← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ ابنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فهذا ونحوُه نزَل بمكةَ والمسلمونَ يومَئذٍ قليلٌ، ليسَ لهم سلطانٌ يَقهَرُ المشركينَ، وكان المشركونَ يَتعاطَوْنهم بالشَّتْمِ والأذَى، فأمرَ اللهُ المسلمين مَن يُجازِي منهم أن يُجازِيَ بمثلِ ما أُتِي إليه أو يصبِرَ، أو يَعفُوَ فهو أمثلُ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وأعزَّ اللهُ سلطانَه، أمَر المسلمين أن يَنتهُوا في مظالِمهم إلى سُلطانِهم، وألا يعدوَ بعضُهم على بعضٍ كأهلِ الجاهليةِ (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلَكم أيُّها المؤمنون من المشركين، فقاتِلوهم كما قاتَلوكُم. وقالوا: نزَلتِ الآيةُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ وبعدَ عُمرةِ القَضِيَّةِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فقاتِلوهم فيه كما قاتَلوكم (٢). وأشبهُ التأويليِن بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ القولُ الذي حُكِي عن مجاهدٍ؛ لأنّ الآياتِ قبلَها إنما هي أمرٌ من اللهِ للمؤمنِين بجهادِ عدوِّهم علَى صفةٍ، وذلك قولُه:

стр. 1962

﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والآيات بعدَها، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ إنّما هو في سياقِ الآيات التي فيها الأمرُ بالقتالِ والجهادِ، واللهُ إنما فرَض القتالَ على المؤمنين بعدَ الهجرةِ. فمعلومٌ بذلك أن قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ مدنيٌّ لا مكيٌّ، إذْ كَان فرضُ قتالِ المشركين لم يكنْ وجَب علَى المؤمنين بمكةَ، وأنّ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ نظيرُ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وأن معناه: فمن اعتدَى عليكم في الحرمِ فقاتَلكم فاعتَدُوا عليه بالقتالِ نحوَ اعتدائِه عليكم بقتالِه إيَّاكم؛ لأني قد جعَلتُ الحرماتِ قصاصًا، فمَن استحلَّ منكم أيُّها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمى، فاستحِلُّوا منه مثلَه فيه. وهذه الآيةُ منسوخةٌ بإذنِ اللهِ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ بقتالِ أهلِ الحرمِ ابتداءً في الحرمِ، وقولُه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ على نحوِ ما ذكَرنا [من القولِ في ذلك عن ابنِ زيدٍ. وأما قولُه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإنّ فيه وجهَين مِن التأويلِ؛ أحدُهما، ما قد ذكَرنا قبلُ] (١) مِن أنه بمعنَى المجازاةِ وإتباعِ لفظٍ لفظًا وإنِ اختلَف معنياهما، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وما أشبهَ ذلك مما أَتْبَع لفظٌ لفظًا واختلفَ المعْنيانِ. والآخرُ، أن يكونَ بمعْنى العَدْوِ الذي هو شدٌّ ووثوبٌ، من قولِ القائلِ: عدَا الأسدُ على فريستِه. فيكونُ معنى الكلامِ: فمَن عدَا عليكم، أيْ: فمَن

стр. 1963

شدَّ عليكم ووثَب بظلمٍ، فاعْدُوا عليه، أيْ: فشُدُّوا عليه وثِبوا بحقٍّ (١)؛ قِصاصًا لما فعَل بكم لا ظلمًا. ثم تَدْخُلُ التاءُ في "عَدا"، فيقالُ: افتعَل مكانَ "فعَل"، كما يقالُ: اقترَب هذا الأمرُ. بمعنى: قرُب، واجتلَب كذا. بمعْنى: جلَب، وما أشبَهَ ذلك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واتّقُوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ في حُرُماتِه وحدودِه أن تعَدَّوا فيها، فتَتَجاوَزُوا فيها ما بَيَّنَه وحدَّه لكم، واعلَمُوا أنَّ اللهَ يحِبُّ المتقين الذين يَتَّقونه بأداءِ فرائضِه وتجنُّبِ محارمِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، ومَن عُنِي بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. وسبيلُ اللهِ طريقُه الذي أمَر أن يُسْلَكَ فيه إلى عدوِّه مِن المشركِين لجهادِهم وحربِهم، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. يقولُ: ولا تَتْرُكُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يعوِّضُكم منها أجرًا، ويَرزُقُكم عاجلًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ (٢)، عن حذيفةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: يَعْني في تركِ

стр. 1964

النفقةِ [في سبيلِ اللهِ] (١)، حدَّثني محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الأعمشِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، جميعًا عن شَقيقٍ، عن حذيفةَ، قال: هو تَركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٢). حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: تُنْفِقُ في سبيلِ اللهِ وإن لم يَكُنْ لك إلَّا مِشقَصٌ (٣) أو سهمٌ (٤). شعبةُ الذي يَشُكُّ في ذلك. حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ الذي كان يحدِّثُ عنه الكلبيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن لم يَكُنْ لك إلا سهمٌ

стр. 1965

أو مِشْقَصٌ أنفِقْه (١). حدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيىَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: في النفقةِ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ. ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: ليسَ التَّهْلُكةُ أن يُقْتَلَ الرجلُ في سبيلِ اللهِ، ولكنِ الإمساكُ عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن عِكْرمةَ، قال: نزَلتْ في النفقاتِ في سبيلِ اللهِ. يعْني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، عن محمدِ ابنِ كَعْبٍ القُرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: كان القومُ في سبيلِ اللهِ، فيتَزوَّدُ الرجلُ، فكان أفضلَ زادًا من الآخَرِ، أنفَق البائسُ مِن زادِه حتى لا يبقَى مِن زادِه شيْءٌ، أحبَّ أن يُواسِيَ صاحبَه، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥). حدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العَسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن

стр. 1966

منصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن أبي صالحٍ مولى أُمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: لا يَقولَنَّ أحدُكم: إنِّي لا أجِدُ شيئًا. إن لم يَجِدْ إلا مِشْقَصًا فلْيَجَّهَّزْ (١) به في سبيلِ اللهِ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، قال: سمِعتُ داودَ - يعني ابنَ أبي هندٍ - عن عامرٍ أن الأنصارَ كان احْتَبَس عليهم بعضُ الرزقِ، وكانوا قد أنفَقوا نفقاتٍ. قال: فساء ظنُّهم وأمسَكوا. قال: فأنزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: وكانت التَّهْلُكةُ سوءَ ظنِّهم وإمساكَهم (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: [لا تَمْنَعنَّكم] (٤) نفقةً في حقِّ خِيفَةُ العَيْلةِ (٥). حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: كان قتادةُ يُحَدِّثُ أنَّ

стр. 1967

الحسنَ حدَّثه أنَّهم كانوا يسافِرون ويَغْزُون ولا يُنْفِقُون مِن أموالِهم. أو قال: لا يُنْفِقون في ذلك، فأمرَهم اللهُ أن يُنْفِقُوا في مغازِيهم في سبيلِ اللهِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ يَقولُ: لا تُمْسِكوا بأيدِيكم عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾. يقولُ: أنْفِقْ في سبيلِ اللهِ ولو عِقالًا، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ تقولُ: ليس عندي شيْءٌ" (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غَسّانَ، قال: ثنا زُهَيرٌ، قال: ثنا خُصَيفٌ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: لما أمَر اللهُ بالنفقةِ فكانوا أو بعضُهم يقولون: نُنْفِقُ فيَذْهَبُ مالُنا ولا يَبقَى لنا شيْءٌ (٤)؟ قال: فقال: أنْفِقُوا ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكةِ. قال: أنفِقُوا وأنا أرزُقُكم. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: نزَلت في النفقةِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا أبوْ (٥) هَمّامٍ الأهوازيُّ، قال:

стр. 1968

أخبَرَنا يونسُ، عن الحسنِ في التَّهْلُكةِ، قال: أمَرهم اللهُ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وأخبَرهم أنَّ تَرْكَ النفقةِ في سبيلِ اللهِ التَّهْلُكَةُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سأَلتُ عطاءً عن قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: يقولُ: أنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ما قلَّ وكثُر. قال: وقال لي عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: نزَلت في النفقةِ في سبيلِ اللهِ (١). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يَقولَنَّ الرجلُ: لا أجِدُ شيئًا، قد هلَكتُ. فَلْيتَجَهَّزْ ولو بمِشْقَصٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنِي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. يقولُ: أنْفِقُوا ما كان مِن قليلٍ أو كثيرٍ، ولا تَسْتَسْلِموا ولا تُنْفِقوا شيئًا فتَهلِكوا. حدَّثني المثُنَىَّ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ، قال: التَّهْلُكةُ أن يُمْسِكَ الرجلُ نفسَه ومالَه عن النفقةِ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ (٢). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. [قال: أمَر أن تُنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، وقال: لا تُلقُوا بأيديكم إلى التهلُكةِ] (٣)، فَتَدَعُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ.

стр. 1969

[حدَّثنا ابنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: نا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: أنا أبو حذيفةَ، عن عَطَاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: ليس في القتالِ، ولكنْ حَبْسُكَ النَّفقةَ في سبيلِ اللهِ؛ لأنه عُرْضَةُ تَهْلُكةٍ] (١). [حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ؛ عن أبي صالحٍ مَوْلَى أُمِّ هانِئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: إن لم تجِدْ شيئًا إلا مِشْقَصًا فلْتَجَّهَّزْ به في سبيلِ اللهِ، ولا تقولَنّ: لا أجِدُ شيئًا قد هلكتُ] (٢). وقال آخرون ممن وجَّه (٣) تأويلَ ذلك إلى أنه معنيةٌ به النفقةُ: معنى ذلك: وأنفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ، فتَخْرُجوا في سبيلِ اللهِ بغيرِ نفقةٍ ولا قُوَّةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: إذا لم يَكُنْ عندَك ما تُنْفِقُ، فلا تَخْرُجْ بنفسِك بغيرِ نفقةٍ [وقوةٍ] (٤)، فَتُلْقِيَ بيدَيك إلى التهلكةِ. [حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عَبْدُ اللهِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أنّ رجالًا كانوا يَخرُجون في بُعوثٍ يَبْعَثُها رسولُ اللهِ ﷺ بغيرِ] (٢)

стр. 1970

[نفَقَةٍ فإمّا يُقْطَعُ بهم، وإمّا كانوا عيالًا، فأمَرهم اللهُ أن يَستَنْفِقُوا مما رزَقهم اللهُ ولا يُلْقوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكَةِ؛ [والتَّهْلُكَةُ] (١): أن يَهْلِكَ رجالٌ مِن الجُوعِ والعَطَشِ، أو مِن المشي، وقال لمن بيدِه فضلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (٢). وقال آخرون: بل معناه: أنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، ولا تُلْقُوا بأيدِيكم فيما أصَبْتُم مِن الآثامِ إلى التَّهْلُكَةِ، فتَأيسُوا مِن رحمةِ اللهِ، ولكنِ ارْجُوا رحمتَه، واعمَلوا الخيراتِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحُاربِيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البرَاءِ بنِ عازِبٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: هو الرجلُ يصيبُ الذنوبَ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكةِ، يقولُ: لا توبةَ لي (٣). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البرَاءِ، قال: سأَله رجلٌ: أَحْمِلُ على المشركين وَحْدِي فيَقْتُلوني، أَكنتُ ألقَيْتُ بيَدِي إلى التَّهْلُكةِ؟ فقال: لا، إنما التَّهْلُكةُ في النفقةِ، بعَث اللهُ رسولَه، فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (٤) [النساء: ٨٤]. حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعُ بنُ الجَرّاحِ، عن سفيانَ

стр. 1971

الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن البراءِ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيقولُ: لا يَغْفِرُ اللهُ لي (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ وسأَله رجلٌ فقال: يا أبا عُمارةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: أهو الرجلُ يَتَقَدَّمُ فيُقاتِلُ حتى يُقْتَلَ؟ قال: لا، ولكنَّه الرجلُ يَعْمَلُ بالمعاصي، ثم يُلْقِي بيدِه ولا يَتوبُ (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البَراءَ وسأَله رجلٌ، فقال: الرجلُ يَحْمِلُ على كتيبةٍ وحدَه فيُقاتِلُ، أهو ممن ألْقَى بيدِه إلى التهلكةِ؟ قال: لا، ولكنَّ التَّهْلُكةَ أن يُذْنِبَ الذَّنْبَ فيُلْقِيَ بيدِه، فيَقولَ: لا تُقْبَلُ لي توبةٌ. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن الجَرّاحِ، عن أبي إسحاقَ، قال: قلتُ للبَراءِ بنِ عازبٍ: يا أبا عُمارةَ، الرجلُ يَلْقَى ألفًا مِن العدوِّ فيَحْمِلُ عليهم وإنَّما هو وحدَه، أفيكونُ ممن قال اللهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، لِيُقَاتِلْ حتى يُقْتَلَ، قال اللهُ لنبيِّه ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾. حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا هشامٌ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ عن قولِ

стр. 1972

اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية. فقال عَبيدةُ: كان الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ - قال: حسِبتُه قال: العظيمَ - فيُلْقِي بيدِه فيَسْتَهْلِكُ، زاد يعقوبُ في حديثِه: فنُهوا عن ذلك، فقيل: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن ذلك، فقال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهلُكةِ، ويقولُ: لا توبةَ له. يعني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: كان الرجلُ يُصيبُ الذنبَ فيُلْقِي بيدِه. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عَونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: القُنوطُ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن يونسَ وهشامٍ عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ، يقولُ: لا توبةَ لي. فيُلْقِي بيدِه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال:

стр. 1973

حدَّثني أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ أنه قال: هي في الرجلِ يصيبُ الذنبَ العظيمَ، فيُلْقِي بيَدِه ويَرَى أنَّه قد هلَك (١). وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تَتْرُكوا الجهادَ في سبيلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرَني حَيْوَةُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أسلمَ أبي عِمرانَ، قال: غزَوْنا المدينةَ، يُرِيدُ القُسْطَنْطينيَّةَ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ. قال: فصفَفْنا صَفَّين، لم أرَ صفَّين قَطُّ أعرَضَ ولا أطوَلَ منهما، والرومُ مُلصِقون ظُهورَهم بحائطِ المدينةِ. قال: فحمَل رجلٌ منا على العدوِّ، فقال الناسُ: مَهْ! لا إلهَ إلا اللهُ، يُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ. فقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ: إنما تَأوَّلون هذه الآيةَ هكذا أنْ حمَل رجلٌ (٢) يُقاتِلُ يَلْتَمِسُ الشهادةَ أو يُبْلِي مِن نفسِه، إنما نزَلت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لماّ نصَر اللهُ نبيَّه، وأظهرَ الإسلامَ، قلنا بينَنا معشرَ الأنصارِ خَفِيًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ : إنّا قد كنّا ترَكنا أهلَنا وأموالَنا أنْ نُقيمَ فيها ونُصْلِحَها حتى نصَر اللهُ نبيَّه، هَلُمَّ نقيمُ في أموالِنا ونُصْلِحُها. فأنزَل اللهُ الخبرَ مِن السماءِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية. والإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهْلُكَةِ أن نُقيمَ في أموالِنا ونُصْلِحَها، ونَدَعَ الجهادَ. قال أبو عِمرانَ: فلم يَزَلْ أبو أيوبَ يُجاهدُ في سبيلِ اللهِ حتى دُفِن بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ (٣).

стр. 1974

حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قالا: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ (١) عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني حَيْوةُ وابنُ لَهيعةَ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، قال: حدَّثني أسلمُ أبو عِمرانَ مولى تُجَيبَ (٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ ، وعلى أهلِ الشامِ فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فخرَج مِن المدينةِ صفٌّ عظيمٌ مِن الرومِ. قال: وصفَفْنا صفًّا عظيمًا مِن المسلِمينَ، فحمَل رجلٌ مِن المسلِمينَ على صفِّ الرومِ حتى دخَل فيهم، ثم خرَج إلينا مُقبِلًا، فصاح الناسُ وقالوا: سبحانَ اللهِ، ألْقَى بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ! فقام أبو أيوبَ الأنصاريُّ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: أيُّها الناسُ، إنكم تتَأوَّلون هذه الآيةَ على هذا التأويلِ، وإنَّما أُنْزِلَت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ دينَه وكثَّر ناصرِيه، قلنا فيما بينَنا بعضُنا لبعضِ سِرًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ : إنَّ أموالَنا قد ضاعت، فلو أنَّا أَقَمْنا فيها فأصْلَحْنا ما ضاع منها. فأنزَل اللهُ في كتابِه يَرُدُّ علينا ما همَمْنا به، فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. بالإقامةِ التي أرَدْنا أن نُقِيمَ في الأموالِ ونُصْلِحَها، فأمرَنا بالغزوِ. فما زال أبو أيوبَ غازيًا في سبيلِ اللهِ حتى قبَضه اللهُ (٣).

стр. 1975

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أمَر بالإنفاقِ في سبيلِه بقولِه. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وسبيلُه: طريقُه الذي شرَعه لعبادِه وأوضَحَه لهم. ومعنى ذلك: [﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾] (١): وأنْفِقوا في إعزازِ دينِي الذي شرَعْتُه لكم بجهادِ عدوِّكم النّاصِبينَ لكم الحربَ على الكفرِ بي. ونهاهم أن يُلْقُوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكةِ، فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وذلك مَثَلٌ، والعربُ تقولُ للمُسْتَسْلمِ للأمرِ: أعطَى فلانٌ بيَدَيْه. وكذلك يُقالُ للمُمَكِّنِ مِن نفسِه مما أُرِيد به: أعطَى بيدَيْه. فمعنى قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: ولا تَسْتَسْلِموا للهَلَكَةِ فتُعْطُوها أَزِمَّتَكم فتَهْلِكوا، والتاركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ عندَ وجُوبِ ذلك عليه مُسْتَسْلِمٌ للهَلَكَةِ بتركِه أداءَ فرضِ اللهِ عليه في مالِه، وذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل أحدَ سِهامِ الصدقاتِ المفروضاتِ الثمانيةِ في سبيلِه، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. إلى قولِه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. فمن ترَك إنفاقَ ما لزِمه مِن ذلك في سبيلِ اللهِ على ما لزِمه كان للهَلَكَةِ مستسلِمًا، وبيدَيْه للتَّهْلُكةِ مُلْقِيًا، وكذلك الآيِسُ مِن رحمةِ اللهِ لِذنبٍ سلَف منه مُلْقٍ بيدَيه إلى التَّهْلُكةِ؛ لأنَّ اللهَ قد نَهى عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وكذلك التاركُ غزوِ المشركين وجهادِهم في حالِ وُجوبِ ذلك عليه في حالِ حاجةِ المسلمين إليه، مُضَيِّعٌ فرضًا،

стр. 1976

مُلْقٍ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ. فإذا كانت هذه المعاني كلُّها يَحْتَمِلُها قولُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولم يكنِ اللهُ خصَّ منها شيئًا دون شيْءٍ، فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه نهى عن الإلقاءِ بأيدِينا لِما فيه هلاكُنا والاستسلامِ للهَلَكَةِ - وهي العذابُ - بتركِ ما لزِمَنا مِن فرائضِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ منا الدخولُ في شيْءٍ يَكْرَهُه اللهُ منا مما نَسْتَوْجِبُ بدُخولِنا فيه عذابَه، غيرَ أنَّ الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ الأغلبَ مِن تأويلِ الآيةِ: وأنْفِقُوا أيها المؤمنون في سبيلِ اللهِ، ولا تَتْرُكوا النفقةَ فيها فتَهْلِكُوا باستحقاقِكم بتركِكم ذلك عذابي. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قال: التَّهْلُكةُ عذابُ اللهِ (١). فيكونُ ذلك إعلامًا منه لهم، بعد أمرِه إياهم بالنفقةِ، ما لمن ترَك النفقةَ المفروضةَ عليه في سبيلِه مِن العقوبةِ في المعادِ. فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الباءِ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وقد علِمتَ أنَّ المعروفَ مِن كلامِ العربِ: ألقَيتُ إلى فلانٍ درهمًا. دونَ: ألقَيتُ إلى فلانٍ بدرهمٍ؟ قيل: قد قِيل: إنها زِيدت نحوَ زيادةِ القائلِ (٢) الباءَ في قولِه: جذَبتُ الثوبَ، وجذَبتُ بالثوبِ، وتعَلَّقْتُ به، وتعلَّقتُه، و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وإنما

стр. 1977

هو: تُنبِتُ الدُّهْنَ. وقال آخرون: الباءُ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أصلٌ للكَلِمةِ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ واقعٍ (١) كُنِي عنه فهو مُضْطرٌّ إليها، كنحوِ قولِك في رجلٍ كلَّمتَه، فأرَدتَ الكنايةَ عن فعلِه، فإذا أرَدتَ ذلك، قلتَ: فعلتُ به. قالوا؛ فلما كانت الباءُ هي الأصلَ جاز إدخالُ الباءِ وإخراجُها في كلِّ فعلٍ سبيلُه سبيلُ كَلِمَتِه. وأمّا التَّهْلُكةُ، فإنها التَّفْعُلةُ مِنْ الهلاكِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾: أحسِنوا أيُّها المؤمنون في أداءِ ما ألزَمْتُكم مِنْ فرائضي، وتَجَنُّب ما أمَرتُكم بتَجَنُّبِه مِنْ معاصيَّ، وفي (٢) الإنفاقِ في سبيلي، وعَوْدِ القويِّ فيكم (٣) على الضعيفِ ذي الخَلَّةِ (٤)، فإني أُحبُّ المحسنين في ذلك. كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: أخبَرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِنْ الصحابةِ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: أداءُ الفرائضِ (٥).

стр. 1978

وقال بعضُهم: معناه: أحسِنوا الظنَّ باللهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحَكَمِ ابنِ أبانٍ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: أحسِنوا الظنَّ باللهِ [يَبَرَّ بكم] (١). وقال آخرون: أحسِنوا بالعَوْدِ على المحتاجِ. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: عُودُوا على مَن ليس بيدِه شيْءٌ. [حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: قال لِمَن في يدِه فضْلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: أتمُّوا الحجَّ بمناسكِه وسننِه، وأتمُّوا العمرةَ [إلى البيتِ] (٣) بحدودِها وسننِها.

стр. 1979

ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: هي في قراءةَ عبدِ اللهِ: (وأتِمُّوا (١) الحجَّ والعمرةَ إلى البيتِ) قال: لا تَجاوَزوا بالعمرةِ البيتَ. قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قرَأ: (وأقِيمُوا (٣) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ) (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ أنه قرَأ: (وأتِمُّوا (١) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ). حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يقولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعُمرةٍ فليس له أن يَحِلَّ حتى يُتِمَّها، تمامُ الحجِّ يومُ النحرِ، إذا رمَى جمرةَ العقبةِ وزارَ البيتَ، فقد حلَّ مِن إحرامِه كلِّه، وتمامُ العُمرةِ إذا طاف بالبيتِ والصفا والمروةِ، فقد حَلَّ (٥).

стр. 1980

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: ما أُمِروا فيهما (١). حُدِّثْتُ عن عمّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: قال إبراهيمُ، عن عَلْقَمةَ بنِ قَيْسٍ، قال: الحجُّ: مناسكُ الحجِّ، والعمرةُ لا تُجاوِزْ بها البيتَ (٢). حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تقضى مناسكَ الحجِّ؛ عرفةَ والمزدلِفَةَ ومواطنَها، والعمرةُ للبيتِ [إنما هي تَطَّوَّفُ] (٣) بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ثم تَحِلُّ. وقال آخرون: تمامُهما أن تُحْرِمَ بهما مفردَينِ من دُوَيرةِ أهلِك. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، عن عليٍّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أن تُحرِمَ مِن دُوَيرةِ أهلِك (٤). حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسةَ، عن شعبةَ، عن

стр. 1981

عمرو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: أرأيتَ قولَ اللهِ : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: أن تُحرِمَ من دُوَيرَةَ أهلِك. حَدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: من تمامِ العُمرةِ أن تُحرِمَ من دُوَيرَةِ أهلِك (١). حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ، عن سليمانَ بنِ موسَي، عن طاوسٍ، قال: تمامُهما إفرادُهما مُؤْتَنَفَيْنِ (٢) مِن أهلِك. حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا [أبو نُعيمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا] (٣) سفيانُ، عن ثورٍ، عن سليمانَ بنِ موسَى، عن طاوسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تُفْرِدُهما مُؤْتَنَفَين (٤) مِن أهلِك، فذلك تمامُهما (٥). وقال آخرون: تمامُ العُمرةِ أن تُعْمَلَ في غيرِ أشهرِ الحَجِّ، وتمامُ الحجِّ أن يُؤْتَى بمناسِكِه كلِّها حتى لا يَلْزَمَ عاملَه دمٌ بسببِ قِرانٍ ولا مُتعةٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تمامُ العُمرةِ ما كان في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وما كان في أشهرِ الحجِّ، ثم أقامَ حتى يَحُجَّ فهي مُتْعةٌ، عليه فيها الهَدْيُ إن وجَدَ، وإلا صامَ

стр. 1982

ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، وسبعةً إذا رجَع (١). حَدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: ما كان في غيرِ أشهرِ الحجِّ فهي عُمرةٌ تامَّةٌ، وما كان في أشهرِ الحجِّ فهي مُتْعةٌ وعليه الهَدْيُ. حَدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَونٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ ليست بتامَّةٍ. قال: فقيل له: العُمرةُ في المُحرَّمِ؟ قال: كانوا يَرَوْنَها تامَّةً (٢). وقال آخرون: إتمامُهما أن تَخْرُجَ مِن أهلِك ولا تُريدُ غيرَهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني رجلٌ، عن سفيانَ، قال: هو - يعني تمامَهما - أن تَخْرُجَ مِن أهلِك لا تريدُ إلا الحجَّ والعُمرةَ، وتُهِلَّ مِن الميقاتِ، ليس أن نَخْرُجَ لتجارةٍ ولا لحاجةٍ، حتى إذا كُنْتَ قريبًا مِن مكةَ قلتَ: لو حَجَجْتُ أو اعتَمَرْتُ. وذلك يُجزِئُ، ولكنَّ التَّمامَ أن تَخْرُجَ له لا تَخْرُجُ لغيرِه (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتمُّوا الحَجَّ والعُمرةَ للَّهِ إذا دخَلتم فيهما. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ليست العُمرةُ واجبةً على أحدٍ مِن الناسِ. قال: فقلتُ له: قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ

стр. 1983

لِلَّهِ﴾. قال: ليس مِن الخَلقِ أحدٌ ينبَغي له [إذا دخَلَ] (١) في أمرٍ إلا أن يُتِمَّه، فإذا دخَل (٢) فيها لَمْ يَنْبَغِ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومَين ثم يَرْجِعَ، كما لو صامَ يومًا لَمْ يَنْبَغِ له أن يُفْطِرَ في نصفِ النهارِ. وكان الشعبيُّ يَقْرَأُ ذلك رفعًا (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي بُرْدةَ، أن الشعبيَّ وأبا بُرْدةَ تذاكرَا العُمرةَ، قال: فقال الشعبيُّ: تَطوُّعٌ: (وأتموا الحَجَّ والعُمْرةُ للهِ). وقال أبو بُرْدَةَ: هي واجبةٌ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ عَونٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَقْرؤُها: (وأتمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةُ لِلَّهِ) (٥). وقد روِي عن الشعبيِّ خلافُ هذا القولِ، وإن كان المشهورُ عنه مِن القولِ هو هذا. وذلك ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: العُمرةُ واجبةٌ (٦). فقراءةُ مَن قال: العُمرةُ واجبةٌ. نَصْبُها بمعنى: أَقِيمُوا فرضَ الحجِّ والعُمرةِ.

стр. 1984

كما حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يَقُولُ: سمِعتُ مَسروقًا يقولُ: أُمِرْتم في كتابِ اللَّهِ بأربعٍ؛ بإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، والعمرةِ. قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت) (١). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ لَيْثًا يَرْوِي عن الحسنِ، عن مَسروقٍ، قال: أُمِرنا بإقامةِ أربعةٍ؛ الصلاةِ، والزكاةِ، والعمرةِ، والحجِّ، فنُزِّلَت العُمرةُ مِن الحجِّ منزلةَ الزكاةِ مِن الصلاةِ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عليُّ بنُ حسينٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وسئِلا: أواجبةٌ العُمرةُ على الناسِ؟ فكلاهما قال: ما نَعْلَمُها إلا واجبةً، كما قال اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، قال: سأَل رجلٌ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن العُمرةِ فريضةٌ هي أم تَطَوُّعٌ؟ قال: فريضةٌ. قال: فإن الشعبيَّ يقولُ: هي تطوُّعٌ. قال: كذَب (٤) الشعبيُّ. وقرَأ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥).

стр. 1985

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وعمّن سمِع عطاءً يَقُولُ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: هما واجبانِ؛ الحجُّ والعُمرةُ (١). فتأويلُ هؤلاءِ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ في أنهما واجِبانِ: أمَر (٢) اللَّهُ بإقامتِهما كما أَمر بإقامِ الصلاةِ، وأنهما فريضتان، وأوجَبَ العُمرةَ وجوبَ الحجِّ. وهم عددٌ كثيرٌ مِن الصحابةِ والتابِعين، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ الرواياتِ عنهم. وقالوا: معنى قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمرةَ. ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك حدَّثنا موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. يقولُ: أقِيموا الحجَّ والعُمرةَ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: (وأقيمُوا الحجَّ والعُمْرَةَ للبيْتِ): ثم هي واجبةٌ مِثلُ الحجِّ (٤). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ: (وَأَقيمُوا الحجَّ والْعُمْرَةَ إلى الْبَيْتِ). ثم قال عبدُ اللَّهِ: لولا التَّحَرُّجُ وأني لم أَسْمَعْ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ فيها شيئًا، لقُلتُ: إن العُمرةَ واجبةٌ مثلُ الحجِّ (٥).

стр. 1986

وكأنهم عَنَوا بقولِهم: (وأقيموا الحجَّ والعُمرةَ): ائْتوا بهما بحدودِهما وأحكامِهما على ما فُرِضَ عليكم. وقال آخرون ممن قرَأ قراءةَ هؤلاءِ بنصبِ العُمرةِ: العُمرةُ تطوُّعٌ. ورأوْا أنه لا دَلالةَ على وُجوبِها في نصبِهم العُمرةَ في القراءةِ، إذ كان مِن الأعمالِ ما قد يَلْزَمُ العبدَ عملُه، وإتمامُه بدخولِه فيه، ولم يَكُنِ ابتداءُ الدخولِ فيه فرضًا عليه، وذلك كالحَجِّ التطوُّعِ، لا خلافَ بين الجميعِ فيه أنه إذا أحرَم به أنَّ عليه المُضِيَّ فيه وإتمامَه، ولم يكنْ فرضًا عليه ابتداءُ الدخولِ فيه. وقالوا: فكذلك العُمرةُ غيرُ فرضٍ واجبٍ الدخولُ فيها ابتداءً، غيرَ أنَّ على مَن دخَل فيها وأوجَبها على نفسِه إتمامَها بعدَ الدخولِ فيها. قالوا: ليس في أمرِ اللَّهِ بإتمامِ الحجِّ والعمرةِ دَلالةٌ على وجوبِ فرضِهِما (١). قالوا: وإنما أوجَبنا فَرْضَ الحَجِّ بقولِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وممن قال ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين ومَن بعدَهم مِن الخالِفين. ذكرُ بعضِ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الحجُّ فريضةٌ، والعُمرةُ تطوُّعٌ (٢).

стр. 1987

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن النَّخَعِيِّ، عن ابنِ مسعودٍ مثلَه. وحدَّثنا ابنُ بَشارٍ، قال: ثنا ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: العُمرةُ ليستْ بواجبةٍ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن سماكٍ (١)، قال: سألتُ إبراهيمَ عن العُمرةِ فقال: سنةٌ حسنةٌ (٢). حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَونٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: العُمرةُ تطوُّعٌ (٣). فأما الذين قرَءوا ذلك برفعِ "العُمرةِ"، فإنَّهم قالوا: لا وَجْهَ لنصبِها؛ لأنَّ العُمرةَ إنما هي زيارةُ البيتِ، ولا يكونُ مستحِقًّا اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا وهو له زائِرٌ. قالوا: وإذا كان لا يَسْتَحِقُّ اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا بزيارتِه - وهو متى

стр. 1988

بلَغه فطاف به وبالصفا والمروةِ، فلا عَملَ يبقى بعدَه يُؤمَرُ بإتمامِه بعدَ ذلك، كما يُؤمَرُ الحاجُّ بعدَ بُلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروةِ بإتيانِ عرفةَ والمُزدَلِفةِ، والوقوفِ بالمواضعِ التي أُمِر بالوقوفِ بها، وعَمَلِ سائِرِ أعمالِ الحجِّ الذي هو مِن تمامِه بعدَ إتيانِ البيتِ - لم يكنْ لِقولِ القائلِ للمعتمرِ: أَتِمَّ عُمرتَك. وجهٌ مفهومٌ. قالوا (١): وإذا لم يَكُنْ له وَجْهٌ مفهومٌ، فالصوابُ مِن القراءةِ في "العُمرةِ" بالرفعِ على أنها (٢) من أعمالِ البرِّ للَّهِ، فتكونُ مَرفوعةً بخبرِها الذي بعدَها، وهو قولُه: ﴿لِلَّهِ﴾. وأَوْلى القِراءَتين بالصوابِ في ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأ بنصبِ "العُمرةِ" على العطفِ بها على "الحجِّ"، بمعنى الأمرِ [بإتْمامِها للَّهِ] (٣)، ولا معنى لاعتلالِ من اعتَلَّ في رفعِها بأنَّ العمرةَ زيارةُ البيتِ، وأن (٤) المُعْتَمِرَ متى بلَغه فلا عمَل بقِي عليه يؤمَرُ بإتمامِه؛ وذلك أنه إذا بلَغ البيتَ، فقد انْقَضَتْ زيارتُه وبقِي عليه تمامُ العمَلِ الذي أمَره اللَّهُ به في اعتمارِه وزيارتِه البيتَ، وذلك هو الطوافُ بالبيتِ، والسعيُ بينَ الصفا والمروةِ، وتَجَنُّبُ ما أمَر اللَّهُ بتَجَنُّبِه إلى إتمامِه ذلك. وذلك عمَلٌ - وإن كان مما لزِمه بإيجابِه (٥) الزيارةَ على نفسِه - غيرُ الزيارةِ. هذا، مع إجماعِ الحجةِ على قراءةِ "العمرةِ" بالنصبِ، ومخالفةِ جمبعِ قرأةِ الأمصارِ قراءةَ مَن قرَأ ذلك بالرفعِ، ففي ذلك مُسْتَغْنًى عن الاستشهادِ على خطإِ قِراءةِ (٦) مَن قرَأ ذلك رفعًا.

стр. 1989

وأما أَولى القولين اللذين ذكَرنا بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على قراءةِ مَن قرَأ ذلك نصبًا، فقولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ ومَن قال بقولِه، من أن معنى ذلك: وأتموا الحجَّ والعمرةَ للَّهِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِكم إياهما. لا أنَّ ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ بابتداءِ عملِهما والدخولِ فيهما وأداءِ عملِهما بتمامِه بهذه الآيةِ؛ وذلك أن الآيةَ مُحْتَمِلةٌ المعنيين اللذين وصَفنا؛ من أن يكون أمرًا مِن اللَّهِ بإقامتِهما بتَمامِهما (١) ابتداءً، وإيجابًا منه على العبادِ فرضَهما. وأن يكونَ أمرًا منه بإتمامِهما بعد الدخولِ فيهما، وبعد إيجابِ موجبِهما على نفسِه. فإذا كانت الآيةُ مُحْتَمِلةً المعنيين اللذين وصَفنا، فلا حجةَ فيها لأحدِ الفريقين على الآخَرِ، إلا وللآخَرِ عليه فيها مثلُها. وإذا كان ذلك (١) كذلك ولم يكنْ بإيجابِ فرضِ العُمرةِ خبرٌ عن الحجةِ للعذرِ قاطعًا، وكانت الأمةُ في وجوبِها متنازعةً، لم يكنْ لقولِ قائلٍ: هي فرضٌ. بغيرِ برهانٍ دالٍّ على صحةِ قولِه - معنًى، إذ كانت الفروضُ لا تَلْزَمُ العبادَ إلا بدلالةٍ على لزومِها إياهم واضحةٍ. فإن ظنَّ ظانٌّ أنها واجبةٌ وُجوبَ الحجِّ، وأنَّ تأويلَ مَن تأوَّل قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. بمعنى: أقِيمُوا حدودَهما وفُروضَهما. أولى مِن تأويلِنا، لما (٢) حدَّثني به حاتمُ بنُ بكرٍ (٣) الضبيُّ، قال: ثنا أشهلُ بنُ حاتمٍ الأرطبانيُّ (٤)، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن رجلٍ، عن زميلٍ له، عن أبيه - وكان أبوه يُكنَى أبا المُنْتَفِقِ - قال: أتَيتُ النبيَّ ﷺ بعرفةَ، فدنَوتُ منه، حتى اختلَفَت عنقُ راحِلَتي

стр. 1990

وعنقُ راحلتِه، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أنْبِئْني بعملٍ يُنْجِيني مِن عذابِ اللَّهِ ويُدْخِلُني جنتَه؟ قال: "اعْبُدِ اللَّهَ ولَا تُشْرِكْ به شيئًا، وأقمِ الصلاةَ المكتوبةَ، وأدِّ الزكاةَ المفروضةَ، وحُجَّ واعْتَمِرْ" - قال أشهلُ: وأظنُّه قال: "وصُمْ رمضانَ" - "وانْظُرْ ما تُحِبُّ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فافْعَلْه بهم، وما تَكْرَهُ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فذَرْهُم منه" (١). وما حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ (٢)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ ومحمدُ بنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن النعمانِ بنِ سالمٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ، عن أبي رَزينٍ العُقَيليِّ، رجلٍ مِن بني عامرٍ، قال: قلت يا رسولَ اللَّهِ، إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعْنَ، وقد أدرَكَه الإسلامُ، أفأَحُجُّ عنه؟ قال: "حُجَّ عن أبيك واعْتَمِرْ" (٣). وما حدَّثني به يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ خطَب فقال: "اعْبُدُوا اللَّهَ ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وأقِيمُوا الصلاةَ، وآتُوا الزكاةَ، وحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، واسْتَقِيموا يَسْتَقِم لكم" (٤).

стр. 1991

وما أشبَهَ ذلك مِن الأخبارِ. فإنَّ هذه أخبارٌ لا يَثْبُتُ بمثلِها في الدينِ حُجَّةٌ لوَهْيِ أسانيدِها، وأنها مع وَهْيِ أسانيدِها لها مِن (١) الأخبارِ أشكالٌ تُنْبئُ عن أنَّ العُمرةَ تَطَوُّعٌ، لا فرضٌ واجبٌ. وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيدٍ ومحمدُ بن عيسى الدَّامَغانيُّ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ، عن الحَجَّاجِ بنِ أرْطاةَ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنه سُئِل عن العُمرةِ أواجبةٌ هي؟، فقال: "لا، وأن تَعْتَمِروا خيرٌ لكم" (٢). حدَّثنا ابنُ حَمْيدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، وحدَّثني يحيى بنُ طَلْحَةَ اليربوعِيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن مُعاويةَ بنِ إسحاقَ، عن أبي صالحٍ الحنفيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الحَجُّ جهادٌ، والعُمرةُ تَطَوُّعٌ" (٣). وقد زعَم بعضُ أهلِ الغباءِ أنه قد صَحَّ عندَه أنَّ العُمرةَ واجبةٌ؛ بأنه لم يَجِدْ تَطَوُّعًا إلا وله إمامٌ مِن المكتوبةِ، فلما صَحَّ أن [للعُمْرَةِ تَطَوُّعًا] (٤) وجَب أن يَكُونَ لها فرضٌ؛ لأن الفرضَ إمامُ التطوُّعِ في جميعِ الأعمالِ. فيقالُ لقائلِ ذلك: قد جُعِل للاعتكافِ (٥) تطوُّعٌ، فما الفرضُ منه (٦) الذي هو

стр. 1992

إمامُ تَطوُّعِه (١)؟ ثم يُسْأَلُ عن الاعتكافِ أواجبٌ هو أم غيرُ واجبٍ؟ فإن قال: واجبٌ. خرَج مِن قولِ جميعِ الأمةِ. وإن قال: تَطَوُّعٌ. قيل: فما الذي أوجَب أن يكونَ الاعتِكافُ تَطَوُّعًا والعُمرةُ فرضًا مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له؟ فلن يَقُولَ في أحدِهما قَولًا (٢) إلا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه. [وبما اسْتَشْهَدْنا مِن الأدلَّةِ، فإنَّ] (٣) أولى القراءَتين بالصوابِ في "العُمرةِ" قراءةُ مَن قرَأها نصبًا. وأن أولى التأويلين في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. تأويلُ ابنِ عباسٍ الذي ذكَرناه عنه مِن روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، مِن أنه أمْرٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه بإتمامِ أعمالِهما بعدَ الدخولِ فيهما وإيجابِهما، على ما أَمَر به مِن حدودِهما وسُنَنِهما. وأنَّ أولى القولين في العُمرةِ بالصوابِ قولُ مِن قال: هي تَطَوُّعٌ لا فرضٌ. وأنَّ معنى الآيةِ: وأتمُّوا أيُّها المؤمنون الحجَّ والعمرةَ للَّهِ بعدَ دخولِكم فيهما وإيجابِكموهما على أنفسِكم على ما أمَركم اللَّهُ به مِن حدودِهما. وإنما أنزَل اللَّهُ ﵎ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ، [مُعَرِّفَه والمؤمنين] (٤) فيها ما عليهم في إحرامِهم إن خُلِّيَ بينَهم وبينَ البيتِ، ومبيِّنًا لهم فيها ما المَخرجُ لهم مِن إحرامِهم إن أُحْصِروا (٥) فصُدُّوا عن البيتِ، وبذكرِ اللازمِ لهم مِن الأعمالِ في عُمْرَتِهم التي اعْتَمَرُوها عامَ الحُديبيةِ وما يَلْزَمُهم فيها بعدَ ذلك في عُمَرِهم وحجِّهم افتَتَح قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.

стр. 1993

وقد دلَّلنا فيما مضى على معنى "الحجِّ" و"العمرةِ" بشواهدِ ذلك، فكرِهْنا تطويلَ الكتابِ بإعادتِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في "الإحصارِ" الذي جعَل اللَّهُ على مَن ابتُلِي به في حجِّه وعُمرتِه ما اسْتَيْسَر مِن الهديِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ مانعٍ و (١) حابسٍ منَع المحرِمَ وحبَسه عن العملِ الذي فرَضه اللَّهُ عليه في إحرامِه ووصولِه إلى البيتِ الحرامِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الحَصْرُ الحبسُ كلُّه. يقولُ: أيُّما رجلٍ اعتُرِض له في حجتِه أو عمرتِه فإنه يَبْعَثُ بهديِه مِن حيثُ يُحْبَسُ. قال: وقال مجاهدٌ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن أحصِرتُم: يَمْرَضُ إنسانٌ أو يُكْسَرُ أو يَحْبِسُه أمرٌ فغَلَبَه، كائنًا ما كان، فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَرَ مِن الهَديِ، ولا يَحْلِقْ رأسَه، ولا يَحِلَّ حتى يومِ النحرِ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ

стр. 1994

جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الإحصارُ مِن (١) كلِّ شيءٍ يَحْبِسُه (٢). وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال في المُحصَرِ: هو الخوفُ والمرضُ والحابسُ، إذا أصابه ذلك بَعث بهديِه، فإذا بلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّه حَلَّ (٣). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: نا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ أو مرضٌ أو حابسٌ حبَسه عن البيتِ، يَبْعَثُ بهَدْيِه، فإذا بلَغ مَحِلَّه صار حلالًا. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كلُّ شيءٍ حبَس المُحرِمَ فهو إحصارٌ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن إبراهيمَ - قال أبو جعفرٍ: أحسَبُه عن شريكٍ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن إبراهيمَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. قال: مرضٌ أو كَسْرٌ أو خَوْفٌ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. يَقُولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعُمرةٍ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرضٍ يُجْهِدُه، أو عذرٍ يَحْبِسُه، فعليه

стр. 1995

قضاؤُها (١). وعِلَّةُ مَن قال بهذه المقالةِ أن الإحصارَ معناه في كلامِ العربِ منعُ العِلةِ من المرضِ وأشباهِه غيرِ القهرِ والغلبةِ من قاهرٍ أو غالبٍ، إلا غلبةَ علةٍ من مرضٍ أو لدغٍ أو جِراحٍ، أو ذَهابِ نفقةٍ، أو كسرِ راحلةٍ. فأما منعُ العدوِّ، وحبسُ حابسٍ في سجنٍ، وغلبةُ غالبٍ حائلٍ بينَ المحرمِ والوصولِ إلى البيتِ من سلطانٍ أو إنسانٍ قاهرٍ مانعٍ، فإن ذلك إنما تُسَمِّيه العربُ حصْرًا لا إحصارًا. قالوا: ومما يَدُلُّ على ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. يعني به: حاصرًا، أي: حابسًا. قالوا: ولو كان حبسُ القاهرِ الغالبِ مِن غيرِ العللِ التي وصَفنا يُسَمَّى إحصارًا، لوجَب أن يُقالَ: قد أُحْصِرَ العدوُّ. قالوا: وفي اجتماعِ (٢) لغاتِ العربِ على: حوصِر العدوُّ، والعدوُّ محاصَرٌ، دون: أُحْصِر العدوُّ، فهم (٣) مُحصَرون، وأُحصِر الرجلُ بالعلةِ من المرضِ والخوفِ - أكبرُ الدَّلالةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما عنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: بمرضٍ أو خوفٍ أو علةٍ مانعةٍ. قالوا: وإنما جعَلْنا حبْسَ العدوِّ ومنعَه المُحرمَ مِن الوصولِ إلى البيت بمعنى حَصْرِ المرضِ، قياسًا على ما جعَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه من ذلك للمريضِ الذي منعَه المرضُ من الوُصولِ إلى البيتِ، لا بدَلالةِ ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. إذ كان حبسُ العدوِّ والسلطانِ والقاهرِ عِلَّةً مانعةً، نظيرةَ العلةِ المانعةِ مِن المرضِ

стр. 1996

والكَسْرِ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإن حبَسكم عدوٌّ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أو حابسٌ قاهرٌ مِن بني آدمَ. قالوا: فأما العللُ العارضةُ في الأبدانِ؛ كالمرضِ والجراحِ وما أشبَهها، فإن ذلك غيرُ داخلٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. ذِكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فَيَبْعَثُ الرجلُ بهَدْيَتِه، فإن كان لا يَسْتَطِيعُ أن يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَدَ مَن يُبَلِّغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصِمٍ: لا ندري، قال: يُحْرِمُ أو يَحِلُّ - مِن يومِ يُواعِدُ فيه صاحبَ الهَدْيِ إذا اشترى، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ و (١) يَعْتَمِرَ، فإذا أصابه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، فإن كان معه هَدْيٌ فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بعَث به فليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا، ولا يَعْتَمِرَ إلا أن يَشاءَ (٢). حدِّثتُ عن أبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصْرَ إلا من حبْسِ عدوٍّ (٣).

стр. 1997

حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ، وابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فأما مَن أصابه مرضٌ أو ضلالٌ أو كَسْرٌ، فلا شيءَ عليه، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. فلا يكونُ الأمنُ إلا مِن الخوفِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ، إلا أنه قال: يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ مِن يومِ واعَد فيه صاحبَ الهَدْيَةِ إذا اشْتَرَى. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. وقال مالكُ بنُ أنسٍ (١): بلغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحُدَيْبِيَةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحلَقوا رُءوسَهم، وحلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه ولا ممن كان معه أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودوا لشيءٍ. حدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ عنه. قال: وسئل مالكٌ عمَّن أُحصِر بعدوٍّ وحيلَ بينَه وبينَ البيتِ؟ فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِسَ (٢)، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ. قال: والأمرُ عندَنا في من أُحْصِر بغيرِ عدوٍّ، بمرضٍ أو ما أشبَهَه، أن يَتَداوَى (٣) بما لا بدَّ له (٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم

стр. 1998

يَجْعَلَها عُمْرةً، ويحجَّ عامًا قابَلا ويُهْدِيَ (١). وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أَعْنِي مَن قال قولَ مالكٍ - أَنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في حَصْرِ المشركينَ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ، فأمَر اللَّهُ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ومَن معه بنَحْرِ هداياهم والإحلالِ. قالوا: فإنما أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ في حصرِ العدوِّ، فلا يَجُوزُ أن يُصْرَفَ حُكْمُها إلى غيرِ المعنى الذي نَزَلت فيه. قالوا: وأما المريضُ فإنه إذا لم يُطِقْ لمرضِه السيرَ حتى فاتَتْه عرفةُ، فإنما هو رجلٌ فاتَه الحَجُّ، عليه الخُروجُ مِن إحرامِه بما يَخْرُجُ به مَن فاته الحَجُّ، وليس مِن مَعْنى المحصَرِ الذي نزَلت هذه الآيةُ [فيه في شيءٍ] (٢). وأولى التأويلين بالصوابِ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ تأويلُ مَن تأوَّلَه بمعنى: فإن أحصَرَكم خوفُ عدوٍّ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أي: صيَّرَكم خوفُكم أو مرضُكم تَحْصُرون أنَفُسَكم فتَحْبِسُونها عن النُّفوذِ لِما أوْجَبْتُموه على أنْفُسِكم مِن عملِ الحجِّ والعمرةِ؛ فلذلك قيل: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾. لمّا أسقَط ذكرَ الخوفِ والمرضِ، يقالُ منه: أحصَرني خَوْفي مِن فلانٍ عن لقائِك، ومَرَضي عن فُلانٍ. يرادُ به: جَعَلَني أَحْبِسُ نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابسُ الرجلَ والإنسانَ، قيل: حصَرني فلانٌ عن لقائِك. بمعنى: حبَسني عنه. فلو كان معنى الآيةِ ما ظنَّه المتأوّلُ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن حبَسكم حابسٌ مِن العدوِّ عن الوُصولِ إلى البيتِ. لوجَب أن يكونَ: فإن حصِرتم. ومما يُبَينُ صحةَ ما قلناه مِن أن تأويلَ الآيةِ مرادٌ بها إحصارُ غيرِ العدوِّ، وأنه إنما يُرادُ بها الخوفُ مِن العدوِّ قولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. والأمنُ إنما يكونُ بزَوالِ الخوفِ: وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الإحصارَ الذي عنَى اللَّهُ في هذه الآيةِ هو الخوفُ الذي يكونُ بزوالِه الأمنُ.

стр. 1999

وإذ كان ذلك كذلك، لم يَكُنْ حَبْسُ الحابسِ الذي ليس مع حَبْسِه خوفٌ على النفسِ من حَبْسِه داخلًا في حكمِ الآيةِ بظاهرِها المتلوِّ، وإن كان قد يُلحقُ حُكْمُه عندَنا بحكمِه مِن وجهِ القياسِ مِن أجلِ أن حَبْسَ مَن لا خوفَ على النفسِ مِن حَبسِه - كالسلطانِ غيرِ المَخُوفةِ عقوبتُه، والوالدِ وزوجِ المرأةِ، وإن كان منهم أو مِن بعضِهم حبسٌ، ومَنْعٌ عن الشخوصِ لعملِ الحجِّ، أو الوُصولِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِ الممنوعِ الإحرامَ (١) - غيرُ داخلٍ في ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. لِما وصَفنا مِن أن معناه: فإن أحصَركم خوفُ عدوٍّ. بدَلالةِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. وقد بَيَّنَ الخبرُ الذي ذكَرناه آنفًا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحصرُ حصرُ العدوِّ. وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآيةِ لِما وصَفنا، وكان ذلك منعًا مِن الوُصولِ إلى البيتِ، فكلُّ مانعٍ عرَضَ للمحرمِ فصدَّه عن الوُصولِ إلى البيتِ، فهو نظيرٌ له في الحُكمِ. ثم اختلَف أهلُ العلمِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو شاةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٢)

стр. 2000

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حبيب، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ شاةٌ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ. حدَّثنا ابنُ المُثَنّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ] (٢)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: تَمَتَّعتُ فسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ. قال: قلتُ: شاةٌ؟ قال: شاةٌ (٣). حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ؟ قال: مِن الأزواجِ الثمانيةِ؛ مِن الإبلِ والبقرِ والمَعْزِ والضَّأْنِ (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: مِن
следующие страницы →