أَضْرِبُ من وادى كذا وكذا إن كان قد فُرغ من الأمرِ؟! فنكَت النبيُّ ﷺ في الأرض، حتى ظنَّ القومُ أنه ودَّ أنه لم يكنْ تكلَّم بشيءٍ منه، فقال النبيُّ ﷺ : "كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له؛ فمن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يَسَّرَه لسبيل الخيرِ، ومَن يُرِدْ به شرًّا يَسَّرَه لسبيل الشرَّ". فَلَقِيتُ عمرو بنَ مُرَّةَ، فعرَضْتُ عليه هذا الحديث، فقال: قال النبيُّ ﷺ ، وزاد (١) فيه: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ".
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن سعدِ بن عُبيدة، عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. قال رجلٌ: يا رسول الله، ففيم العملُ؛ أفى شيءٍ نستأنفه، أو في شيءٍ قد فُرغ منه؟ قال: فقال رسولُ الله ﷺ : "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ؛ سنُيسِّرُه لليُسْرى، وسنُيسِّرُه للعُسْرَى" (٢).
حدَّثني عمرُ (٣) بن عبد الملك الطائيُّ، قال: ثنا محمدُ بن عبيدة، قال: ثنا الجرَّاحُ، عن إبراهيمَ بن عبدِ الحميد، عن الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق الهمدانيِّ، عن سليمان الأعمش، رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب ﵁، أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ ذاتَ يوم جالسًا وبيده عودٌ ينكُتُ به الأرضَ، فرفع رأسه فقال: "ما منكم من أحدٍ ولا من الناس، إلا وقد عُلم مَقْعدُه من الجنَّةِ أو النَّارِ". قلنا: يا رسول الله، أفلا نتوكَّلُ؟ قال لهم: "اعْمَلُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلق له". ثم قال: "أما سَمِعتم الله في كتابه يقولُ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ
стр. 16417
بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾؟ ".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ، عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾: للشرِّ من الله (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ الحارثِ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدِ اللهِ أنه قال: يا رسول الله، أنعملُ (٢) لأمر قد فُرغ منه، أو لأمر نأتنفُه؟ فقال ﷺ : "كلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعملِه" (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن طلق بن حبيبٍ، عن بُشَيرِ بن كعبٍ، قال: سأل غلامانِ شابَّانِ النبيَّ ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، أنعملُ (٢) فيما جفَّت به الأقلامُ وجرَت به المقاديرُ، أو في شيءٍ يُستأنَفُ؟ فقال: "بل فيما جفَّت به الأقلام وجرَت به المقاديرُ". قالا: ففيم العمل إذن؟ قال: "اعْمَلُوا، فكلُّ عامل مُيَسَّرٌ لعمله الذي خُلِق له". قالا: فالآنَ نَجِدُّ ونعملُ (٤).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾.
стр. 16418
يعني جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ﴾: أَيُّ شيءٍ يَدفعُ عن هذا الذي بخل بمالِه، واستَغْنى عن ربِّه، مالُه يوم القيامة إذا هو تَردَّى؟
ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: إذا تردَّى في جهنم. أي: سقَط فيها فهَوَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن ابن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: في جهنم. قال أبو كريبٍ: قد سَمِع الأشجعيُّ من إسماعيل ذلك (١).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا تردَّى في النارِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا مات.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 16419
قوله: ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾. قال: إذا مات (١).
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا مات] (٢).
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: إذا تردَّى في جهنم. لأنَّ ذلك هو المعروفُ من التردِّى، فأما إذا أُريد معنى الموتِ، فإنه يقالُ: رَدِى فلانٌ. وقلَّما يقالُ: تَردَّى.
وقولُه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. يقولُ تعالى ذكره: إنَّ علينا لبيانَ الحقِّ مِن الباطلِ، والطاعة من المعصية.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. يقولُ: على الله البيانُ؛ بيانُ حلالِه وحرامه، وطاعته ومعصيتِه (٣).
وكان بعضُ أهل العربية (٤) يتأوَّلُه بمعنى: أنه مَن سلَك الهدى فعلى الله سبيلُه، ويقولُ: وهو مثْلُ قولِه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]. ويقولُ: معنى ذلك: من أراد الله فهو على السبيل القاصدِ. وقال: يقالُ: معناه: إن علينا للهدى والإضلال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]. وهى تَقي الحرَّ
стр. 16420
والبرد.
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾. يقولُ: وإنَّ لنا مِلْكَ ما في الدنيا والآخرة، نُعطِى منهما (١) مَن أردْنا مِن خَلقِنا، ونَحْرِمُه مَن شئنا.
وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه أنه يُوفِّقُ لطاعته من أحبُّ مِن خَلْقِه، فيُكرِمُه بها في الدنيا، ويهيِّئُ (٢) له الكرامةَ والثوابَ في الآخرةِ، ويَخْذُلُ مَن شَاءَ خِذلانَه مِن خَلْقِه عن طاعته، فيُهينُه بمعصيتِه في الدنيا، ويُخزيه بعقوبته عليها في الآخرة.
ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنذَرْتُكم أيُّها الناسُ نارًا تتوهَّجُ وهى نارُ جهنم. يقولُ: احْذَروا أن تعصُوا ربَّكم في الدنيا، وتكفروا به، فتَصْلَوها في الآخرة.
وقيل: ﴿تَلَظَّى﴾. وإنما هي "تَتَلظَّى". وهي في موضع رفع؛ لأنه فعلٌ مستقبَلٌ، ولو كان فعلًا ماضيًا لقيل: فأَنذَرْتُكم نارًا تلظَّت.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قول الله: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾. قال: تَوَهَّجُ (٣).
وقولُه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا يدخُلُها فيَصْلَى
стр. 16421
بسعيرها إلا الأشقى، [﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. يقولُ] (١): الذي كذَّب بآياتِ رَبِّه وأعرَض عنها ولم يُصدِّق بها.
وينحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا هشامُ بن الغاز، عن مكحولٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لَتَدْخُلُنَّ الجنةَ إلا مَن يأبى. قالوا: يا أبا هريرةَ، ومَن يأبى أن يدخُلَ الجنة؟ قال: فقرأ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢).
حدَّثني الحسنُ بن ناصحٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حبيبٍ ومعاذُ بنُ معاذٍ، قالا: ثنا الأشعثُ، عن الحسن في قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ - قال معاذٌ: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾. ولم يقُله (٣) الحسنُ - قال: المشرِكُ.
كان بعضُ أهل العربية (٤) يقولُ: لم يكن كذَّب بردٍّ ظاهرٍ، ولكن قصَّر عما أمر به من الطاعةِ، فجُعل تكذيبًا، كما تقولُ: لَقِي فلانٌ العدوَّ فكذَّب، إذا نكَل ورجع. وذَكَر أنه سمِع بعض العرب يقولُ: ليس لجَدِّهم (٥) مكذوبةٌ. بمعنى أنَّهم إذا لَقُوا صدَقوا القتال ولم يَرْجِعوا. قال: وكذلك قولُ اللهِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢].
стр. 16422
وقولُه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾. يقولُ: وسيُوَقَّى صِلِيَّ النار التي تلظَّى التقيُّ. ووُضِع "أفعل" موضع "فعيل"، كما قال طرفةُ (١):
تمنَّى رِجالٌ أَنْ أَمُوتَ وإِنْ أَمَتْ … فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فيها بِأَوْحَدِ
وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾. يقولُ: الذي يُعطى ماله في الدنيا في حقوقِ اللهِ التي ألزمه إيَّاها، ﴿يَتَزَكَّى﴾. يعنى: يتطهَّرُ - بإعطائه ذلك - من ذنوبه.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾.
كان بعض أهل العربية (٢) يوجِّهُ تأويل ذلك إلى: وما لأحدٍ من خلقِ اللهِ عند هذا الذي يُؤتى ماله في سبيل الله يتزكَّى، ﴿مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. يعنى: من يد يكافِئُه عليها. يقولُ: ليس يُنفِقُ ما يُنْفِقُ من ذلك، ويُعطى ما يُعطى، مجازاة إنسانٍ يُجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأة له على نعمةٍ سلَفت منه إليه أنعَمها عليه، ولكن يُؤتيه في حقوق الله ابتغاء وجه الله.
قال: و ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضع بمعنى "لكن". وقال: يجوزُ أن يكون الفعلُ في المكافأة مستقبَلًا، فيكون معناه: ولم يُرِدْ بما أنفق مكافأةً مِن أحدٍ. ويكون موقعُ اللام التي في "أحد" في الهاء التي خفَضَتْها ﴿عِنْدَهُ﴾. فكأنك قلت: وما له عند أحدٍ فيما أنفق من نعمة يلتمسُ ثوابَها. قال: وقد تضَعُ العربُ الحرف في غير موضعه إذا كان معروفًا. واستشهدوا لذلك ببيت النابغة (٣):
وقَدْ خِفْتُ حتى ما تَزِيدُ مَخافَتِي … على وَعِلٍ في ذِي المَطَارَةِ عاقِل
стр. 16423
والمعنى: حتى ما تزيدُ مخافةُ وَعِلٍ على مخافتى.
وهذا الذي قاله الذي حكَيْنا قولَه مِن أهل العربية، وزعم أنه مما يجوزُ - هو الصحيحُ الذي جاءت به الآثارُ عن أهل التأويل، وقالوا: نزَلت في أبي بكر بعِتْقِه من أعتق [من المماليكِ ابتغاء وجه الله] (١).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾. يقولُ: ليس به مثابهُ الناس ولا مجازاتُهم، إنما عطيَّتُه للهِ (٢).
حدَّثني محمدُ بن إبراهيم الأنماطيُّ، قال: ثنا هارونُ بن معروفٍ، قال: ثنا بشرُ بن السريِّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ ثابتٍ، عن عامر بن عبد الله، عن أبيه، قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصدِّيق: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٣).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، [قال: أُخْبِرْتُ عن سعيد] (٤) في قولِه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. قال: نزلت في أبي بكرٍ،
стр. 16424
أعتق ناسًا لم يلتمِسْ منهم جزاءً ولا شكورًا، ستةً أو سبعةً؛ منهم بلالٌ، وعامرُ بنُ فُهيرة (١).
وعلى هذا التأويل الذي ذكَرْناه عن هؤلاء يَنْبغِي أن يكون قوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾. نصبًا على الاستثناء من معنى قولِه: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. لأنَّ معنى الكلام: وما يُؤتى الذي يُؤتى من ماله ملتمِسًا من أحدٍ ثوابَه، إلا ابتغاءَ وجه ربِّه. وجائزٌ أن يكون نصبُه على مخالفة ما بعده "إلا" ما قبلها، كما قال النابغةُ (٢):
........................ … ومَا بالرَّبْعِ مِن أحدٍ
إلَّا أَوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُها … ........................
وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. يقولُ: ولسوف يَرْضَى هذا المُؤْتِى ماله في حقوقِ الله يتزكَّى، بما يُثيبُه الله في الآخرةِ عِوَضًا مما أتى في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربَّه.
آخر تفسير سورة "والليل إذا يغشى"
стр. 16425
تفسير سورة "والضحى"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾.
أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالضحى، وهو النهارُ كلُّه، وأحسَبُ أنه من قولهم: ضَحِي فلانٌ للشمس. إذا ظهر (١)، ومنه قولُه: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩]. أي: لا تُصيبُك فيها الشمسُ.
وقد ذكرتُ اختلاف أهل العلم في معناه في قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]. مع ذكرى اختيارنا فيه (٢).
وقيل: عُنِى به وقتُ الضحى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالضُّحَى﴾: ساعةٌ من ساعات النهار (٣).
وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. اختلف أهلُ التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم:
стр. 16426
معناه: والليل إذا أقبَل بظلامِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. يقولُ: والليل إذا أقبَل (١).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسن (٢) في قول الله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا لبس الناسَ؛ إذا جاء (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا ذهَب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. يقول: إذا ذهَب (٤).
وقال آخرون: بل معناه: إذا استوى وسكَن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا استوى.
стр. 16427
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا استوى (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾: سكن بالخَلْق (٢).
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾: يعنى استقراره وسكونَه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنى ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال: إذا سكن. قال: ذلك سَجْوُه، كما يكونُ سكونُ البحرِ سَجْوَه (٤).
وأولى هذه الأقوال بالصوابِ عندى في ذلك قولُ مَن قال: معناه: والليل إذا سكَن بأهله، وثبت بظلامه، كما يقالُ: بحرٌ ساجٍ. إذا كان ساكنًا، ومنه قولُ أعشى بني ثعلبة (٥):
فَمَا ذَنْبُنَا أَنْ جَاشَ بَحْرُ ابن عَمِّكُمْ … وبَحْرُكَ سَاجٍ ما يُوَارِي الدَّعَامِصَا (٦)
وقولُ الراجز (٧):
стр. 16428
يا حبَّذا القَمْراءُ واللَّيلُ السَّاج (١)
وطُرُقٌ مِثلُ مُلاءِ النَّسَّاجُ
وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. وهذا جوابُ القسمِ، ومعناه: ما تركك يا محمدُ ربُّك، وما أَبْغَضك.
وقيل: ﴿وَمَا قَلَى﴾. معناه: وما قلاك؛ اكتفاءً بفَهْم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدَّم ذلك قولُه: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾. فعُرف بذلك أن المخاطب به نبيُّ الله ﷺ .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. يقولُ: ما تركك ربُّك، وما أبغضك (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: ما قلاك ربُّك (٣)؛ ما أبْغَضك. قال: والقالى: المُبغِضُ (٤).
وذكر أنَّ هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ ؛ تكذيبًا مِن الله قريشًا في قيلهم لرسولِ اللَّهِ، لما أَبْطَأ عليه الوحيُ: قد ودَّع محمدًا ربُّه وقلاه.
стр. 16429
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثني عليُّ بنُ عبدِ اللَّهِ الدهَّانُ، قال: ثنا مُفَضَّلُ بن صالح، عن الأسود قيس العبديِّ، عن ابن عبدِ اللَّهِ، قال (١): أَبْطَأ جبريلُ على رسول الله ﷺ ، فقالت امرأةٌ من أهله - أو من قومه -: ودَّع الشيطانُ محمدًا. فأنزل الله عليه: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٢).
قال أبو جعفر: ابن عبدِ اللَّهِ: هو جُندبُ بنُ عبدِ اللَّهِ البَجَليُّ.
حدَّثني محمدُ بن عيسى الدامغانيُّ، ومحمد بنُ هارون القطانُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأسود بن قيس، سمع جُندبًا البَجَليَّ يقولُ: أبطأ جبريلُ على النبيِّ ﷺ حتى قال المشركون: ودَّع محمدًا ربُّه. فأنزل اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الأسودِ بن قيسٍ، أنه سمع جُندبًا البَجَليَّ قال: قالتِ امرأةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ : ما أرى صاحبَك إلا قد أبطأ عنك. فنزَلت هذه الآية: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، قال:
стр. 16430
سمِعتُ جندب بن عبد الله يقولُ: إِنَّ امرأة أتت النبيَّ ﷺ فقالت: ما أرى شيطانَك إلا قد تركك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١).
حدَّثنا ابن أبي الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن شَدَّادٍ، أَنَّ خديجة قالت للنبيِّ ﷺ : ما أرى ربَّك إلا قد قلاك. فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: إنَّ جبريل ﵇ أبطأ عليه بالوحي، فقال ناسٌ من الناس - وهم يومئذٍ بمكة -: ما نَرى صاحبك إلا قد قلاك فودَّعك. فأنزل الله ما تسمعُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: أبطأ عليه جبريلُ، فقال المشركون: قد قلاه ربُّه وودَّعه. فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٣).
حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ
стр. 16431
الضحاك يقولُ في قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾: مكَث جبريلُ عن محمدٍ ﷺ ، فقال المشركون: قد ودَّعه ربُّه وقلاه. فأنزل الله هذه الآية (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾. قال: لما نزل عليه القرآنُ، أبطأ عنه جبريلُ أيَّاما، فعُيِّر بذلك، فقال المشركون: ودَّعه ربُّه وقلاه. فأنزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أبطأ جبريلُ على النبيِّ ﷺ ، فجَزع جَزَعًا شديدًا، وقالت خديجةُ: أرى ربَّك قد قلاك، مما نَرى مِن جَزَعِك. قال: فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها (٣).
وقولُه: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وللدارُ الآخرةُ، وما أعدَّ الله لك فيها، خيرٌ لك من الدارِ الدنيا وما فيها. يقولُ: فلا تَحْزَنْ على ما فاتك منها؛ فإنَّ الذي لك عند الله خيرٌ لك منها.
وقولُه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولسوف يُعطيك يا محمدُ ربُّك في الآخرة من فواضل نِعَمِه، حتى تَرْضى.
وقد اختلف أهلُ العلم في الذي وعده من العطاء؛ فقال بعضُهم: هو ما حدَّثني
стр. 16432
به موسى بنُ سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ هاشمٍ، قال: سمعتُ الأوزاعيَّ يُحدِّثُ، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزوميِّ، عن عليّ بن عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ، عن أبيه، قال: عُرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوحٌ على أمته من بعده، كَفْرًا كَفْرًا، فسُرَّ بذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. فأعطاه في الجنة ألفَ قصر، في كلِّ قصرٍ ما يَنْبَغِي مِن الأزواج والخدمِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفِ العسقلانيُّ، قال: ثنا روَّادُ بنُ الجرَّاح، عن الأوزاعيِّ، عن إسماعيل بن عبيدِ اللَّهِ، عن عليّ بن عبدِ اللَّهِ بن عباس في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. قال: ألف قصرٍ من لُؤْلُؤٍ، ترابُهنَّ المِسْكُ، وفيهن ما يُصْلِحُهن (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: وذلك يوم القيامة (٣).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ ظُهيرٍ، عن السديِّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. قال: من رضا محمدٍ ﷺ ألا يدخُلَ أَحدٌ مِن أهل بيته النار (٤).
стр. 16433
وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعدِّدًا على نبيِّه محمد ﷺ نعمه عندَه، ومذكِّرَه آلاءه قِبَلَه: ألم يَجِدْك يا محمدُ ربُّك يتيما فآوى. يقولُ: فجعل لك مأْوى تأْوى إليه، ومَنزِلًا تَنْزلُه، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. ووجَدك على غير الذي أنتَ عليه اليوم.
وقال السديُّ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، [عن سفيان] (١)، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾. قال: كان على أمر قومه أربعين عامًا.
وقيل: عُنى بذلك: ووجَدك في قومٍ ضُلالٍ فهداك.
وقولُه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. يقولُ: ووجدك فقيرًا فأغناك. يقالُ منه: عال فلانٌ يَعِيلُ عَيْلَةً. وذلك إذا افتقر، ومنه قولُ الشاعرِ (٢):
فما يَدْرِى الفقيرُ متى غِناه … وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
يعنى: متى يفتقرُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيان: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾: فقيرًا. وذُكر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (ووجدَك عديمًا فآوَى) (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. قال: كانت هذه
стр. 16434
منازلَ رسولِ اللهِ ﷺ ، قبلَ أنْ يبعثَه اللهُ سبحانَه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ﴾ يا محمدُ، ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾. يقولُ: فلا تظْلِمُه، فتذهَبَ بحقِّه؛ استضعافًا منك له.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾: أي: لا تَظْلِمْ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. قال: تَغْمِضْه وتَحْقِرْه. وذُكر أن ذلك في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (فَلا تَكْهَرْ) (٣).
وقولُه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. يقولُ: وأما مَن سألك مِن ذى حاجةٍ فلا تَنْهَرْه، ولكن أَطْعِمُه، واقْضِ له حاجتَه، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. يقولُ: فاذْكُرْه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في
стр. 16435
قولِه: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. قال: بالنبوَّةِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ إياسٍ الجُريريُّ، عن أبي نضرةَ، قال: كان المسلمون يَرَوْن أنَّ مِن شكرِ النِّعمِ أنْ يُحدَّثَ بها (٢).
آخرُ تفسيرِ سورةِ "والضحى"، وللهِ الحمدُ والشكرُ
стр. 16436
تفسيُر سورةِ "ألم نشرح"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مذكِّرَه آلاءَه عندَه، وإحسانَه إليه، حاضًّا له بذلك على شكرِه على ما أنعَم عليه، ليستوجِبَ بذلك المزيدَ منه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ يا محمدُ للهُدَى والإيمانِ باللهِ ومعرفةِ الحقِّ ﴿صَدْرَكَ﴾ فنُلينَ لك قلبَك، ونجعلَه وِعاءً للحكمةِ؟ ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. يقولُ: وغفَرنا لك ما سلَف مِن ذنوبِك، وحطَطْنا عنك ثِقْلَ أيامِ الجاهليةِ التي كنتَ فيها. وهى في قراءةِ عبدِ اللهِ فيما ذُكِر (١): (وحَلَلْنا عَنْكَ وِقْرَكَ). ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. يقولُ: الذي أثقَل ظهرَك فأوهَنه. وهو مِن قولِهم للبعيرِ إذا كان رجيعَ سَفَرٍ، قد أوْهَنه السفرُ، وأذهَب لحمَه: هو نِقْضُ سَفَرٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
стр. 16437
في قولِ اللَّهِ: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال: ذنبَك (١).
وقولُه: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. قال: أَنقَل ظَهْرَك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: كانت للنبيِّ ﷺ ذنوبٌ قد أثقَلتْه، فغفَرها اللهُ له.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. قال: كانت للنبيِّ ﷺ ذنوبٌ قد أثقلَتْه، فغفُرها اللهُ له (٢).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾: يعنى الشركَ الذي كان فيه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال: شرَح له صدرَه، وغفَر له ذنبَه الذي كان قبلَ أن يُنَبَّأَ، فوضَعه. وفى قولِه: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾. قال: أثقَله وجهَده. كما يُنْقِضُ البعيرَ حِمْلُه الثقيلُ، حتى يصيرَ نِقْضًا بعدَ أنْ كان سمينًا، ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. قال: ذنبَك. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾: أثقَل ظهرَك، وضَعْناه (٤) عنك، وخفَّفْنا عنك ما أثقَل ظهرَك.
стр. 16438
وقولُه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. يقولُ: ورفَعنا لك ذكرَك، فلا أُذْكَرُ إِلا ذُكِرْتَ معى. وذلك قولُهم: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللَّهِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ وعمرُو بنُ مالكٍ، قالا: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. قال: لا أُذْكرُ إلا ذُكِرتَ معى؛ أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. قال النبيُّ ﷺ : "ابْدَءُوا بالعُبودةِ، وثَنُّوا بالرسالةِ". فقلتُ لمَعْمرٍ. قال: أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه، فهو العبودةُ، ورسولُه أنْ تقولَ: عبدُه ورسولُه (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾: رفَع اللهُ ذكرَه في الدنيا والآخرةِ، فليس خطيبٌ، ولا متشهدٌ، ولا صاحبُ صلاةٍ، إلا يُنادِى بها: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا عمرُو بنُ الحارثِ، عن
стр. 16439
درَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه قال: "أتانى جبريلُ فقال: إنَّ ربى وربَّك يقولُ: كيف رفَعْتُ لك ذكْرَك؟ " قال: "اللهُ أعلمُ. قال: إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معى" (١).
وقولُه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : فإنَّ مع الشدَّةِ التي أنت فيها من جهادِ هؤلاء المشركين، ومِن أوَّلِه ما أنت بسبيلِه - رجاءً وفرجًا، بأنْ يُظْفِرَك بهم، حتى ينقادوا للحقِّ الذي جئتَهم به طوعًا وكرهًا.
ورُوِى عن النبيِّ ﷺ أنَّ هذه الآيةَ لما أُنْزِلت بَشَّر بها أصحابَه، وقال (٢): "لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرَينِ".
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، قال: قال الحسنُ: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أبْشِروا أتاكم اليُسْرُ، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ" (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ مثلَه، عن النبيِّ ﷺ (٤).
стр. 16440
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ، قال: خرَج النبيُّ ﷺ يومًا مسرورًا فَرِحًا وهو يضحكُ، وهو يقولُ: "لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ، لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ؛ ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ " (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾: ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بشَّر أصحابَه بهذه الآيةِ، فقال: "لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ" (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٣)، عن معاويةَ بن قُرَّةَ أبى إياسٍ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: لو دخَل العسرُ في جُحْرٍ، لجاء اليسرُ حتى يَدْخُلَ عليه؛ لأنَّ الله يقولُ: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: حدثنا شعبةُ، عن رجلٍ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
стр. 16441
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. قال: يتبعُ اليسرُ العُسْرَ (١).
وقولُه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا فرَغْتَ مِن صلاتِك، فانصَبْ إلى ربِّك في الدعاءِ، وسَلْه حاجاتِك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. يقولُ: في الدعاءِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. يقولُ: فإذا فرَغْتَ مما فُرِض عليك مِن الصلاةِ فسلِ الله، وارغَبْ إليه، وانصَبْ له (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: إذا قمْتَ إلى الصلاةِ فانصَبْ في حاجتِك إلى ربِّك (٤).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
стр. 16442
الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. يقولُ: مِن الصلاةِ المكتوبةِ قبلَ أنْ تُسلِّمَ، فانصَبْ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: أمَره إذا فرَغ مِن صلاتِه أنْ يُبالِغَ في دعائِه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾: من صلاتِك، ﴿فَانْصَبْ﴾: في الدعاءِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ مِن جهادِ عدوِّك، ﴿فَانْصَبْ﴾ في عبادةِ ربِّك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: أمَره إذا فرَغ مِن غزوِه، أن يجتهدَ في الدعاءِ والعبادةِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال عن أبيه: فإذا فرَغْتَ مِن الجهادِ؛ جهادِ العربِ، وانقطَع جهادُهم، فانصَبْ لعبادةِ اللهِ، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٤).
стр. 16443
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فإذا فرَغْتَ مِن أمرِ دنياك، فانصَبْ في عبادةِ ربِّك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ الدنيا، ﴿فَانْصَبْ﴾. قال: فصلِّ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ دنياك ﴿فَانْصَبْ﴾؛ فصلِّ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾. قال: إذا فرَغْتَ مِن أمرِ الدنيا، وقمْتَ إلى الصلاةِ، فاجْعَل رغبتَك ونيتَك له (٢).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أَمَر نبيَّه أنْ يجعلَ فراغَه مِن كلِّ ما كان به مشتغلًا، مِن أمرٍ دنياه وآخرتِه، مما آدَى (٣) له الشغلُ به، وأمَره بالشغلِ به - إلى النصَبِ في عبادتِه، والاشتغالِ فيما قرَّبه إليه، ومسألتِه حاجاتِه، ولم يَخْصُصْ بذلك حالًا مِن أحوالِ فراغِه دونَ حالٍ، فسواءٌ كلُّ أحوالِ فراغِه؛ مِن صلاةٍ كان فراغُه، أو جهادٍ، أو أمرِ دنيا كان به مشتغلًا؛ لعمومِ الشرطِ في ذلك، مِن غيرِ خصوصِ حالِ فراغٍ دونَ حالٍ أخرى.
стр. 16444
وقولُه: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ربِّك يا محمدُ فاجْعَل رغبتَك، دونَ مَن سواه مِن خلْقِه، إذ كان هؤلاء المشركون مِن قومِك قد جعَلوا رغبتَهم في حاجاتِهم إلى الآلهةِ والأندادِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: اجعل نيتَك ورغبتَك إلى اللهِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: اجْعَل رغبتَك ونيتَك إلى ربِّك (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال: إذا قمْتَ إلى الصلاةِ (٢).
آخرُ تفسيرِ سورةِ "ألم نشرح"
стр. 16445
تفسيرَ سورةِ "والتين"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بالتينِ التينُ الذي يُؤْكَلُ، والزيتونِ الزيتونُ الذي يُعصَرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: تينُكم هذا الذي يُؤكلُ، وزيتونُكم هذا الذي يُعصَرُ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ، عن عكرمةَ، قال: التينُ هو التينُ، والزيتونُ الذي تأكلون (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: تِينُكم وزيتونُكم.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ تينُكم هذا، والزيتونُ زيتونُكم هذا.
стр. 16446
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ الذي يُعصَرُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: الفاكهةِ التي تأكلُ الناسُ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: هو تينُكم وزيتونُكم.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ الذي يُعصَرُ (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: التينُ والزيتونُ هو الذي تَرَون (٣).
стр. 16447
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ في قولِه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾: التينُ تينُكم، والزيتونُ زيتونُكم هذا.
وقال آخرون: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ بيتُ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبى عبدِ اللَّهِ، عن كعبٍ أنه قال في قولِ اللَّهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ بيتُ المقدسِ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَالتِّينِ﴾. قال: الجبلُ الذي عليه دمشقُ، ﴿وَالتِّينِ﴾: الذي عليه بيتُ المقدسِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾: ذُكِر لنا أن التينَ الجبلُ الذي عليه دمشقُ، والزيتونَ الذي عليه بيتُ المقدسِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسأَلتُه عن قولِ اللهِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: التينُ مسجدُ دمشقَ، والزيتونُ مسجدُ
стр. 16448
إيليَاءَ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾. قال: هما جبلان (١).
وقال آخرون: التينُ مسجدُ نوحٍ، والزيتونُ مسجدُ بيتِ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالتِّينِ﴾: يعنى: مسجدِ نوحٍ الذي بُنِى على الجُودِيِّ، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾: بيتِ المقدسِ. قال: ويقالُ: التينُ والزيتونُ وطورُ سينينَ ثلاثةُ مساجدَ بالشامِ (٢).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: التينُ هو التينُ الذي يُؤكلُ، والزيتونُ هو الزيتونُ الذي يُعصرُ منه الزيتُ. لأن ذلك هو المعروفُ عندَ (٣) العربِ، ولا يُعرفُ جبلٌ يسمَّى تينًا، ولا جبلٌ يقالُ له: زيتونٌ. إلا أن يقولَ قائلٌ: أقسَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بالتينِ والزيتونِ، والمرادُ من الكلامِ القَسَمُ بمنابتِ التينِ ومنابتِ الزيتونِ. فيكونَ ذلك مذهبًا، وإن لم يكنْ على صحةِ ذلك أنه كذلك دلالةٌ في ظاهرِ التنزيلِ، ولا من قولِ مَن لا يَجُوزُ خلافُه؛ لأن دمشقَ بها منابتُ التينِ، وبيتَ المقدسِ منابتُ الزيتونِ.
وقولُه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: هو
стр. 16449
جبلُ موسى بن عمرانَ صلواتُ اللهِ عليه، ومسجدُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن قَزَعةَ، قال: قلت لابنِ عمرَ: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ وطورَ سينينَ. فقال: لا تأتِ طورَ سينينَ، ما تريدون أن تَدَعوا أثرَ نبيٍّ إلا وَطِئْتُموه. قال قتادةُ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: مسجدِ موسى ﷺ .
حدَّثنا ابن بشارِ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: جبلِ موسى.
قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبى عبدِ اللهِ، عن كعبٍ في قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾.
قال: جبلِ موسى صلّى الله عليه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: هو الطورُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: مسجدِ الطورِ.
وقال آخرون: الطورُ هو كلُّ جبلٍ يُنبتُ. وقولُه: ﴿سِينِينَ﴾: حسنٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا
стр. 16450
عمارةُ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: هو الحسنُ، وهى لغةُ الحبشةِ؛ يقولون للشئِ الحسنِ: سِينا سِينا (١).
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: طُورٌ جبلٌ، وسِينينُ حَسَنٌ، بالحبشَةِ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الصَّبَّاحُ بنُ محاربٍ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: صلَّيت خلفَ عمرَ ﵁ المغربَ، فقرَأ في أولِ ركعةٍ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: هو جبلٌ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يحدِّثُ: عن عكرمةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: سواءٌ على نباتِ السهلِ والجبلِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾. قال: الجبلِ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: جبلٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
стр. 16451
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: الجبلِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النضرِ، عن عكرمةَ، قال: الطورُ الجبلُ، والسينينُ الحسنُ، كما يَنبتُ في السهلِ، كذلك ينبتُ في الجبلِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: أمَّا ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ فهو الجبلُ ذو الشجرِ (١).
وقال آخرون: هو الجبلُ، وقولُه (٢): ﴿سِينِينَ﴾: مباركٌ حسنٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَطُورِ﴾: الجبلِ، و ﴿سِينِينَ﴾. قال: المباركِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾.
قال: جبلٌ مباركٌ بالشامِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: جبلٌ بالشامِ مباركٌ وحسنٌ (٤).
стр. 16452
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: طورُ سِينينَ جبلٌ معروفٌ. لأن الطورَ هو الجبلُ ذو النباتِ، فإضافتُه إلى ﴿سِينِينَ﴾ تعريفٌ له، ولو كان نعتًا للطورِ كما قال مَن قال: معناه: حسنٌ أو مباركٌ - لكان الطورٌ منوَّنًا، وذلك أن الشئَ لا يُضافُ إلى نعتِه لغيرِ علةٍ تدعو إلى ذلك.
وقولُه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. يقولُ: وهذا البلدِ الآمنِ من أعدائِه؛ أن يحارِبوا أهلَه أو يَغْرُوهم.
وقيل: ﴿الْأَمِينِ﴾. ومعناه الآمنُ، كما قال الشاعرُ (١):
ألم تَعْلَمى يا أَسْمَ ويحَكِ أننى … حلَفتُ يمينًا لا أَخُونُ أَمِينى
يريد: آمِنى. وهذا كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
وإنما عُنِى بقولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. مكةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: مكةَ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن يزيدَ أبي عبدِ اللهِ، عن
стр. 16453
كعبٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (٢).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال مكةَ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ: [عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سلَّامِ بن سُلَيْمٍ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكةَ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ الحكمَ يُحَدِّثُ عن عكرمةَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: البلدِ الحرامِ (٥).
قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: مكةَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ
стр. 16454
الْأَمِينِ﴾: يعنى مكةَ (١) ـ
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. قال: المسجدِ الحرامِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: مكةَ (٢).
وقولُه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. وهذا جوابُ القسمِ، يقولُ تعالى ذكرُه: والتينِ والزيتونِ لقد خلَقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ.
وبالذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: وقَع القسمُ هاهنا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (٣).
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: في أعدلِ خلقٍ وأحسنِ صورةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِينٍ، عن
стр. 16455
ابن عباسٍ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أعدلِ خلقٍ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ صورةٍ (٢).
قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: خلقٍ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. يقولُ: في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾: في أحسنِ صورةٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. قال: أحسنِ خلقٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ