← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 16101–16140 · переход к 16106.

стр. 16101

مجاهدٌ [عندَ إبراهيمَ] (١) عن الجوارى الكُنَّسِ، قال: لا أدرى، يزعمون أنَّها البقَرُ. قال: فقال إبراهيمُ: ما (٢) تَدْرى؟ هي البَقرُ. قال: يذكُرون عن عليٍّ ﵁ أنها النجومُ. قال: يَكْذِبون على عليٍّ ﵁. وقال آخرون: هي الظباءُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. يعنى: الظباءِ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ بن إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. قال: الظباءِ (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: كنا نقولُ؛ أظنُّه قال: الظباءِ. حتى زعمَ سعيدُ بنُ جبيرٍ أنه سأل ابنَ عباس عنها، فأعاد عليه قراءتَها (٥). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ

стр. 16102

الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. يعنى: الظباءِ (١). وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أنْ يُقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أقسَم بأشياءَ تخنِسُ أحيانًا؛ أي تغيبُ، وتجرى أحيانًا وتكنِسُ أخرى، وكنوسُها: أن تأوِىَ في مكانسِها، والمكانسُ عندَ العربِ هي المواضعُ التي تأوِى إليها بقرُ الوحشِ والظباءُ، واحدُها مَكْنَسٌ وكِنَاسٌ، كما قال الأعشى (٢): فلمَّا لَحِقْنا الحَيَّ أَتْلَعَ (٣) أُنَّسٌ … كَمَا أَتَلَعَتْ تَحْتَ المَكَانِسِ رَبْرَبُ (٤) فهذه جمعُ مَكْنَسٍ، وكما قال في الكِناسِ طَرَفةُ بنُ العبدِ (٥): كأَنَّ كِنَاسَىْ ضَالَةٍ (٦) يَكْنُفَانِها … وَأَطْرَ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ وأما الدَّلالةُ على أن الكِناسَ قد يكونُ للظباءِ، فقولُ أُوسِ بن حَجَرٍ (٧): أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ مُزْنَةً … وَعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِناسِ تَقَمَّعُ فالكِناسُ في كلامِ العربِ ما وصفتُ، وغيرُ مُنكَرٍ أن يُستعارَ ذلك في المواضعِ التي تكونُ بها النجومُ مِن السماءِ، فإذْ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على أن (٨) المرادَ بذلك النجومُ دونَ البقرِ، ولا البقرُ دونَ الظباءِ، فالصوابُ أنْ يُعَمَّ بذلك كلُّ ما كانت صفتُه الخُنوسَ أحيانًا، والجَرْىَ أخرى، والكُنوسَ بآناتٍ، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه مِن صفتِها.

стр. 16103

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ أقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالليلِ إذا عَسْعس. يقولُ: وأُقسِمُ بالليلِ إذا عسعس واختلَف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدْبَر. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يقولُ: إِذا أَدْبَر (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يعنى: إذا أدْبَر (٢). حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ اليشكريُّ (٣)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ أتَّبِعُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ وهو خارجٌ نحوَ المشرقِ، فاستقبَل الفجْرَ، فقَرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن سعدِ (٥)

стр. 16104

ابن عبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: خرَج عليٌّ ﵁ مما يلى بابَ السوقِ، وقد طلَع الصبحُ أو الفجرُ. قال: فقرَأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ نعم، ساعةُ الوترِ هذه (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: إقبالُه، ويقالُ: إدبارُه (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا أدْبَر (٣). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرَج عليٌّ ﵁ بعدَ ما أذَّن المؤذِّنُ بالصبحِ، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ قال: نعم،

стр. 16105

ساعةُ الوترِ هذه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: ﴿عَسْعَسَ﴾: تولَّى. وقال: تنفَّس الصبحُ مِن ههنا. وأشار إلى المشرقِ؛ اطِّلاعِ الفجرِ (٢). وقال آخرون: عُنِى بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾: إذا أقبَل بظلامِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا غَشِي الناسَ (٣). حدَّثنا الحسينُ بن عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضيلِ، عن عطيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: أشار بيدِه إلى المغربِ (٢). وأَولى التأويلينِ في ذلك بالصواب عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: إذا أدْبَر؛ وذلك لقولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. فدلَّ بذلك على أن القسمَ بالليل مُدبرًا، وبالنهارِ مُقْبلًا، والعربُ تقولُ: عسْعَس الليلُ، وسَعْسَع الليلُ، إِذا أَدْبَرَ ولم يَبْقَ منه إلا اليسيرُ. ومن ذلك قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ (٤): يا هِنْدُ ما أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعا … ولوْ رجَا تَبَعَ الصِّبَا تَتَبَّعا

стр. 16106

فهذه لغةُ مَن قال: سَعْسَع. وأما لغةُ مَن قال: عَسْعَسَ. فقولُ علقمةَ بَنِ قُرْطٍ (١): حتَّى إذا الصُّبْحُ لها (٢) تَنَفَّسا وانْجاب عنها ليلُها وعَسْعَسا يعني: أدْبَر. وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يزعُمُ أن عَسْعَس: دنا مِن أوَّلِه وأَظْلَم. وقال الفرَّاءُ (٣): كان أبو البِلادِ النحويُّ (٤) يُنشِدُ بيتًا: عَسْعَسَ حتى لو يشاءُ ادَّنا … كان له مِن ضَوْئِه مَقْبَسُ يريدُ: لو يشاءُ إِذْ دَنا. ولكنه أَدْغَم الذالَ في الدَّالِ. قال الفرَّاءُ: فكانوا يَرَوْن أنَّ هذا البيتَ مصنوعٌ. وقولُه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. يقولُ: وضوءِ النهارِ إذا أقبَل وتبيَّن. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. قال: إذا نشَأ (٥).

стр. 16107

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾: إذا أضاء وأقبَل (١). وقولُه: هو ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. يعني جبريلَ، نزَّله على محمدِ بن عبدِ اللهِ. وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه كان يقولُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾: يعني جبريلَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. قال: هو جبريلُ (٢). وقولُه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾. يعني جبريلَ، على ما كُلِّف مِن أمرٍ غيرُ عاجزٍ عنه (٣)، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. يقولُ: هو مكينٌ عندَ ربِّ العرشِ العظيمِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٤) (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦)﴾.

стр. 16108

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾. يعني جبريلَ ﵇، ﴿مُطَاعٍ﴾ في السماءِ، تُطِيعُه الملائكةُ، هو ﴿أَمِينٍ﴾. يقولُ: أمينٍ عندَ اللهِ على وحيِه ورسالتِه، وغيرِ ذلك مما اتَّمَنه عليه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا عمر بنُ شبيبٍ المُسْليُّ (١)، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. قال: جبريلُ ﵇، أمينٌ على أن يدْخُل سبعينَ سُرادِقًا مِن نورٍ بغيرِ إذنٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عمرُ بنُ شبيبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، قال: لا أعلمُه إلا عن أبي صالحٍ، مثلَه. حدَّثنا سليمانُ بنُ عمرَ بن خالدٍ الأقطعُ، قال: ثنى أبي عمرُ بنُ خالدٍ، عن معقلِ بن عبيدِ اللهِ الجَزَريِّ، قال: قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ في قولِه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. قال: ذاكم جبريلُ ﵇ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 16109

أبيه، عن ابن عباس في قولِه: [﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾. قال: يعني جبريلَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذِي قُوَّةٍ] (٢) عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ﴾: مطاعٍ عند الله ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (١). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾: يعنى جبريلَ ﵇ (١). وقولُه: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما صاحبُكم أيُّها الناسُ محمدٌ بمجنونٍ، فيتكلَّمَ عن جِنَّةٍ، ويَهْذِيَ هَذَيان المجانينِ، بل جاء بالحقِّ وصدَّق المرسلينَ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سليمانُ بن عمرَ بن خالدٍ الرَّقيُّ (٣)، قال: ثنا أبي عمرُ (٤) بنُ خالدٍ، عن مَعْقِلِ بن عبيدِ (٥) اللهِ الجزريِّ، قال: قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾. قال: ذاكم محمدٌ ﷺ (٦).

стр. 16110

وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. يقول تعالى ذكره: ولقد رأى محمدٌ جبريل صلَّى الله عليهما وسلَّم في صورته بالناحية التي تُبِينُ الأشياء، فتُرى مِن قِبَلِها، وذلك من ناحيةِ مطلِعِ الشمسِ من قِبَل المشرقِ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: الأعلى. قال: بأفقٍ من نحوِ أجيادَ (١). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. قال: كنا نَتَحدَّثُ أن الأفق حيثُ تطلُعُ الشمس (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾: كنا نُحدَّثُ أنه الأفقُ الذي يجيءُ منه النهارُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. قال: رأى جبريلَ بالأفقِ المبينِ (٣). حدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بن عيسى الرمليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمش، عن الوليد بن العيزار، قال: سمعتُ أبا الأحوصِ يقولُ في قولِ الله:

стр. 16111

﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. قال: رأى جبريلَ له ستُّمائةِ جَناحٍ في صورتِه (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، قال: ما رأى جبريلَ النبيُّ ﷺ في صورتِه إلا مرَّةً، واحدة، وكان يأتيه في صورةِ رجلٍ يقالُ له: دِحْيَةُ. فأتاه يومَ رآه في صورتِه قد سدَّ الأُفق كلَّه، عليه سندسٌ أخضرُ معلَّقُ الدرِّ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣)﴾. وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ في: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾. في جبريلَ، إلى قولِه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾. يعنى النبيَّ ﷺ . وقولُه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢). اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضادِ (٣)، بمعنى أنه غيرُ بخيلٍ عليهم بتعليمِهم ما علَّمه اللهُ وأنزَل إليه مِن كتابِه. وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ البصريين وبعضُ الكوفيِّين: (بظَنينٍ) (٤) بالظاءِ، بمعنى أنه غيرُ متَّهمٍ فيما يُخبرهم عن اللهِ من الأنباءِ. ذكرُ مَن قرَأ (٥) ذلك بالضادِ وتأوَّله على ما وصَفنا من التأويلِ، من أهلِ التأويلِ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن

стр. 16112

زِرٍّ: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). قال: الظَّنينُ المتهَمُ. وفي قراءتِكم: ﴿بِضَنِينٍ﴾: والضنينُ البخيلُ، والغيب القرآنُ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسطيُّ، قال: ثنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: ببخيلٍ (٢). حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. قال: ما يَضِنُّ عليكم بما يعلمُ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. قال: إن هذا القرآنَ غيبٌ، فأعطاه الله محمدًا، فبذَله وعلَّمه ودعا إليه، والله ما ضنَّ به رسولُ اللهِ ﷺ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: (وما هو على الغيبِ بِظَنين). قال: في قراءتِنا: بمتهَمٍ، ومَن قرأها: ﴿بِضَنِينٍ﴾. يقولُ: ببخيلٍ (١). قال (٥): حدَّثنا مهران، عن سفيان: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾. قال: ببخيلٍ (٦).

стр. 16113

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾: الغيب القرآن؛ لم يضِنَّ به على أحدٍ من الناس، أداه وبلغه، بعث الله به الروحَ الأمين جبريل إلى رسول الله ﷺ ، فأدى جبريل ما استودعه الله إلى محمد، وأدَّى محمد ما استودعه الله وجبريل إلى العبادِ، ليس أحدٌ منهم ضَنَّ ولا كَتَم ولا تَخَرَّص (١). حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عامرٍ: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ الله: يعنى النبي ﷺ . ذكرُ مَن قال ذلك بالظاء وتأوَّله على ما ذكرنا، من أهل التأويل حدثنا أبو كريب، قال: ثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قرأ: (بطَنينٍ). قال: ليس بمُتَّهَمٍ (٢). حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي المعلَّى، عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأُ هذا الحرف: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). فقلتُ لسعيد بن جبير: ما الظنين؟ قال: ليس بمُتَّهَم (٣). حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي المُعَلَّى، عن سعيد بن جبير أنه قرأ: (وما هو على الغيب بظنينٍ). قلتُ: وما الظنين؟ قال: المتهم. حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 16114

أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: (وما هو على الغيبِ بظَنينٍ). يقولُ: ليس بمتَّهَمٍ على ما جاء به، وليس يُظَنُّ بما أوتِىَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ الواسطيُّ، قال: ثنا المغيرةُ، عن إبراهيم: (وما هو على الغيب بظَنينٍ). قال: بمتَّهَمٍ (٢). حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: (وما هو على الغيبِ بِظَنينٍ). قال: الغيبُ: القرآنُ، وفي قراءتِنا: (بِظَنِينٍ): مُتَّهَمٍ (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: (بِظَنينٍ). قال: ليس على ما أنزَل اللهُ بمتَّهَمٍ (٣). وقد تأوَّل ذلك بعضُ أهل العربية (٤) أن معناه: وما هو على الغيب بضعيفٍ، ولكنه محتَمِلٌ له مُطيقٌ. ووجَّهَه إلى قول العربِ للرجل الضعيفِ: هو ظَنُونٌ. وأولَى القراءتين في ذلك عندى بالصواب ما عليه خطوطُ مصاحفِ المسلمين مُتَّفقةٌ، وإن اختلَفَتْ قراءتهم به، وذلك: ﴿بِضَنِينٍ﴾ بالضادِ (٥)؛ لأن ذلك كلَّه كذلك في خُطوطِها. فإذ كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك تأويلُ مَن تأوَّله: وما محمد على ما علمه الله من وحيِه وتنزيلِه، ببخيلٍ بتعليمِكُموه أيُّها الناسُ، بل هو حريصٌ على أن تُؤمِنوا به وتتعَلّموه.

стр. 16115

وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما هذا القرآنُ بقولِ شيطانٍ ملعونٍ مطرودٍ، ولكنه كلامُ اللهِ ووحيه. وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأينَ تذهَبون عن هذا القرآنِ، وتعدِلون عنه؟ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾: يقولُ: فأينَ تعدِلون عن كتابى وطاعتى؟ (١) وقيل: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. ولم يُقَل: فإلى أينَ تذهَبون؟ كما يقالُ: ذَهَبتُ الشامَ. وذهَبتُ السوق. وحُكِى عن العربِ سماعًا: انطُلِقَ به الفورَ (٢). على معنى إلقاءِ (٣) الصفةِ، وقد يُنشَدُ لبعض بنى عُقيلٍ (٤): تَصِيحُ بنا حَنِيفَةُ إِذْ رَأَتْنا … وأيَّ الأرضِ تذهَبُ للصِّياحِ بمعنى: إلى أيِّ الأرضِ تذهَبُ؟ واستُجِيزَ إلقاءُ الصفةٍ في ذلك للاستعمالِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾. يقول تعالى ذكره: إنْ هذا القرآن - وقوله: ﴿هُوَ﴾. من ذكر القرآن - ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾. يقول: إلا تذكرةٌ وعظةٌ للعالمين من الجنِّ والإنسِ، ﴿لِمَنْ

стр. 16116

شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. فجعَل ذلك تعالى ذكرُه ذكرًا لمن شاء العالمين أن يستقيمَ، ولم يجعَلْه ذكرًا لجميعهم. فاللامُ في قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾. إبدالٌ من اللام في ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾. وكأن معنى الكلامِ: إن هو إلا ذكرٌ لمن شاء منكم أن يستقيمَ على سبيل الحقَّ فيتَّبِعَه ويؤمنَ به. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال: يَتَّبِعَ الحقَّ (١). وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما تشاءون أيُّها الناسُ الاستقامة على الحقِّ، إلا أن يشاء اللهُ ذلك لكم. وذُكِر أن السبب الذي من أجله نزلت هذه الآيةُ ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن سليمانَ، قال: لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال أبو جهلٍ: ذلك إلينا، إن شئْنا استقَمْنا. فنزَلت: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن سليمانَ بن موسى، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ

стр. 16117

أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال أبو جهلٍ: الأمرُ إلينا؛ إن شئنا استقَمنا، وإن شئنا لم نستقِمْ فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. حدَّثنى ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدٍ، عن سليمانَ بن موسى، قال: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾. قال أبو جهلٍ: ذلك إلينا؛ إن شئنا استقَمْنا، وإن شئنا لمْ نستقِمْ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ آخرُ تفسيرِ سورةِ "إذا الشمسُ كُوِّرتْ".

стр. 16118

تفسيُر سورةِ "إذا السماءُ انفطَرت" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾: انشقَّت، وإذا كواكبُها انتثَرَت منها فتساقَطَت، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. يقولُ: فجَّر اللَّهُ بعضَها في بعضٍ، فملأ جميعَها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ على اختلافٍ منهم في بعضِ ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. يقولُ: بعضُها في بعضٍ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾: فُجِّر عذبُها في مالحها، ومالُحها في عذبِها (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ (٣)، عن الحسنِ: ﴿وَإِذَا

стр. 16119

الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾. قال: فُجِّر بعضُها في بعضٍ، فذهَب ماؤُها (١). وقال الكلبيُّ: مُلِئت (٢). وقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. يقولُ: وإذا القبورُ أُثِيرَت، فاستُخْرِج مَن فيها من الموتى أحياءً. يقالُ: بعثَر فلانٌ حوضَ فلانٍ. إذا جعل أسفله أعلاه، يقالُ: بعثَرَه وبحثَرَه. لغتان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾. يقولُ: بُحِثَت (٣). وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: علِمت كلُّ (٤) نفس ما قدَّمت لذلك اليوم من عمل صالحٍ ينفعُه، وأخَّرت وراءَه من شيءٍ سنَّهُ يُعْمَلُ (٥) به. واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.

стр. 16120

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، عن أبيه، قال: ثني عن القُرَظِيِّ، أنه قال في: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت مما عملت، وأما ما أخَّرت فالسُّنَّةُ يَسُنُّها الرجلُ، يُعمَلُ بها من بعده (١). وقال آخرون: عُنِى بذلك ما قدَّمت من الفرائض التي أدتها، وما أخَّرت من الفرائض التي ضيَّعتها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن عكرمة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾. قال: ما افتُرِض عليها، وما أُخَّرَتْ. قال: مما افتُرِض عليها (٢). حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: تعلَمُ ما قدَّمت من طاعة الله، وما أخَّرت مما أُمِرَت به (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت من خير، وأخَّرت من حقِّ اللَّهِ عليها لم تعمَلْ به (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿مَا قَدَّمَتْ

стр. 16121

وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت من طاعةِ اللَّهِ، وما أخَّرت من حقِّ اللَّهِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. قال: ما قدَّمت: عملت، وما أخَّرت: ترَكت وضيَّعت، وأخَّرت من العملِ الصالحِ الذي دعاها اللَّهُ إليه. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما قدَّمت من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّرت من خيرٍ أو شرٍّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، عن إبراهيمَ التيميِّ، قال - ذكروا عندَه هذه الآيةَ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ - قال: أنا مما أخَّر الحَجَّاجُ. وإنما اختَرنا القولَ الذي ذكَرناه؛ لأن كلَّ ما عمِل العبدُ من خيرٍ أو شرٍّ فهو مما قدَّمه، وأن ما ضيَّع من حقِّ اللَّهِ عليه وفرَّط فيه فلم يعمَلْه، فهو مما قد قدَّم من شرٍّ، وليس ذلك مما أخَّر من العملِ؛ لأن العملَ هو ما عمله، فأما ما لم يعمَلْه فإنما (٢) هو سيئةٌ قدَّمها، فلذلك قلنا: ما أخَّر هو ما (٣) سنَّه من سنَّةٍ حسنةٍ وسيئةٍ، مما إذا عمِل به العاملُ كان له مثلُ أجر العامل بها أو وزرِه. القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي

стр. 16122

خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ يقولُ تعالى ذكره: يأيُّها الإنسانُ الكافرُ، أيُّ شيءٍ غرَّك بربِّك الكريم؟ غرَّ الناس (١) به عدوُّه المسلَّط عليه. كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: شيءٌ ما غَرَّ ابن آدم؛ هذا العدوُّ الشيطانُ (٢). وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾. يقولُ: الذي خلَقك أيُّها الإنسانُ: فسوَّى خلقك، فعدَلك. واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامة قرأةِ المدينة ومكةَ والشامِ والبصرة: (فَعَدَّلكَ) بتشديدِ الدالِ (٣). وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ بتخفيفِها (٤). وكأن مَن قرأ ذلك بالتشديدِ وجَّه معنى الكلامِ إلى أنه: جعَلك معتدلًا معدلَ الخلقِ مقوَّمًا. وكأن الذين قرَءوه بالتخفيفِ وجَّهوا معنى الكلامِ إلى: صرَفك وأمالَك إلى أيِّ صورةٍ شاء؛ إما إلى صورةٍ حسنةٍ، وإما إلى صورةٍ قبيحةٍ، أو إلى صورةِ بعضِ قراباتِه (٥). وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ (٦): إنهما قراءتان معروفتان في قرأةِ الأمصارِ صحيحتا المعنى، فبأيِتهما قرَأ القارئَ فمصيبٌ، غيرَ أن أعجبَهما إليَّ أن أقرَأ به قراءةُ من قرَأ ذلك بالتشديدِ؛ لأن دخول ﴿فِي﴾ للتعديل أحسنُ في

стр. 16123

العربيةِ من دخولِها للعدلِ، ألا ترى أنك تقولُ: عدَّلْتُك في كذا، وصرَفْتُك إليه. ولا تكادُ تقولُ: عدَّلتُك إلى كذا، وصرَفتُك فيه. فلذلك اختَرتُ التشديدَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك وذكَرنا أن قارِئِى ذلك تأوَّلوه، جاءت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ أنهم قالوه. ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾. قال: في أيِّ شبَهٍ؛ أبٍ أو أمٍّ أو خالٍ أو عمٍّ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيل (٢) في قولِه: ﴿مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. قال: إن شاء في صورةِ كلب، وإن شاء في صورة حمارٍ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾. قال: خنزيرٍ أو حمارٍ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرِمة في قولِه: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾. قال: إن شاء في صورةِ قردٍ، وإن شاء في صورةِ خنزيرٍ (٤).

стр. 16124

حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا مُطَهَّرُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا موسى بنُ عليّ بن (١) رباحٍ اللَّخمِيُّ، قال: ثنى أبي، عن جدِّى، أن النبيَّ ﷺ قال له: "ما وُلِد لك (٢)؟ ". قال: يا رسولَ اللهِ ما عسى أن يولَدَ لى؛ إما غلامٌ، وإما، جاريةٌ؟ قال: "فمَن يُشْبِهُ؟ ". قال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن عسى أن يشبه؛ إما أباه، وإما أمَّه؟ فقال النبيُّ ﷺ عندها: "مَهْ، لا تقولَنَّ هكذا، إن النطفةَ إذا استقرَّت في الرحمِ أحضَرها (٣) اللهُ كلَّ نَسَبٍ بينَها وبينَ آدمَ، أما قرَأت هذه الآية في كتاب اللهِ: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾؟ ". قال: "سلَكك" (٤). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ليس الأمرُ أيُّها الكافرون كما تقولون، من أنكم على الحقِّ في عبادتِكم غير اللَّهِ، ولكنكم تكذِّبون بالثوابِ والعقابِ، والجزاءِ والحسابِ. وبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ قال أهل التأويلِ.

стр. 16125

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾. قال: بالحسابِ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾. قال: بيومِ الحسابِ (١). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾. قال: يومُ شدةٍ، يومٌ يَدينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم (٢). وقولُه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠)﴾. يقولُ: وإن عليكم رُقَباء حافظين يحفَظون أعمالكم، ويُحصونها عليكم. ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. يقول: كراما على اللهِ، ﴿كَاتِبِينَ﴾: يكتُبون أعمالَكم. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: قال بعضُ أصحابِنا، عن أيوبَ في قولِه: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾. قال: يَكْتُبون ما تقولون وما تَعْنُون (٣).

стр. 16126

وقولُه: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾. يقولُ: يعلَمُ هؤلاء الحافظون ما تفعلَون من خيرٍ أو شرٍّ، يُحصُون ذلك عليكم. وقولُه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: إن الذين برُّوا بأداءِ فرائضِ اللَّهِ واجتنابِ معاصيه، لفي نعيمِ الجنانِ يُنعَّمون فيها. القول في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ﴾ الذين كفَروا بربِّهم، ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾. وقولُه: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥)﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يَصْلَى هؤلاء الفجارُ الجحيمَ يومَ القيامةِ؛ يومَ يُدانُ العبادُ بالأعمالِ (١)، فيُجازَون بها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ، وحذَّره عبادَه (٢). وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وما هؤلاء الفجارُ عن (٣) الجحيم بخارِجين أبدًا فغائبين عنها، ولكنهم فيها مخلَّدون ماكثون، وكذلك

стр. 16127

الأبرارُ في النعيمِ. وذلك نحوُ قولِه: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ [الحجر: ٤٨]. وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمد ﷺ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ يا محمدُ. أي: وما أشْعَرك، ﴿مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. يقولُ: أَيُّ شيءٍ يومُ الحسابِ والمجازاةِ؟! معظِّمًا شأنَه جلَّ ذكرُه بقيلِه ذلك. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧)﴾: تعظيمًا ليومِ القيامةِ؛ يومٌ يُدانُ فيه الناسُ بأعمالِهم (١). وقولُه: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨)﴾. يقولُ: ثم أيُّ شيءٍ أَشْعَرِك أَيَّ شيءٍ يومُ المجازاةِ والحسابِ يا محمدُ. تعظيمًا لأمرِه، ثم فسَّر جلَّ ثناؤُه بعضَ شأنِه؛ فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ذلك اليومُ ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾. يقولُ: يومَ لا تُغنى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، فتدفع عنها (٢) بليَّةً نزَلت بها، ولا تنفعُها بنافعةٍ، وقد كانت في الدنيا تحمِيها، وتدفعُ عنها مَن بغاها سوءًا، فبطَل ذلك يومئذ؛ لأن الأمرَ صار للَّهِ لا يغلبُه غالبٌ، ولا يقهرُه قاهرُ، واضمحَلَّت هنالك الممالكُ، وذهَبت الرياساتُ، وحصَل الملكُ للملكِ الجبارِ، وذلك قولُه: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. يقولُ: والأمرُ كلُّه يومَئذٍ - يعنى الدينَ - لِلَّهِ دون سائرِ خلقِه، ليس لأحدٍ من خلقِه معه يومَئِذٍ أمرٌ ولا نهىٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 16128

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾. قال: ليس ثَمَّ أحدٌ يومئذٍ يقضِى شيئًا، ولا يصنعُ شيئًا إلا ربُّ العالمين (١). حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾: والأمرُ واللَّهِ اليومَ للَّهِ، ولكنه يومئذٍ لا ينازعُه أحدٌ (٢). واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والكوفةِ بنصبِ ﴿يَوْمَ﴾، إذ كانت إضافتُه غير محضةٍ (٣). وقرَأه بعضُ قرأةِ البصرة بضمِّ (يَوْمُ) ورفعِه ردًّا على اليومِ الأولِ (٤). والرفعُ فيه أفصحُ في كلامِ العربِ، وذلك أن اليومَ مضافٌ إلى "يفعل"، والعربُ إذا أضافت اليومَ إلى "تفعل" أو "يفعل" أو "أفعل" رفَعوه فقالوا: هذا يومُ أفعلُ كذا. وإذا أضافته إلى فعلٍ ماضٍ نصَبوه (٥)، ومنه قولُ الشاعرِ (٦): على حينَ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا … وقلتُ ألمَّا تَصْحُ والشَّيْبُ وازعُ آخرُ تفسيرِ سورةِ "إذا السماءُ انفَطَرت"

стр. 16129

تفسيرُ سورةِ "ويلٌ للمطففين" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾. يقول تعالى ذكره: الوادى الذي يسيلُ من صديدِ أهلِ جهنمَ في أسفلها، للذين يُطَفِّفون. يعنى: للذين ينقُصون الناسَ، ويَبْخَسونهم حقوقَهم في مكاييلِهم إذا كالُوهم، أو موازينهم إذا وزَنوا لهم عن الواجبِ لهم من الوفاءِ. وأصلُ ذلك من الشيءِ الطفيفِ، وهو القليل النَّزْرُ، والمطفِّفُ: المقلِّلُ حقَّ صاحبِ الحقِّ عما له من الوفاءِ والتمامِ في كيلٍ أو وزنٍ، ومنه قيلَ للقومِ (١) يكونون سواءً في حسبةٍ أو عددٍ: هم سواءٌ كطَفِّ الصاع. يعنى بذلك: كقُرْبِ الممتلئَ منه ناقصٍ عن المِلءِ. وبنحوِ الذي قلنا في معنى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن فضيلٍ، عن ضِرارٍ، [عن عبيد المكتب] (٢)، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال له رجلٌ: يا أبا عبدِ الرحمن، إن أهل المدينةِ لَيُوفُون الكيلَ. قال: وما يمنعُهُم من أن يُوفُوا الكيلَ وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. حتى بلَغ:

стр. 16130

﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ حميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما قَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ كانوا من أخبثِ الناسِ كيلًا، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. فأحسنوا الكيل (٢). حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خِداشٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قتيبةَ، عن بسّامٍ (٣) الصيرفيِّ، عن عكرِمةَ، قال: أشهدُ أن كلَّ كيَّالٍ ووزَّانٍ في النارِ. فقيل له في ذلك، فقال: إنه ليس منهم أحدٌ يَرْنُ كما يتَّزِنُ، ولا يكيلُ كما يكتالُ، وقد قال اللَّهُ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٤). وقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين إذا اكتالوا من الناسِ ما لهم قِبَلَهم من حقٍّ، يستوفون لأنفسِهم فيكتالونه منهم وافيًا. و "علي" و "من" في هذا الموضعِ يتعاقَبان، غيرَ أنه إذا قيل: اكتلتُ منك. يرادُ: استوفَيْتُ منك (٥). وقولُه: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. يقولُ: وإذا هم كالوا للناسِ أو وزَنوا لهم. ومن لغةِ أهل الحجاز أن يقولوا: وزَنتُك حقَّك، وكِلتُك طعامَك. بمعنى: وزَنتُ لك، وكِلْتُ لك. ومن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل الوقفَ على

стр. 16131

"هم"، وجعل (هم) في موضعِ نصب. وكان عيسى بنُ عمرَ فيما ذُكِر عنه يجعَلُهما حرفين، ويقفُ على "كالُوا"، وعلى "وزَنوا"، ثم يبتدئُ: هم يُخسِرون (١). فمن وجَّه الكلامَ إلى هذا المعنى، جعَل "هم" في موضعِ رفعٍ، وجعَل "كالوا" و "وزَنوا" مكتفِيَين بأنفسِهما والصوابُ في ذلك عندى الوقفُ على "هم"؛ لأن "كالُوا" و "وزَنوا" لو [كانا مكتفِيَين] (٢)، وكانت "هم" كلامًا مستأنَفًا، كانت كتابةُ "كالُوا" و "وزَنوا" بألفٍ فاصلةٍ بينَها وبينَ (هم) مع كلِّ واحدٍ منهما، إذ كان (٣) بذلك جرَى الكتاب في نظائر ذلك، إذا لم يكن متصلًا به شيءٌ من كناياتِ المفعولِ، فكتابُهم (٤) ذلك في هذا الموضعِ بغيرِ ألفٍ أوضَحُ الدليلَ على أن قولَه (٥): "هُمْ". إنما هو كنايةُ أسماءِ المفعولِ بهم. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا، على ما بيَّنَّا (٦). وقولُه: ﴿يُخْسِرُونَ﴾. يقولُ: ينقُصونهم. وقولُه: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ألا يظنُّ هؤلاء المطفِّفون الناسَ في مكاييلِهم وموازينِهم، أنهم مبعوثون من قبورِهم بعدَ مماتِهم، ليومٍ عظيمٍ شأنُه، هائلٍ أمرُه، فظيعٍ هَوْلُه؟! وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فـ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ تفسيرٌ عن اليوم

стр. 16132

الأول المخفوض، ولكنه لما لم يعدْ عليه اللام، رُدَّ إلى ﴿مَبْعُوثُونَ﴾، فكأنه قال: ألا يظنُّ أولئك أنهم مبعوثون يومَ يقومُ الناسُ. وقد يجوزُ نصبُه وهو بمعنى الخفضِ؛ لأنها إضافةٌ غير محضةِ، ولو خُفض ردًّا على اليومِ الأولِ لم يكنْ لحنًا، ولو رُفِع جاز، كما قال الشاعرُ (١): وكنتُ كذى رِجْلين رِجْلٌ صحيحةٌ … ورجُلٌ رمَى فيها الزَّمانُ فَشَلَّتِ وذُكِر أنَّ الناسَ يقومون لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى يُلْجِمَهم العرقُ، فبعضٌ يقولُ: مقدارَ ثلاثِمائةِ عامٍ. وبعضٌ يقول: مقدارَ أربعيَن عامًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنديُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يقومُ أحدُكم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه" (٢). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يغيبُ أحدهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه" (٣). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حتى يقوم أحدُهم في رَشْحِه

стр. 16133

إلى أنصافِ أُذنَيه. حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "إِنَّ الناسَ يُوقَفُون يومَ القيامةِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ، حتى إِنَّ العرق ليُلْجِمُهم إلى أنصافِ آذانِهم" (١). حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يومَ القيامةِ لِعَظَمة الرحمن". ثم ذكَر مثلَه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ خَلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآيةَ: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". قال: "يقومون حتى يبلُغَ الرَّشْحُ إلى أنصافِ آذانهم" (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بن حبيبٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبى، عن صالحٍ، قال: ثنا نافعٌ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ (٣) "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ حتى يَغِيبَ أحدُهم إلى أنصافِ أُذنيه في رَشْحِه" (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ بن سعيد، عن محارب بن

стр. 16134

دِثارٍ، عن ابن عمرَ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: يقومون مائةَ سنةٍ (١). حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ (٢): "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين يومَ القيامةِ، حتى إنَّ العرَقَ لَيُلْجِمُ الرجلَ إلى أنصافِ أُذنَيه" (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى، عن عبيدِ (٤) اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يقومُ الناسُ لربِّ العالمين، حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أَذُنَيه" (٥). حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السَّلِيميُّ (٦) المعروفُ بابنِ صُدْرانَ، قال: ثنا يعقوبُ ابنُ إسحاقَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ عَجْلانَ، قال: ثنا أبو (٧) يزيدَ المدنيُّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قال البشيرٍ الغِفَاريِّ: "كيف أنت صانعٌ في يومٍ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين مِقْدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا، لا يأتيهم خبرٌ مِن السماءِ، ولا يُؤْمَرُ

стр. 16135

فيهم بأمرٍ؟ ". قال بشيرٌ: المستعانُ اللَّهُ (١) يا رسولَ اللَّهِ. قال: "إذا أنت أوَيْتَ إلى فِراشِك فتعوَّذُ باللَّهِ مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ وسُوءِ الحسابِ" (٢). حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: يمكثون أربعينَ عامًا رافعى رءوسِهم إلى السماءِ، لا يكلِّمُهم أحدٌ، قد أَلْجم العرقُ كلَّ بَرٍّ وفاجرٍ. قال: فينادِى منادٍ: أليس عدْلًا مِن ربِّكم أنْ خلقَكم، ثم صوَّركم، ثم رزَقكم، ثم تولَّيتم غيرَه - أن يُولِّىَ كلَّ عبدٍ منكم ما تولَّى في الدنيا؟ قالوا: بلى. ثم ذكَر الحديثَ بطولِه (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن قيسِ بن سَكَنٍ، قال: حدَّث عبدُ اللَّهِ وهو عندَ عمرَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: إذا كان يومُ القيامةِ يقومُ الناسُ بينَ يدَىْ ربِّ العالمين أربعيَن عامًا، شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ، حفاةً عراةً، يُلْجِمُهم العرقُ، ولا يكلِّمُهم بشرٌ أربعينَ عامًا. ثم ذكَر نحوَه (٤). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: ذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقولُ: يقومون ثلاثَمائةِ سنةٍ (٥).

стр. 16136

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن (١) سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: كان كعبٌ يقولُ: يقومون مقدارَ ثلاثِمائةِ سنةٍ] (٢). قال قتادةُ: وحدَّثنا العلاءُ بنُ زيادٍ العدويُّ، قال: بلَغنى أن يومَ القيامةِ يَقْصُرُ على المؤمنِ، حتى يكونَ كإحدى صلاتِه المكتوبةِ. قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا العُمَريُّ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال: "يقومُ الرجلُ في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذنَيه" (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ابن عونٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: يقومُ الناسُ لربِّ العالمين حتى يقومَ أحدُهم في رَشْحِه إلى أنصافِ أُذُنَيه (٤). قال يعقوبُ: قال إسماعيلُ: قلتُ لابنِ عونٍ: ذكَر النبيَّ ﷺ في هذا الحديثِ؟ قال: نعم، إن شاء اللَّهُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى، قال: أخبَرنى مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمين، حتى إنَّ أحدَهم لَيَغِيبُ في رَشْحِه إلى نِصْفِ أذُنَيه" (٥).

стр. 16137

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: كلا. أي: ليس الأمرُ كما يظُنُّ هؤلاء الكفارُ، أنَّهم غيرُ مبعوثين ولا معذَّبين، إن كتابَهم الذي كُتِب فيه أعمالُهم التي كانوا يعمَلونها في الدنيا ﴿لَفِى سجِّينٍ﴾؛ وهى الأرضُ السابعةُ السفلى. وهو "فِعِّيل" من السِّجْنِ، كما قيل: رجلٌ سِكِّيرٌ. مِن السُّكْرِ، و: فِسِّيقٌ. مِن الفِسقِ. وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا في ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: في الأرضِ السابعةِ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ، قال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾. قال: الأرضِ السفلى. قال: إبليسُ مُوثَقٌ بالحديدِ والسلاسلِ في الأرضِ السفلى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: كنا جلوسًا إلى كعبٍ أنا وربيعُ بنُ خُثَيمٍ وخالدُ بنُ عرعرةَ ورهطٌ مِن أصحابِنا، فأقبَل ابنُ عباسٍ، فجلَس إلى جنبِ كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أخْبِرْنى عن ﴿سِجِّينٍ﴾. فقال كعبٌ:

стр. 16138

أما سجِّينٌ فإنها الأرضُ السابعةُ السفلى، وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ خدِّ إبليسَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾: ذُكر أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: هي الأرضُ السفلى؛ فيها أرواحُ الكفارِ، وأعمالُهم أعمالُ السَّوءِ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: في أسفل الأرضِ السابعةِ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ في الأرضِ السفلى (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: عملُهم في الأرضِ السابعةِ لا يصعدُ (٥). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا مطرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ،

стр. 16139

عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿سِجِّينٍ﴾: الأرضِ السابعةِ. حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾. يقولُ: في الأرضِ السفلى (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: الأرضِ السابعةِ السفلى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: يقالُ: سجِّينٌ الأرضُ السافلةُ، وسجِّينٌ بالسماءِ الدنيا. وقال آخرون: بل ذلك خدُّ (٢) إبليسَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرٍ قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له ابنُ عباسٍ: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ الآية. قال كعبٌ: إنَّ روحَ الفاجرِ (٣) يُصعدُ بها إلى السماءِ فتأبى السماءُ أن تقبلَها، ويُهبطُ بها إلى الأرض فتأبى الأرضُ أنْ تقبلَها، فتَهبِطُ فتدخلُ تحت سبعِ أرضين، حتى يُنْتهى بها إلى سجِّينٍ؛ وهو خدُّ إبليسَ، فيُخْرجُ لها مِن سجِّينٍ مِن تحتِ خدِّ إبليسَ رَقٌّ، فيُرْقمُ ويختمُ ويوضعُ تحتَ حَدِّ إبليسَ - بمعرفتِها الهلاكَ - إلى يومِ القيامةِ (٤).

стр. 16140

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾. قال: تحتَ خَدِّ إبليسَ (١). وقال آخرون: هو جُبٌّ في جهنمَ مفتوحٌ. ورَوَوْا في ذلك خبرًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ . حدَّثنا به إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشْكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ (٢) بنُ خزيمةَ الواسطيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيٍّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى، وأما سجِّينٌ فمفتوحٌ" (٣). وقال بعضُ أهلِ العربيةِ (٤): ذكَروا أن "سجين" الصخرةُ التي تحتَ الأرضِ. قال: ونرَى (٥) أن "سجين" صفةٌ مِن صفاتِها؛ لأنه لو كان لها اسمًا لم يُجرَ. قال: وإن قلتَ: أجريتُه لأنى ذهبتُ بالصخرةِ إلى أنها الحَجَرُ الذي فيه الكتابُ. كان وجهًا. وإنما اخترتُ القولَ الذي اخترتُ في معنى قولِه: ﴿سِجِّينٍ﴾؛ لما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو (٦)، عن
следующие страницы →