كانوا أهلَ عمودٍ سيارةً؛ لأن المعروفَ في كلامِ العربِ من العمادِ، ما عُمِد به الخيامُ من الخشبِ، أو السوارى التي يُحمَلُ عليها البناءُ، ولا يُعلمُ بناءٌ كان لهم بالعمادِ بخبرٍ صحيحٍ، بل وجَّه بعضُ (١) أهل التأويلِ قولَه: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إلى أنه عُنِى به طولُ أجسامِهم، وبعضُهم إلى أنه عُنِى به عمادُ خيامِهم، فأما عِمادُ البنيانِ، فلا نعلَمُ كبيرَ أحدٍ من أهلِ التأويلِ وجَّهَه إليه، وتأويلُ القرآنِ إنما يوجَّهُ إلى الأعرفِ (١) الأغلبِ الأشهرِ من معانيه - ما وُجد إلى ذلك سبيلٌ - دونِ الأنكرِ.
وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعَل ربُّك بعادَ، إرمَ التي لم يُخلقْ مثلُها؛ يعنى: مثلُ عادَ، والهاءُ عائدةٌ على عادَ. وجائزٌ أن تكون عائدةً على إرمَ؛ لما قد بيَّنا قبلُ أنها قبيلةٌ. وإنما عُنِى بقولِه: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾: [لم يخلق مثلها] (٢) في العِظَمِ والبطشِ والأَيْدِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: ذُكر لنا أنهم كانوا اثنى عشرَ ذراعًا طولًا في السماء (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك ذاتِ العماد التي لم يخلقْ مثلُ الأعمدةِ في البلادِ. وقالوا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ من صفة هو ﴿ذَاتِ الْعِمَاد﴾، والهاءُ التي في
стр. 16312
﴿مِثْلُهَا﴾ إنما هي من ذكرِ ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ. فذكَر نحوَه (١).
وهذا قولٌ لا وجهَ له؛ لأن ﴿الْعِمَادِ﴾ واحدٌ مذكرٌ، و ﴿الَّتِي﴾ للأنثى، ولا يوصفُ المذكرُ بالتي، ولو كان ذلك من صفة ﴿الْعِمَادِ﴾ لقيل: الذي لم يُخْلقْ مثلُه في البلادِ. وإن جُعِلت ﴿الَّتِي﴾ لإرمَ، وجُعِلت الهاءُ عائدةً في قولِه: ﴿مِثْلُهَا﴾ عليها، وقيل: هي دمشقُ أو الإسكندريةُ. فإنَّ بلادَ عادٍ هي التي وصَفها الله في كتابِه فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١].
والأحقافُ هي جمعُ حِقْفٍ، وهو ما انعطَف من الرمل وانحنى. وليست الإسكندرية ولا دمشق من بلادِ الرمال، بل ذلك الشِّحْرُ (٢) من بلادِ حضرَموتَ وما والاها.
وقولُه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: وثمودَ الذي خرَقوا الصخرَ ودخَلوه، فاتَّخذوه بيوتًا. كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٢]. والعربُ تقولُ: جابَ فلانٌ الفلاةَ يَجُوبُها جَوْبًا. إذا دخَلها وقطَعها، ومنه قولُ نابغةِ بني جعدةَ (٣):
стр. 16313
أَتَاكَ أبو لَيْلَى يجوبُ بهِ الدُّجَى … دُجَى الليلِ جَوَّابُ الفلاةِ عَثَمْثَمُ (١)
يعنى بقولِه: يجوبُ: يدخلُ ويقطعُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: فخرَقوها (٢)
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يعنى ثمودَ قومَ صالحٍ؛ كانوا ينحِتون من الجبالِ بيوتًا (٣).
حدَّثني محمدُ بن عمارةَ الأسَدِيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. قال: جابوا الجبالَ، فجعَلوها بيوتًا (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: جابوها ونَحتوها بيوتًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةِ: ﴿جَابُوا
стр. 16314
الصَّخْرَ﴾: نَقَبوا الصخرَ (١).
[حدّثنى المروزيُّ] (٢)، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. يقولُ: قَدُّوا (٣) الحجارةَ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾: ضرَبوا البيوتَ والمساكنَ في الصخرِ في الجبالِ، حتى جعَلوا فيها مساكنَ، ﴿جَابُوا﴾: جرَّبوها؛ تجرَّبوا (٥) البيوتَ في الجبالِ (٤).
وقال قائلٌ (٦):
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله بائدٌ … كما بادَ حيٌّ من شَنِيفٍ (٧) وَمَارِدِ
همُ ضرَبوا في كلِّ صَلَّاءَ صَعْدَةٍ … بأيدٍ شِدَادٍ أَيِّدَاتِ السَّواعِدِ
وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: ألم ترَ كيف فعل ربُّك أيضًا بفرعونَ صاحب الأوتادِ؟
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. ولِم قيل له كذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ذى الجنودِ الذين يقوُّون له أمرَه. وقالوا: الأوتادُ في هذا
стр. 16315
الموضعِ: الجنودُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: الأوتادُ: الجنودُ الذين يشُدُّون له أمره، ويقالُ: كان فرعونُ يُوتِدُ في أيديهم وأرجلهم أوتادًا من حديدٍ، يُعَلِّقُهم بها (١).
وقال آخرون: بل قيل له ذلك؛ لأنه كان يُوتِدُ الناس بالأوتادِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ (٢).
وقال آخرون: كانت مظالَّ وملاعب يُلعَبُ له تحتَها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾: ذكر لنا أنها كانت مظالَّ وملاعبَ يُلعبُ له تحتها من أوتادٍ وحبالٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ذِي
стр. 16316
الْأَوْتَادِ﴾. قال: ذى البناءِ؛ كانت مظالُّ يُلْعَبُ له تحتَها، وأوتادٌ تُضربُ له (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن أبي رافعٍ، قال: أوتَد فرعونُ لامرأتِه أربعةَ أوتادٍ، ثم جعَل على ظهرِها رحًا عظيمةً حتى ماتت (٢).
وقال آخرون: بل قيل ذلك له؛ لأنه كان يعذِّبُ الناسَ بالأوتادِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن محمودٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يجعلُ رِجلًا ههنا ورجلًا ههنا، ويدًا ههنا ويدًا ههنا، بالأوتادِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان يُوتِدُ الناسَ بالأوتادِ (٤).
وقال آخرون: إنما قيل ذلك له لأنه كان له بنيانٌ يعذِّبُ الناسَ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن رجلٍ، عن
стр. 16317
سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. قال: كان له مَناراتٌ يعذِّبُهم عليها (١).
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك الأوتادُ التي تُوتَدُ، من خشبٍ كانت أو حديدٍ؛ لأن ذلك هو المعروفُ من معاني الأوتادِ، ووَصِف بذلك؛ لأنه إما أن يكونَ كان يعذبُ الناسَ بها، كما قال أبو رافعٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وإما أن يكون كان يُلعَبُ له بها.
وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾. يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ﴾: عادًا وثمودَ وفرعونَ وجندَه، ويعنى بقولِه: ﴿طَغَوْا﴾: تجاوَزوا ما أباحه الله لهم، وعتَوا على ربِّهم إلى ما حظَره عليهم من الكفرِ به، وقولُه: ﴿فِي الْبِلَادِ﴾. يعني: في البلادِ التي كانوا فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فأكثَروا في البلادِ المعاصيَ، وركوبَ ما حرَّم اللهُ عليهم،
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأنزَل بهم يا محمدُ ربُّك عذابَه، وأحلَّ بهم نقمتَه؛ بما أفسَدوا في البلادِ وطغَوا على اللهِ فيها. وقيل: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. وإنما كانت نِقَمًا تنزلُ بهم؛ إما ريحًا تدمِّرُهم، وإما رَجْفًا يُدَمدِمُ عليهم، وإما غرقًا يُهلكُهم من غيرِ ضربٍ بسوطٍ ولا عصًا؛ لأنه كان من أليمِ عذابِ القومِ الذين خوطِبوا بهذا القرآنِ، الجلدُ بالسياطِ، فكثُر استعمالُ القومِ في الخبرِ عن شدةِ العذابِ الذي يعذَّبُ به
стр. 16318
الرجلُ منهم أن يقولوا: ضُرِب فلانٌ حتى بالسِّياطِ. إلى أن صار ذلك مثلًا، فاستعمَلوه في كلِّ معذَّبٍ بنوعٍ من العذابِ شديدٍ، وقالوا: صُبَّ عليه سَوطُ عذابٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾. قال: ما عُذِّبوا به (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. قال: العذابُ الذي عذَّبهم به سمَّاه سوطَ عذابٍ.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ: إِنَّ ربَّك يا محمدُ لهؤلاء الذين قصَصْتُ عليك قَصَصَهم، ولضُرَبائهم من أهلِ الكفرِ به، لبالمِرْصادِ يرصُدُهم بأعمالِهم في الدنيا، وفى الآخرةِ على قناطرِ جهنمَ، ليُكردِسَهم (٢) فيها إذا وَرَدوها يومَ القيامةِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويِلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولهِ: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾: بحيثُ يَرى ويسمعُ.
стр. 16319
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، يقولُ: يسمعُ ويَرى (١).
وقال آخرون: يعنى بذلك أنه بمَرْصَدٍ لأهلِ الظُّلِمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن المباركِ بن مجاهدٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في هذه الآيةِ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ، يأمرُ الربُّ ﷻ بكرسيِّه فيوضعُ على النارِ، فيستوى عليه، ثم يقولُ: وعزَّتى، لا يتجاوزُنى اليومَ ذو مَظْلِمةٍ. فذلك قولُه: ﴿لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، قال: بلَغني أن على جهنَّمَ ثلاثَ قناطرَ؛ قنطرةٍ عليها الأمانةُ، إذا مرُّوا بها تقولُ: يا ربِّ، هذا أمينٌ، يا ربِّ، هذا خائنٌ. وقنطرةٍ عليها الرَّحِمُ، إذا مرُّوا بها تقولُ: يا ربِّ، هذا واصلٌ، يا ربِّ، هذا قاطعٌ. وقنطرةٍ عليها الربُّ تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾: يعنى جهنمَ، عليها ثلاثُ قناطرَ؛ قنطرةٍ فيها الرحمةُ، وقنطرةٍ فيها الأمانةُ، وقنطرةٍ فيها
стр. 16320
الربُّ ﵎ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. قال: مِرْصَادِ عمل بني آد آدمَ (٢).
وقولُه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا الإنسانُ إذا ما امتحنه ربُّه بالنِّعمِ والغِنى، ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ بالمالِ، وأفْضَل عليه، ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بما أوْسَع عليه مِن فضلِه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾، فيفرحُ بذلك ويُسَرُّ به ويقولُ: ربى أَكْرَمنى بهذه الكرامةِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ وحُقَّ له.
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه جل وعز: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. يقولُ: وأمَّا إذا ما امتحنه ربُّه بالفقرِ، ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. يقولُ: فضيَّق عليه رزْقَه وقَتَّره، فلم يُكْثِر مالَه، ولم يُوسِعْ عليه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يقولُ: فيقولُ ذلك الإنسانُ: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يقولُ: أَذلَّنى بالفقرِ، ولم يشْكُرِ الله على ما وهب له من سلامةِ جوارحِه، ورزَقه من العافيةِ في جسمِه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ
стр. 16321
فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: ما أسرعَ كفرَ ابن آدمَ.
حدَثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه : ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾. قال: ضَيَّقه (١).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾؛ فقرأت عامةُ قرأةِ الأمصارِ ذلك بالتخفيفِ: ﴿فَقَدَرَ﴾ بمعنى: فَقَتَر (٢)، خلا أبي جعفرٍ القارئِ؛ فإنه قرَأ ذلك بالتشديدِ: (فَقَدَّرَ) (٣). وذُكِر عن أبي عمرِو بن العلاءِ أنه كان يقولُ: قدَّر، بمعنى: يُعْطِيه ما يَكْفِيه. ويقولُ: لو فعَل ذلك به ما قال: ربِّي أهاننى.
والصوابُ من قراءةِ ذلك عندَنا بالتخفيفِ (٤)؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن القرأةِ عليه.
وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بقولِه: ﴿كَلَّا﴾. في هذا الموضعِ، وما الذي أنكَر بذلك؛ فقال بعضُهم: أنكَر جلَّ ثناؤُه أن يكونَ سببُ كرامتِه من أكرم كثرةَ مالِه، وسببُ إهانتِه مَن أهان قلةَ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾: ما أسرعَ ما كفَرَ ابنُ آدمَ! يقولُ اللهُ جَلَّ ثناؤُه: كلا، إني لا أُكْرِمُ مَن أكرمتُ بكثرةِ الدنيا، ولا أُهينُ مَن أهنْتُ بقلتِها، ولكن إنما أُكْرِمُ مَن أكرمْتُ بطاعتِى، وأُهينُ مَن أهنْتُ بمعصيتِى.
стр. 16322
وقال آخرون: بل أنكر جلَّ ثناؤُه حمْدَ الإنسانِ ربَّه على نِعَمِه دونَ فقرِه، وشكواه الفاقةَ. وقالوا: معنى الكلامِ: كلا، أي لم يكنْ يَنْبَغِي أَنْ يكونَ هكذا، ولكن كان يَنْبَغى أن يحمَدَه على الأمرين جميعًا؛ على الغِني والفقرِ.
وأولى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ؛ لدَلالةِ قولِه: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. والآياتِ التي بعدها، على أنه إنما أهان مَن أهان بأنه لا يُكْرِمُ اليتيمَ، ولا يَحُضُّ على طعامِ المسكينِ، وسائرِ المعاني التي عدَّد، وفي إبانتِه عن السببِ الذي من أجلِه أهانَ مَن أهانَ، الدَّلالةُ الواضحةُ على سببِ تكريمهِ مَن أَكْرَم، وفي تَبْيينِه ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ - بيانٌ واضحٌ عن أنَّ (١) الذي أنكَر من قولِه، ما وصَفْنا.
وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بل إنما أهنْتُ مَن أهنتُ مِن أجلِ أنه لا يُكْرِمُ اليتيمَ. فأخْرَج الكلامَ على الخطابِ، فقال: بل لستم تُكْرِمون اليتيمَ؛ فلذلك أهنْتُكم، ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه مِن أهل المدينةِ أبو جعفرٍ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ﴾. بالتاءِ أيضًا وفتحِها وإثباتِ الألفِ فيها (٢)، بمعنى: ولا يَحُضُّ بعضُكم بعضًا على طعامِ المسكينِ. وقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ وعامةُ قرأةِ المدينةِ، بالتاءِ وفتحِها وحذفِ الألفِ: (وَلا تَحُضُّونَ) (٣). بمعنى: ولا تأْمُرون بإطعامِ المسكينِ. وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ:
стр. 16323
(يَحُضُّونَ). بالياءِ وحذفِ الألفِ (١)، بمعنى: ولا يُكرِمُ القائلُ (٢) إذا ما ابتلاه ربُّه فأكْرَمه ونعَّمه: ربى أكرَمنى. وإذا قدر عليه رزْقَه: ربي أهانني - اليتيمَ، وَلا يَحُضُّونَ على طَعامِ المسكينِ. وكذلك يقرأُ الذين ذكَرْنا من أهلِ البصرةِ: (يُكْرِمُونَ). وسائرَ الحروفِ معها بالياءِ، على وجْهِ الخبرِ عن الذين ذكَرْتُ. وقد ذُكر عن بعضِهم أنه قرَأ: (تُحاضُّونَ). بالتاءِ وضمِّها وإثباتِ الألفِ، بمعنى: ولا تُحافظون (٣).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ هذه قراءاتٌ معروفاتٌ في قراءةِ الأمصارِ، أعنى القراءاتِ الثلاثَ الأُوَلَ (٤)، صحيحاتُ المعاني، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصِيبٌ.
وقوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وتأكُلون أيُّها الناسُ الميراثَ أكلًا لمًّا. يعنى: أكلًا شديدًا، لا تَترْكون منه شيئًا. وهو من قولِهم: لَممْتُ ما على الخِوَانِ أجمعَ، فأنا ألمُهُ لمًّا. إذا أكلتَ ما عليه، فأَتيتَ على جميعِه.
وبنحوِ الذي قلنا في [قولِه: ﴿التُّرَاثَ﴾] (٥)، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عمرُو بنُ سعيدِ بن يسارٍ القرشيُّ، قال: ثنا الأنصاريُّ، عن أشعثَ،
стр. 16324
عن الحسن: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: الميراثَ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾: أي الميراثَ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وكذلك في قولِه: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ: تأكلون أكلًا شديدًا (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: نَصيبَه ونصيبَ صاحبِه (١).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: اللَّمُّ: السَّفُّ، لفُّ كلِّ شيءٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾. أي: شديدًا (٢).
стр. 16325
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ: أكلًا شديدًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: الأَكْلُ اللَّمُّ: الذي يأكلُ كلَّ شيءٍ يجدُه لا يسألُ عنه (١)، يأكلُ الذي له، والذي لصاحبِه، كانوا لا يُورِّثون النساءَ، ولا يُورِّثون الصغارَ. وقرَأ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾. [النساء: ١٢٧] أي: لا تُورِّثونهم أيضًا، ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾: يأكلُ ميراثه، وكلُّ شيءٍ ولا يسألُ عنه، ولا يَدْرى أحلالٌ أم حرامٌ (٢).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. يقولُ: سَفًّا (٣).
حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيم البرقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمة التِّنِّيسيُّ (٤)، عن زُهيرٍ، عن سالمٍ، قال: سمعتُ بكرَ بن عبدِ اللهِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. قال: اللَّمُّ: الاعتداءُ في الميراثِ، يأكلُ ميراثَه وميراثَ غيرِه (٥).
стр. 16326
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾: وتحبُّون جمع المالِ أيُّها الناسُ واقتناءَه حبا كثيرًا شديدًا. من قولِهم: قد جمَّ الماءُ في الحوضِ. إذا اجتمع، ومنه قولُ زُهيرِ بن أَبي سُلْمى (١):
فلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ … وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. يقولُ: شديدًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾: تحبُّون كثرةَ المالِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾. قال: الجَمُّ الكثيرُ (٣).
стр. 16327
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. أي: شديدًا (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾: يُحِبُّون كثرة المال.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. قال: الجَمُّ: الشديدُ.
ويعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾: ما هكذا يَنْبغى أن يكونَ الأمرُ. ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن نَدَمِهم على أفعالِهم السيِّئةِ في الدنيا، وتلهُّفِهم على ما سلَف منهم، حينَ لا ينفعُهم الندمُ، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. يعنى: إذا رُجَتْ وزُلْزِلَت زلزلةً [بعدَ زلزلةٍ] (٢)، وحُرّكت تحريكًا بعدَ تحريكٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. يقولُ: تحريكُها (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى حرملةُ بنُ عمرانَ، أنه سمِع عمرَ مولى غُفْرَةَ يقولُ: إذا سمعتَ الله يقولُ: ﴿كَلَّا﴾. فإنما يقولُ: كذَبْتَ.
стр. 16328
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جاء ربُّك يا محمدُ والملائكةُ (١) صُفُوفًا؛ صفًّا بعدَ صفٍّ.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوهابِ، قالا: ثنا عوفٌ، عن أبي المنهالِ، عن شهرِ بن حوشبٍ، عن ابنُ عباسٍ ﵄ أنه قال: إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّتِ الأرضُ مدَّ الأديمِ، وزِيد في سَعَتِها كذا وكذا، وجُمِع الخلائقُ بصعيدٍ واحدٍ، جِنُّهم وإنسُهم، فإذا كان ذلك اليومُ قِيضَت (٢) هذه السماءُ الدنيا عن أهلِها فنُثِروا (٣) على وجْهِ الأرضِ، ولأهلُ هذه السماءِ وحدَهم أكثرُ من أهل الأرضِ؛ جِنِّهم وإنسِهم بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماءُ الثانيةُ، فلأَهلُ السماءِ الثانيةِ وحدَهم أكثرُ مِن أهلِ السماءِ الدنيا ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ؛ جنِّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ فَزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون: أفيكم ربُّنا؟ فيفزَعون من قولِهم ويقولون: سبحانَ ربِّنا! ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاضُ السماواتُ سماءً سماءً، كلما قِيضَت سماءٌ عن أهلِها كانت أكثرَ من أهلِ السماواتِ التي تحتَها، ومِن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجْهِ الأرضِ، فزِع إليهم أهلُ الأرضِ، فيقولون لهم مثلَ ذلك، ويَرْجِعون إليهم مثلَ ذلك، حتى تُقاضَ السماءُ السابعةُ، فلأهلُ السماءِ السابعةِ أكثرُ مِن أهلِ ستِّ سماواتٍ، ومن جميعِ أهلِ الأرضِ بضِعْفٍ، فيجِيءُ اللهُ فيهم والأممُ جُثًا صفُوفٌ، وينادِى منادٍ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ
стр. 16329
الكرَمِ، ليقُمِ الحمَّادون لله على كلِّ حالٍ. قال: فيقومون فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادى الثانيةَ: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ الكرمِ، أين الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]؟ فيقومون (١) فيَسْرَحون إلى الجنةِ، ثم ينادِى الثالثَة: ستعلمون اليومَ مَن أصحابُ (٢) الكرَمِ، أين الذين كانوا (١) ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. فيقومون فيَسْرحون إلى الجنةِ، فإذا أخَذ من هؤلاءِ الثلاثةِ (٣) خرَج عُنُقٌ مِن النارِ، فأشرَف على الخلائقِ، له عينان تُبْصِران، ولسانٌ فصيحٌ، فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بثلاثةٍ؛ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ. فيَلْقُطُهم مِن الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخيَّسُ (٤) بهم في جهنمَ، ثم يخرجُ ثانيةً فيقولُ: إنى وُكِّلْتُ منكم بمَن آذى الله ورسولَه. فيَلْقُطُهم لقطَ الطيرِ حبَّ السَّمْسمِ، فيُخَيَّسُ (٥) بهم في جهنمَ، ثم يخرجٌ ثالثةً - قال عوفُ: قال أبو المنهال: حسِبْتُ أنه يقولُ: وُكِّلْتُ بأصحابِ التصاويرِ. فيُلْقُطهم من الصفوفِ لقطَ الطيرِ حبَّ السِّمْسمِ، فيُخَيَّسُ (٦) بهم في جهنمَ، فإذا أُخِذ من هؤلاء الثلاثةِ، ومِن
стр. 16330
هؤلاء الثلاثةِ، نُشِرت الصحفُ، ووُضعت الموازينٌ، ودُعِى الخلائقُ للحسابِ (١).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الأجلحِ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ: إذا كان يومُ القيامةِ، أمَر اللهُ السماءَ الدنيا فتَشقَّقتْ (٢) بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ، فأحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ. ثم يَنزِلُ الملِكُ الأعلى، على مُجَنَّبتِه اليسرى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأَرضِ ندُّوا، فلا يأتون قُطْرًا من أقطارِ الأرضِ إلا وجَدوا سبعةَ صفوفٍ من الملائكةِ، فيَرْجعون إلى المكانِ الذي كانوا فيه، فذلك قولُ الله : ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣)(٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣]. وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. وقولُه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. وذلك قولُ اللهِ: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٤) [الحاقة: ١٦، ١٧].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ المدنيِّ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيِّ، عن رجلٍ مِن الأنصارِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "تُوقَفُون موقفًا واحدًا يومَ
стр. 16331
القيامةِ مقدارَ سبعينَ عامًا لا يُنْظَرُ إليكم ولا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى ينقَطِعَ الدمعُ، ثم تَدْمَعون دمًا، وتَبْكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلجِمَكم فتضِجُّون، ثم تقولون: مَن يَشفعُ لنا إلى ربِّنا، فيَقْضِيَ بيننا؟ فيقولون: من أحقُّ بذلك من أبيكم؟ جبَلَ اللهُ تُرْبتَه، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا. فيُؤْتَى آدمُ ﷺ فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيأْبَى، ثم يستَقْرئون (١) الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبَى". قال رسولُ اللهِ ﷺ : "حتى يأْتونِى، فإذا جاءونى خرَجْتُ حتى أتِىَ الفَحْصَ". قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، وما الفحصُ؟ قال: "قُدَّامُ العَرْشِ، فأخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللهُ إليَّ مَلَكًا، فيَأْخُذُ بعَضُدِى، فَيَرْفَعَنى ثم يقولُ اللهُ لى: يا محمدُ. فأقولُ: نعم. وهو أعلمُ فيقولُ: ما شأنُك؟ فأقولُ: يا ربِّ، وعَدْتَنى الشفاعةَ، فَشَفِّعْنى في خلْقِك فاقْضِ بينَهم. فيقولُ: قد شَفَّعتُك، أنا آتيكم فأقضِى بينكم". قال رسولُ اللهِ ﷺ : "فأَنْصَرِفُ حتى أقِفَ (٢) مع النَّاسِ، فبينا نحنُ وقوفٌ، سمِعْنا حِسًّا من السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بِمِثْلَىْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأرضِ أَشْرقتِ الأرضُ بنورِهم (٣)، وأخَذوا مصافَّهم، فقُلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماءِ الثَّانِيةِ بِمِثْلَىْ مَن نزَلَ مِن الملائكةِ، وبمِثْلَىْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأَرضِ، أشْرقتِ الأرضُ بنورِهم (٤)، وأخَذوا مصافَّهم، وقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟ قالوا: لا، وهو آتٍ. ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قَدْرِ ذلك من التضعيفِ (٥)، حتى نزل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن
стр. 16332
الغمام، والملائكة، ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحهم، يقولون: سبحان المَلِكِ ذى المَلَكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذى الجبروت، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحان الذي يميتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قدوسٌ ربُّ الملائكةِ والروحِ، قدوسٌ قدوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذى الجبروتِ والمَلَكوتِ والكبرياءِ والسلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا. [فينزِلُ بحمَلةِ] (١) عرشِه يومَئِذٍ ثمانيةً، وهم اليومَ أربعةٌ، أقدامُهم على (٢) تُخَومِ الأرضِ السفلى والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعَرْشُ على مناكبِهم، فوضع اللهُ عَرْشَه (٣) حيثُ شاء مِن الأَرضِ، ثم يُنادِى بنداءٍ يُسْمِعُ الخلائق، فيقولُ: يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إني قد أنصتُّ منذُ يومِ خلقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمعُ كلامَكم، وأبْصِرُ أعمالَكم، فأنْصِتوا إليَّ، فإنما هي صُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرأُ عليكم، فمن وجَد خيرًا فليحمَدِ الله، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومَنَّ (٤) إلا نفسَه. ثم يأمرُ اللهُ جهنمَ، فتُخْرِجُ منها عُنُقًا ساطعًا مُظْلِمًا، ثم يقولُ اللهُ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٣]، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فيتميَّزُ الناسُ ويَجْثُون، وهى التي يقولُ اللهُ : ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الحاثية: ٢٨]، فيَقْضِى اللهُ بينَ خَلْقِه؛ الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، فإنه ليُقِيدُ (٥) يومَئِذٍ للجَمَّاءِ مِن ذاتِ القُرونِ، حتى إذا لم
стр. 16333
تَبْقَ تَبِعَةٌ عندَ واحدةٍ لأُخرى، قال اللهُ ﵎: كونوا تُرابًا. فعندَ ذلك يقولُ الكافرُ: يا ليتنى كنتُ تُرابًا. ثم يَقْضِى اللهُ تعالى بينَ الجنِّ والإنس" (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾: صفوفُ الملائكةِ.
وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء اللهُ يومَئذٍ بجهنمَ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا مروان الفزاريُّ، عن العلاءِ بن خالدٍ الأسديِّ، عن شقيقِ بن سلمةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال: جيء بها تُقادُ بسبعينَ ألفَ زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ يقودونها (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن عاصمِ بن بهدلةَ، عن أبي وائلٍ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال: يُجاءُ بها يومَ القيامةِ تُقادُ بسبعينَ ألفَ زمامٍ (٣)، كلُّ زمامٍ [بيدِ سبعينَ] (٤) ألفَ مَلَكٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن قتادةَ، قال: [جنبتَيْه الجنةُ] (٥) والنارُ. قال: هذا حينَ ينزِلُ مِن عرشِه إِلى كُرْسِيِّه لحسابِ خلْقِه. وقرَأ: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.
стр. 16334
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن أبانِ (١): ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾. قال: جيء بها مزمومةً (٢).
وقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومئذٍ يتذكرُ الإنسانُ تفريطَه في الدنيا في طاعةِ اللهِ، وفيما يقرِّبُ إليه مِن صالحِ الأعمالِ، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: و (٣) مِن أيِّ وجْهٍ له التذكُّرُ (٤)!
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. يقولُ: وكيف له (٥)!
القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن تلهُّفِ ابن آدم [وحزنِه] (٦) يومَ القيامةِ، وتندُّمِه على تفريطِه في الصالحاتِ مِن الأعمالِ في الدنيا التي تُورِثُه بقاءَ الأبدِ، في نعيمٍ لا انقطاعَ له: يا ليتني قدمتُ في الدنيا من صالحِ الأعمالِ لحياتي هذه التي لا موتَ
стр. 16335
بعدَها، ما يُنْجينى مِن غضبِ اللهِ ويُوجِبُ لى رِضوانَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال: علِم واللهِ أنه لصادقٌ، هنالك حياةٌ طويلةٌ لا موتَ فيها، آخر ما عليه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾: هُناكم واللهِ الحياةُ الطويلةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. قال: الآخرةِ (٢).
وقولُه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾.
أجمعتِ القرأةُ؛ قرأةُ الأمصارِ في قراءةِ ذلك على كسرِ الذالِ من ﴿يُعَذَّبُ﴾، والثاءِ من ﴿يُوثِقُ﴾ (٣)، خلا الكسائيِّ؛ فإنه قرَأ ذلك بفتحِ الذالِ والثاءِ (٤)، اعتلالًا منه بخبرٍ رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قرأه كذلك - واهي الإسنادِ.
حدَّثنا به (٥) ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن خارِجةَ، عن خالدٍ
стр. 16336
الحذَّاء، عن أبي قِلابةَ، قال: ثنى مَن أقرَأه النبيُّ ﷺ : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ الذالِ والثاءِ (٢)؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: فيومَئذٍ لا يعذِّبُ كعذابِ اللهِ أحدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ [كوَثَاقِ اللهِ] (٣) أحدٌ في الدنيا، وكذلك تأوَّله قارئو ذلك كذلك مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ (٤) أَحَدٌ﴾: [لا يعذِّبُ عَذَابَ اللهِ أحدٌ، ولا يُوثِقُ وثاقَ اللهِ أحدٌ] (٥).
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. قال: قد علم اللهُ أنَّ في الدنيا عذابًا ووَثاقًا، فقال: فيومئذ لا يعذِّبُ عذابَه أحدٌ في الدنيا، ولا يُوثِقُ وثاقَه أحدٌ في الدنيا (٦).
стр. 16337
وأمَّا الذي قرَأ ذلك بالفتحِ؛ فإنه وجَّه تأويلَه إلى: فيومئذٍ لا يعذَّبُ أحدٌ في الدنيا كعذابِ اللهِ يومَئِذٍ، ولا يُوثَقُ أحدٌ في الدنيا كوَثَاقِه يومئذٍ. وقد تأوَّل ذلك بعضُ مَن قرَأ ذلك كذلك بالفتحِ مِن المتأخرين: فيومئذٍ لا يعذَّبُ عذابَ الكافِرِ أحدٌ ولا يُوثَقُ وَثاقَ الكافر أحدٌ. وقال: وكيف يجوزُ الكسرُ، ولا معذِّبَ يومئذٍ سوى الله؟! وهذا من التأويلِ غلطٌ؛ لأنَّ أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بخلافِ ذلك، مع إجماعِ الحجةِ من القرأةِ على قراءتِه بالمعنى الذي جاء به تأويلُ أهلِ التأويلِ، وما أحسَبه دعاه إلى قراءةِ ذلك كذلك، إلا ذهابُه عن وجْهِ صحتِه في التأويلِ.
وقوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الملائكةِ لأوليائِه يوم القيامةِ: يأيَّتُها النفسُ المطمئنةُ. يعنى بالمطمئنةِ التي اطمأنَّت إلى وعدِ اللهِ الذي وعَد أهلَ الإيمانِ به في الدنيا، مِن الكرامةِ في الآخرةِ، فصدَّقت بذلك.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. يقولُ: المُصَدِّقةُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾: هو المؤمنُ اطمأنَّت نفسُه إلى ما وعَد اللهُ ﵎ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ في
стр. 16338
قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المطمئنةُ إلى ما قال اللهُ، والمُصَدِّقة بما قال اللهُ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك (٢): الموقِنةُ بأنَّ الله رَبُّها، المسلِّمةُ لأمرِه فيما هو فاعلٌ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: النفسُ التي أَيْقَنَت أَنَّ الله ربُّها، وضرَبَتْ جأْشًا لأمرِه وطاعتِه (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ (٤): ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: أيقَنَت بأنَّ الله ربُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المُنيبةُ (٥) المُخْبِتةُ التي قد أيقَنَت أنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:
стр. 16339
﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: أيقَنَت بأنَّ الله رَبُّها، وضربَتْ لأمرِه جَأْسًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المُخْبِتةُ المطمئنةُ إلى اللهِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: التي قد أيقنت بأنَّ الله ربُّها، وضربَتْ لأمرِه جأْشًا.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: المُخْبِتةُ.
حدَّثني سعيدُ بن الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾. قال: التي قد أيقَنَت بلقاءِ اللهِ، وضرَبتْ له جأْشًا.
وذكر أنَّ ذلك في قراءةِ أُبيِّ: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ).
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا خلَّادُ بن أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ، عن هارونَ القارِى، قال: ثنى هلالٌ، عن أبي شيخٍ الهُنائيِّ: في قراءةِ أُبيِّ: (يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الآمِنَةُ الْمُطْمَئِنَّةُ). وقال الكلبي: إِنَّ الآمنة في هذا الموضعِ يعنى به المؤمنةَ (٢).
وقيل: إنَّ ذلك قولُ الملَكِ للعبدَ عندَ خروجِ نَفْسِه يبشرُه برضا ربِّه عنه، وإعدادِه ما أعَدَّ له من الكرامةِ عندَه.
стр. 16340
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، [عن أشعثَ] (١)، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قُرئت ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ عندَ النبيِّ ﷺ ، فقال أبو بكرٍ: إن هذا لحسنٌ. فقال رسولُ الله ﷺ :: "أَمَا إِنَّ الملَكَ سيقولُها لك عندَ الموتِ" (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: هذا يومَ القيامةِ (٣).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عن أُسامةَ بن زيدٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، قال: بُشِّرت بالجنةِ عندَ الموتِ، ويومَ الجمعِ، وعندَ البعثِ (٤).
وقولُه: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن قيلِ الملائكةِ لنفسِ المؤمنِ عندَ البعثِ، تأمرُها أَنْ تَرْجِعَ في جسدِ صاحبِها. قالوا: وعُنِى بالربِّ ههنا صاحبُها.
стр. 16341
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. قال: تُرَدُّ الأرواحُ المطمئنةُ يومَ القيامة في الأجسادِ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه : ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾: يأمرُ اللهُ الأرواحَ يومَ القيامةِ أنْ ترْجِعَ إلى الأجسادِ، فيأتون الله كما خلَقهم أوَّلَ مرَّةٍ (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾. قال: إلى الجسدِ (٣).
وقال آخرون: بل يقالُ ذلك لها عندَ الموتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾. قال: هذا عندَ الموتِ، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: هذا يوم القيامةِ (٤).
وأولى القولين في ذلك بالصواب القولُ الذي ذكَرْناه عن ابن عباسٍ والضحاكِ؛ أن ذلك إنما يقالُ لهم عندَ ردِّ الأرواحِ في الأجسادِ يومَ البعثِ، لدلالةِ
стр. 16342
قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. [على صحة ذلك، وأنَّ دخولَها الجنَّةَ إنَّما هو يومئذٍ لا قبلَ ذلك.
وقولُه: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾] (١). اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فادْخلي في عبادي الصالحين، وادخُلي جنتي.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: اُدْخُلى في عبادى الصالحين، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: فادْخُلِي في طاعتِي وادْخلِى جَنَّتي.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نعيمِ بن ضَمْضَمٍ، عن محمدِ بن مزاحمٍ أخى الضحاكِ بن مُزاحمٍ: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾. قال: في طاعتي، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. قال: في رحمتي.
وكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ البصرةِ (٣) يوجِّهُ معنى قولِه: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ إلى: فادخُلي في حزبي.
وكان بعضُ أهل العربية من أهلِ الكوفةِ (٤) يتأوَّلُ ذلك: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ بالإيمانِ، والمصدِّقة بالثوابِ والبعثِ ﴿ارْجِعِي﴾. تقولُ لهم الملائكةُ إذا
стр. 16343
أُعطُوا كتبَهم بأيمانِهم: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، إلى ما أعدَّ اللهُ لكِ مِن الثوابِ. قال: وقد يكونُ (١) أنْ تقولَ لهم (٢) هذا القولَ ينْوون: ارْجِعوا من الدنيا إلى هذا المرجعِ. قال: وأنت تقولُ للرجلِ: ممَّن أنت؟ فيقولُ: مُضَرِيٌّ. فتقولُ: كنْ تميميًّا أو قيسيًّا. أي: أنت مِن أحدِ هذين، فتكونُ "كن" صلةً، كذلك الرجوعُ يكونُ صلةً؛ لأنه قد صار إلى القيامة، فكان الأمرُ بمعنى الخبرِ، كأنه قال: أيَّتُها النفسُ، أنت راضيةٌ مرضيةُ.
وقد رُوِى عن بعضِ السلف أنه كان يقرَأُ ذلك: (فادْخُلِي فِي عَبْدِى وادْخُلِي جَنَّتِي) (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم بنُ سلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن أبانِ بن أبي عياشٍ، عن سليمانَ بن قتَّةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قرَأها: (فادْخُلِي فِي عَبْدِى). على التوحيدِ (٤).
حدَّثنا خلَّادُ بن أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شميلٍ، عن هارونَ القارِى، قال: ثنا هلالٌ، عن أبي شيخٍ الهنائيِّ [في قراءةِ أبيٍّ] (٥): (فَادْخُلِي فِي عَبْدى) وفي قولِ الكَلْبيِّ: (فَادْخُلِي فِي عَبْدى). يعنى: الروحُ ترجِعُ إلى (٦) الجسدِ (٧).
стр. 16344
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ بمعنى: فادْخُلى في عبادى الصالحين؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والفجرِ"
стр. 16345
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسيرُ سورةِ "البلدِ"
القولُ في تأويل قوله : ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أُقسِمُ يا محمدُ بهذا البلدِ الحرامِ.
وهو مكةُ، وكذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يعنى: مكةَ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ:
стр. 16346
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ.
حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. [قال: هي] (١) مكةُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: البلدُ مكةُ (٢).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يعنى: مكةَ] (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: مكةَ (٤).
وقولُه: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (٥). يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : الله وأنت يا محمدُ حِلٌّ بهذا البلدِ؛ يعنى مكةَ، يقولُ: أنت به حلالٌ تصنعُ فيه مِن قَتْلِ من أردْتَ قتلَه، وأَسْرِ مَن أردْتَ أَسرَه، مُطْلَقٌ ذلك لك. يقالُ منه: هو حِلٌّ وهو حلالٌ، وهو جرْمٌ وحرامٌ، وهو مُحِلٌّ، ومُحرِمٌ، وأحلَلْنا، وأحرمْنا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
стр. 16347
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: يعنى بذلك نبيَّ اللهِ ﷺ ، أحلَّ اللهُ له يومَ دخَل مكةَ أنْ يقتُلَ مَن شاء، ويستَحيِيَ مَن شَاء، فقتَل يومَئِذٍ ابنَ خَطَلٍ صَبْرًا وهو آخِذٌ بأستارِ الكعبةِ، فلم يَحِلَّ لأحدٍ مِن الناسِ بعدَ رسولِ الله ﷺ أنْ يقتُلَ فيها حرامًا حرَّمه اللهُ، فأحلَّ اللهُ له ما صنَع بأهلِ مكةَ، ألم تَسمَعْ أنْ الله قال في تحريمِ الحرمِ (١): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. يعنى بالناسِ أهلَ القبلةِ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: ما صنعت فأنت في حِلٍّ [حينَ نأمُرُ بالقتالِ] (٣)(٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحِلَّ لرسول الله ﷺ ما صنَع فيه ساعةً (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحِلَّ له أنْ يصنَع فيه ما شاء (٦).
стр. 16348
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، [عن مجاهدٍ] (١): ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحلت لرسول الله ﷺ ، قال: اصنعْ فيها ما شئتَ.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أنت في (٢) حِلٍّ مما صنعتَ فيه (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: أُحِلَّ لك يا محمدُ ما صنعتَ في هذا البلدِ من شيءٍ. يعنى مكةَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: لا تُؤَاخَذُ بما عمِلتَ فيه، وليس عليك فيه ما على الناس (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يقولُ: [نقيٌّ لا حَرِجٌ ولا آثمٌ] (٥).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ
стр. 16349
بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. يقولُ: أنت به حِلٌّ لست بآثمٍ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: لم يكنْ بها أحدٌ حِلًّا غيرَ النبيِّ ﷺ ، كلُّ مَن كان بها كان (٢) حرامًا، لم يَحِلُّ لهم أنْ يُقاتِلوا فيها، ولا يستحلُّوا حُرمةً، فأحلَّه اللهُ لرسولِه ﷺ ، فقاتَل المشركين فيه (٣).
حدَّثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. قال: إِنَّ اللهَ جلَّ وعزَّ حرَّم مكةَ، لم تَحِلَّ لنبيٍّ إلا نبيَّكم ساعةً من نهارٍ (٤).
[حدَّثنا المَرْوَزِيُّ] (٥)، عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: يعني محمدًا ﷺ ، يقول: أنت حِلٌّ بالحرمِ، فاقتُلْ إنْ شئتَ، أو دَعْ (٦).
وقولُه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأُقسِمُ بوالدٍ وبولدِه الذي ولَد.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بذلك من الوالدِ وما ولَد؛ فقال
стр. 16350
بعضُهم: عُنِى بالوالدِ: كلُّ والدٍ، وبقوله: ﴿وَمَا وَلَدَ﴾: كلُّ عاقرٍ لم يلِدْ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن شريكٍ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: الوالدُ: الذي يلِدُ، وما ولَد: العاقرُ الذي لا يُولَدُ له (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: العاقِرُ والتي (٢) تلدُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضر بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ قال: العاقرُ] والتي تلِدُ] (٣)(٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه،، عن ابن عباسٍ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: هو الوالدُ وولدُه.
وقال آخرون: عُنِى بذلك آدمُ وولدُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. قال: الوالدُ: آدمُ، وما ولَد: ولدُه.