجناتٌ لَفَاءُ (٤). ثم يُجْمَعُ

стр. 15962

اللِّفُّ ألفافًا. وقال آخرُ منهم: لم نَسْمَعْ بـ: شجرةٌ لَفَّةٌ. ولكنَّ واحدَها لَفَّاءُ، وجمعَها لِفٌّ، وجمعَ لِفٍّ ألفافٌ، فهو جمعُ الجمعِ. والصوابُ من القولِ في ذلك أن الألفافَ جمعُ لِفٍّ أو لفيفٍ، وذلك أن أهلَ التأويلِ مُجْمِعون على أن معناه: ملتفةٌ. واللَّفَّاءُ هي الغليظةُ، وليس الالتفافُ من الغِلَظ في شيءٍ، إلا أن يُوَجَّهَ إلى أنه غِلَظُ الالتفاف، فيكون ذلك حينَئذٍ وجهًا. وقولُه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن يومَ يَفْصِلُ اللهُ فيه بينَ خلقِه، فيأخُذُ فيه من بعضِهم لبعضٍ، كان ميقاتًا لما أنفَذ اللهُ لهؤلاءِ المكذِّبين بالبعثِ، ولضُربائِهم من الخلقِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾: وهو يومٌ عظَّمه اللهُ، يَفْصِلُ اللهُ فيه بينَ الأوَّلين والآخِرين بأعمالِهم (١). وقولُه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾. تَرْجَمَ بـ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾. عن يومِ الفصل، فكأنه قيل: يومُ الفصلِ كان أجلًا لما وعَدْنا هؤلاءِ القومَ، يومَ يُنْفَخُ في الصورِ. وقد بيَّنتُ معنى الصورِ فيما مضَى قبلُ، وذكرتُ اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).

стр. 15963

وهو قَرْنٌ يُنفَخُ فيه عندَنا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أسلمَ، عن بشرِ بن شَغَافٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "الصُّورُ قَرْنٌ" (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: والصُّورُ الخَلْقُ (٢). وقولُه ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾. يقولُ: فتجِيئون زُمَرًا زُمَرًا، وجماعةً جماعةً. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾. قال: زُمَرًا زُمَرًا (٣). وإنما قيل: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ لأن كلَّ أمةٍ أرسل اللهُ إليها رسولًا تأتى مع الذي أُرسِل إليها، كما قال: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ﴾ [الإسراء: ٧١]. وقولُه: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وشُقِّقت السماءُ فصُدِّعت، فكانت طُرُقًا، وكانت من قبلُ شِدادًا لا فُطُورَ فيها ولا صُدُوعَ. وقيل: معنى ذلك: وفُتِحت السماءُ فكانت قِطعًا كقطعِ الخشبِ المشقَّقةِ لأبوابِ الدورِ والمساكنِ. قالوا: ومعنى الكلامِ: وفُتِحت السماءُ فكانت قِطعًا

стр. 15964

كالأبوابِ. فلما أُسْقِطت الكافُ صارت الأبوابُ الخبرَ. كما يُقالُ في الكلامِ: كان عبدُ اللهِ أسدًا: كالأسدِ. وقولُه: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾. يقولُ: ونُسِفت الجبالُ فاجتُثَّت من أصولِها، فصُيِّرت هباءً مُنبثًّا لعينِ الناظرِ، كالسرابِ الذي يَظُنُّ مَن يَراه من بُعدٍ ماءً، وهو في الحقيقةِ هباءٌ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ [كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: إن جهنَّمَ كانت] (١) ذاتَ رصدٍ لأهلِها الذين كانوا يُكَذِّبون في الدنيا بها، وبالمعاد إلى الله في الآخرةِ، ولغيرِهم من المصدِّقين بها. ومعنى الكلامِ: إن جهنمَ كانت ذاتَ ارتقابٍ، تَرْقُبُ من يجتازُها وتَرْصُدُهم. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ بن بكرِ بن عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، قال: كان الحسنُ إذا تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. قال: ألا إن على البابِ الرَّصَدَ، فمن جاء بجواز جاز، ومن لم يَجِئْ بجوازٍ احتبَس (٢).

стр. 15965

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. قال: لا يَدْخُلُ الجنةَ أحدٌ حتى يجتاز النارَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: تَعَلَّمُن (٢) أنه لا سبيلَ إلى الجنةِ حتى تَقْطَعَ النارُ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال: عليها ثلاثُ قناطرَ (٤). وقولُه: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن جهنمَ للذين طغَوا في الدنيا فتجاوزوا حدودَ اللهِ، استكبارًا على ربِّهم، كانت منزِلًا ومرجعًا يَرْجِعون إليه، ومصيرًا يَصيرون إليه يَسْكُنونه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾. أي: منزلًا ومأوًى. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ عن سفيانَ: ﴿مَآبًا﴾. يقولُ: مَرْجِعًا ومَنْزِلًا.
следующие страницы →