وقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقكم أيُّها الناسُ من هذا الماءِ الدافقِ، فجعَلكم بشرًا سويًّا، بعد أن كنتم ماءً مدفوقًا - على رجعه لقادرٌ.
واختلف أهلُ التأويلِ في الهاءِ التي في قولِه: ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾؛ على ما هي عائدةٌ؟ فقال بعضُهم: هي عائدةٌ على الماءِ. وقالوا: معنى الكلامِ: إن الله على ردَّ النطفةِ في (١) الموضعِ (٢) الذي خرَجت منه (٣)، لقادِرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن عكرمة في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: إنه على رَدّه في صُلْبِه لقادرٌ (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاء، عن عكرمة في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: للصُّلبِ.
حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّاريُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: على أَن يَرُدَّ الماءَ في الإحليلِ (٥).
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ الوَشَّاءُ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ عمرُو بنُ الهيثمِ، عن ورقاءَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ
стр. 16242
في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: على ردِّ النطفةِ في الإحليلِ.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: [رجعِ النطفةِ في الإحليلِ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال] (٢): في الإحليلِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. قال: ردِّه في الإحليلِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على ردِّ الإنسانِ ماءً كما كان قبلَ أن يخلُقَه منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾: إن شئتُ ردَدتُه كما خلَقتُه من ماءٍ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه على حبسِ ذلك الماءِ لقادرٌ.
стр. 16243
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: هو إِنَّهُ عَلَى رَجْمِهِ لَقَادِرُ. قال: على رجعِ ذلك الماءِ لقادرٌ حتى لا يخرجَ، كما قدَر على أن يخلُقَ (١) منه ما خلَق، قادرٌ على أن يرجعَه (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنه قادرٌ على رجعِ الإنسانِ من حالِ الكبَرِ إلى حالِ الصغرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن مقاتلِ بن حَيَّانَ، عن الضحاكِ، قال: سمِعته يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾. يقولُ: إن شئتُ ردَدته من الكبَرِ إلى الشبابِ، ومن الشبابِ إلى الصِّبا، ومن الصِّبا إلى النطفةِ (٣).
وعلى هذا التأويلِ تكونُ الهاءُ في قولِه: ﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾. من ذكرِ الإنسانِ.
وقال آخرون ممن زعَم أن الهاءُ للإنسانِ: معنى ذلك: إنه على إحيائِه من بعدِ مماتِه لقادرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ
стр. 16244
لَقَادِرٌ﴾: إن الله تعالى ذكرُه على بعثِه وإعادتِه لقادرٌ (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: إن الله على ردِّ الإنسان المخلوقِ من ماءٍ دافقٍ من بعد مماته حيًّا، كهيئته قبل مماته - لقادرٌ.
وإنما قلتُ: هذا أولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ؛ لقولِه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. فكان في إتباعِه قولَه: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ أنْباءً من أنباءِ القيامةِ، دلالةٌ على أن السابقَ قبلَها أيضًا منه، ومنه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنه على إحيائِه بعد مماتِه لقادرٌ، يومَ تُبلى السرائرُ. فـ "اليوم" من صفةِ "الرجعِ"؛ لأن المعنى: إنه على رجعِه يومَ تُبلى السرائرُ لقادرٌ.
وعنَى بقولِه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: يومَ تُختبَرُ سرائرُ العبادِ، فيظهَرُ منها يومَئذٍ ما كان في الدنيا مستخفيًا عن أعين العبادِ، من الفرائضِ التي كان اللهُ ألزَمه إياها، وكلَّفه العملَ بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثت عن عبد الله بن صالحٍ، عن يحيى (٢) بن أيوبَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. قال: ذلك الصومُ والصلاةُ وغُسْلُ الجنابةِ، وهو السرائرُ، ولو شاء أن يقولَ: قد صُمْتُ. وليس بصائمٍ، و: قد صلَّيتُ. ولم يصلِّ، و: قد اغتسَلت. ولم يغتسِلْ (٣).
стр. 16245
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾: إن هذه السرائرَ مختبرةٌ، فأسِرُّوا خيرًا وأعلِنوه إن استطَعتم، ولا قوةَ إلا باللهِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. قال: تُختبَرُ.
وقولُه: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فما للإنسانِ الكافرِ يومَئذٍ من قوةٍ يمتنعُ بها من عذابِ اللهِ وأليمِ نكالِه، ولا ناصرٍ ينصرُه، [فيَستَقيدَ له] (٢) ممن ناله بمكروهٍ، وقد كان في الدنيا يرجِعُ إلى قوةٍ من عشيرتِه، يمتنعُ بهم ممن أراده بسوءٍ، وناصرٍ من حليفٍ ينصرُه على من ظلَمه واضطَهَده.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾: ينصرُه من اللهِ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. قال: من قوةٍ يمتنعُ بها، ولا ناصرٍ ينصرُه من اللهِ (١).
حدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن سفيانَ الثوريِّ في قولِه:
стр. 16246
﴿مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. قال: القوة، العشيرةُ، والناصرُ الحليفُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: تَرجِعُ بالغيوثِ (٢) وأرزاقِ العبادِ كلَّ عامٍ. ومنه قولُ المُتنخِّلِ في صفةِ سيفٍ (٣):
أبيضُ كالرجعِ رَسُوبٌ إذا … ما ثاخ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلِي (٤)
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: السحابِ فيه المطرُ (٥).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن
стр. 16247
عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ذاتِ السحابِ فيه المطرُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: وَالسَّمَاء ذَاتِ الرّجع: يعنى بالرجعِ رجعَ (١) القطرِ والرزقِ كلَّ عامٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ترجعُ بأرزاقِ الناسِ كلَّ عامٍ. قال أبو رجاءٍ: سُئِل عنها عكرمةُ، فقال: رجَعت بالمطرِ (٢).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ذاتِ السحابِ، تمطرُ ثم تَرجِعُ بالمطرِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ترجعُ بأرزاقِ العبادِ كلَّ عامٍ، لولا ذلك هلَكوا وهلَكت مواشيهم (٤).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: ترجعُ بالغيثِ كلَّ عامٍ (٥).
стр. 16248
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: يعنى المطرَ (١).
وقال آخرون: يعنى بذلك أن شمسَها وقمرها يغيب ويطلعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾. قال: شمسُها وقمرُها ونجومها يأتين من هاهنا (٢).
وقولُه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والأرضِ ذاتِ الصدعِ بالنباتِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: ذاتِ النباتِ (٣).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. يقولُ: صدعُها عن (٤) إخراجِ النباتِ في كلِّ عامٍ.
стр. 16249
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: هذه تُصدَعُ عما تحتَها. قال أبو رجاءٍ: وسئِل عنها عكرمةُ، فقال: هذه تُصدَعُ عن الرزقِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: مثلُ المَأْزِمِ (٢) مأزمِ منًى.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: الصدعُ مثلُ المَأْزِمِ، غيرَ الأوديةِ وغيرَ الجُرُفِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: تَصَدَّعُ عن الثمار وعن النبات كما رأَيتم (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. قال: تَصَدَّعُ عن النباتِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. فقرَأ (٥): ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا
стр. 16250
وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٦ - ٢٨]. إلى آخرِ الآيةِ. قال: صدَعها للحرثِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: النباتِ (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا القولُ وهذا الخبرَ، ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. يقولُ: لقولٌ يَفصِلُ بين الحقِّ والباطلِ ببيانِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، على اختلافٍ منهم في العبارةِ عنه؛ فقال بعضُهم: لقولٌ حقٌّ. وقال بعضُهم: لقولٌ حُكْمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. يقولُ: حقٌّ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾. أي: حُكْمٌ (٤).
وقولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. يقولُ: وما هو باللعبِ ولا الباطلِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 16251
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. يقولُ: بالباطلِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ (٢)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. قال: باللعبِ (٣).
وقولُه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكرًا.
وقولُه: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾. يقولُ: وأمكرُ مكرًا. ومكرُه جلَّ ثناؤُه بهم إملاؤُه إياهم على معصيتهم وكفرهم به.
وقولُه: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾. يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فمهل يا محمدُ الكافرين، ولا تعجلْ عليهم، ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. يقولُ: أمهلهم آنًا قليلًا، وأنظِرْهم للموعد الذي هو وقتُ حلولِ النقمةِ بهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
стр. 16252
قولَه: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. يقولُ: قريبًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: الرويدُ القليلُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. قال: مَهِّلْهم، فلا تعجَلْ عليهم. ترَكَهم، حتى لما أراد الانتصارَ منهم،، أمَره بجهادِهم وقتالِهم والغلظةِ عليهم.
آخر تفسير سورة "والسماءِ والطارقِ"
стр. 16253
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "سَبِّحِ اسمَ ربّك الأعلَى"
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: عَظِّم ربَّك الأَعْلَى، لا ربَّ أعلَى منه وأعْظَمُ. وكان بعضُهم إذا قرَأ ذلك قال: سبحانَ ربيَ الأعلَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عمر أنه كان يقرأُ: (سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلَى الذي خَلَق فَسَوَّى). قال: وهي في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ كذلك (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن عبدِ خيرٍ، قال: سمعتُ عليًّا ﵁ قرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. فقال: سبحانَ ربيَ الأعلى (٢).
стр. 16254
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، أَنَّ ابنَ عباسٍ كان إذا قرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. يقولُ: سبحانَ ربيَ الأعلى. وإذا قرَأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]. فأتَى على آخرِها: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. يقولُ: سبحانَك اللَّهمَّ، وبلى (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان إذا قرَأها قال: "سبحان ربي الأعلى" (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارجةَ، عن داودَ، عن زيادِ بن عبدِ اللهِ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ في صلاة المغربِ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلَى سبحانَ ربيَ الأعلى).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: نزِّه يا محمدُ اسمَ ربِّك الأعلى أن تُسمِّىَ به شيئًا سواه. يَنْهاه بذلك أنْ يفعَلَ ما فعَل مِن ذلك المشركون، مِن تَسْمِيَتِهم آلهتَهم؛ بعضَها اللَّاتَ، وبعضَها العُزَّى.
وقال غيرُهم: بل معنى ذلك: نزِّهِ اللَّهَ عمَّا يقولُ فيه المشركون، كما قال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وقالوا: معنى ذلك: سبِّح ربَّك الأعلى. قالوا: وليس الاسمُ مَعْنًى.
وقال آخرون: نزِّه تسميتَك يا محمدُ ربَّك الأعلى، وذِكرَك إِيَّاه، أنْ تذكُرَه
стр. 16255
إلا وأنت له خاشِعٌ مُتَذَلِّلٌ. قالوا: وإنما عُنِى بالاسمِ التسميةُ، ولكن وُضِع الاسمُ مكانَ المصدرِ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: صَلِّ بذكرِ ربِّكَ يا محمدُ. يعنى بذلك: صلِّ وأنت له ذاكرٌ، ومنه وَجِلٌ خائفٌ.
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: نزِّه اسمَ رَبِّكَ أَنْ تَدْعوَ به الآلهةَ والأوثانَ؛ لِمَا ذكرتُ من الأخبار، عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن الصحابةِ، أنهم كانوا إذا قرَءوا ذلك قالوا: سبحانَ ربيَ الأعلى. فبَيِّنٌ بذلك أَنَّ معناه كان عندَهم (١): عظِّمْ اسمَ رَبِّكَ ونَزِّهْه.
وقولُه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. يقولُ: الذي خلَق الأشياءَ فسوَّى خَلْقَها وعَدَلها. والتسويةُ: التعديلُ.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والذي قدَّر خَلْقَه فهَدى.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي عُنِى بقولِه: ﴿فَهَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: هَدَى الإنسانَ لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، والبهائمَ للمَرَاتِع.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، [وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا] (٢) عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾. قال: هَدَى الإنسانَ للشِّقْوةِ والسعادةِ، وهَدَى الأنعامِ
стр. 16256
لمَرَاتعِها (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: هَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك فيما مضَى (٢).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أَنَّ اللَّهَ عمَّ بقوله: ﴿فَهَدَى﴾ الخبرَ عن هدايتِه خَلْقَه، ولم يَخْصُصْ مِن ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد هداهم لسبيلِ الخيرِ والشرِّ، وهَدَى الذكورَ لمَأتَى الإناثِ، فالخبرُ على عمومِه، حتى يأتىَ خبرٌ تقومُ به الحُجَّةُ، دالٌّ على خُصوصِه.
وأجْمَعَت قرأةُ الأمصارِ على تشديدِ الدالِ من ﴿قَدَّرَ﴾، غيرَ الكسائيِّ فإنه خَفَّفها (٣).
والصوابُ في ذلك التشديدُ؛ لإجماعِ الحجةِ عليه.
وقولُه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. يقولُ: والذي أَخْرَجَ مِن الأَرضِ مَرْعَى الأنعامِ؛ مِن صُنُوفِ النباتِ وأنواع الحَشيشِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ مُكَرَّمٍ، قال: ثنا الحَفَرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. قال: النباتَ.
стр. 16257
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ الآية: [شَتِيتَ النباتِ] (١) كما رأيْتم؛ بينَ أصفرَ وأحمرَ وأبيضَ (٢).
وقولُه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فجعَل ذلك المَرْعَى غُثاءً. وهو ما جَفَّ مِن النَّبْتِ (٣) ويَبِس، فطارَت به الريحُ. وإنما عُنى به ههنا أنه جعَله هَشيمًا يابسًا متغيِّرًا إلى الحُوَّةِ؛ وهى السَّوَادُ من بعدِ البياضِ أو الخُضْرةِ؛ من شدَّةِ اليُبْسِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ في قولِه: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. يقولُ: هَشِيمًا متغيِّرًا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: غُثاءَ السَّيْلِ، ﴿أَحْوَى﴾. قال: أسودَ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه:
стр. 16258
﴿غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: يعودُ يُبْسًا بعدَ خُضْرةٍ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. قال: كان بَقْلًا ونباتًا، أخضرَ، ثم هاج فيَبِس، فصار غُثاءً أَحْوَى، تَذهَبُ به الرياحُ والسُّيولُ (٢).
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يَرى أنَّ ذلك مِن المُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأنَّ معنى الكلامِ: والذي أَخْرَج المَرْعَى أحْوى. أي: أخضرَ إلى السوادِ، فجعَله غثاءً بعدَ ذلك. ويَعْتَلُّ لقوله ذلك بقول ذى الرُّمَّة (٣):
حَوَّاءُ قَرْحَاءُ أَشْراطِيَّةٌ وَكَفَتْ … فيها الذِّهابُ وحَفَّتْها البَرَاعِيمُ (٤).
وهذا القولُ - وإن كان غيرَ مدفوعٍ أنْ يكونَ ما اشتدَّتْ خضرتُه مِن النباتِ، قد تُسمِّيه العربُ أسْوَدَ - غيرُ صوابٍ عندى؛ لخلافِه (٥) تأويلَ أهلِ التأويلِ في أنَّ الحرفَ إنما يُحتالُ لمعناه المُخْرَجِ بالتقديمِ والتأخيرِ، إذا لم يَكُنْ له وجهٌ مفهومٌ إلا بتقديمهِ عن موضعِه أو تأخيرِه، فأمَّا وله في موضعِه وجْهٌ صحيحٌ، فلا وجْهَ لطلبِ الاحتيالِ لمعناه بالتقديمِ والتأخيرِ.
وقولُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه:
стр. 16259
سنُقْرِئُك يا محمدُ هذا القرآنَ فلا تَنْساه، إلا ما شاء اللهُ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيَّه ﵊ أنه يُعَلَّمُه هذا القرآنَ، ويحفَظُه عليه، ونَهْىٌ منه أن يَعْجَلَ بقراءتِه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾. قال: كان يَتَذَكَّرُ القرآنَ في نفسِه مَخَافَةَ أَن يَنْسَى (١).
فقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الاستثناءِ في هذا الموضعِ على النسيانِ، ومعنى الكلامِ: فلا تَنْسَى، إلا ما شاء اللهُ أن تَنْساه ولا تَذْكُرَه. قالوا: وذلك هو ما نَسَخه اللهُ من القرآنِ، فرفَع حُكْمَه وتلاوتَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَنْسَى شيئًا إِلَّا ما شاء اللهُ (٢).
стр. 16260
وقال آخرون: معنى النسيانِ في هذا الموضعِ: التَّرْكُ. وقالوا: معنى الكلامِ: سنُقْرِئُك يا محمدُ فلا تَتْرُكُ العملَ بشيءٍ منه، إلا ما شاءَ اللهُ أن تَتْرُكَ العملَ به، مما نَنْسَخُه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ في ذلك (١): لم يشَأ اللهُ أن يَنْسَى (٢) شيئًا، وهو كقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٨]، ولا يشاءُ. قال: وأنت قائلٌ في الكلامِ: لأُعطِيَنَّك كلَّ ما سألتَ إلا ما شِئتُ، وإلا أنْ أَشاءَ أنْ أمنعَك. والنِّيَّةُ أنْ لا تمنعَه، ولا تشاءَ شيئًا. قال: وعلى هذا مَجارى الأيمانِ، يُسْتَثْنى فيها، ونيةُ الحالفِ التَّمامُ (٣).
والقولُ الذي هو أَوْلَى بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فلا تَنْسَى إلا أن نشاء نحنُ أَنْ نُنْسِيَكَه بنسخِه ورفعِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ ذلك أظهرُ مَعانِيه.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ الله يعلمُ الجهرَ يا محمدُ من عملِك، ما أظهَرْتَه وأعلَنْته، ﴿وَمَا يَخْفَى﴾. يقولُ: وما تُخْفِى (٤) منه فلم تُظْهِرْه مما كَتَمْتَه. يقولُ: هو يعلمُ جميعَ أعمالِك، سرَّها وعلانِيَتَها. يقولُ: فاحْذَرُه أَن يَطَّلِعَ عليك وأنت عاملٌ في حالٍ مِن أحوالِك بغيرِ الذي أَذِن لك به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)
стр. 16261
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ونُسهِّلُك يا محمدُ لعملِ الخيرِ وهو اليُسْرَى. واليُسْرَى هو الفُعْلَى مِن اليُسْرِ.
وقولُه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فذكِّرْ عبادَ اللَّهِ يا محمدُ عظمتَه، وعِظْهُمْ، وحذِّرْهم عقوبتَه، ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: إِنْ نفَعتِ الذِّكرى الذين قد أَيَسْتُك مِن إيمانِهم، فلا تنفعُهم الذِّكرى.
وقولُه: ﴿فَذَكِّرْ﴾. أمرٌ مِن اللهِ لنبيِّه ﷺ بتذكيرِ جميعِ الناسِ. ثم قال: إنْ نفعتِ الذكرى هؤلاء الذين قد آيَسْتُك مِن إيمانِهم.
وقولُه: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: سيذَّكَّرُ يا محمدُ، إذا ذَكَرْتَ الذين أمَرْتُك بتذكيرِهم، مَن يخشى الله ويخافُ عقابَه،
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾. يقولُ: ويتجنَّبُ الذِّكرى ﴿الْأَشْقَى﴾. يعنى: أشقى الفريقينِ: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. وهم الذين لم تَنْفعْهم الذِّكْرى.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾: فاتَّقُوا اللَّهَ، ما خَشِى اللَّهَ عبدٌ قطُّ إلا ذَكَّره، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾: فلا واللهِ لا [يَتَنَكَّبُ عبدٌ هذا] (١) الذَّكْرَ زُهدًا فيه وبُغْضًا لأهلِه،
стр. 16262
إلا شقيٌّ بَيِّنُ الشَّقاءِ (١).
وقولُه: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾. يقولُ: الذي يَرِدُ نارَ جهنمَ، وهى النارُ الكبرى. ويعنى بالكُبْرى: [في شدة] (٢) الحرِّ والألمِ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. يقولُ: ثم لا يموتُ في النارِ الكُبْرى ولا يحيا. وذلك أنَّ نفسَ أحدِهم تصيرُ فيها في حَلْقِه، فلا تخرجُ فتُفارِقُه فيَموتَ، ولا ترجعُ إلى موضعِها من الجسمِ فيحيا. وقيل: لا يموتُ فيها فيستريحَ، ولا يحيا حياةً تنفعُه.
وقال آخرون: قيل ذلك؛ لأنَّ العربَ كانت إذا وصَفَتِ الرجلَ بوقوعٍ في شدَّةٍ شديدةٍ، قالوا: لا هو حيٌّ، ولا هو ميتٌ. فخاطَبَهم اللهُ بالذي جرَى به ذلك مِن كلامِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾
يقول تعالى ذكرُه: قد أَنْجَح وأَدْرَكَ طَلِبَتَه مَن تَطَهَّر مِن الكفرِ ومعاصى اللهِ، وعمِل بما أمَره اللهُ فأَدَّى فرائضَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
стр. 16263
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. يقولُ: مَن تَزَكَّى مِن الشركِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ، قال ثنا هشامٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: مَن كان عملُه زاكيًا (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: [بِعَمَلٍ ووَرَعٍ] (٣).
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، عن الحكم، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾: مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد أفلَح مَن أدَّى زكاةَ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن عليّ بن الأَقْمَرِ، عن أبي الأَحْوَصِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: مَن استطاع أن يَرْضَخَ (٥) فَليَفْعَلْ، ثم ليَقُمْ فليُصَلِّ (٦).
стр. 16264
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليّ بن الأَقْمَرِ، عن أبي الأحوصِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾. قال: مَن رَضَخَ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدِ بن مُرَّةَ، قال: ثنا زُهَيْرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، قال: إذا أتى أحدَكم سائلٌ وهو يريدُ الصلاةَ، فليُقَدِّمْ بينَ يدى صلاتِه زكاتَه، فإنَّ الله يقولُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، فمَن اسْتَطاع أنْ يُقدِّمَ بينَ يدى صلاتِه زكاةً فليَفْعَلْ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولهَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّي﴾؛ تزكي رجلٌ مِن مالِه، وأَرْضَى خالقَه (٣).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك زكاةُ الفطرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عمرُو بنُ عبد الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن أبي خَلْدَةَ، قال: دخَلتُ على أبى العاليةِ، فقال لى: إِذا غَدَوْتَ غدًا إلى العيدِ فمُرَّ بي. قال: فمَرَرْتُ به، فقال: هل طَعِمْتَ شيئًا؟ قلتُ: نعم. قال: أَفَضْتَ على نفسِك من الماءِ؟ قلتُ: نعم. قال: فأخبِرنى ما فعلت بزكاتِك؟ قلتُ: قد وَجَّهْتُها. قال: إنما أَرَدْتُك لهذا. ثم قرَأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، وقال: إِنَّ أهلَ المدينةِ لا يَرَوْن صدقةً أفضَلَ منها، ومِن سقايةِ الماءِ (٤).
стр. 16265
وقولُه: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وحَّد الله.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. يقولُ: وحَّد الله سبحانَه (١)
وقال آخرون: بل معني ذلك: وذكَر الله ودعاه ورَغِب إليه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: وذكَر الله فوحَّده، ودعاه ورَغِب إليه؛ لأنَّ كلَّ ذلك من ذكرِ اللهِ، ولم يَخْصُصِ اللهُ تعالى مِن ذكرِه نوعًا دونَ نوعٍ.
وقولُه: ﴿فَصَلَّى﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنِى به: فصلَّى الصلواتِ الخمسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولَه: ﴿فَصَلَّى﴾. يقولُ: صلَّى الصلواتِ الخمسَ (١).
وقال آخرون: عُنِي به صلاةُ العيدِ يومَ الفطرِ.
وقال آخرون: بل عُنِى: وذكَر اسمَ ربِّه فدعا. وقالوا: الصلاةُ هاهنا: الدعاءُ.
стр. 16266
والصوابُ من القولِ أنْ يقالَ: عُنِى بقولِه: ﴿فَصَلَّى﴾. الصلواتُ وذِكْرُ اللهِ فيها بالتحميدِ والتمجيدِ والدعاءِ.
وقولُه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. يقولُ للناسِ: بل تؤثِرون أيُّها الناسُ زينةَ الحياةِ الدنيا على الآخرةِ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ لكُمْ ﴿وَأَبْقَى﴾. يقولُ: وزينةُ الآخرةِ خيرٌ لكم أيُّها الناسُ وأبْقَى بَقاءً؛ لأنَّ الحياةَ الدنيا فانيةٌ، والآخرةَ باقيةٌ، لا تَنْفَدُ ولا تَفْنى.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ فاختار الناسُ العاجلةَ إلا مَن عصَم اللهُ (١).
وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ في الخيرِ، ﴿وَأَبْقَى﴾ في البقاءِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن عَرْفَجَةَ الثَّقَفيِّ، قال: اسْتَقْرَأْتُ ابنُ مسعودٍ: هو ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فَلَمَّا بلَغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، تَرَك القراءةَ وأقبَل على أصحابِه، وقال: آثَرْنا الدنيا على الآخرةِ. فسَكَت القومُ، فقال: آثَرْنا الدنيا؛ لأَنَّا رأيْنا زينتَها ونساءَها وطعامَها وشرابَها، وزُوِيَت عنا الآخرةُ، فاخْتَرْنا هذا العاجلَ، وتركنا الآجلَ (٣).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، فقرَأ ذلك عامةُ
стр. 16267
قرأةِ الأمصارِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ بالتاءِ، إلا أبا عمرٍو فإنه قرَأه بالياءِ (١)، وقال: يعنى الأَشْقَينَ (٢).
والذي لا أُوثِرُ عليه في قراءةِ ذلك، التاءُ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرأةِ عليه. وذُكِر أَنَّ ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (بل أنتم تُؤثرون) (٣). فذلك أيضًا شاهدٌ لصحة القراءةِ بالتاء.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي أُشِير إليه بقولِه: ﴿هَذَا﴾؛ فقال بعضُهم: أُشِير به إلى الآياتِ التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. يقولُ: الآياتُ التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٤).
وقال آخرون: قصةُ هذه السورةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ:
стр. 16268
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. قال: قصةُ هذه السورةِ لفى الصُّحُفِ الأُولى (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إنَّ هذا الذي قضَى (٢) اللهُ في هذه السورةِ، لفى الصُّحُفِ الأُولى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: إنَّ هذا الذي قضَى (٣) اللهُ في هذه السورةِ، لفى الصُّحُفِ الأُولى، ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٤).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أنَّ قولَه: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، في الصُّحُفِ الأُولى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. قال: تَتابَعَتْ كتبُ اللهِ كما تَسْمَعون، أَنَّ الآخرةَ خيرٌ وأبقى (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذَا
стр. 16269
لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾. قال: في الصحف التي أنزَلها اللهُ على إبراهيمَ وموسى، أنَّ الآخرةَ خيرٌ من الأُولى (١).
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ قولَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لفى الصُّحُفِ الأُولى؛ صحفِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ، وصحفِ موسى ابن عمرانَ.
وإنما قلتُ: ذلك أَوْلَى بالصحةِ من غيرِه؛ لأنَّ "هذا" إشارةٌ إلى حاضرٍ، فَلأَنْ يكونَ إشارةً إلى ما قَرُب منها، أولى مِن أنْ يكونَ إشارةً إلى غيرِه. وأما الصحفُ فإنها جمعُ صحيفةٍ، وإنما عُنِى بها كتبُ إبراهيمَ وموسى.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الجَلْدِ، قال: نزَلت صحفُ إبراهيمَ في أوَّلِ ليلةٍ من رمضانَ، وأُنزِلَتِ التوراةً لستِّ ليالٍ خَلَوْن مِن رمضانَ، وأُنزِل (٢) الزَّبورُ لاثنتَىْ عَشْرَةَ ليلةً، وأُنزِل الإنجيلُ لثماني عَشْرةَ، وأُنزِل الفرقانُ لأربعٍ وعشرين (٣).
آخرُ تفسيرِ سورةِ سبحِ اسمَ ربِّك الأعلى
стр. 16270
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ الغاشيةِ
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿هَلْ أَتَاك﴾ يا محمدُ ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟ يعنى: قصتُها وخبَرُها.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الغاشيةِ؛ فقال بعضُهم: هي القيامةُ، تَغْشَى الناسَ بالأهوالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: الغاشيةُ من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ، وحذَّره عبادَه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: الغاشيةُ: الساعةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 16271
أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْغَاشِيَةِ﴾. قال: الساعةِ (١).
وقال آخرون: بل الغاشيةُ: النارُ تَغْشَى وجوهَ الكَفَرَةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمَانٍ، عن أشْعَثَ، عن سعيدٍ في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. قال: غاشيةِ النارِ (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: إنَّ الله قال لنبيِّه ﷺ : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟ ولم يُخْبِرْنا أنه عَنَى غاشيةَ القيامةِ، ولا أنه عَنَى غاشيةَ النارِ، وكلتاهما غاشيةٌ؛ هذه تَغْشَى الناسَ بالبَلَابِلِ (٣) والأهوالِ والكروبِ (٤)، وهذه تَغْشَى الكفارَ باللَّفْحِ في الوجوهِ، والشُّواظِ والنُّحاسِ، فلا قولَ أَصَحُّ في ذلك مِنْ أَنْ يُقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه، ويُعَمَّ الخبرُ بذلك كما عَمَّه.
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾.
وهى وجوهُ أهلِ الكفرِ به، ﴿خَاشِعَةٌ﴾. يقولُ: ذليلةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾: أي: ذليلةٌ (٥).
стр. 16272
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿خَاشِعَةٌ﴾. قال: خاشعةٌ في النارِ (١)
وقوله: ﴿عَامِلَةٌ﴾. يعنى: عاملةٌ في النارِ. وقولُه: ﴿نَاصِبَةٌ﴾. يقولُ: ناصبةٌ فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: فإنها تعملُ وتَنْصَبُ في النارِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. قال: لم تَعْمَلْ للهِ في الدنيا، فأَعْمَلَها في النارِ (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: تَكَبَّرت في الدنيا عن طاعةِ اللهِ، فأعْمَلَها وأَنْصَبَها في النارِ (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. قال: عاملةٌ ناصبةٌ في النارِ (١).
стр. 16273
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾. قال: لا أحدَ أنْصَبُ ولا أَشَدُّ مِن أهلِ النارِ.
وقولُه: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تَرِدُ هذه الوجوهُ نارًا حاميةً قد حَمِيَت واشتدَّ حرُّها.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿تَصْلَى﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: تَصْلى الوجوهُ. وقرَأ ذلك أبو عمرٍو: (تُصْلَى) بضمِّ التاءِ اعتبارًا بقولِه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (١). والقولُ في ذلك أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. يقول: يُسْقَى أصحابُ هذه الوجوهِ مِن شَرابِ عينٍ قد أَنَى حرُّها، فبلَغ غايتَه في شدَّةٍ الحرِّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: هي التي قد طال (٢) أَنْيُها (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه:
стр. 16274
﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال (١): أَنَّى طَبْخُها مُذْ (٢) خَلَقَ الله الدنيا.
حدَّثني به يعقوبُ مَرَّةً أُخرى، فقال: منذُ يومِ خلَق اللهُ السماواتِ والأرضَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: قد بَلَغَتْ إِناها، وحان شُرْبُها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. يقولُ: قد أَنَى طَبْحُها منذُ خلق اللهُ السماواتِ والأَرضَ (٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: من عينٍ أَنَى حرُّها. يقولُ: قد بلَغ حرُّها (٦).
وقال بعضُهم: عُنى بقولِه: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾: مِن عينٍ حاضرةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾. قال: آنيةٍ: حاضرةٍ (٧).
стр. 16275
وقولُه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. يقولُ: ليس لهؤلاء الذين هم أصحابُ الوجوهِ (١) الخاشعةِ العاملةِ الناصبةِ يومَ القيامةِ طعامٌ، إلا ما يَطْعَمونه مِن ضَرِيعٍ. والضَّرِيعُ عندَ العربِ نَبْتُ يقالُ له: الشِّبْرِقُ. وتُسمِّيه أهلُ الحجازِ الضَّرِيعَ إذا يَبِس، ويُسمِّيه غيرُهم الشِّبْرِقَ، وهو سُمٌّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الضَّرِيعُ: الشِّبْرِقُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال محمدُ: ثنا، وقال عبَّادٌ: أخبَرنا محمدُ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الرحمنِ الأَصْبهانيِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: ثنى نَجْدةُ، رجلٌ مِن عبد القيسِ عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: هي شجرةٌ ذاتُ شَوْكٍ، لَاطِئةٌ بالأرضِ، فإذا كان الرَّبيعُ سَمَّتْها قريشٌ الشَّبْرِقَ، فإذا هاج العُودُ سَمَّتها الضَّرِيعَ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن
стр. 16276
مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ اليابسُ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرً، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: هو الشِّبْرِقُ إِذا يَبِس يُسمَّى الضَّرِيعَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. يقولُ: مِن شرِّ الطعامِ وأبشعِه وأخبثِه (٣).
حدَّثني محمدُ بن عبيدٍ، قال: ثنا شَريكُ بنُ عبدِ اللهِ في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الشِّبْرِقُ.
وقال آخرون: الضَّرِيعُ: الحجارةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الحجارةُ (٤).
стр. 16277
وقال آخرون: الضَّرِيعُ: شجرٌ مِن نارٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. يقولُ: شجرٌ مِن نارٍ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾. قال: الضَّرِيعُ: الشَّوْكُ مِن النارِ. قال: وأما في الدنيا فإن الضَّرِيعَ: الشَّوْكُ اليابسُ الذي ليس له ورَقٌ، تدعوه العربُ الضَّرِيعَ، وهو في الآخرةِ شَوْكٌ مِن نارٍ (٢).
وقولُه: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. يقولُ: لا يُسْمِنُ هذا الضريعُ يومَ القيامةِ أَكَلَتَه مِن أهل النارِ، ﴿وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. يقولُ: ولا يُشْبِعُهم مِن جوعٍ يُصِيبُهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾. يعنى يومَ القيامةِ، ﴿نَاعِمَةٌ﴾. يقولُ: هي ناعمةٌ بتنعيمِ اللهِ أهلَها في جناتِه، وهم أهلُ الإيمانِ باللهِ.
стр. 16278
وقولُه: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. يقولُ: لعملِها الذي عمِلتْ في الدنيا مِن طاعةِ ربِّها راضيةٌ. وقيل: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾. والمعنى: لثوابِ سعيها في الآخرةِ راضيةٌ.
وقولُه: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. وهى بستانٌ، ﴿عَالِيَةٍ﴾. يعنى: رفيعةٍ.
وقوله: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. يقولُ: لا تَسْمَعُ هذه الوجوهُ: المعنى: لأهلِها فيها؛ في الجنةِ العاليةِ - لاغيةً. يعنى باللَّاغيةِ: كلمةَ لَغْوٍ. واللَّغْوُ: الباطلُ، فقيل للكلمةِ التي هي لَغْوٌ: لاغيةٌ. كما قيل لصاحبِ الدرعِ: دارعٌ. ولصاحبِ الفرسِ: فارسٌ، ولقائلِ الشعرِ: شاعرٌ. وكما قال الحُطيئةُ (١):
أَغْرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أَنَّـ … كَ لابِنٌ بالصَّيْفِ تَامِرْ
يعني: صاحبُ لبنٍ، وصاحبُ تمرٍ. وزعَم بعضُ نحويِّي (٢) الكوفيِّين (٣) أنَّ معنى ذلك: لا يُسمَعُ (٤) فيها حالفةٌ على الكذبِ. ولذلك قيل: لاغيةٌ. ولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجْهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين على خلافِه، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافُهم فيما كانوا عليه مُجْمِعين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
стр. 16279
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. يقولُ: لا تسمعُ أَذًى ولا باطلًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. قال: شَتْمًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: لا تسمعُ فيها باطلًا، ولا شاتمًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٣).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ، وبعضُ قرأةِ المدينةِ وهو أبو جعفرٍ: ﴿لَا تَسْمَعُ﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: لا تسمعُ الوجوهُ (٤). وقرَأ ذلك ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: (لا تُسْمَعُ) بضمِّ التاءِ، بمعنى ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ ويُؤنَّثُ (تُسْمَعُ) لتأنيثِ (لاغيةٌ) (٥). وقرَأ ابنُ مُحيصنٍ بالضمِّ أيضًا، غيرَ أنه كان يقرَؤها بالياءِ، على وجْهِ التذكيرِ (٦).
стр. 16280
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ صحيحاتُ المعانى، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
قولُه: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. يقولُ: في الجنةِ العاليةِ عينٌ جاريةٌ في غيرِ أُخْدودٍ.
وقولُه: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. والسُّرُرُ: جمعُ سرِيرٍ، مرفوعةٌ ليَرَى المؤمنُ إذا جلَس عليها جميعَ ما خوَّله ربُّه من النعيمِ والمُلكِ فيها، ويَلْحَقُ جميعَ ذلك بصرُه.
وقيل: عُنِى بقولِه: ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾: مَوْضونةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. يعني: موضونةٌ، كقولِه: ﴿سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]: بعضُها فوقَ بعضٍ (١).
وقولُه: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾. وهى جمعُ كُوبٍ، وهى الأباريقُ التي لا آذانَ لها، وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى وذكَرْنا ما فيه مِن الروايةِ، بما أَغْنى عن إعادتِه (٢).
وعُنى بقوله: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أنها موضوعةٌ على حافَةِ العينِ الجاريةِ، كلما أراد (٣) الشُّرْبَ وجَدها (٤) ملْأَى مِن الشَّرابِ.
وقولُه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يعني بالنَّمارقِ الوسائدَ والمرافقَ (٥)، واحدُها