← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

السُّدِّيِّ، قال: أمّا حدودُ اللهِ فشروطُه (١). وقال بعضُهم: حدودُ اللهِ: معاصِيه. ذِكرُ مَن قال ذلك حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ المروزيِّ، قال: سمِعتُ [أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا] (٢) عُبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾. يقولُ: معصيةُ اللهِ، يعْني: المباشرةَ في الاعتكافِ (٣). القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾. يعني تعالى ذكرُه بذلك: كما بينتُ لكم أيُّها الناسُ واجِبَ فرائِضي عليكُم من الصومِ، وعرَّفْتُكم حدودَه وأوقاتَه، وما عليكم منه في الحضرِ، وما لكم فيه في السفرِ والمرضِ، وما اللازمُ لكم تجنُّبُه في حالِ اعتكافِكُم في مساجدِكم، فأوضحتُ جميعَ ذلك لكم، فكذلك أُبَيِّنُ أحْكامِي وحلَالِي وحرامِي وحدُودِي وأمْرِي ونهْيي في كتابِي وتنزيلي، وعلى لسانِ رسولي للناسِ. ويعني بقولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقول: أُبيِّنُ ذلك لهم ليتَّقوا محارمِي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطِي وغَضبِي بتركِهم ركوبَ ما أبيِّنُ لهم في آياتِي أنِّي قد حرَّمتُه عليهم، وأمرْتُهم بهجرِه وترْكِه. القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى

стр. 1927

الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ولا يأكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بالباطلِ. فجعَل تعالى ذكرُه آكِلَ مالِ أخِيه بالباطلِ كالآكلِ مالَ نفسِه بالباطلِ. ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. وقولُه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. بمعنى: لا يَلْمِزْ بعضُكم بعضًا، ولا يقتُلْ بعضُكم بعضًا؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه جعَل المؤمنين إخوةً، فقاتلُ أخيه كقاتلِ نفسِه، ولامِزُه كلامِزِ نفسِه. وكذلك تفعلُ العربُ، تَكنى عن أنْفُسِها بإخوتِها، وعن إخوتِها بأَنْفُسِها، فتقولُ: أخي وأخوك أيُّنَا أبْطشُ. يعني: أنا وأنت نصْطَرِعُ فنَنْظُرُ أيُّنَا أشَدُّ. فيَكنى المتكلمُ عن نفْسِه بأخِيه؛ لأنّ أخَا الرجلِ عندَها كنفسِه، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (١): أخِي وأخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْـ … ــرِ (٢) لَيْسَ لَنا (٣) مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ (٤) فتأويلُ الكلامِ: ولا يأكلْ بعضُكُم أموالَ بعضٍ فيما بيْنَكم بالباطلِ. وأكلُه بالباطلِ: أكلُه مِن غيرِ الوجهِ الذي أباحَه اللهُ تعالى ذكرُه لآكِلِيه. وأما قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ فإنه يعني: وتُخاصِمُوا بها، يعني: بأموالِهم (٥) ﴿إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾. يعني: طائفةً ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1928

ويعني بقوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بالحرامِ الذي قد حرَّمَه اللهُ عليكم. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتُم تَعَمَّدون أكلَ ذلك بالإثمِ على قَصْدٍ منكم إلى ما حرَّم اللهُ عليكم منه، ومَعرفةٍ بأنّ فِعلَكم ذلك معصيةٌ للهِ وإثمٌ. كما حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: فهذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بينةٌ، فيجحَدُ المالَ فيخاصِمُهم فيه إلى الحكامِ وهو يعرفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يعلمُ أنه آثمٌ آكلٌ حرامًا (١). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: لا تُخاصِمْ وأنت ظالمٌ (٢). حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: وقد كان يقالُ: من مشَى مع خَصمِه وهو له ظالمٌ فهو آثمٌ حتى يرجِعَ إلى الحقِّ. واعلمْ يا بنَ آدمَ أنّ قضاءَ القاضِي لا يُحِلُّ لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضِي القاضِي بنحوِ ما يرَى ويشهَدُ به

стр. 1929

الشهودُ، والقاضي بشرٌ يخطئُ ويصيبُ. واعلَموا أنه مَن قد قُضِي له بباطلٍ، فإنَّ خصومتَه لَمْ تنقَضِ حتى يجمَعَ اللهُ بينَهما يومَ القيامةِ، فيقضِيَ على المبطلِ للمحقِّ بأجودَ (١) مما قُضِيَ به للمبطِلِ على المحقِّ في الدنيا (٢). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: لَا تُدْلِ بمالِ أخيكَ إلى الحاكمِ وأنت تعَلمُ أنك ظالمٌ، فإنّ قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك (٣). حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أما "الباطلُ"، يقولُ: يظلِمُ الرجلُ منكم صاحبَه، ثم يُخاصِمُه ليقْطعَ مالَه وهو يعلمُ أنه ظالمٌ، فذلك قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٤). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني خالدٌ الواسطيُّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: هو الرجلُ الذي يشترِي السِّلْعةَ فيردُّها ويَردُّ معها درَاهمَ (٥). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. قال: يكونُ

стр. 1930

أجدَلَ منه، وأعرفَ بالحجةِ، فيخاصِمُه في مالِه بالباطلِ، ليأكلَ مالَه بالباطلِ. وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. قال: هذا القِمارُ الذي كان يعملُ به أهلُ الجاهليةِ (١). وأصلُ "الإدلاءِ" إرسالُ الرَّجُلِ الدَّلوَ في سببٍ (٢) مُتعلقًا به في البئرِ. فقيل للمُحْتَجِّ لِدَعواهُ (٣): أدْلَى بحجةِ كَيتَ وكَيتَ. إذ كانت حُجَّتُه التي يحتجُّ بها سبَبًا له هو به مُتعلِّقٌ في خُصومَتِه، كتعلُّقِ المستقِي من بئرٍ بدَلو قد أرسلَها فيها بسبَبِها الذي الدَّلوُ به مُتعلقةٌ، يقالُ فيهما جميعًا - أعني من الاحتجاجِ، ومِن إرسالِ الدَّلوِ في البئرِ بسببٍ -: أدلَى فلانٌ بحجَّتِه فهو يُدْلي بها إدلاءً، وأدْلَى دلْوَه في البئرِ فهو يُدْليها إدلاءً. وأما قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. فإنّ فيه وجهين من الإعرابِ؛ أحدُهما، أن يكونَ قولُه ﴿وَتُدْلُوا﴾ جَزْمًا عطفًا على قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤): ولَا تُدلوا بها إلى الحكَّامِ. وقد ذُكرَ أن ذلك كذلكَ في قراءةِ أُبيٍّ، بتكريرِ حرف النَّهْي: (وَلَا تُدْلوا بها إلى الحكَّامِ) (٥). والآخرُ منهما، النصبُ على الصرفِ (٦)، فيكونُ معناه حينئذٍ: لا تأكُلوا

стр. 1931

أموالَكم بينكم بالباطلِ وأنتم تُدلُون بها إلى الحكَّامِ، كما قال الشاعر (١): لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ بمعنى: لا تنْهَ عن خلقٍ وأنت تأتي بمثلِه، عارٌ عليك. وهو أنْ يكونَ في موضعِ جزمٍ - على ما ذُكرَ من (٢) قراءةِ أُبيٍّ - أحسنُ منه أن يكونَ نصبًا. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. ذُكرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئلَ عن زيادةِ الأهلَّةِ ونُقصانِها، واختلافِ أحوالِها، فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ جوابًا لهم فيما سألوا عنه. ذِكرُ الأخبارِ بذلك حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. قال قتادةُ: سألوا نبيَّ اللهِ ﷺ عن ذلك: لمَ جُعِلتْ هذه الأهلةُ؟ فأنزل اللهُ فيها ما تسمَعون: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. فجعَلها لصومِ المسلمِين ولإفطارِهم، ولمناسِكِهم وحَجِّهم، ولعِدَّةِ نسائِهم، ومحِلِّ دَينِهم، و (٣) في أشياءَ، واللهُ أعلمُ بما يُصلحُ خلقَه (٤). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ،

стр. 1932

قال: ذُكرَ لنا أنهم [سألوا النَّبِيَّ] (١) ﷺ : لَمْ خُلقتِ الأهلةُ؟ فأنزل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. جعلَها اللهُ مواقيتَ لصومِ المسلمِين وإفطارِهم، ولحجِّهم ومناسِكِهم، ولعدَّةِ نسائهِم، وحَلِّ ديونِهم (٢). حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. قال: هي مواقيتُ لهم (٣) في حجِّهم وصوْمِهم وفطرِهم ونُسكِهم (٤). حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال الناسُ: لِمَ [جعِلت هذه] (٥) الأهلةُ؛ فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾؛ لصومِهم وإفطارِهم، وحجِّهم ومناسِكِهم. قال: قال ابنُ عباسٍ: ووقتِ حجِّهم، وعِدَّةِ نسائِهم، وحَلِّ ديونِهم (٦). حَدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: فهي مواقيتُ للطلاقِ والحيضِ والحجِّ (٧). وحدِّثتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يعْني:

стр. 1933

حَلَّ دَيْنِهم، ووقتَ حجِّهم، وعِدَّةَ نسائهم (١). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأل الناسُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الأهلةِ، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: يعلَمون بها حَلَّ دَيْنِهم، وعِدَّةَ نسائِهم، ووقتَ حجِّهم (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ نجيٍّ (٣)، عن عليٍّ أنه سُئلَ عن قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. قال: هي مواقيتُ الشهرِ هكذا وهكذا وهكذا - وقبَض إبهامَه - فإذا رأيتمُوه فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطِرُوا، فإنْ غُمَّ عليكم فأتِمُّوا ثلاثِين (٤). فتأويلُ الآيةِ - إذا كان الأمرُ على ما ذكَرناه عمَّن ذكَرنَا عنه قولَه في ذلك -: يسألُونك يا محمدُ عن الأهلةِ ومحاقِها (٥) وسِرَارِها وتمامِها واستوائِها وتغيرِ أحوالِها بزيادةٍ ونقصانٍ ومُحاقٍ واسْتِسرارٍ، وما المعنى الذي خالفَ بينَه وبينَ الشمسِ التي هي دائمةٌ أبدًا على حالٍ واحدةٍ لا تتغيرُ بزيادةٍ ولا نقصانٍ؟ فقلْ يا محمدُ: خالفَ بينَ ذلك ربُّكم لتصييرِه الأهلةَ - التي سألتم عن أمرِها ومخالفةِ ما بينَها وبينَ غيرِها فيما - خالف بينَها وبينَه - مواقيتَ لكم ولغيرِكم من بني آدمَ في معايشِهم، تُوَقِّتون (٦) بزيادتِها ونقصانِها ومحاقِها واسْتسرارِها وإهلالِكم

стр. 1934

إيَّاها، أوقاتَ حَلِّ ديونِكم، وانقضاءِ مدةِ إجارةِ من استأجَرْتُموه [مِن أُجَرائِكم] (١)، وتَصرُّمِ عِدةِ نسائِكم، ووقتَ صومِكم وإفطارِكم، فجعَلَها مواقيتَ للناسِ. وأمّا قولُه: ﴿وَالْحَجِّ﴾ فإنه يعني: وللحجِّ. يقولُ: وجعَلها أيضًا ميقاتًا لحجِّكم تعرِفون بها وقتَ مناسكِكم وحَجِّكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾. قيل: نزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا لا يدخُلون إذا أحْرَمُوا بُيوتَهم من قِبلِ أبوابِها. ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ يقولُ: كانت الأنصارُ إذا حَجُّوا فرجَعوا، لَمْ يدْخُلوا البيوتَ إلَّا من ظُهورِها. قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصارِ فدخَل من بابِه، فقيل له في ذلك، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٢). حدَّثني سفيانُ بنُ وكيع، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كانوا في الجاهليةِ إذا أحرَموا أتَوا البيوتَ من ظهورِها، ولم يأتُوا من

стр. 1935

أبوابِها، فنزَلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ الآية (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ داودَ، عن قيسِ بنِ جُبَيْرٍ (٢) أنّ الناسَ كانوا إذا أحْرَمُوا لم يدخُلوا حائطًا من بابِه ولا دارًا من بابِها أو بيتًا، فدخَل رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه دارًا، وكان رجلٌ من الأنصارِ يقالُ له: رفاعةُ بنُ تابوتٍ. فجاء فتسوَّرَ الحائطَ، ثمَّ دخَل على رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمَّا خرَج من بابِ الدارِ - أو قال: بابِ البيتِ - خرَج معه رِفاعةُ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما حَمَلك على ذلك"؟ قال: يا رسولَ اللهِ، رأيتُك خرَجتَ منه فخرَجتُ منه. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : " إنِّي رَجلٌ أحْمَسُ (٣) ". فقال: إن تكنْ رجلًا أحْمسَ، فإنّ دِينَنا واحدٌ. فأنزل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٤).

стр. 1936

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. يقولُ: ليس البرُّ بأن تأتُوا البيوتَ من كَوّاتٍ (١) في ظهورِ البيوتِ، وأبوابٍ في جُنُوبها، تجعَلُها أهلُ الجاهليةِ، فنُهوا أن يَدْخُلوا منها، وأُمروا أنْ يدخُلوا من أبوابِها (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ الحجازِ إذا أحْرَمُوا لم يدخُلوا من أبوابِ بيوتِهم ودخَلوا من ظُهورِها، فنزَلت: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الآية (٣). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا﴾. قال: كان المشركون إذا أحْرمَ الرجُلُ منهم نَقَب كَوَّةً في ظهرِ بيتِه فجعَل سُلَّمًا، فجعَل يدخُلُ منها. قال: فجاء رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ ومعه رجلٌ من المشركين. قال: فأتى البابَ ليدخُلَ (٤) منه. قال: فانطَلق الرجلُ ليدخلَ من الكَوَّةِ. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما شأنُكَ؟ " قال: فقال: إني أحْمسُ. فقال

стр. 1937

رسولُ اللهِ: "وأنا أحْمَسُ" (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، قال: كان ناسٌ من الأنصارِ إذا أهلُّوا بالعمرةِ لم يَحُلْ بينَهم وبينَ السماءِ شيْءٌ، يتحرَّجُون من ذلك. وكان الرجلُ يخرُجُ مُهِلًّا بالعُمرةِ، فتبدُو له الحاجةُ بعدَ ما يخرُجُ من بيتِه، فيرجِعُ ولا يدخُلُ من بابِ الحجرةِ من أجلِ سقفِ البابِ أن يحولَ بينَه وبين السماءِ، فيفتحُ الجدارَ من ورائِه، ثم يقومُ في حجرتِه فيأمرُ بحاجَتِه، فتُخرَجُ إليه من بيتِه، حتى بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أهلَّ زمنَ الحديْبِيةِ بالعُمرةِ، فدخَل حجرةً، فدخَل رجلٌ على أثَرِه من الأنصارِ من بني سَلِمةَ، فقال له النبيُّ ﷺ : "إنِّي أحْمَسُ" - قال الزهريُّ: وكانت الحُمْسُ لا يبالون ذلك - فقال الأنصاريُّ: وأنا أَحْمسُ. يقولُ: وأنا على دينِك. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٢). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ الآية كلّها. قال قتادةُ: كان هذا الحيُّ من الأنصارِ في الجاهليةِ إذا أهلَّ أحدُهم بحجٍّ أو عمرةٍ لا يدخُلُ دارًا من بابِها إلَّا أن يتسوَّرَ حائطًا تسوُّرًا، وأسلَمُوا وهم كذلك، فأنزَل اللهُ في ذلك ما تسمَعون، ونهاهُم عن صنيعِهم ذلك، وأخبرَهم أنه ليس من البرِّ صنيعُهم ذلك، وأمَرَهُم أن يأتُوا البيوتَ من أبوابِها (٣). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 1938

السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾: فإنَّ ناسًا من العربِ كانوا إذا حَجُّوا لم يدخُلوا بيوتَهم من أبوابِها، كانوا يَنْقُبونَ في أدْبارِها، فلما حجَّ رسولُ اللهِ ﷺ حجةَ الوداعِ، أقبلَ يَمشِي ومعه رجلٌ من أولئك وهو مسلمٌ، فلما بلَغ رسولُ اللهِ ﷺ بابَ البيتِ، احتبسَ الرجلُ خلْفَه وأبَى أنْ يَدخُلَ، قال: يا رسولَ اللهِ، إني أحْمسُ. يقولُ: إني مُحرِمٌ - وكان أولئك الذين يفعَلون ذلك يُسمَّون الحُمسَ - قال رسولُ اللهِ ﷺ : "وأنا أيْضًا أحْمَسُ، فادْخُلْ". فدخَل الرجلُ، فأنزل اللهُ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: وإن رجالًا من أهلِ المدينةِ كانوا إذا خاف أحدُهم من عَدوِّه شيئًا أحرَم فأمِنَ، فإذا أحْرَمَ لم يَلِجْ من بابِ بيتِه، واتخذَ نَقْبًا من ظهرِ بيتِه، فلمَّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ، كان بها رجلٌ محرمٌ كذلك. وإنَّ أهلَ المدينةِ كانوا يُسمُّون البستانَ الحُشَّ. وإنّ رسولَ اللهِ ﷺ دخَل بستانًا، فدخَله من بابِه، ودخَل معه ذلك المحرِمُ، فناداه رجلٌ من ورائِه: يا فلانُ، إنك محرمٌ وقد دخلْتَ [مع الناسِ] (٢). فقال: أنا أحمسُ. [وقال] (٣): يا رسولَ اللهِ، إنْ كنتَ محرمًا فأنا محرمٌ، وإنْ كنتَ أحْمسَ فأنا أحْمسُ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فأحلَّ اللهُ للمؤمنين أن يدخُلوا من أبوابِها (٤).

стр. 1939

حدثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. قال: كان أهلُ المدينةِ وغيرُهم إذا أحرَمُوا لم يدْخُلوا البيوتَ إلَّا من ظُهورِهَا، وذلك أن يَتَسَوَّرُوها، فكان إذا أحرَم أحدُهم لا يدخُلُ البيتَ إلَّا أن يتَسوَّرَه من قِبلِ ظهرِه، وأنّ النبيَّ ﷺ دخَل ذاتَ يومٍ بيتًا لبعضِ الأنصارِ، فدخَل رجلٌ على أثَرِه ممّنْ قد أَحْرَمَ، فأنكَروا ذلك عليه، وقالوا: هذا رجلٌ فاجرٌ فقال النبيُّ ﷺ : "لِمَ دَخَلْتَ مِنَ البابِ وَقَدْ أحْرَمْتَ؟ " قال: رأيتُكَ يا رسولَ اللهِ دخلتَ فدخلتُ على أثَرِكَ. فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي أحْمَسُ" - وقريشٌ يومَئذٍ تُدعَى الحُمْسَ - فلمَّا أن قال ذلك النبيُّ ﷺ ، قال الأنصاريُّ: إنّ دِيني دِينُك. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يأْتونَ البيوتَ من ظهورِها ويَروْنه بِرًّا، فقال: "البرُّ"، ثم نعَت "البرَّ"، وأَمرَ أنْ يأتُوا البيوتَ من أبوابِها. قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ أنه سمِعَ مجاهدًا يقولُ: كانت هذه الآيةُ في الأنصارِ يأتُونَ البيوتَ من ظهورِها يتبرَّرُون بذلك. فتأويلُ الآيةِ إذن: وليس البرُّ أيُّها الناسُ بأن تأتُوا البيوتَ في حالِ إحرامِكم من ظُهورِها، ولكن البرَّ من اتقى اللهَ فخافَه، وتجنَّبَ مَحارمَه فأطاعَهُ بأداءِ فرائضِه التي أمرَه بها. فأما إتيانُ البيوتِ من ظهورِها فلا برَّ للهِ فيه، فأْتوهَا من حيثُ

стр. 1940

شئتُم مِن أبوابِها وغيرِ أبوابِها، ما لم تعتقِدوا تحريمَ إتيانِها من أبوابِها في حالٍ من الأحوالِ، فإنّ ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه؛ لأنَّه مما لم أحرِّمْه عليكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾. يعني بذْلك جلَّ ثناؤُه: واتقُوا اللهَ أيّها الناسُ، فاحذَرُوه وارهَبُوه، بطاعتِه فيما أمَركم به من فرائضِه، واجتنابِ ما نهاكم عنه؛ لتفلِحُوا فتُنْجِحُوا في طَلِباتِكم لديه، وتُدرِكُوا به البقاءَ في جِنانِه، والخلودَ في نَعيمِه. وقد بينَّا معنى "الفلاحِ" فيما مضَى قَبلُ بما يدلُّ عليه (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هذه الآيةُ هي أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في أمْرِ المسلمين بقتالِ المشركين. وقالوا: أُمِر فيها المسلمون بقتالِ مَن قاتَلَهم من المشركينَ، والكَفِّ عمَّن كفَّ عنهم منهم (٢)، ثم نُسِخَتْ بعدُ بـ "براءةَ". ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: هذه أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمَّا نزَلتْ كان رسولُ اللهِ ﷺ يقاتِلُ من قاتَله (٣)، ويكفُّ

стр. 1941

عمَّن كفَّ عنه، حتى نزَلتْ "براءةُ". قال: ولم يَذكُرُ عبدُ الرحمنِ المدينةَ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال: قد نُسِخَ هذا. وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وهذه الناسخةُ. وقرأ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾. حتى بلَغ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [التوبة: ١ - ٥]. وقال آخَرون: بل ذاك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه المسلمين بقتالِ الكفارِ لم يُنْسَخْ، وإنما الاعتداءُ الذي نهاهُم اللهُ عنه، هو نهيُه عن قتلِ النساءِ والذَّرَارِيِّ. قالوا: والنهيُ عن قتلِهم ثابتٌ حكمُه اليومَ. قالوا. ولا شيْءَ نُسِخَ من حكمِ هذه الآيةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن صَدقةَ الدمشقيِّ، عن يحيى بنِ يحيى الغسانيِّ، قال: كتبتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُه عن قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: فكتَب إليَّ أَنَّ ذلك في النساءِ والذُّرِّيةِ، [ومن] (٣) لمْ يَنْصِبْ لك الحربَ منهم (٤).

стр. 1942

حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسَى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: لأصحابِ محمدٍ ﷺ أُمِرُوا بقتالِ الكفارِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. يقولُ: لا تقتُلوا النساءَ والصبْيانَ والشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألْقَى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يدَه، فإنْ فعلتُم (٢) فقد اعتديتُم (٣). حدَّثني ابنُ البرْقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: كتَب عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى عديٍّ بنِ أرطاةَ: إنِّي وجَدتُ آيةً في كتابِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. أي: لا تقاتِلْ من لا يُقاتلُ (٤). يعني النساءَ والصبيانَ والرهبانَ. وأوْلَى هذين القولين بالصوابِ القولُ الذي قاله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ لأن دَعوَى المدَّعِي نَسْخَ آيةٍ مُحْتملٍ أن تكونَ غيرَ منسوخةٍ، بغيرِ دَلالةٍ على صحَّةِ دعْواه - تَحكُّمٌ، والتحَكُّمُ لَا يَعجِزُ عنه أحدٌ.

стр. 1943

وقد دلَّلنَا على معنى "النسخِ"، والمعنى الذي من قِبَلِه ثبَتت صحةُ النَّسخِ، بما قد أغنَى عن إعادَتِه في هذا الموضعِ (١). فتأويلُ الآيةِ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: وقاتلُوا أيُّها المؤمنون في سبيلِ اللهِ. وسَبيلُه: طريقُه الذي أوضحَه، ودينُه الذي شرَعَه لعبادِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه. وقاتلوا في طاعتِي، وعلى ما شرَعتُ لكم من دينِي، وادْعُوا إليه مَن وَلَّى عنه واستكبرَ، بالأيدِي والألسنِ، حتى يُنِيبُوا إلى طاعتِي، أو يُعطوكم الجزيةَ صَغارًا إنْ كانوا أهلَ كتابٍ. وأمَرهم جلَّ ثناؤُه بقتالِ مَن كان فيه قتالٌ من مُقاتِلةِ أهلِ الكفرِ، دونَ مَن لم يكنْ فيه قِتالٌ، من نسائِهم وذَراريِّهم، فإنهم أموالٌ وخَوَلٌ لهم، إذا غُلبَ المقاتلون منهم فقُهِرُوا. فذلك معنى قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [لا أنه] (٢) أباح الكفَّ عمَّنْ كفَّ فلم يقاتلْ مِن مشركِي أهلِ الأوثانِ، أو (٣) الكافِّينَ عن قتالِ المسلمينَ مِن كفارِ أهلِ الكتابِ على غير (٤) إعطاءِ الجزيةِ صَغارًا. فمعنى قولِه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: لا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا مَن أعطاكُم الجزيةَ مِن أهلِ الكتابيْن والمجوسِ، ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، الذين يتجاوزون حدودَه، فيَسْتحلُّون ما حرَّمه عليهم من قَتلِ هؤلاءِ الذين حرَّمَ قتلَهم، من نساءِ المشركين وذَرارِيِّهم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.

стр. 1944

يعنِي بذلك جلَّ ثناؤه: واقتُلوا أيُّها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مَقاتلَهم (١)، وأمكَنكم قتلُهم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾. ومعنى الثَّقافةِ (٢) بالأمرِ: الحِذْقُ به والبصرُ، يقالُ: إنَّه لثَقِفٌ لَقِفٌ. إذا كان جَيِّدَ الحذرِ في القتالِ، بصيرًا بمواضِعِ (٣) القَتلِ. وأمّا التَّثقيفُ فمعنًى غيرُ هذا، وهو التقويمُ. فمعنى ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: اقتُلوهم في أيِّ مكانٍ تَمكَّنتُم من قتلِهم، وأبصرْتُم مَقاتلَهم. وأما قولُه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أُخرِجُوا من ديارِهم ومنازِلهم بمكّةَ، فقال لهم جلَّ ثناؤُه: وأَخرِجُوا هؤلاء الذين يقاتلونَكم وقد أخْرجوكم مِن ديارِكم، مِن مساكنِهم وديارِهم كما أخرَجوكم منها. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: والشركُ باللهِ أشدُّ مِن القتلِ. وقد بيَّنتُ فيما مضَى أن أصلَ الفتنةِ الابتلاءُ والاختبارُ (٤). فتأويلُ الكلامِ: وابتلاءُ المؤمنِ في دينِه حتى يرجِعَ عنه فيصيرَ مشركًا بالله مِن

стр. 1945

بعدِ إسلامِه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتلَ مقيمًا على دينِه، مُتمسِّكًا بمِلَّتِه (١) محقًّا فيه. كما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: ارتدادُ المؤمنِ إلى الوَثنِ أشدُّ عليه من [أنْ يُقْتلَ] (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يقولُ: الشِّرْكُ أشدُّ من القتلِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادة مثلَه (٣). حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يقول: الشركُ أشدُّ من القتلِ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الشركُ (٥).

стр. 1946

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الفتنةُ الشركُ. حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: الشركُ أشدُّ من القتلِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: فتنةُ الكفرِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ والقرأةُ مختلفةٌ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٢). بمعنى: ولا تَبْدءوا أيُّها المؤمنون المشركينَ بالقتالِ عندَ المسجدِ الحرامِ حتى يَبدَءوكم به، فإن بَدءوكم به هنالِك عندَ المسجدِ الحرامِ في الحَرَمِ فاقتلُوهم، فإن اللهَ جعَل ثوابَ الكافرينَ على كفرِهم وأعمالِهم السيئةِ القتلَ في الدنيا، والخزيَ الطويلَ في الآخرةِ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: كانوا لا يُقاتِلون فيه حتى يُبدَءُوا بالقتالِ، ثم نسَخَ بعدُ ذلكَ، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يكونَ

стр. 1947

شركٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يُقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. عليها قاتَل نبيُّ اللهِ، وإليها دَعَا (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾: فأمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ألا يقاتلَهم عندَ المسجدِ الحرامِ، إلا أن يُبدَءُوا فيه بقتالٍ، ثم نَسَخ اللهُ ذلك بقولَه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. فأمَر اللهُ نبيَّه إذا انقضَى الأجلُ أن يُقاتِلَهُم في الحِلِّ والحرمِ، وعند البيتِ، حتى يَشهدوا أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ (٢). حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: فكانوا لا يقاتِلونَهم فيه، ثم نسَخَ ذلك بَعدُ، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣). وقال بعضُهم: هذه آيةٌ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن

стр. 1948

مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾: في الحرمِ، ﴿فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لا تقاتِلْ أحدًا فيه أبدًا، فمن عدَا عليكَ فَقاتَلكَ فقاتِلْه كما يُقاتِلُك (١). وقرَأ ذلك عُظْمُ قَرأةِ الكوفيِّينَ: (ولَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسْجِدِ الحرامِ حتى يَقْتُلُوكم فيه فإنْ قَتَلُوكم (٢) فاقْتُلُوهم) (٣). بمعنى: ولا تبدَءوهُم بقتلٍ حتى يبدَءوكم به. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ. (٤)، عن حمزةَ الزياتِ، قال: قلتُ للأعمشِ: أرأيتَ قراءَتَك: (وَلَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسجِدِ الحَرَامِ حتَّى يَقْتُلوكم فيه فإن قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذلِكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ فإِنِ انْتَهَوْا فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إذا قتَلوهم كيف يقتُلونَهم؟ قال: إنَّ العربَ إذا قُتل منهم رجلٌ (٥) قالوا: قُتِلنا. وإذا ضُرب منهم رجلٌ قالوا: ضُربنَا (٦). وأوْلَى هاتين القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ لأن اللهَ جل ثناؤه لم يأمرْ نبيَّه وأصحابَه في حالٍ - إذا قاتلَهم المشركون - بالاستسلامِ لهم حتى يَقتُلوا منهم قتيلًا، بعدَ ما أذِن له ولهم بقتالِهم، فتكونَ القراءةُ بالإذنِ بقتلِهم بعدَ أنْ يَقتُلوا منهم، أوْلى من القراءةِ بما

стр. 1949

اختَرنا. وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان جلَّ ثناؤُه أذِن لهم بقتالِهم، إذا كان ابتداءُ القتالِ من المشركين قبلَ أن يَقتلُوا منهم قتيلًا، وبعدَ أنْ يقتُلوا (١). وقد نسَخ اللهُ هذه الآيةَ بقولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. وقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ونحو ذلك من الآياتِ. وقد ذكَرنا قولَ بعضِ من قال: هي منسوخةٌ. وسنذكُرُ قولَ من حضَرَنا ذكرُه ممَّن لَمْ نذكُرْه. حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ قال: نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾. قال: حتى يبدَءوكم، كان هذا قد حُرِّم، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه ذلك له، فلم يزَلْ ثابتًا حتى أمَره اللهُ ﵎ بقتالِهم بعدُ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾. يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن انتهى الكافرون الذين يُقاتلونكم عن قتالِكم وكُفرِهم باللهِ، فتَركوا ذلك وتابوا، فإن اللهَ غفورٌ لذنوبِ مَن آمَن منهم وتابَ من شِرْكِه، وأنابَ إلى اللهِ مِن معاصِيه التي سلَفتْ منه، وآثامِه (٤) التي

стр. 1950

مَضتْ، رحيمٌ به في آخرتِه بتفَضُّلِه (١) عليه، وإعطائِه ما يُعْطِي أهلَ طاعتِه مِن الثوابِ بإنابتِه إلى محبتِه من مَعصيتِه. كما حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: فإن تابوا، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : وقاتِلُوا المشركين الذين يقاتِلونكُم ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يعني: حتى لا يكونَ شركٌ باللهِ، وحتى لا يُعبدَ دونَه أحدٌ، وتَضْمحِلَّ عبادةُ الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ، وتكونَ العبادةُ والطاعةُ للهِ وحدَه دونَ غيرِه من الأصنامِ والأوثانِ. كما قال قتادةُ فيما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شركٌ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شِركٌ (٣). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: الشركُ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٤).

стр. 1951

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السَّدِّيِّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: أمّا الفتنةُ فالشِّركُ (١). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. يقولُ: قاتلِوا حتى لا يكونَ شِركٌ (٢). حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. أي: شِركٌ (٣). حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: حتى لا يكونَ كفرٌ. وقرَأ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٤) [الفتح: ١٦]. حَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. قال: شِركٌ (٥). وأما "الدِّينُ" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فهو العبادةُ والطاعةُ للهِ في

стр. 1952

أمرِه ونهيِه، مِن ذلك قولُ الأعْشَى (١): هُوَ دَانَ الرِّبابَ (٢) إذْ كَرِهُوا الدِّيـ … ــنَ دِرَاكًا بغزْوَةٍ وَصِيالِ يعني بقولِه: [إذ كرِهوا الدِّينَ] (٣): إذ كرِهوا الطاعةَ وأبَوْها. وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: حتى لا يُعبدَ إلَّا اللهُ، وذلك: لا إلهَ إلَّا اللهُ. عليه قاتل النبيُّ ﷺ ، وإليه دعَا، فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ. ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذَا فَعَلُوا ذلك فَقَدْ عَصَمُوا (٤) دِماءَهم وأمْوالَهم إلَّا بِحَقِّها، وَحِسابُهم على اللهِ" (٥). حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ" (٦). ثم ذكرَ مثلَ حديثِ الربيعِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.

стр. 1953

يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: فإن انتهَى الذين يقاتِلونَكم من الكفارِ عن قتالِكم، ودخَلُوا في ملّتِكم، وأقرُّوا بما أَلْزَمهم (١) اللهُ تعالى ذكرُه من فرائضِه، وترَكوا ما هم عليه من عبادةِ الأوثانِ، فدَعُوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجِهادَهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدَى إلَّا على الظالمين، وهم المشركون باللهِ، الذين ترَكوا عبادةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَ خالقِهم. فإن قال قائلٌ: وهل يجوزُ الاعتداءُ على الظالمِ، فيقالَ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؟ قيل: إن المعنى في ذلك غيرُ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما ذلك على وجهِ المجازاةِ لما كان من المشركين من الاعتداءِ. يَقولُ: افعَلوا بهم مثلَ الذي فعلُوا بكم. كما يقالُ: إن تعاطيتَ منِّي ظلمًا تعاطيتُه منكَ: والثاني ليس بظلمٍ، كما قال عَمرُو ابنُ شأسٍ الأسديُّ (٢): جَزَيْنا ذَوي العُدْوَانِ بالأمسِ قَرْضَهُمْ … قِصَاصًا سَوَاءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ وإنما (٣) ذلك نظيرُ قولِه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. وقد بينَّا وجهَ ذلك ونظائرَه فيما مضَى قبلُ (٤). وبالذى قلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن

стр. 1954

قتادةَ قولِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: والظالمُ الذي أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (١). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. قال: هم المشركون (٢). حَدَّثَنِي ابنُ (٣) المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عثمانُ (٤) بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. قال: هم مَن أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ". وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: فلا تُقاتِلْ إلَّا مَنْ قاتلَ. ذِكرُ مَن قال ذلك (٥). حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: لا تُقاتلُوا إلَّا مَن قاتلَكم (٦). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 1955

حدَّثنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: فإن اللهَ لَا يحبُّ العدوانَ على الظالمين ولا على غيرِهم، ولكن يقولُ: اعتدُوا عليهم بمثلِ ما اعتدَوْا عليكم (١). وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ في قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: لا يجوزُ أن يقولَ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾. إلَّا وقد علِمَ أنهم لا ينتَهُونَ إلَّا بعضَهم. قال: فكأنه قال: فإن انتهى بعضُهم فلا عدوانَ إلَّا على الظالمين منهم. فأَضْمرَ كما قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يريدُ: فعليه ما اسْتيسرَ. وكما تقولُ إلى مَن تقصِدُ: أقصِدُ. يعني: إليه. وكان بعضُهم يُنكِرُ الإضمارَ في ذلك ويتأوّلُه: فإن انْتهَوْا فإنّ اللهَ غفورُ رحيمٌ لمن انتهَى، فلا عُدوانَ إلَّا على الظالمين الذين لَمْ يَنْتَهوا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. يعني بقولِه جَلَّ ثناؤُه؛ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ذا القَعدةِ، وهو الشهرُ الذي كان رسولُ اللهِ ﷺ اعتمرَ فيه عمرةَ الحديبيةِ، فصدَّه مُشركو أهلِ مكةَ عن البيتِ ودخولِ مكّةَ، وكان ذلك سنةَ ستٍّ من هجرتِه، وصالَح رسول اللهِ ﷺ المشركين في تلك السنةِ على (٢) أن يعودَ من العامِ المقبلِ، فيدخُلَ مكَّةَ ويقيمَ ثلاثًا، فلمَّا كان من العامِ المقبلِ، وذلك سنةَ سبعٍ من هجرَتِه، خرَج مُعتمرًا هو وأصحابُه في ذي القَعدةِ - وهو الشهرُ الذي كان المشركون صَدُّوه عن البيتِ فيه في سنةِ ستٍّ - وأخلَى له أهلُ مكةَ البلدَ، حتى دخَلها رسولُ اللهِ

стр. 1956

ﷺ ، فقضَى حاجتَه منها، وأتمَّ عُمرتَه، وأقامَ بها ثلاثًا، ثم خرَج منها مُنصرِفًا إلى المدينةِ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه وللمسلمين معه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ يعْني ذا القَعدةِ الذي أوْصلَكم اللهُ فيهِ إلى حرمِه وبيتِه على كراهةِ مُشركِي قُرَيْشٍ ذلك حتى قَضَيْتم منه وطرَكم، ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الذي صدَّكم مُشركو قُريشٍ العامَ الماضي قبلَه فيه، حتى انصرفتُم على كُرْهٍ منكم عن الحرمِ، فلم تدْخُلوه ولم تَصِلُوا إلى بيتِ اللهِ، فأقَصَّكُم اللهُ أيُّها المؤمنون مِن المشركين بإدخالِكم الحرمَ في الشهرِ الحرامِ على كُرْهٍ منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهرِ الحرامِ من الصَّدِّ والمنعِ من الوصولِ إلى البيتِ. كما حدَّثني محمد بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ، يعني ابنَ خالدٍ السَّمْتيَّ (١)، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: هم المشركونَ، حَبَسُوا محمدًا ﷺ في ذي القَعدةِ، فرجَعة اللهُ في ذي القَعدةِ، فأَدخلَه البيتَ الحرامَ، فاقتصَّ له منهم (٢). حدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: فَخَرَت قريشٌ بردِّها رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الحُديبيةِ محرِمًا في ذي القَعدةِ عن البلدِ الحرامِ، فأدخلَه اللهُ مكةَ في العامِ المقبلِ في ذي القَعدةِ، فقضَى عُمرَته، وأقَصَّه بما حِيلَ بينَه وبينَه (٣) يومَ الحُدَيبيةِ (٤).

стр. 1957

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: أقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صَدَّهم المشركون، فصالحَهم نبيُّ اللهِ ﷺ على أن يرجِعَ من عامِه ذلك، حتى يرجِعَ من العامِ المقبلِ، فيكونَ بمكةَ [ثلاثَ ليالٍ] (١)، ولا يَدْخُلَها إلَّا بسلاحِ راكبٍ، ولا يخرُجَ بأحدٍ من أهلِ مكةَ، فنحَروا الهديَ بالحديبيةِ، وحلَقُوا وقصَّرُوا، حتى إذا كانَ من العامِ المقبلِ، أقبلَ نبيُّ اللهِ وأصحابُه حتى دخَلوا مكّةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ، فأقاموا بها ثلاثَ ليالٍ. فكان المشركون قد فَخَروا عليه حينَ ردُّوه يومَ الحديبيةِ، فأقَصَّه اللهُ منهم، فأدخلَه مكّةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه؛ في ذي القَعدةِ، فقال اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وعن عثمانَ، عن مِقْسَمٍ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قالا: كان هذا في سَفَرِ الحديبيةِ، صَدَّ المشركون النبيَّ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ في الشهرِ الحرامِ، فقاضُوا المشركين يومَئذٍ قضيةً: إنَّ لكم أن تعتمِرُوا في العام المقبِلِ؛ في هذا الشهرِ الذي صدُّوهم فيه. فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه لهم شهرًا حرامًا يعتمِرونَ فيه مكانَ شهرِهم الذي صُدُّوا، فلذلك قال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٣).

стр. 1958

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: لما اعتمَر رسولُ اللهِ ﷺ عُمرةَ الحُديبيةِ في ذي القَعدةِ سنةَ ستٍّ من مُهاجَرِه صدَّه المشركون، وأبَوْا أن يَتركوه، ثم إنهم صالحُوه في صلْحِهم على أن يُخلُّوا له مكةَ في عامِ قابلٍ ثلاثةَ أيامٍ يَخْرجُونَ ويَتركونَه فيها، فأتاهُم رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ فتحِ خيبرَ في السنةِ السابعةِ، فَخَلَّوْا له مكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ونكَح في عُمرتِه تلكَ مَيمونةَ بنتَ الحارثِ الهلاليةَ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: وأَحْصَرُوا النبيَّ ﷺ في ذي القَعدةِ عن البيتِ الحرامِ، فأدخلَه اللهُ البيتَ الحرامَ العامَ المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: أقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه، فأحْرمُوا بالعمرةِ في ذي القَعدةِ ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صَدَّهم المشركون، فصالحَهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يرجِعَ ذلك العامَ حتى يرجِعَ العامَ المقبلَ، فيقيمَ بمكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ولا يخرُجَ معه بأحدٍ من أهلِ مكةَ، فنحَرُوا الهدْيَ بالحديبيةِ، وحلَقوا وقصَّرُوا، حتى إذا كانوا من العامِ المقبلِ، أقبلَ النبيُّ ﷺ [وأصحابُه] (٣) حتى دخَلوا مكةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ وأقاموا بها ثلاثةَ أيامٍ، وكان المشركون قد فخَروا عليه حينَ ردُّوه يومَ الحديبيةِ، فقصَّ

стр. 1959

اللهُ له منهم، وأدخلَه مكةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدةِ، قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: فهم المشركون، كانوا حبَسوا محمدًا ﷺ في ذي القَعدةِ عن البيتِ، ففخَروا عليه بذلك، فرجَعه اللهُ في ذي القَعدةِ، فأدْخَله البيتَ الحرامَ، فاقتصَّ له منهم (٢). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ حتى فرَغ من الآيةِ. قال: هذا كلُّه قد نُسِخَ، أمَره أن يجاهِدَ المشركين. وقرَأ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. وقرَأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] العربَ، فلمّا فرَغ منهم قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. حتى بلَغ قولَه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال: وهم الرومُ. قال: فوجَّه إليهم رسولُ اللهِ ﷺ . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثقفيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: أمرَكم اللهُ بالقصاصِ، ويأخُذُ منكم العُدْوانَ (٣).

стр. 1960

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ وسألتُه عن قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. قال: نزَلتْ في الحديبيةِ، مُنِعوا في الشهرِ الحرامِ، فنزَلتْ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: عُمرةٌ في شهرٍ حرامٍ بعمرةٍ في شهرٍ حرامٍ (١). وإنما سمَّى اللهُ جلَّ ثناؤُه ذا القَعدةِ الشهرَ الحرامَ؛ لأنّ العربَ في الجاهليةِ كانت تُحرِّمُ فيه القتالَ والقتلَ، وتضَعُ فيه السلاحَ، فلا يقْتُلُ فيه أحدٌ أحدًا، ولَو لقِيَ الرجلُ قاتلَ أبيه أو ابنِه، وإنما كانُوا سمَّوْه ذا القَعدةِ، لقُعودِهم فيه عن المغازِي والحروبِ، فسمَّاه اللهُ بالاسمِ الذي كانت العربُ تُسمِّيه به. وأما الحرماتُ فإنها جمعُ حُرمةٍ، كما الظُّلُماتُ جمعُ ظُلْمةٍ، والحجُراتُ جمعُ حُجرَةٍ. وإنما قال ﵎: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ فجمَع، لأنه أرادَ الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ وحُرمةَ الإحرامِ. فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ والمؤمنين معه: دخولُكم الحرمَ، بإحرامِكم هذا في شهرِكم الحرامِ، قصاصٌ مما مُنِعتم مِن مثلِه عامَكم الماضي. وذلك هو الحرماتُ التي جعلَها اللهُ قصاصًا. وقد بينَّا أن القصاصَ هو المجازاةُ من جهةِ الفعلِ أو القولِ أو البدَلِ (٢)، وهو في هذا الوضعِ من جهةِ الفعلِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ فيما نزَل فيه قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا

стр. 1961

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ ابنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فهذا ونحوُه نزَل بمكةَ والمسلمونَ يومَئذٍ قليلٌ، ليسَ لهم سلطانٌ يَقهَرُ المشركينَ، وكان المشركونَ يَتعاطَوْنهم بالشَّتْمِ والأذَى، فأمرَ اللهُ المسلمين مَن يُجازِي منهم أن يُجازِيَ بمثلِ ما أُتِي إليه أو يصبِرَ، أو يَعفُوَ فهو أمثلُ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وأعزَّ اللهُ سلطانَه، أمَر المسلمين أن يَنتهُوا في مظالِمهم إلى سُلطانِهم، وألا يعدوَ بعضُهم على بعضٍ كأهلِ الجاهليةِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلَكم أيُّها المؤمنون من المشركين، فقاتِلوهم كما قاتَلوكُم. وقالوا: نزَلتِ الآيةُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ وبعدَ عُمرةِ القَضِيَّةِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فقاتِلوهم فيه كما قاتَلوكم (٢). وأشبهُ التأويليِن بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ القولُ الذي حُكِي عن مجاهدٍ؛ لأنّ الآياتِ قبلَها إنما هي أمرٌ من اللهِ للمؤمنِين بجهادِ عدوِّهم علَى صفةٍ، وذلك قولُه:

стр. 1962

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والآيات بعدَها، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ إنّما هو في سياقِ الآيات التي فيها الأمرُ بالقتالِ والجهادِ، واللهُ إنما فرَض القتالَ على المؤمنين بعدَ الهجرةِ. فمعلومٌ بذلك أن قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ مدنيٌّ لا مكيٌّ، إذْ كَان فرضُ قتالِ المشركين لم يكنْ وجَب علَى المؤمنين بمكةَ، وأنّ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ نظيرُ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وأن معناه: فمن اعتدَى عليكم في الحرمِ فقاتَلكم فاعتَدُوا عليه بالقتالِ نحوَ اعتدائِه عليكم بقتالِه إيَّاكم؛ لأني قد جعَلتُ الحرماتِ قصاصًا، فمَن استحلَّ منكم أيُّها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمى، فاستحِلُّوا منه مثلَه فيه. وهذه الآيةُ منسوخةٌ بإذنِ اللهِ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ بقتالِ أهلِ الحرمِ ابتداءً في الحرمِ، وقولُه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ على نحوِ ما ذكَرنا [من القولِ في ذلك عن ابنِ زيدٍ. وأما قولُه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإنّ فيه وجهَين مِن التأويلِ؛ أحدُهما، ما قد ذكَرنا قبلُ] (١) مِن أنه بمعنَى المجازاةِ وإتباعِ لفظٍ لفظًا وإنِ اختلَف معنياهما، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وما أشبهَ ذلك مما أَتْبَع لفظٌ لفظًا واختلفَ المعْنيانِ. والآخرُ، أن يكونَ بمعْنى العَدْوِ الذي هو شدٌّ ووثوبٌ، من قولِ القائلِ: عدَا الأسدُ على فريستِه. فيكونُ معنى الكلامِ: فمَن عدَا عليكم، أيْ: فمَن

стр. 1963

شدَّ عليكم ووثَب بظلمٍ، فاعْدُوا عليه، أيْ: فشُدُّوا عليه وثِبوا بحقٍّ (١)؛ قِصاصًا لما فعَل بكم لا ظلمًا. ثم تَدْخُلُ التاءُ في "عَدا"، فيقالُ: افتعَل مكانَ "فعَل"، كما يقالُ: اقترَب هذا الأمرُ. بمعنى: قرُب، واجتلَب كذا. بمعْنى: جلَب، وما أشبَهَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واتّقُوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ في حُرُماتِه وحدودِه أن تعَدَّوا فيها، فتَتَجاوَزُوا فيها ما بَيَّنَه وحدَّه لكم، واعلَمُوا أنَّ اللهَ يحِبُّ المتقين الذين يَتَّقونه بأداءِ فرائضِه وتجنُّبِ محارمِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، ومَن عُنِي بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. وسبيلُ اللهِ طريقُه الذي أمَر أن يُسْلَكَ فيه إلى عدوِّه مِن المشركِين لجهادِهم وحربِهم، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتْرُكُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يعوِّضُكم منها أجرًا، ويَرزُقُكم عاجلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ (٢)، عن حذيفةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: يَعْني في تركِ

стр. 1964

النفقةِ [في سبيلِ اللهِ] (١)، حدَّثني محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الأعمشِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، جميعًا عن شَقيقٍ، عن حذيفةَ، قال: هو تَركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٢). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: تُنْفِقُ في سبيلِ اللهِ وإن لم يَكُنْ لك إلَّا مِشقَصٌ (٣) أو سهمٌ (٤). شعبةُ الذي يَشُكُّ في ذلك. حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ الذي كان يحدِّثُ عنه الكلبيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن لم يَكُنْ لك إلا سهمٌ

стр. 1965

أو مِشْقَصٌ أنفِقْه (١). حدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيىَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: في النفقةِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ. ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: ليسَ التَّهْلُكةُ أن يُقْتَلَ الرجلُ في سبيلِ اللهِ، ولكنِ الإمساكُ عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن عِكْرمةَ، قال: نزَلتْ في النفقاتِ في سبيلِ اللهِ. يعْني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، عن محمدِ ابنِ كَعْبٍ القُرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: كان القومُ في سبيلِ اللهِ، فيتَزوَّدُ الرجلُ، فكان أفضلَ زادًا من الآخَرِ، أنفَق البائسُ مِن زادِه حتى لا يبقَى مِن زادِه شيْءٌ، أحبَّ أن يُواسِيَ صاحبَه، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العَسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن
следующие страницы →