← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

يُطِيقُونَهُ﴾ فالرجلُ كان يُطيقُه وقد صام قبلَ ذلك، ثم يَعْرِضُ له الوَجَعُ أو العَطَشُ أو المرضُ الطويلُ، أو المرأةُ المرضِعُ لا تستطيعُ أن تصومَ، فإن أولئك عليهم مكانَ كلِّ يومٍ إطعامُ مسكينٍ، فإنْ أطعم مسكينيْن (١) فهو خيرٌ له، ومَن تكلَّف الصيامَ فصامه فهو خيرٌ له. حدَّثنا هنادٌ، قال: حدَّثنا عبدةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا خافت الحاملُ على نفسِها والمرضِعُ على ولدِها في رمضانَ، قال: تُفْطِران وتُطْعِمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا تقضيان صومًا (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، [عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرةَ] (٤)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه رأى أمَّ ولدٍ له حاملًا أو مُرضِعًا، فقال: أنتِ بمنزلةِ الذى لا يُطيقُه، عليك أن تُطْعِمى مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليك. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن [علىِّ بنِ ثابتٍ، عن نافعٍ] (٥)، عن ابنِ عمرَ مثلَ قولِ ابنِ عباسٍ في الحاملِ والمرضِعِ (٦).

стр. 1822

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ قال لأمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو مُرضِعٍ: أنتِ بمنزلةِ الذين لا يُطِيقونه، عليك الفداءُ ولا صومَ عليك. هذا إذا خافت على نفسِها. حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: هو الشيخُ الكبيرُ كان يُطِيقُ صومَ شهرِ رمضانَ وهو شابٌّ، فكبِر وهو لا يَسْتَطِيعُ صومَه، فَلْيَتَصَدَّقْ على مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أفْطَره، حينَ يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ (٢)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، غيرَ أنه لم يَقُلْ: حين يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةَ، عن سعيدِ بنِ المسُيَّبِ أنه قال في قولِ اللهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هو الكبيرُ الذى كان يصومُ فكبِر وعجَز عنه، وهى الحاملُ التى ليس عليها الصيامُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما طعامُ مسكينٍ، مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لكلِّ يومٍ حتى يَنْقَضِىَ رمضانُ (٣). وقرَأ ذلك آخَرون: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه (٤) فديةٌ طعامُ مسكينٍ) وقالوا: إنه

стр. 1823

الشيخُ الكبيرُ والمرأةُ العجوزُ اللذان قد كبِرا عن الصومِ، فهما يُكَلَّفانِ الصومَ ولا يُطِيقانِه، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ أفْطَراه مسكينًا. وقالوا: الآيةُ ثابتةُ الحكمِ منذُ أُنْزِلت لم تُنْسَخْ. وأنْكَروا قولَ مَن قال: إنها منسوخةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (يُطَوَّقُونَه) (١) حدَّثنا هنَّادٌ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فِدْيَةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: فكان يقولُ: هى للناسِ اليومَ قائمةٌ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طَعامُ مسكينٍ). [هو الشيخُ الكبيرُ يُفطِرُ ويُطعِمُ] (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) ويقولُ: هو الشيخُ

стр. 1824

الكبيرُ [يُفطِرُ و] (١) يُطْعمُ عنه. [حدثنا محمدُ بن بَشَّارٍ، قال: حدثنا عبدُ الوهابِ، قال: حدثنا أيوبُ، عن عِكْرِمَةَ أنه قال في هذه الآيةِ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) -وكذلك كان يَقْرَؤُها-: إنها ليست منسوخةً، كُلِّف الشيخُ الكبيرُ أن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا] (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرَأ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) (٣) حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: يصومُونَه، ولكن (الذين يُطوَّقونه) يعجِزون عنه (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: حدثنى محمدُ بنُ عبادِ بنِ جعفرٍ، عن أبى عَمرٍو مولى عائشةَ، أن عائشةَ كانت تَقْرَأُ: (يُطَّوَّقُونَه) (٥). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كان، يَقْرَؤُها: (يُطَّوّقُونَه). قال ابنُ جُريجٍ: وكان مجاهدٌ يَقْرَؤُها

стр. 1825

كذلك (١). حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: حدثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمةَ (وعلى الذين يطيقُونَه) قال: قال ابنُ عباسٍ: هو الشيخُ الكبيرُ. حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: (وَعلى الّذين يُطَوَّقُونَه). قال: يتجشّمونه، يَتكلّفُونَه (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن مسلمٍ المُلائىِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ). قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطيقُ فيُفْطِرُ ويُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا (٣). حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ (وعلى الذين يَطيقونه) قال: يُكلَّفونه، (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، قال: فهذه [ليست بمنسوخةٍ] (٤) لا يرخّصُ فيها إلا للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، أو مريضٍ يعلمُ أنه لَا يُشْفَى. [هذا عن مجاهدٍ] (٥). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (الذين يَطيقُونه) يتكلَّفونه

стр. 1826

(فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، ولم يُرخَّصْ هذا إلا للشيخ الكبيرِ (١) الذى لا يُطِيقُ الصومَ، أو المريضِ الذى يعلمُ أنه لا يُشْفَى (٢). هذا عن مجاهدٍ (٣). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ، ليستْ بمنسوخةٍ. حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) يقولُ: من لم يُطقِ الصومَ إلَّا على جَهدٍ فله أن يُفطِرَ ويُطعِمَ كلَّ يومٍ مسكينًا، والحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ والذى به سقمٌ دائمٌ (٤). حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هو الشيخُ الكبيرُ [أو المرأةُ] (٥) الذى كان يصومُ فى شبابِه، فلما كَبِر ضعُف (٦) عن الصومِ قبلَ أن يموتَ، فهو يُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا. قال هنادٌ: قال عَبيدةُ: فقلتُ (٧) لمنصورٍ: الذى يُطعَمُ كلَّ يومٍ نصفُ صاعٍ؟ قال: نعم.

стр. 1827

حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، قال: سألتُ مجاهدًا عن امرأةٍ لى وافقَ تاسِعُها شهرَ رمضانَ، ووافق حرًّا شديدًا، فأمرنى أن تُفْطِرَ وتُطعِمَ. قال: وقال مجاهدٌ: وتلك الرخصةُ أيضًا في المسافرِ والمريضِ، فإن اللهَ يقولُ: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ الذى لا يَسْتَطيعُ الصومَ يُفْطِرون فى رمضانَ، ويُطْعِمون عن كلِّ يومٍ مسكينًا. ثم قرَأ: (وعَلى الَّذينَ يُطوَّقُونَهُ (٢) فدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ" (٣). حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ (٤) الكِندىُّ، قال: حدثنا حفصٌ، عن حجاجٍ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يستطيعُ الصومَ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا (٥). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هم الذين يَتكلّفونَه (٦) ولا يُطيقونه، الشيخُ والشيخةُ (٧). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن أبى

стр. 1828

إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ، قال: هو الشيخُ والشيخةُ. حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وعلى الذين يطيقُونه) فأفطر (١). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ، عمن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى مثبتةٌ للكبيرِ والمرضعِ والحاملِ وعلى الذين يُطيقُون الصيامَ. حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال، أخبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: (وعلى الذين يطيقُونه)؟ قال: بلَغنا أن الكبيرَ إذا لم يَسْتَطِع الصومَ يَفتدِى من كلِّ يومٍ بمسكينٍ. قلت: الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ، أو الذى لا يَسْتَطيعُه إلا بالجَهْدِ؟ قال: بل الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُه بجهدٍ ولا بشيءٍ، فأما من استطاع بجَهدٍ فليصُمْه ولا عذرَ له فى ترْكِه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ (٣) اللهِ بنُ أبى يزيدَ: (وعلى الذين يطيقُونه) الآية. كأنه يعنى الشيخَ الكبيرَ. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: نزَلت في الكبيرِ الذى لا يستطيعُ صيامَ رمضانَ، فيفتدِى من كلِّ يومٍ بطعامِ مسكينٍ. قلتُ له: كمْ

стр. 1829

طعامُه؟ قال: لا أدرى، غيرَ أنه قال: طعامُ يومٍ (١). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطِيقُ الصومَ يُفطِرُ ويُطعِمُ عن (٢) كلِّ يومٍ مسكينًا. قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ لأن الهاءَ التى في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من ذكرِ "الصيامِ". ومعناه: وعلى الذين يُطِيقونَ الصيامَ فديةٌ طعامُ مسكينٍ. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجْمعينَ على أن مَن كان مُطِيقًا من الرجالِ الأصحَّاءِ المقيمينَ غيرِ المسافرينَ صومَ شهرِ رمضانَ، فغيرُ جائزٍ له الإفطارُ فيه والافتداءُ منه بطعامِ مسكينٍ، كان معلومًا أن الآيةَ منسوخةٌ، هذا مع ما يُؤيدُ هذا القولَ من الأخبارِ التى ذكرناها آنفًا عن معاذِ بنِ جبلٍ وابنِ عمرَ وسلَمةَ بنِ الأكوعِ، من أنهم كانوا بعدَ نزولِ هذه الآيةِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فى صومِ شهرِ رمضانَ بالخيارِ بينَ صومِه وسقوطِ الفديةِ عنهم، وبينَ الإفطارِ والافتداءِ من إفطارِه بإطعامِ مسكينٍ لكلِّ يومٍ أفطَره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزَلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأُلْزِموا فرضَ صومِه، وبطَل الخيارُ والفديةُ. فإن قال قائلٌ: وكيفَ تدَّعى إجماعًا من أهلِ الإسلامِ على أنَّ من أطاقَ صومَه وهو بالصِّفةِ التى وصَفْتَ فغيرُ جائزٍ له إلَّا صومُه، وقد علمتَ قولَ مَن قال: للحاملِ

стр. 1830

والمرضعِ إذا خافتا على أولادِهما لهما الإفطارُ، وإن أطاقتا الصومَ بأبدانِهما، مع الخبرِ الذى رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى حدثنا به هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: حدثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، عن أنسٍ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو يتغدَّى فقال: "تعَالَ أُحَدِّثْكَ؛ إن اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والحاملِ والمُرْضِعِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ" (١). قيل: إنّا لم ندَّعِ إجماعًا في الحاملِ والمرضعِ، وإنما ادَّعينَا في الرجالِ الذين وصفْنَا صِفَتَهم. فأما الحاملُ والمرضعُ فإنما علِمْنا أنهنَّ غيرُ مَعنياتٍ بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذ (٢) خَلَا الرجالُ أن يكونوا معنيِّينَ به؛ لأنهنَّ لو كنَّ مَعنياتٍ بذلك دونَ غيرِهنَّ من الرجالِ لقيل: وعلى اللواتِى يُطِقْنه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن ذلك كلامُ العربِ إذا أُفرِد الكلامُ بالخبرِ عنهن دونَ الرجالِ، فلمّا قيل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان معلومًا أنَّ المعنىَّ به الرجالُ دونَ النساءِ، أو الرجالُ والنساءُ، فلمَّا صحَّ بإجماعِ الجميعِ على أنَّ من أطاقَ من الرجالِ المقيمينَ الأصِحّاءِ صومَ شهرِ رمضانَ فغيرُ مرخَّصٍ له في الإفطارِ والافتداءِ، فخرَج الرجالُ من أن يكونوا معنيِّين بالآيةِ، وعُلِمَ أن النساءَ لم يُرَدْنَ بها؛ لما وصَفْنا من أن الخبرَ عن النساءِ إذا انفَرد الكلامُ بالخبرِ عنهن: وعلى اللواتى يُطِقْنَه. والتنزيلُ بغيرِ ذلك. وأما الخبرُ الذى رُوى عنِ النبىِّ ﷺ ، فإنه إن كان صحيحًا، فإنما معْناه أنه وُضِع عن الحاملِ والمرضعِ الصومُ ما دامتا عاجزتينِ عنه حتى تُطِيقَا فتَقْضِيَا، كما

стр. 1831

وُضِع عن المسافرِ في سفرِه حتى يقيمَ فيقضيَه، لا أنهمَا أُمِرَتَا بالفديةِ والإفطارِ بغيرِ وجوبِ قضاءٍ، ولو كان في قولِ النبىِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والمُرْضِعِ والحامِلِ الصومَ". دَلالةٌ على أنه ﷺ إنما عنَى أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه وضَع عنهم بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لوجَبَ ألا يكونَ على المسافرِ إذا أفطرَ في سفرِه قضاءٌ، وألا يَلْزَمَه بإفطارِه ذلك إلا الفديةُ؛ لأن النبىَّ ﷺ قد جمَع بينَ حكمِه وبينَ حُكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ اللهِ، ولِمَا أجمَع عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ. وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أنّ معْنى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: وعلى الذين يُطيقونَ الطعامَ. وذلك تأويلٌ لتأويلِ أهلِ العلمِ مخالفٌ. وأمّا قراءةُ مَن قرَأ ذلك: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه). فقراءةٌ لمصاحفِ أهلِ الإسلامِ خلافٌ (١)، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ الاعتراضُ بالرأىِ على ما نقَله المسلمونَ وراثةً عن نبِّيهم ﷺ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذرِ؛ لأن ما جاءت به الحجَّةُ من الدينِ هو الحقُّ الذى لا شكَّ فيه أنه من عندِ اللهِ، ولا يُعْتَرَضُ على ما قد ثبَت وقامتْ به حجةٌ أنه مِن عندِ اللهِ بالآراءِ والظنونِ والأقوالِ الشاذَّةِ. وأمّا معْنى "الفديةِ" فإنه الجزاءُ، من قولِك: فديتُ هذا بهذا. أى: جَزيتُه به، وأعطتُه بدلًا منه. ومعْنى الكلامِ: وعلى الذين يُطيقونَ الصيامَ جزاءُ طَعامِ مسكينٍ منه؛ لكلِّ يومٍ أفطرَه من أيامِ صيامِه الذى كُتِب عليه. وأمّا قولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِه؛ فبعضٌ

стр. 1832

يقرأُ بإضافةِ "الفديةِ" إلى "الطعامِ"، وخفضِ "الطعامِ"، وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ (١)، بمعْنى: وعلى الذين يُطيقونه أنْ يَفدُوه طعامَ مسكينٍ. فلمَّا جعَل مكانَ "أنْ يفديَه" "الفديةَ" أُضيفَت إلى "الطعامِ"، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةُ درهمٍ لك. بمعنى: لزمنى أنْ أَغرَم لك درهمًا. وآخرون يقرَءونه بتنوينِ "الفديةِ" ورفعِ "الطعامِ"، بمعنى الإبانةِ بالطعامِ (٢) عن معنى الفديةِ الواجبةِ على مَن أفطر في صومِه الواجبِ، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةٌ درهمٌ لك. فيُبينُ بالدرهم عن معنى الغرامةِ؛ ما هى وما حدُّها. وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ العراقِ (٣). وأوْلَى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: (فِدْيَةُ طَعَامِ) بإضافةِ "الفديةِ" إلى "الطعامِ"، [وتركِ تنوينِها وخفضِ "الطعامِ"] (٤)؛ لأن الفديةَ اسمٌ للفعلِ، وهى غيرُ الطعامِ المَفْدِىِّ به الصومُ، وذلك أن الفديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: فديتُ صومَ هذا اليومِ بطعامِ مسكينٍ، أَفديه فِدْيةً. كما يقالُ: جلستُ جِلسَةً، وَمَشَيْتُ مِشيةً. [فالفديةُ "فِعلةٌ"] (٥)، والطعامُ غيرُها. فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ (٦) أنَّ أصحَّ القراءتين إضافةُ الفديةِ إلى الطعامِ. وواضحٌ خطأُ قولِ مَن قال: إن تَرْكَ إضافةِ الفديةِ إلى الطعامِ أصحُّ في المعنَى، من

стр. 1833

أجْلِ أن الطعامَ عندَه هو الفديةُ. فيقالُ لقائلِ ذلك: قد علِمْنا أنّ الفديةَ مُقتضيةٌ مُفدِيًا ومُفْدًى به وفديةً، فإنْ كان الطعامُ هو الفديةَ، والصومُ هو المفدَى به، فأين اسمُ فعلِ المفتدِى (١) الذى هو فديةٌ؟ إنّ هذا القولَ بَيِّنٌ خطؤُه غيرُ مُشكلٍ. وأما "الطعامُ" فإنه مضافٌ إلى "المسكينِ". والقرأةُ في قراءةِ ذلك مختلِفون؛ فقرَأه بعضُهم بتوحيدِ المسكينِ (٢)، بمعنَى: وعلى الذين يُطِيقونه فديةُ طعامِ مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أَفْطَره. كما حدَّثنى محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا حسينٌ الجُعْفىُّ، عن أبى عَمرٍو أنه قرَأ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ رفعٌ منونٌ، ﴿طَعَامُ﴾ رفعٌ بغير تنوينٍ ﴿مِسْكِينٍ﴾. وقال: عن كلِّ يومٍ مسكينٌ. وعلى ذلك عُظْمُ قرأةِ أهلِ العراقِ. وقرَأه آخرون بجمعِ المساكينِ: (فديةُ طعام مساكينَ) (٣). بمعنى: وعلى الذين يُطيقونه فديةُ طعامِ مساكينَ عنِ الشهرِ إذا أفطرَ الشهرَ كلَّه. كما حدَّثنى أبو هشامٍ محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن عَمرٍو، عن الحسنِ: طعامُ مساكينَ عنِ الشهرِ كلِّه. وأَعجبُ القراءتينِ إلىَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. على الواحدِ، بمعنى: وعلى الذين يُطيقونَه عن كلِّ يومٍ أفطروه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن في إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وُصُولًا إلى معرفةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ، وليس

стр. 1834

في إبانةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ وصولٌ إلى إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وأيّامًا هى أقلُّ من أيامِ جميعِ الشهرِ، وأنّ كلَّ واحدٍ يُترجِمُ عن الجميعِ، وأن الجميعَ لا يُترْجَمُ به عنِ الواحدِ، فلذلك اخترْنا قراءةَ ذلك بالتوحيدِ. واختلفَ أهلُ العلمِ في مبلغِ الطعامِ الذى كانوا يُطعِمون في ذلك إذا أَفطَروا؛ فقال بعضُهم: كان الواجبُ من طعامِ المسكينِ لإفطارِ اليومِ الواحدِ نصفَ صاعٍ من قمحٍ. وقال بعضُهم: كان الواجبُ (١) مُدًّا من قمحٍ ومن سائرِ أقواتِهم. وقال بعضُهم: كان ذلك نصفَ صاعٍ من قمحٍ أو صاعًا من تمرٍ أو زبيبٍ. وقال بعضُهم: ما كان المفطِرُ يَتَقَوَّتُه يومَه الذى أفطَره. وقال بعضُهم: كان ذلك سَحورًا وعَشاءً يكونُ للمسكين إفطارًا. وقد ذكَرنا بعضَ هذه المقالاتِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادةَ ذِكرِها. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. اختَلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزادَ طعامَ مسكينٍ آخرَ فهو خيرٌ له، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢) حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ،

стр. 1835

عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١). حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: مَن أَطْعَمَ المسكينَ صاعًا (٢). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال: إطعامُ مساكينَ عن كلِّ يومٍ فهو خيرٌ له (٣). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حنظلةَ، عن طاوسٍ نحوَه. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: طعامُ مسكينَيْنِ (٤). حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ مثلَه. [حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ مثلَه] (٥).

стр. 1836

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ هارونَ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه قرَأ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ بالتاءِ، خفيفةً (١) ﴿خَيْرًا﴾. قال: زاد على مسكينٍ. حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. فإن أطعَم مسكينَيْنِ فهو خيرٌ له (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. قال: من أطعَم مسكينًا آخرَ (٣). وقال آخرون: معْنى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فصامَ مع الفديةِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبَرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: يريدُ أنَّ مَن صامَ مع الفديةِ فهو خيرٌ له (٤). وقال آخرون: معنَى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فزادَ المسكينَ على قدرِ طعامِه. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ

стр. 1837

جُريجٍ. قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾. فزاد طعامًا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (١). والصوابُ من القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فلمْ يَخْصُصْ بعضَ معانى الخيرِ دونَ بعضٍ، وجمعُ الصومِ مع الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، وزيادةُ مسكينٍ على جزاءِ الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، [وزيادةُ المسكينِ على قدرِ قوتِ يومِه مِن تطوُّعِ الخيرِ] (٢). وجائزٌ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أىَّ هذه المعانِى تطوَّع به المفتدِى مِن صومِه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾؛ لأنّ كلَّ ذلك من تطوُّعِ الخيرِ ونوافلِ الفضلِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأن تَصوموا ما كُتِب عليكم من صومِ (١) شهرِ رمضانَ خيرٌ لكم مِن أن تُفطِروه وتَفْتدُوا. كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ومَن تكلَّفَ الصيامَ فصامَه فهو خيرٌ له. حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: حدثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أى: إن الصيامَ خيرٌ لكم مِن الفديةِ. حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ

стр. 1838

أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: وأنْ تَصُومُوا هو (١) خَيْرٌ لكمْ (٢). وأما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه يعنى: إن كنتم تعلَمون خيرَ الأمرَين لكم أيّها الذين آمنوا؛ من الإفطارِ والفديةِ أو الصومِ على ما أمرَكم اللهُ به. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. قال أبو جعفرٍ: والشهرُ فيما قيلَ مأخوذٌ (٣) أصلُه من الشُّهرةِ، يقالُ منه: قد شَهَر فلانٌ سيفَه. إذا أخرَجه من غِمدِه فاعترَض به مَن أراد ضربَهُ، يَشْهَرُه شَهْرًا. وكذلك: شهَر الشهرُ. إذا طلَعَ هلالُه، وأشهَرْنا نحن، إذا دخَلنا في الشهرِ. وأما "رمضانُ"، فإن بعضَ أهلِ المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يزعُمُ أنه سُمِّى بذلك لشدةِ الحرِّ الذى كان يكونُ فيه حتى تَرمَضَ فيه الفِصالُ، كما قيل للشهرِ الذى يُحَجُّ: ذو الحِجةِ. والذى يُرتَبَعُ فيه: رَبيعٌ الأولُ وربيعٌ الآخرُ. وأما مجاهدٌ فإنه كان يَكْرَهُ أن يقالَ: رمضانُ. ويقولُ: لعله اسمٌ من أسماءِ اللهِ. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ أنه كرِه أن [يقول: رمضانُ] (٤). لعله اسمٌ من أسماءِ اللهِ، ولكن يقولُ كما قال اللهُ:

стр. 1839

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١). وقد بينتُ فيما مضَى (٢) أن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مرفوعٌ على قولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ هنَّ شهرُ رمضانَ. وجائزٌ أن يكونَ رفعُه بمعنى: ذلك شهرُ رمضانَ. وبمعنى: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضانَ. وقد قرأه بعضُ القرأةِ: (شَهْرَ رمضانَ) نصبًا (٣)، بمعنى: كُتِبَ عليكم الصيامُ أنْ تصوموا شهرَ رمضانَ. وقرَأه بعضُهم نصبًا بمعنى: وأنْ تصوموا شهرَ رمضانَ خيرٌ لكم إن كنتم تعلَمون. وقد يجوزُ أيضًا نصبُه على وجهِ الأمرِ بصومِه، كأنه قيل: شهرَ رمضانَ فصومُوه. وجائزٌ نصبُه على الوقتِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيامُ في شهرِ رمضانَ. وأما قولُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فإنه ذُكِر أنه نزَل في ليلةِ القدرِ من اللوحِ المحفوظِ إلى السماءِ الدنيا، في ليلةِ القدرِ من شهرِ رمضانَ، ثم أُنزِل إلى محمدٍ ﷺ على ما أراد اللهُ إنزالَه إليه. كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن الأعمشِ، عن حسانَ [بنِ أبى الأَشْرَسِ] (٤)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُنزِلَ القرآنُ

стр. 1840

جملةً مِن الذكرِ في ليلةِ أربعٍ (١) وعشرين من رمضانَ، فجُعِل في بيتِ العزَّةِ (٢). قال أبو كريبٍ: قال أبو بكرٍ: وقال ذلك السُّدِّىُّ. حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ، قال: ثنا يحيى بنُ (٣) عيسى، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: نزَل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في شهرِ رمضانَ، فجُعِل في السماءِ الدنيا (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا عمرانُ القطانُ، عن قتادةَ، عن ابنِ أبى المليحِ، عن واثِلةَ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "نزَلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ، وأُنزِلتِ التوراةُ لستٍّ مضَينَ من رمضانَ، وأُنزِل الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ خلتْ، وأُنزل القرآنُ لأربعٍ وعشرين من رمضانَ" (٥).

стр. 1841

حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: أما ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. فإن ابنَ عباسٍ قال: شهرُ رمضانَ، والليلةُ المباركةُ: ليلةُ القدرِ، فإن ليلةَ القدرِ هى الليلةُ المباركةُ، وهى في رمضانَ، نزَل القرآنُ جملةً واحدةً من الزُّبُرِ إلى البيتِ المعمورِ، وهو موقعُ (١) النجومِ في السماءِ الدنيا، حيث وقَع القرآنُ، ثم نُزِّل على محمدٍ ﷺ بعد ذلك في الأمرِ والنَّهىِ، وفى الحروبِ (٢) رَسَلًا (٣) رَسَلًا (٤). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أنزَل اللهُ القرآنَ إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدرِ، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُوحِىَ منه شيئًا أوْحاهُ، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) [القدر: ١]. حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عدىٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، فذكرَ نحوَه. وزاد فيه: فكان بين أولِه وآخرِه عشرون سنةً (٦). حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملَةً واحدةً في ليلةِ القدرِ، في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُحدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمعَه (٧).

стр. 1842

حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بنِ جُبيرٍ (١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ في ليلةِ القدرِ من السماءِ العُلْيا إلى السماءِ جملةً واحدةً، ثم فُرِّقَ في السنين بعدُ. قال: وتلا ابنُ عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: نزَل مُتفرِّقًا (٢). حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: بلَغنا أن القرآنَ نزَل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قراءةً (٣) عن (٤) ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال: قال ابنُ عباسٍ: نزَل القرآنُ جملةً واحدةً على جبريلَ في ليلةِ القدرِ، فكان لا يُنزِلُ منه إلا [ما أُمِر] (٥). قال ابنُ جُريجٍ: كان يُنزَّلُ من القرآنِ في ليلةِ القدرِ كلُّ شيءٍ يُنزَّلُ من القرآنِ في تلك السنةِ، فيتنَزّلُ (٦) ذلك من السماءِ السابعةِ على جبريلَ في السماءِ الدنيا، فلا يُنزِّلُ جبريلُ مِن ذلك علَى محمدٍ إلَّا ما أمَرهُ به ربُّه، ومثلُ ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. و: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٧) [الدخان: ٣]. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ،

стр. 1843

عن السُّدىِّ، عن محمدِ بنِ أبى المجالدِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال له رجلٌ: إنه قد وقَع في قلبى الشكُّ من قولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾. وقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. وقد أنزَل اللهُ في شوالٍ وذى القَعدةِ وغيرِه. قال: إنما نزَل في رمضانَ في ليلةِ القدرِ، وليلةٍ مباركةٍ جملةً واحدةً، ثم أُنزِل على مواقعِ النجومِ رَسَلًا في الشهورِ والأيامِ (١). وأما قولُه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعنى: رشادًا للناسِ إلى سبيلِ الحقِّ وقَصدِ المنهجِ. وأما قولُه: ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ فإنه يعنى: واضحاتٍ، ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ يعنى: من البيانِ الدالِّ على حدودِ اللهِ وفرائضِه وحلالِه وحرامِه. وقولُه: ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ يعنى: والفَصلِ بين الحقِّ والباطلِ. كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ فبيناتٍ من الحلالِ والحرامِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى شهودِ الشهرِ؛ فقال بعضُهم: هو مُقامُ المقيمِ في دارِه. قالوا: فمن دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مقيمٌ في دارِه، فعليه صومُ الشهرِ

стр. 1844

كلِّه، غابَ بعدُ فسافرَ أو أقام فلم يَبْرَحْ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ حُميدٍ ومحمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانىُّ، قالا: ثنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: هو إهلالُه بالدَّارِ. يريدُ إذا هَلَّ وهو مقيمٌ (١). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا حصينٌ، عمّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فإذا شهِده وهو مقيمٌ فعليه الصومُ، أقامَ أو سافرَ، وإن شهِده وهو في سفرٍ، فإن شاء صامَ، وإن شاءَ أفطرَ (٢). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في الرجل يُدركُه رمضانُ ثم يسافِرُ، قال: إذا شهِدتَ أولَه فَصُمْ آخرَه، ألا تراه يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)؟ حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ القُرْدوسيِّ (٤)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن رجلٍ أدرَك رمضانَ وهو مقيمٌ، قال: من صامَ أولَ الشهرِ فلْيصُمْ آخرَه، ألا تراه يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؟ حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، أما: ﴿فَمَنْ

стр. 1845

شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فمن دخَل عليه رمضانُ وهو مقيمٌ في أهلِه فلْيصُمْه، فإن خرَج فيه فلْيَصُمْه، فإنه دخَل عليه وهو في أهلِه (١). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجٌ قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرَنا قتادةُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، عن عليٍّ -فيما يحسَبُ حمادٌ- قال: مَن أدرَكه (٢) رمضانُ وهو مقيمٌ لم يخرُجْ فقد لزِمه الصومُ، لأن اللهَ جلّ وعزّ يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣). حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (٤)، عن إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن قولِ اللهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: من كان مقيمًا فلْيصُمْه، ومن أدْرَكَه ثم سافرَ فيه فلْيصُمْهُ. حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من شهِد أولَ رمضانَ فليصمْ آخرَهُ. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، أن عليًّا كان يقولُ: إذا أدرَكه رمضانُ وهو مقيمٌ ثم سافرَ فعليه الصومُ (٥). حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن عُبيدَةَ الضبيِّ، عن إبراهيمَ، قال: كان

стр. 1846

يقولُ: إذا أدْرَكَك رمضانُ فلا تسافِرْ فيه، فإن صُمتَ فيه يومًا أو اثنين ثم سافرتَ فلا تُفطِرْه، صُمْهُ (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَمرِو بنِ مُرّةَ، عن أبى البَخْترىِّ، قال: كنا عند عَبيدةَ فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: مَن صام شيئًا منه في المصرِ فلْيَصُمْ بقيتَه إذا خرَج. قال: وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطرَ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبى يزيدَ، عن أمِّ ذَرَّةَ (٣)، قالتْ: أتيتُ عائشةَ في رمضانَ، قالت: من أين جئتِ؟ قلتُ: من عند أخى حُنينٍ. قالت: ما شأنُه؟ قلتُ: ودَّعْتُه يريدُ يرتحِلُ. قالت: فأقرئيه السلامَ ومُرِيه فلْيُقِمْ، فلو أدرَكنى رمضانُ وأنا ببعضِ الطريقِ لأَقَمْتُ له (٤). حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى، عن أفلحَ، عن عبدِ الرحمنِ، قال: جاءَ إبراهيمُ بنُ طلحةَ إلى عائشةَ يسلِّمُ عليها (٥)، قالت: وأين تريدُ؟ قال (٦): أرَدتُ العمرةَ. قالت: فجلَستَ حتى إذا دخَل عليك الشهرُ خرجتَ فيه! قال: قد خرَج

стр. 1847

ثَقَلِى (١). قالت: اجلِسْ حتى إذا أفطرتَ فاخرُجْ. يعنى شهرَ رمضانَ (٢). وقال آخرون: معنى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فمن شهِدَ منكم الشهرَ فليصُمْ ما شهِدَ منه. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبى إسحاقَ، أن أبا مَيسرةَ خرَج في رمضانَ حتى إذا بلَغ القنطرةَ دعا بماءٍ فشرِب. حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: خرَج أبو مَيسرةَ في رمضانَ مسافرًا، فمرّ بالفُراتِ وهو صائمٌ، فأخَذ منه كفًّا فشرِبه وأفطَر (٣). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن مَرثدٍ، أن أبا ميسرةَ سافرَ في رمضانَ فأفطرَ عند بابِ الجسرِ. هكذا قال هنادٌ: عن مَرثدٍ. وإنما هو مَزْيَدٌ (٤). حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن مَزيدٍ (٥) أنه خرَج معَ أبى مَيسرةَ في رمضانَ، فلما انتهى إلى الجسرِ أفطرَ. حدَّثنا هنادٌ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن المسعودىِّ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ في ضَيعةٍ له على ثلاثٍ من المدينةِ، فخرَجْنا نريدُ

стр. 1848

المدينةَ في شهرِ رمضانَ وعلىٌّ راكبٌ وأنا ماشٍ، قال: فصام. قال هنادٌ: وأفطرتُ. وقال أبو هشامٍ: وأمَرنى فأفطَرتُ (١). حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عُتْبةَ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليِّ بنِ أبى طالبٍ، وهو جائىٌ (٢) من أرضٍ له، فصامَ وأمَرنى فأفطرتُ، فدخَل المدينةَ ليلًا وكان راكبًا وأنا ماشٍ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عيسى بنِ أبى عَزَّةَ، عن الشعبيِّ أنه سافر في شهرِ رمضانَ، فأفطرَ عند بابِ الجسرِ (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: قال لى سفيانُ: أحَبُّ إليَّ أن تُتِمَّه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا، وأردتُ أن أسافِرَ في رمضانَ، فقالا: اخْرُجْ. وقال حمادٌ: قال إبراهيمُ: أما إذا كان العَشْرُ فأحَبُّ إلىَّ أن يقيمَ. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، قالا: من أدرَكه الصومُ وهو مقيمٌ رمضانَ ثم سافرَ، قالا: إن شاءَ أفطرَ (٤).

стр. 1849

وقال آخرون: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يعنى: فمَن شهِده عاقلًا بالغًا مكلَّفًا فلْيصُمْه. وممن قال ذلك أبو حنيفةَ وأصحابُه، كانوا يقولُون: من دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صَومُه، فإن جُنَّ بعدَ دخولِه عليه، وهو بالصفةِ التى وصَفْنا، ثم أفاقَ بعدَ انقضائِه، لزِمه قضاءُ ما كان فيه مِن أيامِ الشهرِ مغلوبًا على عقلِه، لأنه كان ممَّنْ شهِده وهو مِمَّنْ عليه فُرِض. قالوا: فكذلك لو دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مجنونٌ إلا أنه ممَّنْ لو كان صحيحَ العقلِ كان عليه صومُه، [فلم يَنْقَضِ] (١) الشهرُ حتى صَحَّ وبرَأ و (٢) أفاقَ قبل انقضاءِ الشهرِ بيومٍ أو أكثرَ من ذلك، فإن عليه قضاءَ صومِ الشهرِ كلِّه سوى اليومِ الذى صامَه بعد إفاقَتِه، لأنه ممّن قد شهِد الشهرَ. وقالوا: ولو دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مجنونٌ فلم يُفِقْ حتى انقضى الشهرُ كلّه ثم أفاق، لم يَلْزَمْه قضاءُ شيءٍ منه، لأنه لم يكن ممّن شهِده مكلَّفًا صومَه. وهذا تأويلٌ لا معنى له؛ لأن الجنونَ إن كان يُسقِطُ عمّن كان به فرضَ الصومِ من أجلِ فَقْدِ صاحبِه عقلَه جميعَ الشهرِ، فقد يَجِبُ أن يكونَ ذلك سبيلَ كلِّ من فَقَد عقلَه جميعَ شهرِ الصومِ. [وقد أجمَع الجميعُ على أنّ مَن فقَد عقلَه جميعَ شهرِ الصومِ] (٣) بإغماءٍ أو بِرسامٍ (٤)، ثم أفاقَ بعد انقضاءِ الشهرِ، أنّ عليه قضاءَ الشهرِ كلِّه.

стр. 1850

لم يخالِفْ ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأُمّةِ. وإذا كان ذلك (١) إجماعًا، فالواجبُ أن يكونَ سبيلُ كلِّ مَن كان زائلَ العقلِ جميعَ شهرِ الصومِ سبيل المغمَى عليه. وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويلَ الآيةِ غيرُ الذى تأوَّلَها به (١) قائلو هذه المقالةِ من أنه شُهودُ الشهرِ أو بعضِه مُكلَّفًا صومَه. فإذا بطَل ذلك فتأويلُ المتأوِّلِ الذى زعَم أن معناه: فمن شهِد أولَه مقيمًا حاضرًا فعليه صومُ جميعِه. أبْطَلُ وأفْسَدُ، لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه خرَج عامَ الفتحِ من المدينةِ في شهرِ رمضانَ بعد ما صامَ بعضَه فأفطر وأمرَ أصحابَه بالإفطارِ. حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سافرَ رسولُ اللهِ ﷺ في رمضانَ من المدينةِ إلى مكةَ، حتى إذا أتى عُسْفانَ (٢) نزَل به، فدعا بإناءٍ فوضَعه على يدِه ليراهُ الناس، ثم شرِبَه ﷺ (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٤).

стр. 1851

حدَّثنا هنادٌ، ثنا عُبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (١). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: وحدثنى الزهرىُّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مضَى رسولُ اللهِ ﷺ لسفرِه عامَ الفتحِ لعشرٍ مَضَين من رمضانَ، فصامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وصام الناسُ معَه، حتى (٢) أتى الكَدِيدَ (٣)، ما بين عُسفانَ وأمَجَ (٤)، ثم (٥) أفطَر (٦). حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا عَبدةُ (٧)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ لعشرٍ أو لعشرينَ مضَتْ من رمضانَ عامَ الفتحِ، فصام حتى إذا كان بالكَدِيدِ أفطرَ (٨).

стр. 1852

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ عامرٍ، عن قتادةَ، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ، قال: خرَجنا مع النبىِّ ﷺ لثمانِ عشرةَ مضَتْ من رمضانَ، فمِنَّا الصائمُ، ومنَّا المفطرُ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطرِ، ولا المفطرُ على الصائمِ (١). [فإذ كان فاسدًا] (٢) هذان التأويلان بما عليه دللنا من فسادِهما، فبَيِّنٌ (٣) أن الصحيحَ من التأويلِ هو الثالثُ، وهو قولُ من قال: فمن شهِد منكم الشهرَ فليصُمْ جميعَ ما شهِد منه مقيمًا، ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. يعنى جلّ ثناؤه بذلك: ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فى الشهرِ فأفطَر فعليه صيامُ عدَّةِ الأيامِ التى أفطرَها من أيامٍ أُخَرَ غيرِ أيامِ شهرِ رمضانَ. ثم اختلَف أهلُ العلمِ فى المرضِ الذى أباحَ اللهُ به الإفطارَ، وأوجَب معه عدّةً من أيامٍ أُخرَ؛ فقال بعضُهم: هو المرضُ الذى لا يُطيقُ صاحبُه معه القيامَ لصلاتِه.

стр. 1853

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا مُعاذُ بنُ شعبةَ البصرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، وإسماعيلَ ابنِ مُسلمٍ، عن الحسنِ، [أنهما قالا] (١): إذا لم يَستطعِ المريضُ أن يُصلِّىَ قائمًا أفطَر (٢). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ أو عُبيدةَ، عن إبراهيمَ فى المريضِ إذا لم يَسْتَطعِ الصلاةَ قائمًا: فلْيُفطِرْ. يعنى فى رمضانَ. حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ الحسنَ: متى يفطِرُ الصائمُ؟ قال: إذا جَهَده الصومُ. قال: إذا لم يَستطعْ أن يصلِّىَ الفرائضَ كما أمِر (٣). وقال بعضُهم: هو كلُّ مرضٍ كان الأغلَبُ من أمْرِ صاحبِه بالصومِ الزيادةَ فى علَّتِه زيادةً غيرَ المحتمَلةِ. وذلك هو قولُ محمدِ بنِ إدريسَ الشافعىِّ (٤)، حدثنا بذلك عنه الربيعُ. وقال آخرون: هو كُلُّ (٥) مرضٍ يسمَّى مرضًا. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا الحسنُ بنُ خالدٍ الربعىُّ، قال: ثنا طريفُ بنُ

стр. 1854

شهابٍ (١) العُطاردىُّ، أنه دخَل على محمدِ بنِ سيرينَ فى رمضانَ وهو يأكُلُ فلمْ يسألْه، فلمّا فرَغ قال: إنه وَجِعتْ إصبَعى هذه (٢). والصوابُ من القولِ فى ذلك عندنا أن المرضَ الذى أذِنَ اللهُ بالإفطارِ معه فى شهرِ رمضانَ، من كان الصومُ جاهدَه جَهدًا غيرَ مُحتمَلٍ، فكلُّ من كان كذلك فله الإفطارُ، وقضاءُ عدّةٍ من أيامٍ أُخرَ، وذلك أنه إذا بلَغ ذلك الأمرَ، فإن لم يكنْ مأذونًا له فى الإفطارِ فقد كُلِّفَ عُسرًا، ومُنِعَ يُسرًا. وذلك غيرُ الذى أخبرَ اللهُ أنه أراده بخلقِه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. وأمّا منْ كانَ الصومُ غيرَ جاهدِه، فهو بمعنى الصحيحِ الذى يُطيقُ الصومَ، فعليه أداءُ فَرْضِه. وأما قولُه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ فإن معناها: أيامًا معدودةً سوى هذه الأيامِ. وأما "الأُخرُ" فإنها جمعُ "أُخرَى"، كجمعِهم (٣) "الكُبرَى" على "الكُبَرِ"، و"القُربى" على "القُرَبِ". فإن قال قائلٌ: أو ليست "الأُخرُ" من صفةِ الأيامِ؟ قيل: بلَى. [فإن قال: أوَليس واحدَ "الأيامِ" يومٌ وهو مذكَّرٌ؟ قيل: بلى] (٤).

стр. 1855

فإن قال: فكيف يكون واحدُ "الأُخر" "أخْرى" وهى صفةٌ لليومِ ولم يكُنْ "آخر"؟ قيل: إنّ واحدَ "الأيامِ" وإنْ كان إذا نُعِت بواحدِ "الأُخر" فهو "آخر"، فإنّ الأيامَ فى الجمعِ تصيرُ إلى التأنيثِ، فتصيرُ نعوتُها وصفاتُها كهيئةِ صفاتِ المؤنثِ، كما يقالُ: مضَت الأيامُ جُمعُ. ولا يقالُ: أجمعاتٌ (١)، ولا: أيامٌ أخرات (٢). فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلّ ثناؤه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ومعنى ذلك عندك: فعليه عدَّةٌ من أيامٍ أُخرَ. كما قد وصفتَ فيما مضَى، فإن كان ذلك تأويلَه، فما قولُك فى من كان مريضًا أو على سفرٍ فصامَ الشهرَ وهو ممن له الإفطارُ، أمُجزيه ذلك من صيامِ عدَّةٍ من أيامٍ أُخَر، أم غيرُ مُجزِيه ذلك؟ وفرضُ صومِ عدَّةٍ من أيامٍ أُخرَ ثابتٌ عليه بهيئتِه وإن صامَ الشهرَ كلَّه؟ وهل لمن كان مريضًا أو على سفرٍ صيامُ شهرِ رمضانَ، أم ذلك محظورٌ عليه، وغيرُ جائزٍ له صومُه؟ والواجبُ عليه الإفطارُ فيه حتى يُقيمَ هذا ويَبرأَ هذا؟ قيل: قد اختلَفَ أهلُ العلمِ فى كلِّ ذلك، ونحن ذاكرُو اختلافِهم فى ذلك، ومخبرونَ بأَوْلاهُ بالصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ؛ فقال بعضُهم: الإفطارُ فى المرضِ عَزْمةٌ من اللهِ واجِبةٌ، وليس بترخيصٍ.

стр. 1856

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإفطارُ فى السفرِ عزمةٌ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبرَنا شعبةُ (٢)، عن يَعْلَى، عن يوسفَ بنِ الحَكَمِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ -أو سُئِل- عن الصومِ فى السفرِ، فقال: أرأيت لو تصدّقتَ على رجُلٍ بصدقةٍ فردَّها عليك، ألم تغضَبْ؟ فإنها صدقةٌ مِن اللهِ تصدَّقَ بها عليكم (٣). حدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ حُمَيدٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان أبى لا يصومُ فى السَّفرِ وينهى عنه (٤). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيْدٌ، عن الضَّحَّاكِ أنه كرِه الصومَ فى السفرِ (٥). وقال أهلُ هذه المقالةِ: مَن صام فى السفرِ فعليه القضاءُ إذا أقام.

стр. 1857

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا (١) نصرُ بنُ علىٍّ الجَهْضَمِىُّ (٢)، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ ابنُ كُلْثومٍ، عن أبيه، عن رجلٍ، أن عمرَ أمَر الذى صام فى السفرِ أن يُعِيدَ (٣). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عَدِىٍّ، عن [شعبةَ، عن] (٤) عمْرِو بنِ دينارٍ، عن رجلٍ مِن بنى تميمٍ، عن أبيه، قال: أمَر عُمرُ رجُلًا صام فى السفرِ أن يُعِيدَ صومَه (٥). حدَّثنى أبو (٦) حميْدٍ الحِمْصِىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عمْرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، عن المُحَرَّرِ بنِ أبى هريرةَ، قال: كنتُ معَ أبى فى سفرٍ فى رمضانَ، فكنتُ أصومُ ويُفْطِرُ، فقال لى أبى: أمَا إنَّك إذا أقمتَ قضيتَ (٧). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ مولى قُرَيْبَةَ، قال: سمِعتُ عروةَ يَأْمُرُ رجلًا صام فى السفرِ أن يَقْضِىَ (٨).

стр. 1858

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ مولى قُريبةَ أن رجلًا صام في السفرِ فأمَره عروةُ أن يَقضىَ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ صَبِيحٍ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، عن أبيه كلثومٍ أن قومًا قدِموا على عمرَ بنِ الخطابِ، وقد صاموا شهرَ رمضانَ في سفرٍ، فقال لهم: واللهِ، لكَأَنَّكم كنتُم تصومون. فقالوا: واللهِ يا أميرَ المؤمنين، لقد صُمْنا. قال: فأطَقْتُموه؟ قالوا: نعم. قال: فاقْضُوه، فاقضوه، فاقضوه. وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ أن اللهَ فرَض بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ صومَ شهرِ رمضانَ على مَن شهِده مقيمًا غيرَ مسافرٍ، وجعَل على مَن كان مريضًا أو مسافرًا صومَ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ غيرِ أيامِ شهرِ رمضانَ بقولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قالوا: فكما غيرُ جائزٍ للمقيم إفطارُ أيامِ شهرِ رمضانَ وصومُ عِدَّةِ أيامٍ أُخَرَ مكانَها؛ لأن الذى فرَضه اللهُ عليه بشهودِه الشهرَ صومُ الشهرِ دونَ غيرِه، فكذلك غيرُ جائزٍ لمَن لم يَشْهَدْه مِن المسافرينَ مقيمًا صومُه؛ لأن الذى فرَضه اللهُ عليه عِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَرَ. واعتلُّوا أيضًا مِن الخبرِ بما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ الواسطىُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهْرِىُّ، قال: ثنا عبدُ (١) اللهِ بنُ موسى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ" (٢).

стр. 1859

حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ (١) اللهِ بنِ سعيدٍ، قال: ثنا [زيدُ، قال: أخبرنا] (٢) يزيدُ بنُ عِيَاضٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ" (٣). وقال آخرون: إباحةُ الإفطارِ في السفرِ رُخْصَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه رخَّصها لعبادِه، والفرضُ الصومُ، فمَن صام ففَرْضَه (٤) أدَّى، ومَن أفطَر فبرخصةِ اللهِ له أفطَر. قالوا: وإن صام في سفرِه (٥) فلا قضاءَ عليه إذا أقام. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: حدّث عُرْوَةُ وسالمٌ أنهما كانا عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -إذ هو أميرٌ على المدينةِ- فتذاكَروا الصومَ في السفرِ، فقال سالمٌ: كان ابنُ عمرَ لا يصومُ في السفرِ. قال عروةُ: كانت عائشةُ تصومُ. فقال سالمٌ: إنما أُحَدِّثُ (٦) عن ابنِ عمرَ. وقال عروةُ: إنما أُحَدِّثُ (٦) عن

стр. 1860

عائشةَ. حتى ارتفَعتْ أصواتُهما، فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: اللهمَّ غَفْرًا (١)، إذا كان يُسْرًا فصوموا، وإذا كان عُسْرًا فأفْطِروا (٢). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، قال: حدَّثنى رجلٌ، قال: ذُكِر الصومُ في السفرِ عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ بَشَّارٍ (٣). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، ثنا ابنُ إسحاقَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: خرَج عمرُ بنُ الخطابِ في بعضِ أسفارِه في ليالٍ بَقِيتْ من رمضانَ، فقال: إن الشهرَ قد تَسَعْسَعَ (٤) -قال أبو كُرَيْبٍ في حديثه: أو تَسَغْسَغَ (٥)، ولم يَشُكَّ يعقوبُ- فلو صُمْنا! فصام وصام الناسُ مَعَه، ثم أقبَل مرةً قافلًا حتى إذا كان بالرَّوْحاءِ (٦) أهلَّ هلالُ شهرِ رمضانَ، فقال: إن اللهَ قد قضَى السفَرَ، فلو صُمْنا ولم نَثلِمْ (٧) شهرَنا! قال: فصام وصام الناسُ معَه (٨). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنى أبى، وحدَّثنى
следующие страницы →