حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أو غيرِه، عن مجاهدٍ، قال: الأبُّ المَرْعَى (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَأَبًّا﴾: المَرعَى.
حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مباركٍ، عن الحسنِ: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ ما تأكلُ الأنعامُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ ما أكَلَت الأنعامُ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: أما الأبُّ فلأنعامِكم، نعمٌ مِن اللَّهِ متظاهرةٌ (١).
حدَّثنا (٤) بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ العشبُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثور، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: هو ما تأكلُه الدوابُّ (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
стр. 16067
الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾: يعنى المَرعَى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَبًّا﴾. قال: الأبُّ لأنعامِنا. قال: والأبُّ ما ترعَى. وقرَأ: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.
قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ وعمرُو بنُ الحارثِ، عن ابن شهابٍ، أن أنسَ بنَ مالكٍ حدَّثه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ يقولُ: قال اللَّهُ: ﴿وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾: كلُّ هذا قد علِمناه، فما الأبُّ؟ ثم ضرَب بيدِه، ثم قال: [لعمرُ اللَّهِ] (١)، إن هذا لهو التكلفُ (٢)، واتَّبِعوا ما يتبينُ لكم في هذا الكتابِ. قال عمرُ: وما يتبينُ فعليكم به، وما لا فدعُوه (٣).
وقال آخرون: الأبُّ الثمارُ الرَّطبةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَبًّا﴾. يقولُ: الثمارَ الرطبةَ (٤).
وقولُه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾. يقولُ: أنبَتْنا هذه الأشياءَ التي يأكلُها بنو آدمَ متاعًا لكم أيُّها الناسُ، ومنفعةً تتمتَّعون بها وتنتفِعون، والتي يأكلُها الأنعامُ، لأنعامِكم.
стр. 16068
وأصلُ الأنعامِ الإبلُ، ثم تستعملُ في كلِّ راعيةٍ.
وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، و (١) [قال: ثنا يونسُ] (٢)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾. قال: متاعًا لكم الفاكهةُ، ولأنعامِكم العشبُ.
وقولُه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. ذُكِر أنها اسمٌ مِن أسماءِ القيامةِ، وأحسبُها مأخوذةً من قولِهم: صاخ فلانٌ لصوتِ فلانٍ، إذا استمَع له، إلا أن هذا يقالُ منه: هو مُصِيخٌ له. ولعلَّ الصوتَ هو الصاخُّ، فإن يكنْ ذلك كذلك، فينبغي أن يكونَ قيل ذلك لنفخةِ الصورِ.
ذكرُ مَن قال: هو اسمٌ مِن أسماءِ يومِ (٣) القيامةِ
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. قال: هذا مِن أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ وحذَّره عبادَه (٤).
وقولُه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾. يقولُ: فإذا جاءت الصاخةُ في هذا اليومِ الذي يفرُّ فيه المرءُ مِن أخيه.
ويعنى بقولِه: يفرُّ مِن أخيه: يفرُّ عن أخيه، وأمِّه وأبيه،
стр. 16069
﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾. يعني زوجتَه التي كانت زوجتَه في الدنيا، ﴿وَبَنِيهِ﴾؛ حذَرًا من مطالبتِهم إياه بما بينَه وبينَهم مِن التَّبِعاتِ والمظالِمِ.
وقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾: يفرُّ عن أخيه؛ لئلا يراه وما ينزلُ به.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾. يعنى: من الرجلِ وأخيه وأمِّه وأبيه، وسائرِ مِن ذُكِر في هذه الآيةِ، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾. يعنى: يومَ القيامةِ؛ إذا جاءت الصاخَّةُ يومَ القيامةِ، ﴿شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. يقولُ: أمرٌ يغنيه، ويشغَلُه عن شأنِ غيرِه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾: أفضى إلى كلِّ إنسانٍ ما يشغلُه عن الناسِ.
حدَّثنا أبو عمارٍ (١) المَرْوَزِيُّ الحسينُ بنُ حُريثِ، قال: ثنا الفضلُ بن موسى، عن عائذِ (٢) بن شريحٍ، عن أنسٍ، قال: سألتْ عائشةُ رسول اللَّهِ ﷺ ، قالت: يا رسول اللَّهِ، بأبى أنت (٣) وأمى، إنى سائلتُك عن حديثٍ أخبِرني أنت به، قال: "إن كان عندى منه عِلمٌ". قالت: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحشرُ الرجالُ؟ قال: "حُفاةً عُراةً". ثم انتظَرت ساعةً، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، كيف يُحشرُ النساءُ؟ قال: "كذلك حُفاةً عُراةً". قالت: واسَوْءَتاه مِن يومِ القيامةِ! قال: "وعن ذلك تسأليني، إنه قد نزَلت عليَّ آيةٌ لا يضرُّكِ كان عليكِ ثيابٌ أم لا". قالت: أيُّ آيةٍ هي يا نبيَّ اللَّهِ؟ قال: " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ " (٤).
стр. 16070
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. قال: شأنٌ قد شغَله عن صاحبِه.
وقولُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجوهٌ يومَئذٍ مشرقةٌ مضيئةٌ. وهى وجوهُ المؤمنين الذين قد ﵃، يقالُ: أسفَر وجهُ فلانٍ: إذا حَسُن، ومنه: أسفَر الصبحُ، إذا أضاء. وكلُّ مضئٍ فهو مُسْفِرٌ. وأما "سَفَر" بغيرِ ألفٍ، فإنما يقالُ للمرأةِ إذا ألقَتْ نقابَها عن وجهِها أو برقعَها، يقالُ: قد سَفَرتِ المرأةُ عن وجهِها. إذا فعَلَت ذلك، فهو سافرٌ. ومنه قولُ تَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ (١):
وكُنْتُ إذا ما زُرْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ … فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُها
يعني بقولِه: سفورُها: إلقاءَها برقعَها عن وجهِها.
﴿ضَاحِكَةٌ﴾. يقولُ: ضاحكةٌ مِن السرورِ بما أعطاها اللَّهُ مِن النعيمِ والكرامةِ، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ لما ترجو من الزيادةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُسْفِرَةٌ﴾. يقولُ: مشرقةٌ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الجنةِ.
стр. 16071
وقولُه: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَوُجُوهٌ﴾. وهى وجوهُ الكفارِ، ﴿يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾. ذُكِر أن البهائمَ التي يُصَيرُها اللَّهِ ترابًا يومَئِذٍ بعدَ القضاءِ بينَها، يُحوَّلُ ذلك الترابُ غَبَرَةً في وجوهِ أهلِ الكفرِ،
﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. يقولُ: يغشَى تلك الوجوهَ قَتَرَةٌ؛ وهي الغَبَرَةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. يقولُ: تغشاها ذلةٌ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾. قال: هذه وجوهُ أهلِ النارِ. قال: والقَتَرةُ مِن الغَبَرةِ. قال: وهما واحدٌ. قال: فأما في الدنيا فإن القترةَ ما ارتفَع فلحِق بالسماءِ ورفعَته الريحُ، تسميه العربُ القترةَ؛ وما كان أسفلَ في الأرضِ فهو الغبرةُ.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم يومَ القيامةِ هم الكفرةُ باللهِ، كانوا في الدنيا الفجرةَ في دينِه (٢)، لا يبالون ما أتَوا به من معاصى اللَّهِ، وركِبوا مِن محارمِه، فجزاهم اللَّهُ بسوءِ أعمالِهم ما أخبر به عبادَه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "عبس"
стр. 16072
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيُر سورةِ "إذا الشمسُ كُوِّرَتْ"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إذا الشمسُ ذهَب ضَوءُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ الحريثِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ (١) بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثنى أبيُّ بنُ كعبٍ، قال: ستُّ آياتٍ قبلَ يومِ القيامةِ؛ بينا الناسُ في أسواقِهم، إذ ذهَب ضَوْءُ الشمسِ، فبينَما هم كذلك، إذ تناثَرت النجومُ، فبينَما هم كذلك، إذ وقَعتِ الجبالُ على وجْهِ الأرضِ، فتحرَّكت واضطرَبت واحترَقت، وفزِعتِ الجنُّ إلى الإنسِ، والإنسُ إلى الجنِّ، واختلَطت الدوابُّ والطيرُ والوحشُ، وماجوا بعضُهم في بعضٍ، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. قال: اختلَطَت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: أهمَلها أهلُها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: قالت الجنُّ للإنسِ: نحن نأتيكم بالخبرِ. قال: فانطلَقوا إلى البحارِ، فإذا هي نارٌ تأجَّجُ. قال: فبينما هم كذلك إذ تصدَّعتِ الأرضُ صَدْعةً واحدةً إلى الأرضِ السابعةِ السفلى وإلى السماءِ السابعةِ العليا. قال: فبينما هم
стр. 16073
كذلك إذ جاءتهم الريحُ فأماتَتهم (١).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. يقولُ: أَظْلَمَت (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قولَه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. يعني: ذهَبت (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، حدَّثنى عبيد اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: اضمحَلَّت وذهَبت (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ [في هذه الآيةِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: ذهَب ضوءُها (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (٦) في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: ذهَب ضوءُها فلا ضوءَ لها.
стр. 16074
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُميُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: غُوِّرتْ (١)، وهى بالفارسيةِ: كُور تكور (٢).
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أما تكويرُ الشمسِ فذَهابُها (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال (٤): كور (٥)، بالفارسيةِ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: رُمِيَ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ (٦) بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ (٧)، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: نُكِّسَت (٣).
стр. 16075
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ، سمِع أبا صالحٍ في قولِه: هو ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: أُلِقيَت (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلَى، عن ربيعِ بن خُثيمٍ (٢): ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: رُمِيَ بها (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (٢) مثلَه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: ﴿كُوِّرَتْ﴾. كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه. والتكويرُ في كلامِ العربِ جمعُ بعضِ الشيءِ إلى بعضٍ، وذلك كتكويرِ العمامةِ، وهو لفُّها على الرأسِ، وكتكويرِ الكارةِ، وهى جمعُ الثيابِ بعضها إلى بعضٍ ولفُّها، وكذلك قولُه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. إنما معناه: جُمِع بعضُها إلى بعضٍ، ثم لُفَّت فرُمِيَ بها، وإذا فُعِل ذلك بها ذهَب ضوءُها. فعلى التأويلِ الذي تأوَّلناه وبيَّناه، لكلا القولين اللذين ذكَرتُ عن أهلِ التأويلِ وجهٌ صحيحٌ، وذلك أنها إذا كُوِّرت ورُمِيَ بها ذهَب ضوءُها.
стр. 16076
وقولُه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. يقولُ: وإذا النجومُ تناثَرَت من السماءِ فتساقَطَت. وأصلُ الانكدارِ الانصبابُ، كما قال العجَّاجُ (١):
أبصَر خِرْبانَ فضاءٍ فانكدَرْ
يعني بقولِه: انكدَر: انصبَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خثيمٍ (٢): ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: تناثَرَت.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خثيمٍ (٢) مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن [أبي يحيى] (٣)، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: تناثَرَت (٤).
حدَّثني (٥) موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: انتثَرَت (٦).
стр. 16077
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: تساقَطَت وتهافَتَت (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. قال: رُمِى بها من السماءِ إلى الأرضِ.
وقال آخرون: انكَدَرت: تغيَّرَت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. يقولُ: تغيَّرَت (٢).
وقولُه: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾. يقولُ: وإذا الجبالُ سيَّرها اللهُ، فكانت سرابًا وهباءً منبثًّا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ (٣)، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾. قال: ذهَبت (٤).
стр. 16078
وقولُه: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. والعشارُ جمعُ عُشَرَاءَ، وهي التي قد أتَى عليها عشرة أشهرٍ من حملِها.
يقول تعالى ذكرُه: وإذا هذه الحواملُ التي يَتنافسُ أهلُها فيها أُهمِلت فتُرِكت من شدةِ الهولِ النازلِ بهم، فكيف بغيرِها؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ الحريثِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: إذا أهمَلَها أهلُها (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (٢): ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: خلَا منها أهلُها، لم تُحلَبْ ولم تُصَرَّ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (٢): ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: لم تُحلبْ ولم تُصَرَّ، وتخلَّى منها أربابُها.
стр. 16079
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: سُيِّبَت، تُرِكَت (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: عِشارُ الإبلِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ قال: سيَّبَها أهلُها فلم تُصَرَّ ولم تُحلَبْ، ولم يكنْ في الدنيا مالٌ أعجبَ إليهم منها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. قال: عشارُ الإِبل سُيِّبَت (٣).
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. يقولُ: لا راعىَ لها (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾؛ فقال
стр. 16080
بعضُهم: معنى ذلك: ماتت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. قال: حَشْرُ البهائمِ موتُها، وحَشْرُ كلِّ شيءٍ الموتُ، غيرَ الجنَّ والإنسِ، فإنهما يُوقَفان يومَ القيامةِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (٢): ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: أتَى عليها أمرُ اللهِ. قال سفيانُ: قال أبي: فذكرتُه لعكرمةَ، فقال: قال ابنُ عباسٍ: حَشْرُها موتُها (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خُثيمٍ (٢) بنحوِه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإذا الوحوشُ اختلَطتْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بن حُريثٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ،
стр. 16081
عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾. قال: اختلَطتْ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: جُمعت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾: إنَّ هذه الخلائقَ موافيةٌ يومَ القيامةِ، فيقضِى اللهُ فيها ما يشاءُ (٢).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ﴿حُشِرَتْ﴾: جُمعت فأُميتَتْ؛ لأنَّ المعروفَ في كلامِ العربِ مِن معنى الحشرِ الجمعُ، ومنه قولُ الله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩]. يعنى: مجموعةً. وقولُه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: ٢٣]. وإنما يُحملُ تأويلُ القرآنِ على الأغلبِ الظاهرِ مِن تأويلِه، لا على الأنكرِ المجهولِ.
وقولُه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وإذا البحارُ اشتَعلَت نارًا وحَمِيَت.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ حُريثٍ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: ثني أُبيُّ بنُ كعبٍ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: قالت الجنُّ للإنسِ: نحن نأتيكم بالخبرِ. فانطلَقوا إلى البحارِ فإذا هي تأجَّجُ نارًا (١).
стр. 16082
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: قال عليٌّ ﵁ لرجلٍ مِن اليهودِ: أين جهنمُ؟ فقال: البحرُ. فقال: ما أُراه إلا صادقًا، ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. مخففةً (١).
حدَّثني حَوْثرةُ (٢) بنُ محمدٍ المِنْقَريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا مجالدٌ، قال: أخبَرني شيخٌ من بَجِيلةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: كوَّر اللهُ الشمسَ والقمرَ والنجومَ في البحرِ، فيَبْعثُ عليها ريحًا دبورًا، فتَنْفخُه حتى يصيرَ نارًا، فذلك قولُه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: إنها توقدُ يومَ القيامةِ، زعَموا ذلك التسجيرَ في كلامِ العربِ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ في قولِه: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]. قال: بمنزلِة التنُّورِ المسجورِ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ مثلُه.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قال: أُوقِدت.
وقال آخرون: معنى ذلك: فاضتْ.
стр. 16083
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيْمٍ (١): ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: فاضَتْ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن ربيعٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: مُلِئت، ألا ترَى أنه قال: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٢)!
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. يقولُ: فُجِّرَت (٣).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أنه ذهَب ماؤُها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: ذهَب ماؤُها فلم يبقَ فيها قطرةٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا
стр. 16084
الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: غار ماؤُها فذهَب (١).
حدَّثني [الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ] (٢)، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن الحسنِ (٣) في هذا الحرفِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: يبِسَت (٤).
حدَّثنا الحسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ بمثلِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾. قال: يبِسَت.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: مُلئت حتى فاضَتْ، فانفجَرت وسَالتْ. كما وصَفها اللهُ به في الموضعِ الآخرِ، فقال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣]. والعربُ تقولُ للنهرِ أو للرَّكيِّ المملوءِ ماءً: مسجورٌ.
ومنه قولُ لبيدٍ (٥):
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا … مسجُورةً مُتَجاوِرًا (٦) قُلَّامُها
ويعنى بالمسجورةِ: المملوءةَ ماءً.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿سُجِّرَتْ﴾
стр. 16085
بتشديدِ الجيمِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ البصرةِ بتخفيفِ الجيمِ (١).
والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان متقاربتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: أُلحِق كلُّ إنسانٍ بشكلهِ، وقُرِن بينَ الضُّرَباءِ والأمثالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ ﵁: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ الواحدَ يدخلان به الجنةَ، ويدخُلان به النارَ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ ﵁: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ، فيدخُلان به الجنةَ. وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]. قال: ضُرباءَهم (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بن حربٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، عن عمرَ بن الخطابِ ﵁: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: هما الرجلان يعمَلان العملَ، يدخُلان به الجنةَ أو النارَ.
стр. 16086
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، أنه سمِع النعمانَ بن بشيرٍ يقولُ: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ وهو يَخْطُبُ، قال: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١١]. ثم قال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: أزواجٌ في الجنةِ، وأزواجٌ في النارِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: سُئِل عمرُ ﵁ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: يُقْرَنُ بينَ الرجلِ الصالحِ مع الرجلِ الصالحِ في الجنةِ، وبينَ الرجلِ السوءِ مع الرجلِ السوءِ في النارِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ الدُّولابيُّ، عن الوليدِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ، عن النبيِّ ﷺ ، والنعمانِ، عن (٢) عمرَ، وقال: قال " ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ". قال: "الضُّرَباءُ، كلُّ رجلٍ مع كلِّ قومٍ كانوا يعمَلون عملَه؛ وذلك أن الله يقولُ: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠]. قال: "هم الضُّربَاءُ" (٣).
стр. 16087
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: ذلك حينَ يكونُ الناسُ أزواجًا ثلاثةً (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: أُلحِق كلُّ امرئ بشيعتِه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: الأمثالُ من الناسِ جُمِع بينَهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: لحِق كلُّ إنسانٍ بشيعتِه؛ اليهودُ باليهودِ، والنصارى بالنصارى (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (٥): ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: يُحشرُ المرءُ مع صاحبِ عملِه (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن
стр. 16088
الربيعِ، قال: يجئُ المرءُ مع صاحبِ عملِه.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك أن الأرواحَ رُدَّت إلى الأجسادِ فزُوِّجت بها. أي: جُعِلت لها زوجًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن أبي أبيه، عن أبي (١) عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: الأرواحُ تَرْجِعُ إلى الأجسادِ (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: زُوِّجت الأجسادَ فرُدَّت الأرواحُ في الأجسادِ (٣).
حدَّثني عبيدُ بنُ أسباطَ بن محمدٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرِمةَ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: رُدَّت الأرواحُ في الأجسادِ.
حدَّثني الحسنُ بنُ زُريقٍ (٤) الطُّهَويُّ، قال: ثنا أسباطُ، عن أبيه، عن عكرمةَ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: أخبَرنا داودُ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. قال: زوِّجت الأرواحُ الأجسادَ.
стр. 16089
وأولى التأويلين في ذلك بالصحة الذي تأوَّله عمرُ بنُ الخطابِ ﵁؛ للعلةِ التي اعتَلَّ بها، وذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾. وقولُه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وذلك لا شكَّ الأمثالُ والأشكالُ في الخيرِ والشرِّ، وكذلك قولُه: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. بالقُرنَاءِ (١) والأمثالِ في الخيرِ والشرِّ.
وحدَّثني مطرُ بنُ محمدٍ الضبيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلمٍ القَسْمَلِيُّ (٢)، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال: سيأتي أوَّلُها والناسُ ينظرون، وسيأتي آخرُها إِذا النفوسُ زُوِّجت (٣).
وقولُه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه أبو الضحى مسلمُ بنُ صُبيحٍ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤). بمعنى: سألتِ الموءودةُ الوائدينَ بأيِّ ذنبٍ قتَلوها (٥).
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ في قولِه: (وإذا المَوءُودةُ سأَلتْ). قال: طلَبت بدمائِها (٦).
стр. 16090
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العنبريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن الأعمشِ، قال: قال أبو الضحى: (وإذا الموءودةُ سأَلتْ). قال: سأَلت قتَلَتَها.
ولو قرَأ قارئٌ ممن قرَأ: (سأَلَتْ): (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) (١) كان له وجهٌ، وكان يكونُ معنى ذلك معنى مَن قرَأ: (بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ) غيرَ أنه إذا كان حكايةً جاز فيه الوجهان، كما يقالُ: قال عبدُ اللهِ: بأيِّ ذنبٍ ضُرِب (٢)، وضُرِبتُ (٣) كما قال عَنترةُ (٤):
الشَّاتَمِيْ عِرْضى ولم أشْتمْهما … والنَّاذِرَين إذا لقِيتُهما دَمى
وذلك أنهما كانا يقولان: إذا لَقِينا عنترةَ لنقتلنَّه. فحكَى عنترةُ قولَهما في شعرِه. وكذلك قولُ الآخرِ (٥):
رَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أَخْبَرانا … إِنَّا رأَيْنا رَجُلًا عُرْيانا
بمعنى: أخبَرانا أنَّهما. ولكنه جرَى الكلامُ على مذهبِ الحكايةِ.
وقرَأ ذلك بعدُ (٦) عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. بمعنى: سُئلت الموءودةُ بأيّ ذنبٍ قُتِلَتْ. ومعنى ﴿قُتِلَتْ﴾: قُتلْتُ. غيرَ أن ذلك رُدَّ إلى الخبرِ على وجْهِ الحكايةِ على نحوِ القولِ الماضي قبلُ. وقد يَتوجَّهُ معنى
стр. 16091
ذلك إلى أنْ يكونَ: وإذا الموءودةُ سُئلت قتلَتُها ووائدُوها بأيِّ ذنبٍ قتلوها. ثم رُدَّ ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، فقيل: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.
وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿سُئِلَتْ﴾ بضمِّ السينِ، ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ على وجْهِ الخبرِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
والموءودةُ المدفونةُ حيةً. وكذلك كانت العربُ تفعَلُ ببناتِها، ومنه قولُ الفرزدقِ بن غالبٍ (١):
ومِنَّا الذي أحْيا الوَئيدَ وغالبٌ (٢) … وعمرٌو ومنا حامِلونَ ودَافِعُ
يقالُ: وأَده فهو يَئِدُه وأْدًا، ووأْدةً.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾: هي في بعضِ القراءاتِ: (سألتْ بأَيِّ ذنبٍ قُتِلْتُ) (٣). لا بذنبٍ؛ كان أهلُ الجاهليةِ يَقْتُلُ أحدُهم ابنتَه ويَغْذُو كلْبَه، فعاب اللهُ ذلك عليهم (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: جاء قيس بنُ عاصمٍ التميميُّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنى وأَدْتُ ثمانيَ بناتٍ في الجاهلية. قال: "فأعتِقْ عن كلِّ واحِدَةٍ بَدَنَةً" (٥).
стр. 16092
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (١): ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. قال: كانتِ العربُ مِن أفعلِ الناسِ لذلك (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن ربيعِ بن خُثيْمٍ بمثلِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. قال: البناتُ التي كانت طوائفُ العربِ يَقْتلونهنَّ. وقرَأ: ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا صُحفُ أعمالِ العبادِ نُشِرتْ لهم، بعدَ أن كانت مطويةً على ما فيها مكتوبٌ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾: صحيفتُك يا بنَ آدمَ، يُملى ما فيها، ثم تُطْوَى، ثم تُنْشَرُ عليك
стр. 16093
يومَ القيامةِ (١).
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿نُشِرَتْ﴾ بتخفيفِ الشينِ، وكذلك قرَأه أيضًا بعضُ الكوفيِّين، وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ بتشديدِ الشينِ (٢). واعتلَّ من اعتلَّ منهم لقراءتهِ ذلك كذلك بقولِ اللهِ: ﴿أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٢٥]. ولم يقلْ: منشورةً. وإنما حسُن التشديدُ فيه لأنه خبرٌ عن جماعةٍ، كما يقالُ: هذه كِباشٌ مُذَبَّحةٌ. ولو أخبرَ عن الواحدِ بذلك كانت مخفَّفةً، فقيل: مذبوحةٌ. فكذلك قولُه: منشورةٌ.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا السماءُ نُزِعت وجُذبت ثم طُوِيت.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُشِطَتْ﴾. قال: جُذِبت (٣).
стр. 16094
وذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قُشِطَتْ) بالقافِ (١)، والقَشْطُ والكَشْطُ بمعنًى واحدٍ، وذلك تحويلٌ مِن العربِ الكافَ قافًا؛ لتقارُبِ مخرَجَيْهما، كما قيل للكافور: قافورٌ. وللقُسْطِ: كُسْطٌ. وذلك كثيرٌ في كلامِهم، إذا تقارَب مخرجُ الحرفين، أبدَلوا مِن كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، كقولِهم للأَثافيِّ: أثاثيُّ. وثوبٌ فُرقُبيٌّ وثُرْقُبيٌّ (٢).
وقولُه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الجحيمُ أُوقِد عليها فأُحْمِيت.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾: سعَّرها غضبُ اللهِ وخطايا بني آدمَ (٣).
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ: ﴿سُعِّرَتْ﴾ بتشديدِ عينِها، بمعنى: أُوقِد عليها مرَّةً بعدَ مرَّةٍ. وقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ بالتخفيفِ (٤).
والقولُ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا الجنةُ قُرِّبت وأُدْنِيَت.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 16095
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ بن خُثيمٍ (١): ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. قال: إلى هذين ما جرى الحديثُ؛ ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (٢) [الشورى: ٧].
حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي يَعْلى، عن الربيعِ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. قال: إلى هاتين (٣) ما جَرى الحديثُ؛ فريقٌ إلى الجنةِ، وفريقٌ إلى النارِ.
يعني الربيعُ بقولِه: إلى هذين ما جَرى الحديثُ. أنَّ ابتداءَ الخبرِ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] إلى قولِه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾. إنما عُدِّدت الأمورُ الكائنةُ التي نهايتُها أحدُ هذين الأمرين؛ وذلك المصيرُ إما إلى الجنةِ، وإما إلى النارِ.
وقولُه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: عَلِمت نفسٌ عندَ ذلك ما أحضَرت مِن خيرٍ فتصيرُ به إلى الجنةِ، أو شرٍّ فتصيرُ به إلى النارِ. يقولُ: يتبيَّنُ له عندَ ذلك ما كان جاهلًا به، وما الذي كان فيه صلاحُه مِن غيرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا
стр. 16096
أَحْضَرَتْ﴾: من عملٍ. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: وإلى هذا جرَى الحديثُ (١).
وقولُه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. جوابٌ لقولِه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ وما بعدَها، كما يقالُ: إذا قام عبدُ اللهِ قعَد عمرٌو.
وقولُه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في الخُنَّسِ الجوارِ الكُنَّسِ؛ فقال بعضُهم: هي النجومُ الدراريُّ الخمسةُ، تَخْنِسُ في مجراها فترجِعُ، وتكْنِسُ فتَسْتَتِرُ في بيوتِها، كما تكْنِسُ الظباءُ في المغارِ. والنجومُ الخمسةُ؛ بَهْرَامُ، وزُحَلُ، وعُطارِدُ، والزَّهَرَةُ، والمُشْتَرِى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ ﵁، فقال: ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؟ قال: هي الكواكبُ (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، قال: سمِعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا ﵇ وسُئل عن: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، وتكنِسُ
стр. 16097
بالليلِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن إسرائيلَ] (٢)، عن سماكٍ، عن خالدِ بن عرعرةَ، عن عليٍّ ﵁، قال: النجومُ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من مُرادٍ، عن عليٍّ أنه قال: هل تدرون ما الخُنَّسُ؟ هي النجومُ، تجرِى بالليلِ وتخنِسُ بالنهارِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى جريرُ بنُ حازمٍ أنه سمِع الحسنَ (٤) يُسألُ، فقيل: يا أبا سعيدٍ، ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؟ قال: النجومُ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ بن خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ الدراريُّ التي تجرِى تستقبلُ المشرقَ (٦).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: هي النجومُ (٦).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاق، عن رجلٍ مِن
стр. 16098
مُرادٍ، عن عليٍّ بن أبى طالبٍ ﵁: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: يعنى النجومَ؛ تكنِسُ بالنهارِ، وتبدو بالليلِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ؛ تبدو بالليلِ، وتخنِسُ بالنهارِ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي النجومُ تخنِسُ بالنهارِ، و ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: سَيرُهنَّ إذا غبْن (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: الحُنَّسُ والجوارى الكُنَّسُ: النجومُ الحُنَّسُ؛ إنها تخنِسُ؛ تتأخَّرُ عن مَطالِعها (٣)، هي تتأخُرُ كلَّ عامٍ، لها في كلِّ عامٍ تأخُّرٌ عن تعجيلِ ذلك الطلوعِ تخنِسُ عنه، والكُنَّسُ: تكنِسُ بالنهارِ فلا تُرى. قال: والجوارى: تجرى بعدُ، فهذا الخُنَّسُ الجوارى الكُنَّسُ (٤).
وقال آخرون: هي بقرُ الوحشِ التي تكنِسُ في كِناسِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا هشيمُ بنُ بشيرٍ، عن زكريا بن أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ السبيعيِّ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال لأبى
стр. 16099
ميسرةَ: ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؟ قال: فقال: بقرُ الوحشِ. قال: فقال: وأنا أُرى ذلك (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: بقرُ الوحشِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن شُرَحْبيلَ، قال: قال ابنُ مسعودٍ: يا عمرُو، ما ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. أو: ما تراها؟ قال عمرٌو: أُراها البقَرَ. قال عبدُ الله: وأنا أُراها البقَرَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، قال: سألتُ عنها عبدَ الله. فذكَر نحوَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني جريرُ بنُ حازمٍ، قال: ثنى الحجاجُ بنُ المنذرِ، قال: سألتُ أبا الشَّعثاءِ جابرَ بنَ زيدٍ عن: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي البقَرُ إذا كنَست كوانسُها (٣). قال يونسُ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ: هي البقَرُ إذا فرَّت مِن الذئابِ، فذلك الذي أراد بقولهِ: كنَست كوانسُها *.
стр. 16100
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال جريرٌ: وحدَّثنى الصلتُ بنُ راشدٍ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: هي بقَرُ الوحشِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: سُئل مجاهدٌ ونحنُ عندَ إبراهيمَ عن قولِه: ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: لا أدْرى. فانتَهره إبراهيمُ وقال: لِمَ لا تَدْرى؟ فقال: إنهم يَرْوُون عن عليٍّ ﵁، وكنا نسمَعُ أَنَّها البقَرُ. فقال إبراهيمُ: هي البقرُ الجوارى، الكُنَّسُ: حُجْرةُ (٢) بقرِ الوحشِ التي تأْوِى إليها، والخُنَّسُ الجوارى: البَقرُ.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ أنهما تذاكرا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. فقال إبراهيمُ لمجاهدٍ: قلْ فيها ما سمعتَ. قال: فقال مجاهدٌ: كنا نسمعُ فيها شيئًا، وناسٌ يقولون: إنها النجومُ (٣). قال: فقال إبراهيمُ: إنهم يَكْذِبون على عليٍّ ﵁، هذا كما رَوَوْا عن عليٍّ ﵁، أنه ضمَّن الأسفلَ الأعلى، والأعلى الأسفلَ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، [عن سفيانَ] (٥)، عن المغيرةِ، قال: سُئل
стр. 16101
مجاهدٌ [عندَ إبراهيمَ] (١) عن الجوارى الكُنَّسِ، قال: لا أدرى، يزعمون أنَّها البقَرُ. قال: فقال إبراهيمُ: ما (٢) تَدْرى؟ هي البَقرُ. قال: يذكُرون عن عليٍّ ﵁ أنها النجومُ. قال: يَكْذِبون على عليٍّ ﵁.
وقال آخرون: هي الظباءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. يعنى: الظباءِ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. قال: الظباءِ (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: كنا نقولُ؛ أظنُّه قال: الظباءِ. حتى زعمَ سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه سأل ابنَ عباس عنها، فأعاد عليه قراءتَها (٥).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
стр. 16102
الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. يعنى: الظباءِ (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أقسَم بأشياءَ تخنِسُ أحيانًا؛ أي تغيبُ، وتجرى أحيانًا وتكنِسُ أخرى، وكنوسُها: أن تأوِىَ في مكانسِها، والمكانسُ عندَ العربِ هي المواضعُ التي تأوِى إليها بقرُ الوحشِ والظباءُ، واحدُها مَكْنَسٌ وكِنَاسٌ، كما قال الأعشى (٢):
فلمَّا لَحِقْنا الحَيَّ أَتْلَعَ (٣) أُنَّسٌ … كَمَا أَتَلَعَتْ تَحْتَ المَكَانِسِ رَبْرَبُ (٤)
فهذه جمعُ مَكْنَسٍ، وكما قال في الكِناسِ طَرَفةُ بنُ العبدِ (٥):
كأَنَّ كِنَاسَىْ ضَالَةٍ (٦) يَكْنُفَانِها … وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ
وأما الدَّلالةُ على أن الكِناسَ قد يكونُ للظباءِ، فقولُ أُوسِ بن حَجَرٍ (٧):
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مُزْنَةً … وَعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِناسِ تَقَمَّعُ
فالكِناسُ في كلامِ العربِ ما وصفتُ، وغيرُ مُنكَرٍ أن يُستعارَ ذلك في المواضعِ التي تكونُ بها النجومُ مِن السماءِ، فإذْ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أن (٨) المرادَ بذلك النجومُ دونَ البقرِ، ولا البقرُ دونَ الظباءِ، فالصوابُ أنْ يُعَمَّ بذلك كلُّ ما كانت صفتُه الخُنوسَ أحيانًا، والجَرْىَ أخرى، والكُنوسَ بآناتٍ، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه مِن صفتِها.
стр. 16103
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾
أقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالليلِ إذا عَسْعس. يقولُ: وأُقسِمُ بالليلِ إذا عسعس واختلَف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدْبَر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يقولُ: إِذا أَدْبَر (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يعنى: إذا أدْبَر (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ اليشكريُّ (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ أتَّبِعُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ وهو خارجٌ نحوَ المشرقِ، فاستقبَل الفجْرَ، فقَرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن سعدِ (٥)
стр. 16104
ابن عبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: خرَج عليٌّ ﵁ مما يلى بابَ السوقِ، وقد طلَع الصبحُ أو الفجرُ. قال: فقرَأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ نعم، ساعةُ الوترِ هذه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: إقبالُه، ويقالُ: إدبارُه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا أدْبَر (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرَج عليٌّ ﵁ بعدَ ما أذَّن المؤذِّنُ بالصبحِ، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ قال: نعم،
стр. 16105
ساعةُ الوترِ هذه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: ﴿عَسْعَسَ﴾: تولَّى. وقال: تنفَّس الصبحُ مِن ههنا. وأشار إلى المشرقِ؛ اطِّلاعِ الفجرِ (٢).
وقال آخرون: عُنِى بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾: إذا أقبَل بظلامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا غَشِي الناسَ (٣).
حدَّثنا الحسينُ بن عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضيلِ، عن عطيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: أشار بيدِه إلى المغربِ (٢).
وأَولى التأويلينِ في ذلك بالصواب عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: إذا أدْبَر؛ وذلك لقولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. فدلَّ بذلك على أن القسمَ بالليل مُدبرًا، وبالنهارِ مُقْبلًا، والعربُ تقولُ: عسْعَس الليلُ، وسَعْسَع الليلُ، إِذا أَدْبَرَ ولم يَبْقَ منه إلا اليسيرُ. ومن ذلك قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ (٤):
يا هِنْدُ ما أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعا … ولوْ رجَا تَبَعَ الصِّبَا تَتَبَّعا