← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 16661–16700 · переход к 16666.

стр. 16661

النبيِّ ﷺ ، وكان اسمُه عبد العُزَّى، فذكَّرهم، فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك، في هذا أرسلتَ إلينا؟ فأنزلَ اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أيُّ شيءٍ أَغْنى عنه ماله ودفَع مِن سخطِ اللَّهِ عليه؟ ﴿وَمَا كَسَبَ﴾؟ وهم ولدُه. وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ داودَ بن محمدِ بن المنكدرِ، قال: ثنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابن خُثَيم، عن أبى الطُّفَيلِ، قال: جاء بنو أبى لهبٍ إلى ابن عباسٍ، فقاموا يَخْتَصِمون في البيتِ، فقام ابنُ عباسٍ يَحْجِزُ (١) بينَهم، وقد كُفَّ بصرُه، فدفَعه بعضُهم حتى وقَع على الفراشِ، فغَضِب وقال: أَخْرِجوا عنى الكَسْبَ الخَبيثَ (٢). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن محمدِ بن سفيانَ، عن رجلٍ من بني مخزومٍ، عن ابن عباسٍ، أنه رأى يومًا من (٣) ولدِ أبى لهبٍ يَقْتَتِلون، فجعَل يَحْجِرُ بينَهم ويقولُ: هؤلاء مما كسَب. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهد: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. قال: ما كسَب: ولدُه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني

стр. 16662

الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾. قال: ولدُه، هم مِن كَسْبهِ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾. قال: ولدُه. وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سيصلَي أبو لهبٍ نارًا ذاتَ لهبٍ. وقوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. يقولُ: سيَصْلَى أبو لهبٍ وامرأتُه حمالةَ الحطبِ، نارًا ذاتَ لهبٍ. واختَلفتِ القرأةُ في قراءةِ: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ: (حَمَّالَةُ الْحَطَبِ) بالرفع (٢)، غيرَ عبدِ اللَّهِ بن أبي إسحاقَ، فإنه قرَأ ذلك نصبًا فيما ذُكِر لنا عنه (٣). واختُلف فيه عن عاصمٍ، فحُكِى عنه الرفعُ فيها والنصبُ (٤). وكأنَّ مَن رفعَ ذلك جعَله من نعتِ المرأةِ، وجعَل الرافعَ للمرأةِ ما تقدَّم مِن الخبرِ، وهو ﴿سَيَصْلَى﴾، وقد يجوزُ أنْ يكونَ رافعُها الصفةَ، وذلك قولُه: ﴿فِي جِيدِهَا﴾، وتكونَ (حَمَّالَةُ) نعتًا للمرأةِ. وأما النصب فيه فعلى الذَّمِّ، وقد يحتمل أنْ يكونَ نصبُها على القطعِ مِن المرأةِ؛ لأن المرأةَ مَعْرِفةٌ، و ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ نكرةٌ. والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا الرفعُ (٥)؛ لأنه أفصحُ الكلامين فيه،

стр. 16663

ولإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ فقال بعضُهم: كانت تجيءُ بالشَّوْكِ فتَطْرَحه في طريق رسول اللَّهِ ﷺ ؛ ليَدْخُلَ في قدمه إذا خرَج إلى الصلاةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تحمِلُ الشوكَ، فتَطْرحُه على طريقِ النبيِّ ﷺ ؛ ليَعْقِرَه وأصحابَه، ويقال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: نقَّالةَ الحديثِ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِن هَمْدانَ يقالُ له: يزيدُ بنُ زيدٍ. أَنَّ امرأةَ أبي لهبٍ كانت تُلْقِي في طريقِ النبي ﷺ الشَّوْكَ، فنزَلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ محمدُ بنُ فِراسٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن قرَّةَ بن خالدٍ، عن عطية الجَدَليَّ في قولِه: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تضعُ العِضَاةَ (٢) على طريقِ رسول اللَّهِ ﷺ ، فكأنما يطأُ به كثيبًا (٣). حُدِّثتُ الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تحملُ الشَّوْكَ،

стр. 16664

فتُلْقِيه على طريقِ نبيِّ اللَّهِ ﷺ ليَعْقِرَه (١). حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تأتى بأغصانِ الشَّوْكِ، فتَطْرحُها بالليل في طريق رسول اللَّهِ ﷺ (٢). وقال آخرون: قيل لها ذلك: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ لأنها كانت تَحْطِبُ الكلامَ، وتَمْشِى بالنميمةِ، وتُعيِّرُ رسول اللَّهِ ﷺ بالفقْرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: قال أبو المعتمِرِ: زعَم محمدٌ أن عكرمةَ قال: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تَمْشِي بالنميمةِ (٣). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تمشى بالنميمةِ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).

стр. 16665

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: النميمةِ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾: أي كانت تنقُلُ الأحاديثَ من بعض الناسِ إلى بعضٍ (٢). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تَحْطِبُ الكلامَ، وتمشى بالنميمة. وقال بعضُهم: كانت تُعيِّرُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بالفقرِ، وكانت تَحْطِبُ، فعُيِّرت بأنها كانت تَحْطِبُ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. قال: كانت تمشى بالنميمةِ. وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: كانت تحمِلُ الشوكَ، فتَطرحُه في طريقِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . لأنَّ ذلك هو أظْهَرُ معنى ذلك. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن عيسى بنُ يزيدَ، عن أبي (٤) إسحاقَ، يزيدَ زيدٍ، وكان ألزمَ شيءٍ لمسروقٍ، قال: لما نزَلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾. بلغ امرأةَ أبى لهبٍ أن النبيَّ ﷺ يَهْجُوكِ، قالت: علامَ يهجُونى؟ هل

стр. 16666

رأيتموني كما قال محمدٌ أحمِلُ حطبًا؛ في جيدِها حبلٌ مِن مَسَدٍ؟ فمكَثتْ ثم أَتَتْه، فقالت: إنَّ ربَّكَ قَلاك وودَّعك. فأنزل اللَّهِ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١). وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. يقولُ: في عنقها. والعربُ تُسمِّى العُنُقَ جيدًا، ومنه قولُ ذى الرُّمَّةِ (٢): فعَيْناكِ عَيْناها ولَونُكِ لونُها … وجيدُكِ إلّا أنها غيرُ عاطلِ (٣) وبالذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾. قال: في رقبتِها. وقولُه: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حبالٌ تكونُ بمكةَ (٤). ذكرُ مَن قال ذلك حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ

стр. 16667

الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: حبلٌ مِن شَجَرٍ، وهو الحبلُ الذي كانت تَحْتَطِبُ به. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: هي حبالٌ تكونُ بمكةَ. ويقالُ: المَسَدُ: العصا التي تكونُ في البَكَرةِ. ويقالُ: المَسَدُ: قلادةٌ مِن وَدَعٍ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، قال: حبالٌ من شجرٍ تَنْبُتُ في اليمن لها مَسَدٌ، وكانت تُفْتَلُ، وقال: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: حبلٌ مِن نارٍ في رقبتِها. وقال آخرون: المَسَدُ اللِّيفُ (٢). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن يزيدَ، عن عروةَ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: سلسلةٌ من حديدٍ، ذَرْعُها سَبْعون ذراعًا (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن رجلٍ يقالُ

стр. 16668

له: يزيدُ. عن عروة بنُ الزُّبير: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: سلسلةٌ ذَرْعُها سبعون ذراعًا. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ، عن عروةَ بن الزبيرِ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: سلسلةٌ ذَرْعُها سبعون ذراعًا. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: من حديدٍ (١). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: حبلٌ في عنقِها في النارِ مثلُ طوقٍ، طولُه سبعون ذراعًا (٢). وقال آخرون: المَسَدُ: الحديدُ الذي يكونُ في البَكَرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْران، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: الحديدةُ التي تكونُ في البَكَرةِ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: عُودُ البكرةِ مِن حديدٍ. حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن

стр. 16669

مجاهد: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: [كحديدةِ البكرةِ] (١). حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى (٢)، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قال أبو المعتمِرِ: زعم محمدٌ أنَّ عكرمة قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾: إنه الحديدةُ التي في وَسَطِ البَكَرةِ. وقال آخرون: هو قِلادةٌ مِن وَدَعٍ في عنقِها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: قِلادةٌ مِن وَدَعٍ. حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾. قال: قِلادةٌ مِن وَدَعٍ (٣). وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هو حبلٌ جُمع مِن أنواعٍ مختلفةٍ. ولذلك اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه على النحوِ الذي ذكَرْنا، ومما يدلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ الراجزِ (٤): ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أَيانِقِ (٥)

стр. 16670

صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخٍّ زَاهِقِ (١) فجعَل إمرارَه من شتَّى، وكذلك المَسَدُ الذي في جِيدِ امرأَةِ أَبي لَهَبٍ أُمِرَّ مِن أشياءَ شتَّى؛ مِن لِيفٍ وحديدٍ ولِحاءٍ، وجُعِل في عنقِها طوقًا كالقِلادةِ مِن وَدَعٍ، ومنه قولُ الأعشى (٢): تُمْسِى فَيَصْرِفُ بابُها مِن دُونِنَا … غَلَقًا صَرِيفَ مَحَالَةِ الأَمْسَادِ يعنى بالأَمسادِ جمع مَسَدٍ، وهى الحبالُ. آخرُ تفسيرِ سورةِ "تَبَّت"

стр. 16671

تفسير سورةِ "الإخلاصِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القول في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. ذُكر أنَّ المشركين سألوا رسول اللَّهِ ﷺ عن نسبِ ربِّ العزةِ، فأنزَل اللَّهِ هذه السورةَ جوابًا لهم. وقال بعضُهم: بل نزَلت مِن أجلِ أنَّ اليهودَ سألوه، فقالوا له: هذا اللَّهِ خلَق الخلْقَ، فمن خلق اللَّهِ؟ فأُنزِلت جوابًا لهم. ذِكْرُ مَن قال: أُنزِلت جوابًا للمشركين الذين سألوه أن ينسُبَ لهم الربَّ ﵎ حدَّثنا أحمدُ بن منيعٍ المَرْوَزِيُّ ومحمودُ بن خِداشِ الطَّالْقَانيُّ، قالا: ثنا أبو [سعدٍ الصغانيُّ] (١)، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال المشركون للنبيِّ ﷺ : انسُبْ لنا ربَّك. فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (٢).

стр. 16672

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، قال: إِنَّ المشركين قالوا: يا محمدُ (١)، أَخْبِرْنا عن ربِّكَ، صِف لنا ربَّك ما هو؟ ومن أي شيءٍ هو؟ فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إلى آخرِ السورةِ (٢). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. قال: قال ذلك قادةُ الأحزابِ، انسُبْ لنا ربَّك. فأتاه جبريلُ بهذه (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا سُرَيْجٌ (٤)، قال: ثنا إسماعيلُ بن مُجَالدٍ، عن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن جابرٍ، قال: قال المشركون للنبيِّ ﷺ : انسُبْ لنا ربَّك. فأنزل اللَّهِ ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٥). ذكرُ مَن قال: نزَل ذلك من أجلِ مسألةِ اليهودِ حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدٍ، عن سعيدٍ، قال: أتَى رهطٌ من اليهودِ النبيَّ ﷺ ، فقالوا: يا محمدُ، هذا اللهُ خلَق

стр. 16673

الخلْقَ، فمن خلَقه؟ فغَضب النبيُّ ﷺ حتى انْتُقِع لونُه (١)، ثم ساوَرَهم (٢) غضبًا لربِّه، فجاءه جبريلُ ﵇ فسكَّنه، وقال: اخْفِضْ عليك جَناحَك يا محمدُ. وجاءه مِن اللَّهِ جوابُ ما سألوه عنه، قال: يقولُ اللَّهِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فلما تلا عليهم النبيُّ ﷺ ، قالوا: صِفْ لنا ربَّك كيف خَلْقُه، وكيف عَضُده، وكيف ذِراعُه؟ فغَضِب النبيُّ ﷺ أشدَّ مِن غضبِه الأوَّلِ، وساوَرَهم غضبًا، فأتاه جبريلُ فقال له مثلَ مقالتِه، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣) [الزمر: ٦٧]. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبةً، عن قتادةَ، قال: جاء ناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالوا: انسُبْ لنا ربَّك. فنزَلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختَم السورةَ (٤). فتأويلُ الكلامِ إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا: قلْ يا محمدُ لهؤلاء السائليك عن نسبِ ربِّك وصِفتِه، ومَن خلَقه: الربُّ الذي سألتموني اللَّهِ الذي له عبادةُ كلِّ شيءٍ، لا تَنْبِغى العبادةُ إلا له، ولا تصلُحُ لشيءٍ سواه. واختلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ ﴿أَحَدٌ﴾؛ فقال بعضُهم (٥): الرافعُ له ﴿اللَّهُ﴾، و ﴿هُوَ﴾ عمادٌ بمنزلةِ الهاءِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩]. وقال آخر منهم (٦): بل هو مرفوعٌ - وإن كان نكرةً - بالاستئنافِ، كقولِه: (هذا بَعْلِي شيخٌ) (٧). وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾. جوابٌ لكلامِ قومٍ قالوا له: ما الذي

стр. 16674

تعبُدُ؟ فقال: الله هو ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحدٌ. وقال آخرون: ﴿أَحَدٌ﴾. بمعنى: واحدٌ. وأنكر أنْ يكونَ العمادُ مستأنَفًا به، حتى يكون قبله حرفٌ من حروفِ الشكِّ، كـ "ظنَّ" وأخواتِها، و "كان" وذواتِها، أو "إنَّ" وما أشبهَها. وهذا القولُ الثاني هو أشبهُ بمذاهبِ العربيةِ. واختلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأة الأمصار: ﴿أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ بتنوينِ ﴿أَحَدٌ﴾. سوى نصرِ بن عاصمٍ، وعبدِ اللهِ بن أبى إسحاقَ، فإنه رُوِى عنهما تركُ التنوين: (أَحَدُ اللهُ) (١). وكأَنَّ مَن قرَأ ذلك كذلك، قال: نونُ الإعراب إذا استقبلَتْها الألفُ واللَّامُ أو ساكنٌ من الحروفِ حُذِفت أحيانًا، كما قال الشاعرُ (٢): كَيْفَ نَوْمِي عَلى الفِرَاشِ وَلَمَّا … تَشْمَلِ الشَّامَ غَارَةٌ شَعْوَاءُ تُذْهِلُ الشَّيْخ عن بَنِيهِ، وَتُبْدِى … عن خِدام العَقِيلَةُ العَذْرَاءُ يريدُ: عن خدامٍ العَقيلةُ. والصوابُ في ذلك عندنا التنوينُ؛ لمعنيين: أحدُهما: أنه أفصحُ اللُّغتين، وأشهرُ الكلامينِ، وأجودُهما عند العربِ. والثاني: إجماعُ الحجةِ من قرأةِ الأمصارِ على اختيارِ التنوينِ فيه، ففى ذلك مُكْتفًى عن الاستشهادِ على صحتِه بغيرِه. وقد بيَّنَّا معنى قوله أَحَدٌ فيما مضى، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضِع (٣).

стр. 16675

وقولُه: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، الصمدُ. واختلف أهلُ التأويلِ في معنى الصمدِ؛ فقال بعضُهم: هو الذي ليس بأجوفَ، ولا يأكلُ ولا يشربُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن سلمةَ بن سابورَ، عن عطيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي ليس بأجوفَ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الذي لا جوفَ له (٢). حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه سواءً (٣). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: المُصْمَتُ الذي ليس له جوفٌ (٤).

стр. 16676

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ووكيعٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا الربيعُ بنُ مسلمٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (٢). قال: ثنا الربيعُ بنُ مسلمٍ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، قال: أَرْسَلنى مجاهدٌ إلى سعيدِ بن جبيرٍ أسألُه عن: ﴿الصَّمَدُ﴾. فقال: الذي لا جوفَ له (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا إسماعيلُ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يَطْعَمُ الطعامَ (٤). حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ أنه قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يأكلُ الطعامَ ولا يشربُ الشرابَ (٥). حدَّثنا أبو كريبٍ وابن بشارٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (٦).

стр. 16677

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يأكلُ الطعامَ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ وزيدُ بنُ أَخْزَمَ، قالا: ثنا ابنُ داودَ، عن المستقيمِ بن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا حِشْوةَ له (١). حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (٢). حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرَ بن روميٍّ، عن عبيدِ اللهِ بن سعيدٍ قائد الأعمشِ، قال: ثنى صالحُ بن حيَّانَ، عن عبدِ اللهِ بن بريدةَ، عن أبيه، قال: لا أعلمُه إلا قد رفَعه، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: "الذي لا جوفَ له" (٣). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن الربيعِ بن مسلمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوفَ له (٥). وقال آخرون: هو الذي لا يخرُجُ منه شيءٌ.

стр. 16678

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ، قال في قولِه: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يخرُجْ منه شيءٌ، ولم يَلِدْ، ولم يُولَدْ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاء محمدِ بن يوسفَ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا يخرُجُ منه شيءٌ (٢). وقال آخرون: هو الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، لأنه ليس شيءٌ [يَلِدُ إلا سيُورَثُ] (٣)، ولا شيءَ يُولَدُ إلَّا سيموتُ، فأخبَرهم تعالى ذكره أنه لا يُورَثُ ولا يموتُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ منيعٍ ومحمودُ بنُ خداشٍ قالا: ثنا [أبو سعدٍ الصَّغَانيُّ] (٤)، قال: قال المشركون للنبيِّ ﷺ : انسُبْ لنا ربَّك. فأنزل اللهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. لأنَّه ليس شيءٌ يُولد إلا سيموتُ، وليس شيءٌ يموتُ إلا سيُورَثُ، وإنَّ الله جلَّ ثناؤُه لا يموتُ ولا يُورَثُ، ﴿وَلَمْ

стр. 16679

يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: ولم يكنْ له شبيهٌ ولا عِدْلٌ، وليس كمثله شيءٌ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يكنْ له كُفُوًا أحدٌ (٢) وقال آخرون: هو السيِّدٌ الذي قد انتهى سُؤدَدُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثني أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: هو السيِّدُ الذي قد انتهَى سُؤدَدُه (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ وابن بشارٍ وابنُ عبدِ الأعلى، قالوا: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيِّدُ الذي قد انتهى سُؤدَدُه (٤). ولم يقُلْ أبو كريبٍ وابنُ عبدِ الأعلى: سُؤدَدُه.

стр. 16680

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ مثلَه (١). حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الصَّمَدُ﴾. يقولُ: السيِّدُ الذي قد كمُل في سُؤدَدِه، والشريفُ الذي قد كمُل في شَرفِه، والعظيمُ الذي قد كمُل (٢) في عظمتِه، والحليمُ الذي قد كمُل في حلمِه، والغنيُّ الذي قد كمُل في غِناه، والجبَّارُ الذي قد كمُل في جبروتِه، والعالِمُ الذي قد كمُل في علمِه، والحكيمُ الذي قد كمُل في حكمتِه، وهو الذي قد كمُل في أنواعِ الشرفِ والسُؤدَدِ، وهو اللهُ سبحانه، هذه صفتُه، لا تَنْبغِى إلا له (٣). وقال آخرون: بل هو الباقى الذي لا يَفْنى. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال: كان الحسنُ وقتادةُ يقولان: الباقى بعدَ خَلْقِه. قال: هذه سورةٌ خالصةٌ، ليس فيها ذكرُ شيءٍ مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ، ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾. الدائمُ (٥).

стр. 16681

قال أبو جعفرٍ: "الصَّمَدُ" عندَ العرب هو السيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه، الذي لا أحدَ فوقَه، وكذلك تُسمِّى أشرافَها، ومنه قولُ الشاعرِ (١): ألا بَكَّرَ النَّاعِى بِخَيْرَيْ بَنِي أَسَدْ … بعَمْرِو بن مسعودٍ وبالسيِّدِ الصَّمَدْ وقال الزِّبْرِقانُ (٢): * ولا رَهِينَةَ إِلا سَيِّدٌ صَمَدُ * فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ الكلمةِ، المعنى المعروفُ من كلامِ مَن نزَل القرآنُ بلسانِه، ولو كان حديثُ ابن بريدةَ عن أبيه صحيحًا، كان أولى الأقوالِ بالصحةِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعلمُ بما عَنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه، وبما أَنزَل عليه. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾. يقولُ: ليس بفانٍ، لأنه لا شيءَ يَلِدُ إلا وهو فانٍ بائدٌ، ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾. يقولُ: وليس بمُحْدَثٍ، لم يكنْ فكان؛ لأنَّ كلَّ مولودٍ فإنما وُجِد بعدَ أنْ لم يكنْ، وحدَث بعد أنْ كان غيرَ موجودٍ، ولكنه تعالى ذكرُه قديمٌ (٣) لم يَزَلْ، ودائمٌ [لا يَبيدُ] (٤) ولا يزولُ ولا يَفْنى.

стр. 16682

وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولم يكنْ له شبيهٌ (١) ولا مِثْلٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾: لم يكنْ له شبيهٌ (١)، ولا عِدْلٌ، وليس كمثلِه شيءٌ (٢). حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عمرِو بن غَيْلَانَ الثقفيِّ، وكان أميرَ البصرةِ، عن كعبٍ، قال: إنَّ الله تعالى ذكرُه أسَّس السماواتِ السبعَ والأَرَضينَ السبعَ على هذه السورةِ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. وإنَّ الله لم يُكافِئْه أحدٌ مِن خَلْقِه (٣). حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: ليس كمثله شيءٌ، فسبحانَ اللهِ الواحدِ القهَّارِ (٤). حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن جريجٍ (٥): ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا﴾: مِثْلٌ.

стр. 16683

وقال آخرون: معنى ذلك أنه لم يكنْ له صاحبةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ بن أَبْجَرَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: صاحبةٌ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن ابن أَبْجَرَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنٌ إدريسَ، عن عبد الملكِ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ابن أَبْجَرَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: صاحبةٌ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ الملكِ بن أَبْجَرَ، عن طلحةَ بن مُصَرِّفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال: صاحبةٌ. حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنٌ إدريسَ، عن عبدِ الملكِ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ مثلَه. والكُفُؤُ والكَفِيءُ والكِفَاءُ في كلامِ العربِ واحدٌ، وهو المِثْلُ والشَّبْهُ، ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٢):

стр. 16684

لا تَقْذِفَنِّي بِرُكْنٍ لا كِفَاءَ لَهُ … ولو تَأَثَّفَكَ (١) الأَعْدَاءُ بالرِّفَدِ يعني: لا كفاءَ له: لا مِثْلَ له. واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿كُفُوًا﴾؛ فقرَأ ذلك عامةٌ قرأةِ البصرةِ: ﴿كُفُوًا﴾ بضمِّ الكافِ والفاءِ. وقرَأه بعضُ قرأةِ الكوفةِ بتسكينِ الفاءِ وهمزِها: (كُفْئًا) (٢). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنْ يقالَ: إنهما لُغتان مَشْهورتان، وقراءتان معروفتان، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ. آخرُ تفسير سورةِ "الإخلاصِ"

стр. 16685

تفسيرُ سورةِ "الفلقِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولٌ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّستْ أسماؤُه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قل يا محمدُ: أستجيرُ بربِّ الفَلَقِ من شرِّ ما خلَق مِن الخَلْقِ. واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الفلَقِ؛ فقال بعضُهم: هو سجنٌ في جهنمَ يُسمَّى هذا الاسمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ، عمَّن حدَّثه عن ابن عباسٍ، قال: ﴿الْفَلَقِ﴾: سجنٌ في جهنمَ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد الزبيريُّ، قال: ثنا عبدُ السلام بنُ حربٍ، عن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ [بن أبي فَرْوَةَ، عن رجلٍ] (٢)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْفَلَقِ﴾. قال: سجنٌ في جهنمَ.

стр. 16686

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوَّام، عن (١) عبدِ الجبارِ الخولانيِّ (٢)، قال: قَدِم رجلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ الشامَ. قال: فنَظَر إلى دُورِ أهل الذِّمَّةِ وما هم فيه من العيشِ والنَّضارةِ، وما وُسِّع عليهم في دنياهم، قال: فقال: لا أُبالى (٣)، أليس مِن ورائِهم الفَلَقُ؟ قال: قيل: وما الفَلَقُ؟ قال: بيتٌ في جهنمَ، إذا فُتِح هرَّ (٤) أهل النارِ. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانٌ، قال: سمِعتُ السديَّ يقولُ: ﴿الْفَلَقِ﴾: حُبُّ في جهنمَ. حدَّثنى عليُّ بن حسنٍ الأَزْدِيُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ مثلَه. حدَّثني إسحاقُ بن وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ بنُ خزيمةَ الخُراسانيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرظيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى" (٥). حدَّثنا ابن البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبى مريمَ، قال: ثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى أُسيدٍ، عن ابن عَجلانَ، عن أبي عبيدٍ، عن كعبٍ، أنه دخَل كنيسةً فأعجَبه حسنُها، فقال: أحسن عملٍ وأضلُّ قومٍ، رضيتُ لكم الفلقَ. قيل: وما

стр. 16687

الفلقُ؟ قال: بيتٌ في جهنمَ إذا فُتِح صاح جميعُ أهل النارِ مِن شدةِ حرِّه. وقال آخرون: هو اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُ خُثيمَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: سألتُ أبا عبدِ الرحمنِ الحُبلِيَّ (٢) عن الفلقِ، قال: هي جهنمُ (١). وقال آخرون: الفلقُ الصبحُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبَّاسٍ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الفلقُ الصبحُ (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، قال: أنبأنا عوفٌ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الفلقُ الصبحُ (١). قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: الفلقُ الصبحُ (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيان، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه. حدَّثنى عليُّ بن الحسن الأزديُّ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن سالمٍ،

стр. 16688

عن سعيد بن جبير مثله. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عقيلٍ، عن جابرٍ، قال: الفلقٌ الصبحُ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عقيلٍ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ مثلَه (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا أبو صخرٍ، عن القرظيِّ، أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. يقولُ: فالقُ الحبِّ والنَّوى. وقرَأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ (٢) [الأنعام: ٩٦]. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الصبحِ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قال: الفلقُ فلقُ النهارِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: الفلقُ فلقُ الصبحِ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ الله: ﴿قُلْ

стр. 16689

أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. قيل له: فلقُ الصبحِ؟ قال: نعم. وقرَأ: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (١) [الأنعام: ٩٦]. وقال آخرون: الفَلَقُ: الخَلْقُ. ومعنى الكلامِ: قلْ أعوذُ بربِّ الخَلْقِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْفَلَقِ﴾. يعنى: الخَلْقِ (٢). والصوابُ من القولِ في ذلك أنْ يُقالَ: إِنَّ الله جلَّ ثناؤُه أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنْ يقولَ: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. والفلقُ في كلامِ العربِ فَلَقُ الصبحِ، تقولُ العربُ: هو أَبْيَنُ مِن فَلَقِ الصبحِ، ومِن فَرَقِ الصبحِ (٣). وجائزٌ أن يكونَ في جهنمَ سجنٌ اسمُه فَلَقٌ. وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكنْ جلَّ ثناؤُه وضَع دَلالةً على أنه عنَى بقولِه: ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ بعض ما يُدْعَى الفَلَقَ دونَ بعضٍ، وكان اللهُ تعالى ذكرُه ربَّ كلِّ ما خلَق مِن شيءٍ - وجَب أن يكون معنيًّا به كلُّ ما اسمُه الفَلَقُ، إذ كان ربَّ جميعِ ذلك. وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾؛ لأنَّه أمَر نبيَّه أنْ يَستعيذَ من شرِّ كلَّ شيءٍ، إذ كان كلُّ ما سواه، فهو ما خَلَق. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. يقولُ: ومن شَرِّ مُظْلِمٍ إذا دخَل وهجَم علينا بظلامِه.

стр. 16690

ثم اختلَف أهلُ التأويل في المُظْلِم الذي عُنِى في هذه الآيةِ، وأُمِر رسولُ اللهِ ﷺ بالاستعاذةِ منه؛ فقال بعضُهم: هو اللَّيلُ إِذا أَظْلَمَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: اللَّيلِ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عديٍّ، قال: أنبَأنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: أَوَّلِ اللَّيلِ إِذا أَظْلَم (٢). حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا [أبو صخرٍ، عن القرظيِّ أنه كان يقولُ في: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. يقولُ: النهارِ إِذا دخَل في اللَّيلِ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا] (٣) مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ مِن أهلِ المدينةِ، عن محمدِ بن كعبٍ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: هو غروبُ الشمسِ إذا جاء اللَّيلُ، إذا وجَب (٤). حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿غَاسِقٍ﴾. قال: اللَّيلِ، ﴿إِذَا وَقَبَ﴾. قال: إذا دخَل (٥). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ

стр. 16691

غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: اللَّيلِ إِذا أقبَل (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: إذا جاء. حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾. يقولُ: إذا أقبَل (٢). وقال بعضُهم: هو النهارُ إذا دخل في اللَّيلِ. وقد ذكَرْناه قبلُ (٣). حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ مِن أهلِ المدينةِ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظَيِّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: هو غروب الشمس إذا جاء اللَّيلُ، إذا وجَب (٤). وقال آخرون: هو كوكبٌ. وكان بعضُهم يقولُ: ذلك الكوكبُ هو الثُّريَّا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال أخبرنا سليمانُ بنُ حَيَّانَ، عن أبى المُهَزَّم، عن أبى هريرةَ في قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: كوكبٌ (٥). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: كانت العربُ تقولُ: الغاسِقُ: سقوطُ الثُّريَّا. وكانت الأسقامُ

стр. 16692

والطواعينُ تكثُرُ عندَ وقوعِها، وترتفِعُ عندَ طُلُوعِها (١). ولقائلي هذا القولِ علةٌ مِن أثرٍ عن النبيِّ ﷺ ، وهو ما حدَّثنا به نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا بكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ ابن أخى همَّامٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ بن عمرَ بن عبد الرحمنِ بن عوفٍ، عن أبيه، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ : ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: "النجمِ الغاسقِ" (٢). وقال آخرون: بل الغاسقُ إذا وقَب: القمرُ. ورَوَوْا بذلك عن النبيِّ ﷺ خبرًا حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن سفيانَ، قال: ثنا أبي ويزيدُ بنُ هارونَ به. وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي ذئبٍ، عن خالِه الحارثِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ، عائشةَ، قالت: أخَذ النبيُّ ﷺ بيدي، ثم نظَر إلى القمرِ، فقال: "يا عائشةُ، تَعَوَّذِي بالله من شرِّ غاسقٍ إذا وقَب، وهذا غاسقٌ إذا وقَب". وهذا لفظُ حديثِ أبي كريبٍ وابن وكيعٍ، وأما ابنُ حميدٍ فإنه قال في حديثِه: قالت: أخَذ النبيُّ ﷺ بيدى، فقال: "أَتَدْرِين أَيُّ شيءٍ هذا؟ تَعَوَّذِى باللهِ مِن شَرِّ هذا، فإِنَّ هذا الغاسِقُ إذا وقَب" (٣).

стр. 16693

حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن الحارثِ بن عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ نظَر إلى القمرِ، فقال: "يا عائشةُ، اسْتَعِيذِى باللهِ مِن شَرِّ هذا، فإِنَّ هذا الغاسِقُ إِذا وقَب" (١). وأولى الأقوالِ في ذلك عندي بالصوابِ أنْ يقالَ: إِنَّ الله أمَر نبيَّه ﷺ أَنْ يستعيذَ من شرِّ ﴿غَاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِمُ، يقال: قد غَسَق الليلُ يَغْسِقُ غُسُوقًا. إذا أَظْلَم. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾. يعنى: إذا دخَل في ظَلامِه، واللَّيلُ إذا دخَل في ظَلامِه غاسقٌ، والنجمُ إذا أفَل غاسقٌ، والقمرُ غاسقٌ إذا وقَب، [ولم يَخْصُصْ] (٢) بعضَ ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسقٍ فإنه ﷺ كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب. وكان قتادةُ يقولُ في معنى ﴿وَقَبَ﴾: ذَهَب. حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. قال: إذا ذهَب (٣). ولستُ أعرِفُ ما قال قتادةُ في ذلك، في كلامِ العربِ، بل المعروفُ مِن كلامها من معنى: ﴿وَقَبَ﴾: دخَل. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. يقولُ: ومِن شرِّ السواحرِ اللَّاتى يَنْفُثْن في عُقَدِ الخَيْطِ، حينَ يَرْقِين عليها. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

стр. 16694

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ *: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: ما خالَط (١) السِّحْرُ من الرُّقَى (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: السواحرِ والسَّحَرةِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: إيَّاكم وما خالط السِّحرُ مِن هذه الرُّقَى (٣). قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما من شيءٍ أقربَ إلى الشركِ من رُقْيَةِ [الحيةِ و] (٤) المجانينِ (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ إذا جاز (٦): ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: إيَّاكم وما خالط السِّحْرُ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ

стр. 16695

وعكرمة: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: قال مجاهدٌ: الرُّقَى في عُقَدِ الخَيْطِ. وقال عكرمةُ: الأخْذُ في عُقَدِ الخَيْطِ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾. قال: النفاثاتُ: السواحِرُ في العُقَدِ. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في الحاسدِ الذي أُمِر النبيُّ ﷺ أنْ يستعيذَ من شرِّ حسدِه به؛ فقال بعضُهم: ذلك كلُّ حاسدٍ أُمِر النبيُّ ﷺ أَنْ يَستَعِيدَ مِن شَرِّ عَينِه ونفسِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال: من شرِّ عينِه ونفسِه. وعن عطاءٍ الخُراسانيِّ مثلَ ذلك. قال معمرٌ: وسمِعتُ ابن طاوُسٍ يحدِّثُ عن أبيه، قال: العَينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابقَ القَدَرِ سَبَقَتْه العَينُ، وإذا اسْتُغْسِل (٢) أحدُكم فلْيَغْتَسِلْ (٣).

стр. 16696

وقال آخرون: بل أُمِر النبيُّ ﷺ بهذه الآيةِ أنْ يستعيذَ من شرِّ اليهودِ الذين حسَدوه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. قال: يهودُ (١)، لم يَمْنَعْهم أنْ يؤمنوا به إلا حسدُهم. وأولى القولين بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: أُمِر النبيُّ ﷺ أَنْ يَستعيذَ من شرِّ كلِّ حاسدٍ إذا حسَد؛ فعابه أو سَحَره، أو بغاه سُوءًا. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ الله لم يَخْصُصْ مِن قولِه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ حاسدًا دونَ، حاسدٍ، بل عمَّ أمرَه إيَّاه بالاستعاذةِ من شرِّ كلِّ حاسدٍ، فذلك على عمومِه. آخرُ تفسيرِ سورةِ "الفَلَقِ"

стр. 16697

تفسير سورة "الناسِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : قلْ يا محمدُ: أستجيرُ ﴿بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾. وهو مَلِكُ جميعِ الخَلْقِ؛ إنسِهم وجنِّهم، وغيرِ ذلك. إعلامًا منه بذلك مَن كان يُعَظِّمُ الناسَ تعظيمَ المؤمنين ربَّهم، أنه مَلِكُ مَن يُعظِّمُه، وأن ذلك في مُلْكِه وسُلْطانِه، تجري عليه قُدْرتُه، وأنه أولى بالتعظيمِ، وأحقُّ بالتعبُّدِ له ممن يُعظِّمُه ويتعبَّدُ له، من غيرِه مِن الناسِ. وقوله: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾. يقولُ: معبودِ الناس، الذي له العبادةُ دونَ كلِّ شيءٍ سواه. وقولُه: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾. يعني: من شرِّ الشيطانِ، ﴿الْخَنَّاسِ﴾: الذي يَخْنِسُ مرَّةً، ويُوسوِسُ أخرى. وإنما يَخْنِسُ فيما ذُكر عند ذكرِ العبدِ ربَّه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، عن سفيانَ، عن حكيمِ بن جبيرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما من مولودٍ إلا على قلْبِه الوَسْوَاسُ، فإذا

стр. 16698

عقَل فذكَر الله خَنَس، وإذا غَفَل وَسْوَس. قال: فذلك قولُه: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدٍ (٢)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. قال: الشيطانُ جاثمٌ على قلبِ ابن آدمَ، فإذا سها وغفَل وَسْوَس، وإذا ذكر الله خَنَس (٣). قال: ثنا مِهْرانُ، عن عثمانَ، عن مجاهدٍ: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. قال: يَنْبَسِطُ، فإذا ذكر الله خَنَس وانْقَبَض، فإذا غفَل انْبَسَط. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. قال: الشيطانُ يكونُ على قلبِ الإنسانِ، فإذا ذكر الله خَنَس (٤). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾. قال: هو الشيطانُ، وهو الخَنَّاسُ أيضًا، إذا ذكَر العبدُ ربَّه خَنَس، وهو يُوسْوِسُ ويَخْنِسُ (٥).

стр. 16699

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾. يعنى: الشيطانُ، يُوسْوِسُ في صَدْرِ ابن آدمَ، ويَخْنِسُ إذا ذكر الله. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن أبيه، قال: ذُكر لى أنَّ الشيطان - أو قال: الوَسْوَاسَ - يَنْفُثُ في قلبِ الإنسانِ عندَ الحزن وعندَ الفرحِ، وإذا ذكَر الله خَنَس (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الْخَنَّاسِ﴾. قال: الخَنَّاسُ الذي يُوسوس مرَّةً، ويَخْنِسُ مرَّةً، من الجنِّ والإنسِ، وكان يقالُ: شيطانُ الإنسِ أشدُّ على الناس من شيطانِ الجنِّ؛ شيطانُ الجنِّ يُوسوِسُ ولا تَراه، وهذا يُعاينُك معاينةً (٢). ورُوِى عن ابن عباسٍ ﵁ أنه كان يقولُ في ذلك: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾: الذي يُوسوِسُ بالدعاءِ إلى طاعتِه في صُدُورِ الناسِ، حتى يُستجابَ له إلى ما دعا إليه مِن طاعتِه، فإذا استُجيب له إلى ذلك خَنَس. ذكرُ الرواية بذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾. قال: هو الشيطانُ يأمرُه، فإذا أُطِيع خَنَس (٣). والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنْ يقالَ: إِنَّ الله تعالى ذكرُه أمَر نبيَّه

стр. 16700

محمدًا ﷺ أنْ يستعيذَ به مِن شرِّ شيطانٍ يُوسوِسُ مُرَّةً ويَخْنِسُ أخرى، ولم يخُصَّ وَسوستَه على نوعٍ من أنواعِها، ولا خُنُوسَه على وجْهٍ دونَ وجهٍ، وقد يُوسوِسُ بالدعاءِ إلى معصيةِ اللهِ، فإذا أُطيع فيها خَنَس، وقد يُوسوِسُ بالنَّهي عن طاعةِ اللهِ فإذا ذكَر العبدُ أمرَ ربِّه، فأطاعه فيه وعصى الشيطانَ، خَنَس، فهو في كلِّ حالتَيْه وَسْوَاسٌ خَنَّاسٌ، وهذه الصفةُ صفتُه. وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾. يعنى بذلك الشيطانَ الوَسْواسَ، الذي يُوسْوِسُ في صُدُورِ الناسِ؛ جِنِّهم وإنسِهم. فإن قال قائلُ: فالجنُّ ناسٌ فيقالَ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؟ قيل: قد سمَّاهم اللهُ في هذا الموضعِ ناسًا، كما سمَّاهم في موضعٍ آخرَ رِجالًا، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]. فجعَل الجنَّ رِجالًا، وكذلك جعَل منهم ناسًا. وقد ذُكر عن بعضِ العربِ أنه قال وهو يحدِّثُ: إذْ جاء قومُ مِن الجنِّ فوقَفوا، فقيل: من أنتم؟ فقالوا: ناسٌ مِن الجنِّ. فجعل منهم ناسًا، فكذلك ما في التنزيلِ من ذلك. آخرُ كتابِ التفسيرِ، والحمدُ للهِ العليِّ الكبيرِ