← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 16381–16420 · переход к 16386.

стр. 16381

إذا غَشِيها النهارُ (١). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يتأوَّلُ ذلك بمعنى: (٣) والنهارِ إذا جَلَّى الظلمةَ. ويجعلُ الهاءَ والألفَ مِن ﴿جَلَّاهَا﴾ كنايةً عن الظلمةِ، ويقولُ: إنما جاز الكنايةُ عنها، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ؛ لأنَّ معناها معروفٌ، كما يُعرفُ معنى قولِ القائلِ: أصبَحت باردةً، وأمسَت باردةً، وهبَّت شَمالًا. فكنَّى (٤) عن مؤنَّثاتٍ لم يَجْرِ لها ذكرٌ، إذ كان معروفًا معناهنَّ. والصوابُ عندى في ذلك ما قال أهلُ العلمِ الذين حكَينا قولَهم؛ لأنهم أعلمُ بذلك، وإن كان للذى (٥) قاله مَن ذكَرنا قولَه من أهلَ العربيةِ وجهٌ. وقولُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والليلِ إذا يغشى الشمسَ حتى تغيبَ فتُظلِمَ الآفاقُ. وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾: إِذا غَشِيَها (٦) الليلُ (١). وقولُه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: والسماءِ ومَنْ بناها. يعنى: ومَنْ خلَقها. وبناؤُه إياها [تصييرُه إياها] (٧) للأرضِ سقفًا.

стр. 16382

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾: وبناؤها خلقُها (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾. قال: اللهُ بنَى السماءَ (٢). وقيل: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾. وهو جلَّ ثناؤُه بانيها، [فوضَع "ما"] (٣) موضعَ "مَنْ"، كما قال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]. [فوضَع "ما"] (٤) في موضعِ "مَنْ"، ومعناه: ومَن ولَد؛ لأنه قَسَمٌ، أقسَم بآدمَ وولدِه، وكذلك قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]. وقولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]. وإنما هو: فانكِحوا مَنْ طاب لكم. وجائزٌ توجيهُ ذلك إلى معنى المصدرِ، كأنه قيل (٥): والسماءِ وبنائِها (٦)، ووالدٍ وولادتِه. وقولُه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. وهذه أيضًا نظيرُ التي قبلَها، ومعنى الكلامِ: والأرضِ ومَنْ طحاها. ومعنى قولِه: ﴿طَحَاهَا﴾: بسَطها يمينًا وشمالًا ومن كلِّ جانبٍ.

стр. 16383

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿ضُحَاهَا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والأرضِ وما خلَق فيها (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾: يقولُ: وما خلَق فيها (٢). وقال آخرون: يعنى بذلك: وما بسَطها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، [قال: أخبرنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. قال: بسَطها (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ] (٤)، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. قال: دحاها (٥). وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. قال: بسَطها (٦).

стр. 16384

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما قسَمها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. يقولُ: قسَمها (١). وقولُه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٢). يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ نفسَه جلَّ وعلَا؛ لأنه هو الذي سوَّى النفوسَ (٣) وخلَقها فعدَّل خلقَها، فوضَع "ما" موضعَ "مَنْ". وقد يَحتملُ أن يكونَ معنى ذلك أيضًا المصدرَ، فيكونُ تأويلُه: ونفسٍ وتسويتِها. فيكونُ القسَمُ بالنفسِ وبتسويتِها. وقولُه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبيَّن لها ما ينبغِى لها أن تأتىَ أو تذرَ؛ من خيرٍ أو شرٍّ، و (٤) طاعةٍ أو معصيةٍ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال عامةُ أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. يقولُ: بيَّن الخيرَ والشرَّ (١).

стр. 16385

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: علَّمها الطاعةَ والمعصيةَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: عرَّفها (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: فبيَّن لها فجورَها وتقواها (٣). وحُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: بيَّن لها الطاعةَ والمعصيةَ (٤). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: أعلَمها المعصيةَ والطاعةَ (٥). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الضحاكِ بن مزاحمٍ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: الطاعةَ والمعصيةَ.

стр. 16386

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله جعَل فيها ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قال: جعَل فيها فجورَها وتقواها (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عيسى وأبو عاصمٍ النبيلُ، قالا: ثنا عَزْرَةُ (٢) بنُ ثابتٍ، قال: ثنى يحيى بنُ عُقَيلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: قال لى عمرانُ بنُ حُصينٍ: أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون فيه، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضَى عليهم؛ من قَدَرٍ قد سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، ﷺ وأُكِّدت عليهم الحجةُ؟ قلتُ: بل شيءٌ قُضِىَ عليهم. قال: فهل يكونُ ذلك ظلمًا؟ قال: ففزِعتُ منه فزعًا شديدًا. قال: قلتُ له: ليس شيءٌ إلا وهو خَلْقُه ومِلْكُ يدِه، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. قال: سدَّدك اللهُ، إنما سأَلتُك - [قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: أظنُّه قال] (٣) -: لأخْبُرَ عقلَك؛ إن رجلًا من مُزَينةَ - أو جُهَينةَ - أَتَى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأَيتَ ما يعملُ الناسُ فيه ويتكادَحون، أشيءٌ قُضِىَ عليهم ومضى عليهم؛ من قَدَرٍ سبَق، أو فيما يستقبِلون مما أتاهم به نبيُّهم، وأُكِّدت به عليهم الحجةُ؟ قال: "في شيءٍ قد قُضِىَ عليهم". قال: ففيمَ نعملُ؟ قال: "مَن كان اللهُ خلقه لإحدَى المنزِلتَين يُهيِّئُه لها، وتصديقُ ذلك في كتاب اللهِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ " (٤).

стр. 16387

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾. قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. يقولُ: قد أفلَح مَن نَمَّى (١) اللهُ نفسَه [فكثَّرها بتطهيرِها] (٢) مِن الكفرِ والمعاصى، وأصلَحها بالصالحاتِ من الأعمالِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسُه (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ [وعكرمةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. قالوا: مَن أصلَحها (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدٍ بن جبيرٍ] (٥). ولم يذكُرْ عكرمةَ.

стр. 16388

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾: [مَن عمِل خيرًا زكَّاها بطاعةِ اللهِ (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾]. (٢) قال: قد أفلَح من زكَّى نفسَه بعملٍ صالحٍ (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. يقولُ: قد أفلَح مَن زكَّى اللهُ نفسَه. وهذا هو موضعُ القسَمِ، كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسَمُ ههنا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٢). وقد ذكَرتُ ما يقولُ أهلُ العربيةِ في ذلك فيما مضَى من نظائرِه قبلُ (٤). وقولُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وقد خاب في طَلِبتِه، فلم يُدرِكْ ما طلَب والتمَس لنفسِه مِن الصلاحِ، ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾. يعنى: مَن دَسَّس اللهُ نفسَه فأَخْمَلها (٥)، ووضَع منها بخِذلانِه إياها عن الهُدى، حتى ركِب المعاصىَ وترَك طاعةَ اللهِ. وقيل: ﴿دَسَّاهَا﴾ وهى "دَسَّسها"، فقُلِبت إحدى سيناتِها ياءً، كما قال العجَّاجُ (٦):

стр. 16389

تَقَضِّىَ البازِى إذا البازِى كسَرْ يريدُ: تَقَضُّضَ. وتظنَّيتُ هذا الأمرَ، بمعنى: تظنَّنْتُ. والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا، فتُبدلُ في الحرفِ المشددِ بعضَ حروفِه؛ أحيانًا ياءً، وأحيانًا واوًا، ومنه قولُ الآخَرِ (١): يذهبُ بى في الشِّعرِ كلَّ فنِّ حتى يردِّ عنِّىَ التظنِّى يريدُ: التظنُّنَ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. يقولُ: وقد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه فأضلَّه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: يعنى تكذيبَها (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال أحدُهما: أغواها. وقال الآخَرُ:

стр. 16390

أضلَّها. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال: مَن أضلَّها. وقال سعيدٌ: مَن أغواها. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال: مَن أغواها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. قال: أثَّمها وأفجَرها. حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. يقولُ: قد خاب مَن دَسَّى اللهُ نفسَه. وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. يقولُ: كذَّبت ثمودُ بطغيانِها. يعنى: بعذابِها الذي وعَدهموه صالحٌ، فكان ذلك العذابُ طاغيًا طغَى عليهم، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن] (٣) أهلِ التأويلِ، وإن كان فيه اختلافٌ بين أهلِ التأويلِ.

стр. 16391

ذكرُ مَن قال القولَ الذي قلناه في ذلك حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا الوليدُ بنُ سَلَمَةَ الفِلَسْطينيُّ، قال: ثنى يزيدُ بنُ سَمُرةَ المَذْحِجِيُّ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: اسمُ العذابِ الذي جاءها الطَّغْوَى، فقال: كذَّبت ثمودُ بعذابِها (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. أي: بالطغيانِ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: كذَّبت ثمودُ بمعصيتِهم الله. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: معصيتها (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: بطغيانِهم (٤) وبمعصيتِهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بأجمَعِها.

стр. 16392

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ وابنُ لَهِيعةَ، عن عُمارةَ بن غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رِفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ أنه قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. قال: بأجمعِها (١). حدَّثني ابن عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا ابن أبى مريمَ، قال: أخبَرنى يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى عُمارةُ بنُ غَزِيَّةَ، عن محمدِ بن رفاعةَ القُرَظيِّ، عن محمدِ بن كعبٍ مثلَه. وقيل: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾. بمعنى طغيانِهم، وهما مصدران؛ للتوفيقِ بينَ رءوسِ الآى، إذ كانت الطَّغْوَى أشبهَ بسائرِ رءوسِ الآياتِ في هذه السورةِ، وذلك نظيرُ قولِه: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس: ١٠]. بمعنى: وآخِرُ دعائِهم. وقولُه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. يقولُ: إذ ثار أشقَى ثمودَ، وهو قُدَارُ بنُ سالفَ. كما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الطُّفاويُّ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن زَمعةَ، قال: خطَب رسولُ اللهِ ﷺ ، فذكَر في خُطبتِه الناقةَ والذي عقَرها، فقال: " ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعَث لها رجلٌ عزيزٌ [عارمٌ، منيعٌ] (٢) في رهطِهِ، مثلَ أبى (٣) زمعة" (٤).

стр. 16393

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. يقولُ: أُحَيْمِرُ (١) ثمودَ (٢). وقولُه: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه صالحًا رسولَه ﷺ ، فقال لثمودَ صالحٌ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: احذَروا ناقةَ اللهِ وسُقياها. وإنما حذَّرهم سُقْيا الناقةِ؛ لأنه كان تقدَّم إليهم عن أمرِ اللهِ أن للناقةِ شِرْبَ يومٍ، ولهم شِرْبَ يومٍ آخرَ غيرِ يومِ الناقةِ، على ما قد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ (٣). وكما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾: قَسْمُ اللهِ الذي قسَم لها من هذا الماءِ (٢). وقولُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. يقول: فكذَّبوا صالحًا في خبرِه الذي أخبَرهم به، من أن الله جعَل شِرْبَ الناقةِ يومًا، ولهم شِربَ يومٍ معلومٍ، وأن الله يُحِلَّ بهم نقمتَه إن هم عقَروها، كما وصَفهم جلَّ ثناؤُه فقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤]. وقد يَحتملُ أن يكونَ التكذيبُ بالعَقْرِ، وإذا كان ذلك كذلك، جاز تقديمُ التكذيبِ قبلَ العقرِ، والعقرِ قبلَ التكذيبِ، وذلك أن كلَّ فعلٍ وقَع عن سببٍ، حسُن ابتداؤُه قبلَ السببِ وبعدَه، كقولِ القائلِ: أعطَيتَ فأحسَنتَ، وأحسَنتَ فأعطَيتَ. لأن الإعطاءَ هو الإحسانُ، ومن الإحسانِ الإعطاءُ، فكذلك لو كان العَقْرُ هو سببَ التكذيبِ، جاز تقديمُ أيِّ ذلك شاء المتكلمُ، وقد زعَم بعضُهم (٤) أن قولَه: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ كلمةٌ مكتفيةٌ بنفسِها، وأن

стр. 16394

قولَه: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. فكأنه قيل: إذ انبعَث أشقاها فعقَرها. [وإن أَشكَل على مُشْكَلٍ عليه معنى قولِه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾] (١). فقال: وكيف قيل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. وقد كان القومُ قبلَ قتلِ الناقةِ مُسلِّمين لها شِرْبَ يومٍ ولهم شربَ يومٍ آخرَ؟ قيل: جاء الخبرُ أنهم بعدَ تسليمِهم ذلك أجمَعوا على منعِها الشِّرْبَ ورضُوا بقتلِها، وعن رضا جميعِهم قَتَلها قاتلَها وعقَرها مَن عقَرها؛ ولذلك نُسِب التكذيبُ والعَقْرُ إلى جميعِهم، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾. وقولُه: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فدمَّر (٢) عليهم ربُّهم، [وذلك] (٣) بكفرِهم به، وتكذيبِهم رسولهَ صالحًا، وعَقْرِهم ناقتَه، ﴿فَسَوَّاهَا﴾. يقولُ: فسوَّى الدَّمْدَمةَ عليهم جميعًا، فلم يُفْلِتْ منهم أحدٌ. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾: ذُكِر لنا أن أُحَيمِرَ ثمودَ أبَى أن يعقِرَها حتى تابِعه (٤) صغيرُهم وكبيرُهم، [وذكَرُهم] (٥) وأنثاهم، فلما اشترَك القومُ في عَقْرِها دَمْدَمَ اللهُ عليهم بذنبِهم فسوَّاها (٦). حدَّثني بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو (٧) قُتيبةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمِعتُ

стр. 16395

الحسنَ يقولُ: لما عقَروا الناقةَ طلَبوا فَصِيلَها، فصار في قارَةِ الجبلِ، فقطَع اللهُ قلوبَهم (١). وقولُه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: لا يخافُ اللهُ تَبعةَ دمدمتِه عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لا يخافُ اللهُ من أحدٍ تَبِعةً (٢). حدَّثني إبراهيمُ بنُ المستمرِّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمرَ (٣)، قال: ثنا عمرُ بنُ مزيدٍ (٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: ذاك ربُّنا ﵎، لا يخافُ منهم (٥) تَبِعةً بما (٦) صنَع بهم (٧). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمَرَ (٨) بن منبِّهٍ - قال أبو جعفرٍ الطبريُّ: هكذا هو في كتابى - قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: ذلك الربُّ، صنَع ذلك بهم ولم يخَفْ تَبِعَةً.

стр. 16396

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لا يخافُ تَبِعتَهم. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. يقولُ: لا يخافُ أَن يُتْبَعَ بشيءٍ مما صنَع بهم (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال محمدُ بنُ عمرٍو في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها. وقال الحارثُ في حديثِه: اللهُ لا يخافُ عُقباها (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا [رزِينُ بنُ سليمانَ] (٣)، قال: سمِعتُ بكرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لا يخافُ اللهُ التَّبِعةَ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخَفِ الذي عقَرها عُقباها. أي: عُقبَى فَعْلَتِه التي فعَل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، قال: ثنا الضحاكُ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال: لم يخَفِ الذي عقَرها عُقْباها (٤).

стр. 16397

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. قال (١): لا يخافُ الذي صنَع عقبى ما صنَع (٢). واختلَفت القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والشامِ: (فلا يخافُ عُقْباها) بالفاءِ (٣)، وكذلك ذلك في مصاحفِهم (٤). وقرَأته عامةُ قرأةِ العراقِ في المِصرَين بالواوِ: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ (٥). وكذلك هو في مصاحفِهم (٤). والصوابُ من القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان غيرُ مختلِفتى المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. واختلَفت القرأةُ في إمالةِ ما كان من ذواتِ الواوِ في هذه السورةِ وغيرِها؛ وذلك كقولِه ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾. ونحوِ ذلك؛ فكان يَفتحُ ذلك كلَّه عامةُ قرأةِ الكوفِة، ويُميلون ما كان من ذواتِ الياءِ، غيرَ عاصمٍ والكسائيِّ؛ فإن عاصمًا كان يفتَحُ جميعَ ذلك، ما كان منه من ذواتِ الواوِ وذواتِ الياءِ، لا يُضْحِعُ (٦) شيئًا منه. وكان الكسائيُّ يكسِرُ ذلك كلَّه (٧). وكان أبو عمرِو ينظُرُ إلى اتساقِ رءوسِ الآى، فإن كانت متسقةً على شيءٍ واحدٍ أمال جميعَها. وأما عامةُ قرأة المدينةِ، فإنهم لا يُميلون شيئًا من ذلك الإمالةَ الشديدةَ، ولا يفتَحونه الفتحَ الشديدَ، ولكن بينَ ذلك (٨).

стр. 16398

وأفصحُ ذلك وأحسنُه أن يُنظرَ إلى ابتداءِ السورةِ؛ فإن كانت رُءوسُ آيِها بالياءِ أُجْرِىَ جميعُها بالإمالةِ غيرِ الفاحشةِ (١)، وإن كانت رءوسُ آيِها بالواوِ فُتِحت وأُجرِى جميعُها بالفتحِ غيرِ الفاحشِ، وإذا انفرَد نوعٌ مِن ذلك في موضعٍ، أُمِيلَ (٢) ذواتُ الياءِ الإمالةَ المعتدلةَ، وفُتِح ذواتُ الواوِ الفتحَ المتوسِّطَ، وإن أُمِيلت هذه وفُتِحت الأخرى لم يكنْ لحنًا، غيرَ أن الفصيحَ (٣) من الكلامِ هو الذي وصَفنا صفتَه. آخرُ تفسيرِ سورةِ "والشمسِ وضحاها".

стр. 16399

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسيُر سورةِ "والليلِ إذا يغشَى" القولُ في تأويلِ قولِه : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مُقسِمًا بالليلِ إذا غشَّى النهارَ ظُلْمتُه فأذهَب ضوءَه وجاءت ظُلمتُه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ النهارَ، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. وهذا أيضًا قسمٌ؛ أقسَم بالنهارِ إذا هو أضاء فأنار، وظهَر للأبصارِ ما كانت ظلمةُ الليلِ قد حالت بينَها وبينَ رؤيتِه وإتيانِه إياه (١) عِيانًا. وكان قتادةُ يذهبُ فيما أقسَم اللهُ به من الأشياءِ أنه إنما أقسَم به لعِظَمِ شأنِه عندَه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قال: آيتان عظيمتان يكرِّرُهما (٢) اللهُ على الخلائقِ (٣). وقولُه: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. مُحْتَمِلٌ الوجهَين اللذَين وصفتُ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٥، ٦]. وهو أن تُجعلَ "ما" بمعنى "مَنْ"، فيكونُ ذلك قسمًا من اللهِ جلَّ ثناؤُه بخالقِ الذكرِ

стр. 16400

والأنثى، وهو ذلك (١) الخالقُ، وأن تُجعلَ "ما" مع ما بعدَها بمعنى المصدرِ، ويكونُ قسمًا بخلقِه الذكرَ والأنثى. وقد ذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبى الدرداءِ أنهما كانا يقرَآن ذلك: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. ويأثُرُه أبو الدرداءِ عن رسولِ اللهِ ﷺ . ذكرُ الخبرِ بذلك (٢) حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: في قراءةِ عبدِ اللهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٣). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا هشامُ بنُ عبد الملكِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرنى المغيرةُ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ: أتى علقمةُ الشامَ، فقعَد إلى أبى الدرداءِ، فقال: ممن أنت؟ فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ. فقال: كيف كان عبدُ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟ فقلتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. فقال: فما زال هؤلاء حتى كادوا يستضِلُّوننى، وقد سمِعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 16401

حدَّثنا محمدُ (١) بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَردانَ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: أتيتُ الشامَ، فدخَلتُ على أبى الدرداءِ، فسأَلنى فقال: كيف سمِعتَ ابنَ مسعودٍ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟ قال: قلتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال: كذاك (٢) سمِعتُها من رسولِ اللهِ ﷺ يقرؤُها. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، وحدَّثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ بن قَيسٍ، قال: قَدِمتُ الشامَ، فلَقِيتُ أبا الدرداءِ، فقال: من أينَ أنت؟ فقلتُ: من أهلِ العراقِ. قال: من أيِّها؟ قلتُ: من أهلِ الكوفةِ. قال: هل تقرأُ (٣) قراءةَ ابن (٤) أمِّ عبدٍ؟ قلتُ: نعم. قال: اقرَأْ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. قال: فقرَأتُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال: فضحِك، ثم قال: هكذا سمِعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ (٥). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: أخبَرنا داودُ، عن عامرٍ، عن علقمةَ، عن أبي الدرداءِ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٦). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: قدِمنا الشامَ، فأَتانا أبو الدرداءِ، فقال: أفيكم أحدٌ يقرأُ عليَّ قراءةَ

стр. 16402

عبدِ اللهِ؟ قال: فأشاروا إليَّ. قال: قلتُ: أنا. قال: فكيف سمعتَ عبدَ اللهِ يقرأُ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ [قلتُ: سمِعتُه يقرأُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ - ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾] (١). قال: وأنا هكذا سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ (٢)، فهؤلاء يُريدوننى (٣) على أنْ أقرأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ (٤). فلا (٥) أتابعُهم (٦). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾. قال: في بعضِ الحروفِ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٧). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه. حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ أنه كان يقرَؤُها: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٨). يقولُ: والذي خلق [الذكر] (٩) [والأنثى] (١٠). قال هارونُ: قال أبو عمرٍو: وأهلُ مكةَ يقولون للرعدِ: سبحانَ ما سبَّحْتَ له! (١١).

стр. 16403

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن [المغيرةِ بن مِقْسَم] (١) الضَّبِّيِّ، عن إبراهيمَ بن يزيدَ النَّخَعِيِّ أبى عمرانَ، عن علقمةَ بن قيسٍ أبى شبلٍ أنه أتى الشامَ، فدخَل المسجدَ فصلَّى فيه، ثم قام إلى حَلْقَةٍ فجلَس فيها، قال: فجاء رجلٌ. قال (٢): فعرَفتُ فيه (٣) تَحوُّشَ (٤) القومِ وهَيْئَتِهم (٥) له، فجلَس إلى جَنْبِى، فقلتُ: الحمدُ للهِ، إنى لأرجو أن يكونَ اللهُ قد استجاب دعوتى. فإذا ذلك الرجلُ أبو الدرداءِ، فقال: وما ذاك؟ فقال علقمةُ: دعوتُ الله أن يرزُقَنى جليسًا صالحًا، فأرجو أن تكونَ أنت. قال: مِن أين أنت؟ فقلتُ: من أهلِ الكوفةِ - أو (٦): من أهلِ العراقِ [ثَمَّ؟ قال: من أهلِ الكوفة] (٧) - فقال أبو الدرداءِ: ألم يكنْ فيكم صاحبُ النعلينِ والوِسادِ والمِطْهَرَةِ؟ يعنى عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ. أو لم يكنْ فيكم الذي أُجِير على لسانِ النبيِّ ﷺ مِن الشيطانِ؟ يعنى عمارَ بنَ ياسرٍ. أو لم يكنْ فيكم صاحبُ السرِّ الذي لا يعلمُه غيرُه، أو أحدٌ غيرُه؟ يعنى حُذيفةَ بنَ اليمانِ. ثم قال: أيُّكم يحفَظُ كما كان عبدُ اللهِ يقرأُ؟ قال: فقلتُ: أنا. قال: اقرأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. قال علقمةُ: [فقرأتُ: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٨). فقال أبو الدرداءِ: والذي لا إلهَ إلا هو، لهكذا أقرأنِيها

стр. 16404

رسول الله ﷺ فوهُ إلى في، فما زال هؤلاء حتى كادوا يردُّوننى عنها (١). وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. يقول: إنَّ عملَكم لمختلفٌ أيُّها الناسُ؛ لأن منكم الكافر بربِّه، والعاصى له في أمره ونهيه، والمؤمنَ به، والمطيع له في أمرِه ونهيه. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. يقولُ: مختلِفٌ (٢). وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. جوابُ القسمِ، والكلامُ: والليل إذا يغشى، إن سعيَكم لشتَّى. وكذلك قال أهلُ العلمِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ ههنا: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (٢). قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أَعْطى منكم أيُّها الناسُ في سبيل الله، ومَن أمَره الله بإعطائِه من مالِه، وما وهَب له من فضلِه، واتقَى الله واجتنَب محارمَه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بن مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ (٣)،

стр. 16405

عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. قال: أَعْطَى ما عندَه، ﴿وَاتَّقَى﴾. قال: اتقَى ربَّه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾. قال: مِن الفضلِ، ﴿وَاتَّقَى﴾: اتقَى ربَّه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾: حقَّ الله، ﴿وَاتَّقَى﴾: محارمَ اللهِ التي نهَى عنها (٢). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾. يقولُ: مَن زَكَّى (٣) واتقَى الله. واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل قولِه : ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله على إعطائِه ما أَعْطى مِن مالِه فيما أَعْطَى فيه مما أمَره الله بإعطائِه فيه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: وصدَّق بالخَلَفِ مِن الله.

стр. 16406

حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. يقولُ: وصدَّق بالخَلَفِ مِنَ اللهِ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بالخَلَفِ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ مثلَه. حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى السديُّ، قال: أخبَرنا بشرُ بنُ الحكم الأَحْمَسيُّ، عن سعيد بن الصلتِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: أيقَن بالخَلَفِ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ (٣)، عن قيس بن مسلمٍ، عن عكرمة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالخَلَفِ (٤). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن عكرمة: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بأنَّ الله سيُخلِفُ له. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن أبي هاشمٍ (٥) المكيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالخَلفِ (٤).

стр. 16407

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكر الهُذَليِّ، عن شَهْرِ بن حوشبٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالخَلَفِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن نَضْرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: بالخَلَفِ. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق (١) بأنَّ الله واحدٌ لا شريكَ له. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ بن عليٍّ المُقَدَّميُّ، قال: ثنا أشعثُ السَّجِسْتانيُّ، قال: ثنا مِسعَرٌ، وحدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن أبي (٢) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بلا إله إلا الله (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي (٢) حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمن مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ مثلَه. [حدَّثني المَرْوزيُّ] (٤)، عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا الله (٥). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن

стр. 16408

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. يقولُ: صدَّق بلا إله إلا الله (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدَّق بالجنة. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالجنة (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ مُحبَّبٍ (٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، [عن سفيان] (٥)، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وقال آخرون: بل معناه: وصدَّق بموعودِ الله. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: [وصدَّق] (٦) بموعودِ الله على نفسه، فعمِل لذلك (٧) الموعودِ الذي وعَده الله. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: صدَّق المؤمنُ [بموعود الله الحسن] (٨).

стр. 16409

وأشبهُ هذه الأقوال بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيل، وأولاها بالصواب عندى قولُ من قال: عُنى به التصديقُ بالخَلَفِ مِن الله على نفقته. وإنما قلتُ: ذلك أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك؛ لأنَّ الله جَلَّ ثناؤُه ذكَر قبله مُنْفِقًا أنفَق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعانى به أنْ يكون الذي عَقيبَه الخبرُ عن تصديقِه بوعدِ اللهِ إيَّاه بالخَلَفِ، إذ كانت نفقتُه على الوجْهِ الذي يَرْضاه، مع أنَّ الخبر عن رسول الله ﷺ بنحو الذي قلنا في ذلك ورَد. ذكرُ الخبر الواردِ بذلك حدَّثني الحسينُ (١) بنُ (٢) سلمةَ بن أبي كبشةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عبَّاد بن راشدٍ، عن قتادةَ، قال: ثنى خُليدٌ العَصَريُّ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم غرَبت فيه شمسُه، إلا وبجَنْبَيْها ملَكان يُنادِيان، يَسمعُه خَلْقُ اللهِ كلُّهم إلا الثَّقَلين: اللهمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا". وأنزل الله في ذلك في القرآنِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٣).

стр. 16410

وذُكر أنَّ هذه الآية نزَلت في أبي بكرٍ الصدِّيقِ ﵁. ذكرُ الخبر بذلك حدَّثني هارونُ بن إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ محمدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن عبد (١) الله [بن محمد] (٢) بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق، عن عامرِ بن عبد الله بن الزبيرِ، قال: كان أبو بكرٍ الصدِّيقُ يُعْتِقُ على الإسلام بمكةَ، فكان يُعْتِقُ عجائز ونساءً إذا أَسْلَمْن، فقال له أبوه: أي بُنَيَّ، أراك تُعْتِقُ أُناسًا ضعفاءَ، فلو أنك أعتقْتَ رجالًا جُلْدًا يقومون معك ويمنعونك ويدْفعون عنك. فقال: أي أبتِ، إنما أُريدُ - أظنُّه قال -: [ما عند الله. قال: فحدَّثني بعضُ أهل بيتى] (٣) أنَّ هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٤). وقولُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. يقولُ: فسنهيِّئُه للخَلَّةِ اليُسْرَى. وهى العملُ بما يَرْضاه الله منه في الدنيا، ليُوجِبَ له به في الآخرةِ الجنةَ. وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. يقولُ جلَّ وعزَّ: وأَما مَن بَخِل بالنفقة في سبيلِ اللهِ، ومنع ما وهَب اللهُ له مِن فضلِه، من صرفِه في الوجوه التي أمَره اللهُ بصَرْفِه فيها، واستَغْنى عن ربِّه، فلم يَرْغَبْ إليه بالعمل له بطاعته، [في الزيادة] (٥) فيما خوَّله مِن ذلك.

стр. 16411

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. قال: بَخِل بما عندَه، واستغنى في نفسِه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾: وأما من بَخِل بالفضلِ، واستَغْنى عن ربِّه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. يقولُ: مَن أغناه الله فبَخِل بالزكاةٍ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. يقولُ: وأَما مَن بَخِل بحقِّ الله عليه، واستَغْنى في نفسِه عن ربِّه (٣). وأما قولُه: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه نحوَ اختلافِهم في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. وأما نحنُ فنقولُ: معناه: وكذَّب بالخَلَفِ. كما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بن المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن

стр. 16412

عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكَذَّب بالخَلَفِ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: بالخَلَفِ مِنَ اللهِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكذَّب بموعودِ الله الذي وعَد، قال الله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: وكذَّب الكافرُ بموعودِ الله الحسنِ (٢). وقال آخرون: بل معناه: وكذَّب بتوحيدِ اللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: [وكذَّب] (٣) بلا إله إلا الله. حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾: بلا إله إلا الله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذَّب بالجنةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 16413

مجاهدٍ: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾. قال: بالجنة (١). وقولُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسنُهيِّئُه في الدنيا للخَلَّةِ العُسْرَى، وهو من قولِهم: قد يَسَرتْ غنمُ فلان. إذا ولدت و (٢) تهيَّأت للولادة. وكما قال الشاعرُ (٣): هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وإِنَّما … يَسُودَانِنا أَن يَسَّرَتْ غَنَمَاهُمَا وقيل: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. ولا تَيَسُّرَ (٤) في العُسْرَى؛ للذى تقدَّم في أوَّلِ الكلام من قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. وإذا جُمع بينَ كلامين أحدُهما ذِكرُ الخيرِ والآخرُ ذكرُ الشرِّ، جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعًا. و "العُسرى" التي (٥) أخبَر الله جل ثناؤُه أنه يُيسِّرُه لها: العملُ بما يكرَهُه ولا يَرْضاه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ . ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثني واصلُ بن عبد الأعلى و (٦) أبو كريبٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمش، عن سعدِ (٧) بن عُبيدةَ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ ، فنكَت الأرضَ، ثم رفَع رأسَه فقال: "ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب

стр. 16414

مَقعدُه من الجنةِ ومَقعدُه من النارِ". قلنا: يا رسولَ اللهِ، أفلا نتَّكِلُ؟ قال: "لا، اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ". ثم قرأ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ " (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا زائدةُ بن قُدامةَ، عن منصورٍ، عن سعد بن عُبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: كنا في جنازةٍ في البقيع، فأتانا رسول الله ﷺ فجلَس وجلسنا معه، ومعه عودٌ يَنْكُتُ في الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: "ما منكم مِن نَفْسٍ مَنْفوسةٍ إلا قد كُتب مَدْخلُها". فقال القومُ: يا رسول الله، ألا نتكِلُ على كتابنا، فمن كان من أهلِ السعادة فإنه يعملُ للسعادة، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعملُ للشقاء. فقال: "بل اعْمَلوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، فأما من كان من أهل السعادة فإنه يُيَسَّرُ لعمل السعادة، وأما مَن كان من أهل الشقاءِ فإنه يُيَسَّرُ للشقاء". ثم قرأ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ " (٢). حدَّثنا أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (٣).

стр. 16415

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ والأعمشِ، أنهما سمِعا سعدَ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان في جنازةٍ، فأخَذ عودًا، فجعَل يَنكُتُ في الأرض، فقال: "ما من أحدٍ إلا وقد كُتِب مَقْعدُه من النارِ أو من الجنة". فقالوا: يا رسولَ الله، أفلا نتكِلُ؟ قال: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ " (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ والأعمش، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: كنا جلوسًا مع النبيِّ ﷺ ، فتناول شيئًا من الأرض بيده، فقال: "ما مِنكم من أحدٍ إلا وقد عُلِم مقعدُه من الجنة والنار". قالوا: يا نبيَّ الله، أفلا نتكلُ؟ قال: "لا، اعْمَلُوا فكلُّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له". ثم قرأ: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ " الآيتين. قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ، عن عبد الملك بن [سمرة أبي] (٢) زيد (٣)، عن النَّزَّالِ بن سَبْرةَ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما من نفسٍ مَنْفُوسةٍ إلا قد كتَب الله عليها ما هي لاقيتُه". وأعرابيٌّ عند النبيِّ ﷺ مُرْتادٌ، فقال الأعرابيُّ: [فما جاء بى] (٤)

стр. 16416

أَضْرِبُ من وادى كذا وكذا إن كان قد فُرغ من الأمرِ؟! فنكَت النبيُّ ﷺ في الأرض، حتى ظنَّ القومُ أنه ودَّ أنه لم يكنْ تكلَّم بشيءٍ منه، فقال النبيُّ ﷺ : "كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له؛ فمن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يَسَّرَه لسبيل الخيرِ، ومَن يُرِدْ به شرًّا يَسَّرَه لسبيل الشرَّ". فَلَقِيتُ عمرو بنَ مُرَّةَ، فعرَضْتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبيُّ ﷺ ، وزاد (١) فيه: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ". حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. قال رجلٌ: يا رسول الله، ففيم العملُ؛ أفى شيءٍ نستأنفه، أو في شيءٍ قد فُرغ منه؟ قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ؛ سنُيسِّرُه لليُسْرى، وسنُيسِّرُه للعُسْرَى" (٢). حدَّثني عمرُ (٣) بن عبد الملك الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدة، قال: ثنا الجرَّاحُ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الحميد، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق الهمدانيِّ، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب ﵁، أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم جالسًا وبيده عودٌ ينكُتُ به الأرضَ، فرفع رأسه فقال: "ما منكم من أحدٍ ولا من الناس، إلا وقد عُلم مَقْعدُه من الجنَّةِ أو النَّارِ". قلنا: يا رسول الله، أفلا نتوكَّلُ؟ قال لهم: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له". ثم قال: "أما سَمِعتم الله في كتابه يقولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ

стр. 16417

بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾؟ ". حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾: للشرِّ من الله (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدِ اللهِ أنه قال: يا رسول الله، أنعملُ (٢) لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفُه؟ فقال ﷺ : "كلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعملِه" (٣). حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن بُشَيرِ بن كعبٍ، قال: سأل غلامانِ شابَّانِ النبيَّ ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، أنعملُ (٢) فيما جفَّت به الأقلامُ وجرَت به المقاديرُ، أو في شيءٍ يُستأنَفُ؟ فقال: "بل فيما جفَّت به الأقلام وجرَت به المقاديرُ". قالا: ففيم العمل إذن؟ قال: "اعْمَلُوا، فكلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعمله الذي خُلِق له". قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونعملُ (٤). القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾.

стр. 16418

يعني جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾: أَيُّ شيءٍ يَدفعُ عن هذا الذي بخل بمالِه، واستَغْنى عن ربِّه، مالُه يوم القيامة إذا هو تَردَّى؟ ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إذا تردَّى في جهنم. أي: سقَط فيها فهَوَى. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: في جهنم. قال أبو كريبٍ: قد سَمِع الأشجعيُّ من إسماعيل ذلك (١). حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا تردَّى في النارِ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا مات. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ

стр. 16419

قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا مات (١). [حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا مات] (٢). وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: إذا تردَّى في جهنم. لأنَّ ذلك هو المعروفُ من التردِّى، فأما إذا أُريد معنى الموتِ، فإنه يقالُ: رَدِى فلانٌ. وقلَّما يقالُ: تَردَّى. وقولُه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنَّ علينا لبيانَ الحقِّ مِن الباطلِ، والطاعة من المعصية. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. يقولُ: على الله البيانُ؛ بيانُ حلالِه وحرامه، وطاعته ومعصيتِه (٣). وكان بعضُ أهل العربية (٤) يتأوَّلُه بمعنى: أنه مَن سلَك الهدى فعلى الله سبيلُه، ويقولُ: وهو مثْلُ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]. ويقولُ: معنى ذلك: من أراد الله فهو على السبيل القاصدِ. وقال: يقالُ: معناه: إن علينا للهدى والإضلال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وهى تَقي الحرَّ

стр. 16420

والبرد. وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. يقولُ: وإنَّ لنا مِلْكَ ما في الدنيا والآخرة، نُعطِى منهما (١) مَن أردْنا مِن خَلقِنا، ونَحْرِمُه مَن شئنا. وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه يُوفِّقُ لطاعته من أحبُّ مِن خَلْقِه، فيُكرِمُه بها في الدنيا، ويهيِّئُ (٢) له الكرامةَ والثوابَ في الآخرةِ، ويَخْذُلُ مَن شَاءَ خِذلانَه مِن خَلْقِه عن طاعته، فيُهينُه بمعصيتِه في الدنيا، ويُخزيه بعقوبته عليها في الآخرة. ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنذَرْتُكم أيُّها الناسُ نارًا تتوهَّجُ وهى نارُ جهنم. يقولُ: احْذَروا أن تعصُوا ربَّكم في الدنيا، وتكفروا به، فتَصْلَوها في الآخرة. وقيل: ﴿تَلَظَّى﴾. وإنما هي "تَتَلظَّى". وهي في موضع رفع؛ لأنه فعلٌ مستقبَلٌ، ولو كان فعلًا ماضيًا لقيل: فأَنذَرْتُكم نارًا تلظَّت. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قول الله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾. قال: تَوَهَّجُ (٣). وقولُه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يدخُلُها فيَصْلَى
следующие страницы →