← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أنّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بالحَجِّ، فحبَسه مَرَضٌ أو خوفٌ، فإنه يَتَعالجُ في حَبْسِه ذلك بكلِّ شيءٍ لا بُدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ له النساءُ والطِّيبُ، ويَفْتَدِي بالفديةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: هذا قبلَ أن يُنْحَرَ الهَدْيُ، إن أصابه شيءٌ فعليْه الكفارةُ. وقال آخرون: معنَى ذلك: فمَن كان منكم مريضًا أو به أذًى مِن رأسِه، فعليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقَةٍ أو نُسُكٍ، قبلَ الحِلاقِ إذا أراد حِلاقَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: فمَن اشْتَدَّ مرَضُه أو آذاه رأسُه وهو مُحْرِمٌ، فعليْه صيامٌ أو إطعامٌ أو نُسُكٌ، ولا يَحْلِقُ رأْسَه حتى يُقَدِّمَ فِدْيَتَه قبلَ ذلك (٢). وعلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يعقوبَ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ

стр. 2032

أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال: إنَّ كعبَ بنَ عُجْرةَ مرَّ بالنبيِّ ﷺ وبرأسِه مِن الصِّئْبانِ (١) والقَمْلِ كثيرٌ، فقال له النبيُّ ﵊: "هل عندَك شاةٌ؟ ". فقال كعبٌ: ما أجدُها. فقال له النبيُّ ﷺ : "إن شِئْتَ فأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، وإن شِئْتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، ثم احْلِقْ رأسَك" (٢). فأما المرضُ الذي أُبِيحَ له معه العلاجُ بالطِّيبِ وحَلْقِ الرأسِ، فكلُّ مرضٍ كان صلاحُه بحَلْقِه؛ كالبِرْسامِ (٣) الذي يكونُ من صلاحِ صاحبِه حلقُ رأسِه، وما أشبهَ ذلك، والجِراحاتِ التي تكونُ بجسَدِ الإنسانِ، التي يُحتاجُ معها إلى العلاجِ بالدواءِ الذي فيه الطِّيبُ، ونحوِ ذلك من القروحِ والعِلَلِ العارِضَةِ للأبدانِ. وأما الأذَى الذي يكونُ - إذا كان برأسِ الإنسانِ خاصةً - له حَلْقُه، فنحوُ الصُّداعِ والشَّقيقةِ (٤)، وما أشبهَ ذلك، وأن يكثُرَ صِئبانُ الرأسِ، وكلِّ ما كان للرأسِ مُؤذيًا، مما في حَلْقِه صلاحُه، ودفْعُ المضرَّةِ الحالَّةِ به، فيكونُ ذلك له بعمومِ قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾. وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنّ هذه الآيةَ نزَلَتْ عليه بسببِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، إذْ شَكَا كثْرةَ أذًى برأسِه من صِئْبانِه، وذلك عامَ الحُدَيبيةِ. ذِكرُ الأخبارِ التي ذُكِرت (٥) في ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشَّواربِ وحُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قالا: ثنا يزيدُ

стр. 2033

ابنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرّ بيَ النَّبِيُّ ﷺ بالحديبيَةِ، ولِي وَفْرةٌ (١) فيها هوامُّ، ما بينَ أصلِ كلِّ شعَرةٍ إلى فَرْعِها قَمْلٌ وصِئبَانٌ، فقال: "إن هذا لَأذًى". قلتُ: أجل يا رسولَ اللَّهِ، شديدٌ. قال: "أمعك دَمٌ؟ ". قلتُ: لا. قال: "فإنْ شِئْتَ فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وإن شِئْتَ فتَصَدَّقْ بثَلاثَةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ على سِتَّةِ مَسَاكِينَ، على كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ" (٢). حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ الواسِطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطحّانُ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسدُ بنُ عَمرٍو، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: خرَجتُ مع النبيِّ ﷺ زمنَ الحديبِيَةِ، ولِي وَفْرةٌ مِن شعَرٍ قد قَمِلتْ، وأكلَني الصِّئبانُ، فرآني رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "احْلِقْ". ففعلتُ، فقال: "هل لك هَدْيٌ؟ ". قلتُ: ما أَجِدُ. فقال: "إنَّه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ". فقلتُ ما أجِدُ. فقال: "صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ". قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ

стр. 2034

أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١). وهذا الخبرُ يُنْبئُ عن أنّ الصحيحَ من القولِ أنّ الفِديةَ إنما تجِبُ على الحالقِ بعدَ الحلْقِ، وفسادِ قولِ مَن قال: يَفْتَدِي ثم يَحلِقُ. لأن كعبًا يُخبِرُ أن النبيَّ ﷺ أمرَه بالفديةِ بعدَما أمرَه بالحلْقِ فحلَق. حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: أمَرني رسولُ اللَّهِ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو فَرَقٍ من طعامٍ بينَ ستَّةِ مساكينَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ مَعقلٍ، قال: قعَدتُ إلى كعبٍ وهو في المسجدِ، فسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال كعبٌ: نزَلتْ فيَّ؛ كان بي أذًى من رأسِي، فحُمِلتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ والقملُ يتناثرُ علَى وجْهِي، فقال: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ الجَهْدَ بَلَغَ (٣) مِنْكَ ما أرَى، أتجِدُ شاةً؟ ". فقلتُ: لَا، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: فنزَلتْ فيَّ خاصةً، وهي لكم عامَّةً (٤).

стр. 2035

حدَّثني تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَريكٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ معقلٍ المُزَنيَّ (١) يقولُ: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: حجَجْتُ مع نبيِّ اللَّهِ ﵇ فقَمِلَ رأسِي ولحيَتي وشارِبي وحاجبَيَّ، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فأرسَلَ إليَّ فقال: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ هَذَا أصَابَكَ". ثم قال: "ادْعُوا لي حَلَّاقًا". فدعَوْه، فحلَقَنِي، ثم قال: "أعنْدَكَ شيءٌ تَنْسُكُه عنك؟ ". قال: قلتُ: لَا. قال: "فَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ طَعامٍ". قال كعبٌ: فنزَلتْ هذه الآيةُ فيَّ خاصةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ثم كانت للناسِ عامَّةً (٢). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثني أيوبُ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، قال: مَرَّ بيَ النبيُّ ﷺ وأنا أُوقِدُ تحتَ قِدْرٍ، والقَمْلُ يتَناثرُ على وجْهِي، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأْسِكَ؟ ". قال: قلتُ: نَعم. قال: "احْلِقْه وصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، أو اذْبَحْ شاةً" (٣). حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلّا أنه قال: والقمْلُ يَتناثرُ عليَّ. أو قال: علَى حاجِبَيَّ. وقال أيضًا. "أو

стр. 2036

انْسُكْ نَسيكَةً (١) ". قال أيوبُ: لا أدرِي بأيَّتِهنَّ بدَأَ (٢). حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبٍ، قال: فيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ. قال: فقال لي: "ادْنُه". فدنَوْتُ [فقال لي: "ادْنُ". فدنوْتُ] (٣)، فقال: "أيُؤْذيكَ هوامُّك؟ ". قال: أظُنُّه قال: نَعم. قال: [فأمَرني بصيامٍ أو صَدقةٍ، أو] (٤) نَسْكِ ما تيسَّرَ (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن صالحٍ (٦) أبي الخليل، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أن النَّبِيَّ ﷺ أتَى عليه زمنَ الحديبيةِ وهو يُوقِدُ تحتَ قِدرٍ له، وهوامٌ رأسِه تَتَناثَرُ علَى وجهِه، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قال: نعَم. قال: "احْلِقْ رأسَكَ، وعليك فِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ، تَذبَحُ ذَبِيحَةً، أو تَصُومُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو تُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ". حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن (٧) أبي الخليلِ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، قال: ذُكِرَ لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أَتَى علَى

стр. 2037

كعبِ بنِ عُجرةَ زمنَ الحديبيةِ. ثم ذكرَ نحوَه (١). حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: وأخبرَني سيفٌ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلي، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا بالحديبيةِ، ورأسِي يتَهافَتُ قملًا، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قال: فقلتُ: نَعم. قال: "فاحْلِقْ". قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ وأيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الحديبيةِ وأنا أُوقِدُ تحتَ قدرٍ، والقمْلُ يتهافَتُ عليَّ، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قال: قلتُ: نعم. قال: "فاحْلِقْ، وانْسُكْ نَسِيكَةً، أو صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مسَاكِينَ". قال: قال أيوبُ: "انسُكْ نسيكةً". وقال ابنُ أبي نَجيحٍ: "اذبحْ شاةً". قال سفيانُ: والفَرَقُ ثلاثةُ آصُعٍ (٣). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى، عن

стр. 2038

كعبِ بنِ عُجرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رآه وقمْلُه يسقُطُ علَى وجْهِهِ، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ ". قال: نعم. فأمَره أن يحلِقَ وهو بالحديبيةِ، [ولم] (١) يتبيَّنْ لهم أنهم يحِلُّون بها، وهم على طمَعٍ أن يدخُلوا مكَّةَ، فأنزَلَ اللَّهُ ﵎ الفديةَ، فأمَره رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُطعِمَ فَرَقًا بينَ ستةِ مساكينَ، أو يُهدِيَ شاةً، أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ ونحن محرمون، وقد حَصَرَنا المشركون، قال: وكانت لي وفرةٌ، فجعَلت الهوامُّ تَساقَطُ علَى وجهِي، فمرّ بي النبيُّ ﷺ فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟ ". قال: قلتُ: نعم. قال (٣): ونزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجرَةَ، قال: لَفِيَّ نَزَلتْ، وإيّايَ عُني بها: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: قال النبيُّ ﷺ وهو بالحديبيةِ، وهو عندَ الشجرةِ، وأنا محرِمٌ: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ (٥)؟ ". قلتُ: نعم - أو كلمةً لا أحفظُها عنَى بها ذاكَ - فأنزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ

стр. 2039

رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: والنُّسُكُ شاةٌ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، قال: قال كعبُ بنُ عُجْرَةَ: والذي نفسِي بيدِه، لَفيَّ نزَلت هذه الآيةُ، وإيايَ عُنِي بها. ثم ذكَر نحوَه. قال: وأمرَه أنْ يحلِقَ رأسَه (١). حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن عبدِ الكريمِ بنِ مالكٍ الجَزَرِيِّ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فآذاه القملُ في رأسِه، فأمَره رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يحلِقَ رأسَه وقال: "صُمْ ثلاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لكلِّ إنْسانٍ، أو انْسُكْ بشاةٍ، أيَّ ذلك فعلتَ أَجزأَ عنك" (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن حُميدِ بنِ قيسٍ، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال له: "لَعَلَّه آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ". يعني القمْلَ. قال: قلتُ: نَعم يا رسولَ اللَّهِ. فقال رسولُ اللَّهِ: "احْلِقْ رأسَكَ، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، أو انْسُكْ بِشاةٍ" (٣).

стр. 2040

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن عطاءِ بنِ عبدِ اللَّهِ الخُراسانيِّ، أنه قال: أخبرني شيخٌ بسوقِ البُرَمِ بالكوفةِ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: جاءَني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا أنفُخُ تحتَ قِدْرٍ لأصحابي، وقد امتلأَ رأْسِي ولحيتي قمْلًا، فأخَذ بجبْهَتي ثم قال: "احْلِقْ هذا، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ". وقد كان رسولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أنه ليس عندي ما أَنسُكُ به (١). حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرني ابنُ نافعٍ، قال: أخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال كعبٌ: أمَرني النبيُّ ﷺ حين آذاني القملُ أن أحلِقَ رأسِي، ثم أصومَ ثلاثةَ أيامٍ، أو أطعِمَ ستةَ مساكينَ، وقد علِمَ أنه ليس عندي ما أنسُكُ منه (٢). حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا روحٌ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: أمرَنِي - يعني رسولَ اللَّهِ ﷺ أن أحلِقَ وأَفتديَ بشاةٍ (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلَمةَ، قال: لقِيتُ كعبَ بنَ عُجْرَةَ في هذه السوقِ، فسألتُه

стр. 2041

عن حلْقِ رأسِه، فقال: أحرَمْتُ فآذاني القملُ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأتانِي وأنا أطبخُ قِدرًا لأصحابي، فحَكَّ بأُصبُعِه رأسِي فانْتَثَرَ منه القملُ، فقال النبيُّ ﷺ : "احْلِقْه، وأطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ، أن النبيَّ ﷺ لما (٢) كان بالحديبيةِ عامَ حُبسوا بها، وقَمِل رأسُ رجلٍ منهم (٣) من أصحابِه، يقالُ له: كعبُ بنُ عُجْرةَ. فقال له النبيُّ ﷺ : "أتُؤْذِيكَ هذه الهَوَامُّ؟ ". قال: نعم. قال: "فاحْلِقْ وَاجْزُزْ، ثُمَّ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ". قال: قلتُ: أَسَمَّى النبيُّ ﷺ مُدَّين مُدَّينِ؟ قال: نعم. كذلك بلَغنا أن النبيَّ ﷺ سمَّى ذلك لكعبٍ، ولم يسمِّ النسُكَ. قال: وأخبَرني أن النبيَّ ﷺ أخبَر كعبًا بذلك في الحديبيةِ، قبلَ أن يؤذَنَ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه بالحلقِ والنحرِ، لا يدرِي عطاءٌ كمْ بينَ الحلْقِ والنَّحرِ. حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: ثنى عَمِّي عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرني الليثُ، عن ابنِ مُسافرٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن فضالةَ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، أنه أخبَره من (٤) لا يَتَّهمُ من قومِه، أنّ كَعبَ بنَ عُجرةَ أصابَه أذًى في رأسِه، فحلَقَ قبلَ أن يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه، فأمَره النبيُّ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ (٥).

стр. 2042

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسودِ، قال: أخبرني ابنُ لَهيعةَ، عن مَخْرمَةَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شُعيبٍ يقولُ: سمِعتُ شُعيبًا يحدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لكعبِ بنِ عُجرةَ: "أَيُؤْذِيكَ دَوَابُّ رأسِكَ؟ ". قال: نَعم. قال: "فاحْلِقْهُ، وَافْتَدِ؛ إمَّا بصَوْمِ (١) ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وإمَّا أنْ تُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِينَ، أوْ نَسْكِ شاةٍ". ففعَلَ (٢). وقد بيَّنا قبلُ معنى "الفديةِ"، وأنها بمعنى الجزاءِ والبدلِ (٣). واختلَف أهلُ العلمِ في مبلغِ الصيامِ والطعامِ اللَّذَين أوجَبهما اللَّهُ على من حلَق شعرَه من المحْرِمِين في حالِ مرضِه، أو مِن أذًى برأسِه؛ فقال بعضُهم: الواجبُ عليه من الصيامِ ثلاثةُ أيامٍ، ومن الطعامِ ثلاثةُ آصُعٍ بينَ ستةِ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. واعتلُّوا بالأخبارِ التي ذكرْناها قبلُ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ مثلَه (٤). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 2043

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبرإهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ، أنهما قالا في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قالا: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ فصاعدًا (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أشعثَ، عن الشَّعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، أنه قال في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ فصاعدًا. إلَّا أنه قال في إطعامِ المساكينِ: ثلاثةُ آصُعٍ مِن تَمرٍ بين ستةِ مساكينَ (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: إن صنَع واحدًا فعليه فديةٌ، وإن صنَع ثنتين فعليه فديتان، وهو مخيَّرٌ أن يصنَعَ أيَّ الثلاثةِ شاءَ؛ أما الصيامُ فثلاثةُ أيامٍ، وأما الصدَقةُ فستةُ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وأما النسُكُ فشاةٌ فما فوقَها، أُنزِلتْ هذه الآيةُ في كعبِ بنِ عُجْرةَ الأنصاريِّ، كان أُحصِرَ، فقمِلَ رأسُه فحلَقه. حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾: أو اكتحَلَ، أو ادَّهنَ، أو تداوَى ﴿أَوْ﴾ كان ﴿بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ مِن قملٍ فحلَقَ، ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ ثلاثةِ أيامٍ، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ فَرَقٍ بينَ ستةِ مساكينَ، ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ والنسكُ شاةٌ (٣). حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ:

стр. 2044

﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. قال: فإن عجّلَ من (١) قبلِ أن يبلُغَ الهديُ محلَّه، فحلَق، ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ. قال: فالصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ طعَامُ ستةِ مساكينَ؛ بينَ كلِّ مسكينيْنِ (٢) صاعٌ، والنسُكُ شاةٌ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: يصومُ صاحبُ الفديةِ مكانَ كلِّ مُدَّينِ يومًا. قال: مُدًّا لطعامِه، ومُدًّا لإدَامِه (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ بإسنادِه مثلَه. حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّريِّ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِلَ عليٌّ عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: الصيامُ ثلاثةُ أيام، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ (٤). حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن حربِ بنِ قيسٍ مَولَى يحيى بنِ (٥) طلحةَ، أنه سمِعَ محمدَ بنَ كعبٍ وهو يذكرُ الرجلَ الذي أُنزِلَتْ فيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾. قال: فأَفتاهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أمَّا الصيامُ فثلاثةُ أيامٍ، وأما المساكينُ

стр. 2045

فستةٌ، وأمّا النُّسُكُ فشاةٌ". حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسرَ من الهدْيِ؛ شاةٍ، فإنْ عجَّلَ قبلَ أن يبلُغَ الهدْيُ مَحِلَّه؛ حلَقَ رأسَه، أو مَسّ طيبًا، أو تَداوَى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، والصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، والنُّسكُ شاةٌ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ قولَه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قالا: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ (٢). وقال آخرون: الواجبُ عليه إذا حلَقَ رأسَهُ من أذًى، أو تَطيَّبَ لعلةٍ من مرضٍ، أو فعَل ما لم يكنْ له فعلُه في حالِ صحتِه، وهو محرمٌ، من الصومِ؛ صيامُ عشرةِ أيامٍ، ومن الصدقةِ؛ إطعامُ عشرةِ مساكينَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ أبي عمرانَ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، عن أبيه، عن أشعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: إذا كان بالمحْرِمِ أذًى مِن رأسِه، حلَقَ وافتدَى بأيِّ هذه الثلاثةِ شاءَ؛ فالصيامُ عشَرةُ أيامٍ، والصدقةُ على عشَرةِ مساكينَ؛ كلَّ مسكينٍ مكُّوكَين (٣)؛ مكُّوكًا من تمرٍ، ومكوكًا مِن بُرٍّ،

стр. 2046

والنُّسكُ شاةٌ (١). حدَّثني عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشِيُّ، قال: ثنا بشرٌ بنُ عمرَ (٢)، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعِكرمةَ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: إطعامُ عشَرةِ مساكينَ (٣). وقاسَ قائلُو هذا القولِ كلَّ صيامٍ وجَبَ على مُحْرِمٍ أو صدقةِ جزاءٍ، مِن نقصٍ دخَلَ في إحرامِه، أو فِعلِ ما لمْ يكنْ له فعلُه، بدَلًا من دَمٍ، على ما أوجبَ اللَّهُ ﵎ على المتمتعِ من الصومِ إذا لم يجدِ الهدْيَ. وقالوا: جعَلَ اللَّهُ على المُتمتعِ صيامَ عشَرَةِ أيامٍ مكانَ الهدْيِ إذا لمْ يَجدْه. قالوا: فكلُّ صومٍ وجَبَ مكانَ دمٍ فمثلُه. قالوا: وإذا لم يصُمْ فأرادَ الإطعامَ، فإن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أقامَ إطعامَ مسكينٍ مكانَ صومِ يومٍ لمن عجَزَ عن الصومِ في رمضانَ. قالوا: فكلُّ مَن جُعِلَ الإطعامُ له مكانَ صومٍ لَزِمَه، فهو نَظيرُه. فلذلك أوجَبوا إطعامَ عشَرةِ مساكينَ في فديةِ الحلْقِ. وقال آخرون: بل الواجبُ على الحالقِ النُّسكُ، شاةٌ إن كانتْ عندَه، فإن لم تكنْ عندَه، قُوِّمتِ الشاةُ دراهمَ، والدراهمُ طعامًا، فتصدَّق به، وإلَّا صامَ لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ذَكَر الأعمشُ قال: سألَ إبراهيمُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.

стр. 2047

فأجابَه: يقولُ (١): يُحكَمُ عليه طعامٌ، فإن كان عندَه اشترَى شاةً، فإن لم يكنْ، قُوِّمتِ الشاةُ دراهِمَ، فجُعِلَ مكانَه طعامٌ فتَصدّقَ به، وإلَّا صامَ لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا. فقال إبراهيمُ: كذلك سمِعتُ علقمةَ يَذكُرُ. قال: لما قامَ قال لي سعيدُ بنُ جبيرٍ: مَن (٢) هذا؟ ما أظرفَه! قال: قلتُ: هذا إبراهيمُ. فقال: ما أظرفَه، كان يُجالِسُنَا. قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ. قال: فلمَّا قلتُ: يُجالسُنا. انْتفضَ منها (٣). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: يُحكَمُ علَى الرجلِ في الصيدِ، فإن لم يجِدْ جزاءَه قُوِّمَ طعامًا، فإن لم يكنْ طعامٌ، صامَ مكانَ كلِّ مُدَّينِ يومًا، وكذلِك الفديةُ (٤). وقال آخرون: بل هو مخيَّرٌ بينَ الخِلالِ الثلاثِ يَفتدِي بأيِّها شاءَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثَنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سيفِ بنِ سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أوْ، أوْ". فهو بالخيارِ، مثلُ الجرابِ فيه الخيطُ الأبيضُ والأسودُ، فأيُّهما خرَجَ أخذْتَه (٥). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن

стр. 2048

ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أوْ، أوْ". فصاحبُه بالخيارِ، يأخُذُ [الأوَّلَ فالأوَّلَ] (١). حدَّثنا أبو كريب، قال: تنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليْثًا، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ما كان في القرآنِ: "كذا، فمن لم يجِدْ فكذَا". فالأوَّلَ الأوَّلَ، [وما] (٢) كان في القرآنِ: "أوْ كذا، أو كذا". فهو فيه بالخيارِ. حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المحارِبيُّ، عن يحيى بنِ أبي أُنيسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وسُئِلَ عن قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال مجاهدٌ: إذا قال اللَّهُ ﵎ لشيءٍ: "أو، أو". فإن شِئتَ فخُذْ بالأوَّلِ، وإن شئْتَ فخُذْ بالآخرِ. حدّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ و (٣) عَمرُو بن دينارٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قالا: له أيَّتُهُنَّ شاءَ (٤). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ "أو، أو". فلصاحبِه أن يختارَ أيَّه شاءَ. قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال لي عَمرُو بن دينارٍ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أو، أو". فلصاحبِه أن يأخُذَ بما شاءَ (٤).

стр. 2049

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ، أنهما قالا: ما كانَ في القرآنِ: "أو كذا، أو كذا". فصاحبُه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاءَ فعَلَ. حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ (١)، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن (٢) مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أو، أو". فهو مُخَيَّرٌ فيه، فإن كان: "فمَن، فمَن". فالأولَ فالأولَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أو، أو". فلْيتخَيَّرْ أيَّ الكفاراتِ شاءَ، فإذا كان: "فمَن لم يجِدْ". فالأولَ فالأولَ (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: نُبِّئْتُ عن عطاءٍ، قال: كلُّ شيء في القرآنِ: "أو، أو". فهو خيارٌ. والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما ثبَتَ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وتظاهرَتْ به عنه الروايةُ، أنه أَمَر كعبَ بنَ عُجرَةَ بحلْقِ رأسِه من الأذَى الذي كان برأسِه، ويفْتدِي إن شاءَ؛ بنسكٍ شاةٍ، أو صيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو إطعامِ فَرَقٍ من طعامٍ (٥) ستةَ مساكينَ؛ كلَّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ. وللمفتدِي الخيارُ بين أيِّ ذلك شاءَ؛ لأنَّ

стр. 2050

اللَّهَ لمْ يحصُرْه على واحدةٍ منهن بعينِها فلا يجوزَ له أن يعدُوَها إلى غيرِها، بل جعَلَ إليه فعْلَ أيِّ الثلاثِ شاءَ. ومَن أبَى ما قُلنا في (١) ذلك، قيلَ له: ما قلتَ في المكفِّرِ عن يمينِه، أمخيَّرٌ إذا كان موسِرًا في أن يكفِّرَ بأيِّ الكفاراتِ الثلاثِ شاءَ؟ فإن قال: لَا. خرَج من قولِ جميعِ الأُمةِ. وإن قال: بلَى. سُئلَ الفَرْقَ بينَه وبينَ المفتدِي مِن حلْقِ رأسِه وهو مُحْرِمٌ من أذًى به، ثم لن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلَّا أُلزِمَ في الآخرِ مثلَه. على أن ما قلنا في ذلك إجماعٌ من الحُجَّةِ، ففي ذلك مُستَغنًى عن الاستشهادِ على صحتِه بغيرِه. وأمَّا الزاعمون أن كفارةَ الحلْقِ قبلَ الحلْقِ، فإنه يقالُ لهم: أخبِرونا عن الكفارةِ للمُتَمتِّع، قبلَ التَّمتعِ أو بعدَه؟ فإن زَعَموا أنها قبلَه، قيل لهم: وكذلك الكفارةُ عن اليميِن قَبلَ اليمينِ. فَإن زعَموا أن ذلك كذلك، خرَجُوا من قولِ الأُمةِ. وإن قالوا: ذلك غيرُ جائز. قيل لهم: وما الوجهُ الذي من قِبَلِه وجَب أن تكونَ كفارةُ الحلْقِ قبلَ الحلْقِ وهدْيُ المتعةِ قبلَ التَّمتُّعِ، ولم يَجِبْ أن تكونَ كفارةُ اليمينِ قبلَ اليمينِ، وهل بينَكم وبينَ مَن عكَس عليكم الأمرَ في ذلك، فأوجَبَ كفارةَ اليمينِ قبلَ اليمينِ، وأبطلَ أن تكونَ كفارةُ الحلْقِ كفارةً له إلَّا بعدَ الحلقِ - [فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ] (٢)؟ فلن يقولوا (٣) في أحدِهما شيئًا إلَّا أُلزِموا (٤) في الآخرِ مثلَه. فإن اعتَلَّ في كفارةِ اليمينِ قبلَ اليمينِ أنها غيرُ مجزئةٍ قبلَ الحلف بإجماعِ

стр. 2051

الأمةِ، قيل له: فَرُدَّ الأخرى قياسًا عليها إذ (١) كان فيها اختلافٌ. وأما القائلونَ: إن الواجب على الحالقِ رأسَه من أذًى؛ من الصيامِ عشَرةُ أيامٍ، ومن الإطعامِ عشَرةُ مساكينَ. فمخالفون نصَّ الخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فيقالُ لهم: أرأيتم مَن أصاب صيدًا فاختارَ الإطعامَ أو الصيامَ، أتسوُّون بينَ جميعِ [ما يجِبُ عليه] (٢) بقتْلِه الصيدَ صغيرَه وكبيرَه من الإطعامِ والصومِ، أم تفرِّقون بين ذلك على قدرِ افتراقِ المقتولِ من الصيدِ في الصِّغرِ والكِبرِ؟ فإنْ زعَمُوا أنهم يسوُّون بينَ جميعِ ذلك، سوَّوا بين ما يجِبُ على مَن قتَلَ بقرةً وحشِيَّةً وبين ما يجِبُ على مَن قتَلَ وَلدَ ظَبيةٍ، من الإطعامِ والصيامِ. وذلك قولٌ - إن قالوه - لقولِ الأُمةِ مخالفٌ. فإن قالوا: بل نُخالِفُ (٣) بينَ ذلك، فنوجِبُ ذلك عليه على قدرِ قيمةِ المصابِ من الطعامِ والصيامِ. قيل لهم: فكيف ردَدتُم الواجبَ على الحالقِ رأسَه مِن أذًى من الكفارةِ، على الواجبِ على المتَمتِّعِ من الصومِ، وقد علِمتم أنَّ المتمتِّعَ غيرُ مُخَيَّرٍ بينَ الصيامِ والإطعامِ والهدْيِ، ولا هو مُتلِفٌ شيئًا وجبَت عليه منه كفارةٌ، وإنما هو تاركٌ عملًا من الأعمالِ، وترَكتم رَدَّ الواجبِ عليه وهو مُتلِفٌ، بحلْقِه رأسَه، ما كان ممنوعًا من إتلافِه، ومُخيَّرٌ بين الكفاراتِ الثلاثِ، نظيرَ المصيبِ الصيدَ، الذي هو بإصابتِه إياه له متلِفٌ ومخيَّرٌ في تكفيرِه بين الكفاراتِ الثلاثِ، وهل بينَكم وبينَ مَن خالفَكم في ذلك، وجعَل الحالقَ قياسًا لمُصيبِ الصيدِ، وجمَع بينَ حُكميْهِما

стр. 2052

لاتفاقِهما في المعاني التي وصَفْنا، وخالَفَ بينَ حكمه وحكمِ المتمتعِ في ذلك لاختلافِ أمرِهما فيما وصَفْنا - فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟ فلن يقولوا في ذلك قولًا إلَّا أُلزِمُوا في الآخَرِ مثلَه، مع أن في اتفاقِ الحجةِ على تخطئةِ قائلِ هذا القولِ في قولِه هذا، كفايةً عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه، فكيف وهو مع ذلك خلافٌ لما جاءتْ به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ ، والقياسُ عليه بالفسادِ شاهدٌ. واختلف أهلُ العلمِ في الموضعِ الذي أمرَ اللَّهُ ﵎ أن يَنسُكَ نُسُكَ الحلْقِ، ويُطعِمَ فديتَه؛ فقال بعضُهم: النُّسُكُ والإطعامُ بمكةَ، لا يُجزِئُ بغيرِها من البلدانِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان من دمٍ أو صدقةٍ فبمكةَ، وما سوَى ذلكَ حيثُ شاءَ. حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ شيءٍ من الحجِّ فبمكةَ، إلَّا الصومَ (١). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن النُّسُكِ، قال: النُّسُكُ بمكةَ لا بُدَّ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنبسَةَ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن عطاءٍ، قال: الصدقةُ والنُّسكُ في الفديةِ بمكةَ، والصومُ حيثُ شئتَ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا ليثٌ، عن طاوسٍ، أنه كان يقولُ:

стр. 2053

ما كان مِن دمٍ أو طعامٍ فبمكةَ، وما كان مِن صيامٍ فحيثُ شاءَ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا (٢) عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: النسكُ بمكةَ أو بمنًى (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: النُّسكُ بمكةَ أو بمنًى، والطعامُ بمكةَ. وقال آخرون: النُّسكُ في الحلْقِ والإطعامُ والصومُ حيثُ شاءَ المفْتدِي. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يعقوبَ بنِ خالدٍ، قال: أخبَرني أبو أسماءَ مَولَى ابنِ جعفرٍ، قال: حَجَّ عثمانُ بنُ عفانَ ومعه عليٌّ والحسينُ بنُ عليٍّ، فارتَحلَ عثمانُ - قال أبو أسماءَ: وكنتُ معَ ابنِ جعفرٍ - قال: فإذا نحن برجلٍ نائمٍ وناقتُه عندَ رأسِه. قال: فقلنا له: أيُّها النَّئُومُ (٤). فاسْتيقَظَ، فإذا الحسينُ بنُ عليٍّ. قال: فحمَلَه ابنُ جعفرٍ حتى أتَى به السُّقيَا. قال: فأرسَل إلى عليٍّ، فجاء ومعه أسماءُ بِنتُ عُميسٍ. قال: فمرَّضْناه نحوًا من عشرينَ ليلةً. قال: فقال عليٌّ للحسينِ: ما الذي تجِدُ؟ قال: فأَومَأَ إلى رأسِه. قال: فأَمَرَ به عليٌّ فحُلِق رأسُه، ثم دعَا ببدَنةٍ فنحَرَها (٥).

стр. 2054

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى (١)، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يعقوبَ بنِ خالدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ المسيَّبِ المخزوميِّ، أخبرَه أنه سمِعَ أبا أسماءَ مَولَى عبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ يحدِّثُ أنه خرَج مع عبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ يريدُ مكةَ مع عثمانَ، حتى إذا كنا بينَ السُّقيا والعَرْجِ (٢) اشتكَى الحسينُ بنُ عليٍّ، فأصبَح في مَقيلِه الذي قالَ فيه بالأمسِ. قال أبو أسماءَ: فصحِبتُه أنا وعبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، وإذا راحلةُ حسينٍ قائمةٌ وحسينٌ مُضطجعٌ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ: إنّ هذه لراحِلَةُ حُسينٍ. فلمَّا دنا منه قال له: أيها النَّئُومُ. وهو يظُنُّ أنه نائمٌ، فلمَّا دَنا منه وجَده يَشْتكِي، فحمَله إلى السُّقيا، ثم كتَب إلى عليٍّ، فقدِم إليه إلى السقيا، فمرَّضَه قريبًا من أربعين ليلةً، ثم إن عليًّا قيل له: هذا حسينٌ يشيرُ إلى رأسِه. فدعا عليٌّ بجزورٍ فنحَرها [في الماءِ] (٣)، ثم حلَق رأسَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أقبلَ حُسينُ بنُ عليٍّ مع عثمانَ حرامًا، حسِبتُ أنه اشْتكَى بالسُّقيا، فذُكِرَ ذلك لعليٍّ، فجاء هو وأسماءُ بنتُ عميسٍ، فمرَّضوه عشرينَ ليلةً، وأشارَ حُسينٌ إلى رأسِه، فحلَقه ونحَر عنه جَزُورًا. قلتُ: فرجَع به؟ قال: لا أَدْرِي. وهذا الخبرُ يحتَمِلُ أن يكونَ ما ذُكِر فيه مِن نحرِ عليٍّ عن الحسينِ الناقةَ قبلَ حلْقِه رأسَه، ثم حلْقِه رأسَه بعدَ النحرِ - إن كان على ما رواه مجاهدٌ، عن يزيدَ - كان على وجْهِ الإحلالِ من الحسينِ من إحرامِه للإحصارِ عن الحجِّ بالمرضِ الذي أصابه. وإن كان على ما رواه يعقوبُ، عن هُشيمٍ من نحرِ عليٍّ عنه الناقةَ بعدَ حلْقِه رأسَه، أن يكونَ على وجهِ الافتداءِ من الحلْقِ، وأن يكونَ كان يرَى أنَّ نُسُكَ

стр. 2055

الفديةِ يُجزِئُ نحرُه دونَ مكةَ والحرَمِ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفديةُ حيثُ شئتَ (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن الحَكمِ، عن إبراهيمَ في الفديةِ؛ في الصدقةِ والصومِ والدمِ: حيثُ شاءَ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عَبِيدةُ، عن إبراهيمَ، أنه كان يقولُ. فذكَر مثلَه. وقال آخرون: ما كان من دمِ نُسكٍ فبمكةَ، وما كان من إطعامٍ وصيامٍ فحيثُ شاءَ المفْتَدِي. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ وعبدُ الملكِ وغيرُهما، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ: ما كان من دمٍ فبمكةَ، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيثُ شاءَ. وعلةُ مَن قال: الدمُ والإطعامُ بمكةَ. القياسُ على هَدْيِ جزاءِ الصّيدِ، وذلك أن اللَّهَ ﵎ شَرَط في هدْيِه بلوغَ الكعبةِ فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. قالوا: فكلُّ هَدْيٍ وجَبَ مِن جزاءٍ أو فديةٍ في إحرامٍ، فسبيلُه سبيلُ جزاءِ الصيدِ في وجوبِ بُلوغِه الكعبةَ. قالوا: وإذا كان ذلكَ حكمَ

стр. 2056

الهدْيِ، كان حُكمُ الصدقةِ مثلَه؛ لأنها واجبةٌ لمن وجَب عليه (١) الهدْيُ، وذلك أن الإطعامَ فديةٌ وجزاءٌ كالدَّمِ، فحكمُهما واحدٌ. وأمَّا عِلَّةُ مَن زعَمَ أن للمُفْتدِي أن يَنسُكَ حيثُ شاءَ ويتصدَّقَ ويصومَ، أن اللَّهَ ﵎ لم يشترِطْ على الحالِقِ رأسَه من أذًى هَدْيًا، وإنما أوجَب عليه نُسُكًا أو إطعامًا أو صيامًا، وحيثما نَسَكَ أو أطعَم أو صام فهو ناسِكٌ ومُطْعِمٌ وصائمٌ. وإذا دخَلَ في عدادِ من يستحِقُّ ذلك الاسمَ، كان مؤدِّيًا ما كلَّفه اللَّهُ ؛ لأنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤُه لو أراد من إلزامِ الحالقِ رأسَه في نُسكِه بلوغَ الكعبةِ لشرَطَ ذلك عليه كما شرَط في جزاءِ الصيدِ، وفي تركِ اشتراطِ ذلك عليه دليلٌ واضحٌ أنه حيثُ نَسَكَ أو أطعَم أجزأَ. وأما عِلّةُ مَن قال: النُّسُكُ بمكَّةَ، والصيامُ والإطعامُ حيثُ شاءَ. [فإنّ النُّسُكَ] (٢) دمٌ كدمِ الهَدْيِ، فسبيلُه سبيلُ هدْيِ قاتلِ الصَّيدِ. وأما الإطعامُ، فلم يَشترطِ اللَّهُ تعالى ذكرُه في (٣) أن يُصرفَ إلى أهلِ مسكنةِ مكانٍ دونَ مكانٍ، كما شرَطَ في هدْيِ الجزاءِ بلوغَ الكعبةِ، فليس لأحدٍ أن يدَّعِيَ أن ذلك لأهلِ مكانٍ دونَ مكانٍ، إذا لم يكنِ اللَّهُ تعالى ذكرُه شرَطَ ذلكَ لأهلِ مكانٍ بعينِه، كما ليس لأحدٍ أن يدَّعِيَ أن ما جعَله اللَّهُ مِن الهَدْيِ لساكنِي الحرمِ لغيرِهم، إذ كان اللَّهُ ﵎ قد خَصَّ بأنّ ذلك لمن به مِن أهلِ المسكنةِ. والصوابُ من القولِ في ذلك أن اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - أوجَبَ على حالقِ رأسِه من أذًى من المحرِمين فِديةً مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، ولم يشترِطْ أنّ عليه ذلك بمكانٍ دونَ

стр. 2057

مكانٍ، بل أَبْهمَ ذلك وأطلَقَه، ففي أيِّ مكانٍ نَسَكَ أو أَطْعَم أو صام فيُجْزِئُ عن المفتدِي؛ وذلك لقيامِ الحُجَّةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إذ حرَّم أمهاتِ نسائِنا فلم يَحصُرْهُنَّ علَى أنهنَّ أمهاتُ النساءِ المدخولِ بهنَّ، لم يجِبْ أن يكُنَّ مَردُوداتِ الأحكامِ على الربائبِ المحصوراتِ على أن المحرَّمةَ منهن المدخولُ بأمِّها. فكذلك كلُّ مُبهَمةٍ في القرآنِ، غيرُ جائزٍ ردُّ حُكمِها على المفسَّرةِ قياسًا. ولكنَّ الواجبَ أن يُحكَمَ لكلِّ واحدةٍ منهما بما احتمَلَه ظاهرُ التنزيلِ، إلَّا أن يأتيَ في بعضِ ذلك خبرٌ عن الرسولِ ﷺ بإحالةِ حكمِ ظاهرِه إلى باطنِه، فيجِبَ التسليمُ حينئذٍ لحكمِ الرسولِ ﷺ ، إذ كان هو المبيِّنَ عن مرادِ (١) اللَّهِ تعالى ذكرُه. وأجمَعوا على أنَّ الصيامَ مُجْزِئٌ عن الحالقِ رأسَه من أذًى، حيث صام من البلادِ. واختلَفوا فيما يجِبُ أن يُفعلَ بنُسُكِ الفديةِ من الحلْقِ، وهل يجوزُ للمفتدِي الأكلُ منه أم لا؟ فقال بعضُهم: ليس للمفتدِي أن يأكُلَ منه، ولكن عليه أن يتصدَّقَ بجميعِه. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: ثلاثةٌ لَا يؤكلُ منهنَّ؛ جزاءُ الصيدِ، وجزاءُ النُّسُكِ، ونَذْرُ المساكينِ (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكُلْ مِن فديةٍ، ولا من جزاءٍ، ولا من نَذْرٍ، وكُلْ مِن المتعةِ، ومن الهدْيِ التَّطَوُّعِ.

стр. 2058

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا (١) هارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ، قال: جزاءُ الصيدِ والفديةُ والنَّذرُ لا يأكُلُ منها صاحبُها، ويأكُلُ من التطوُّعِ والتَّمتُّعِ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن الحجاجِ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكُلْ مِن جزاءٍ، ولا من فديةٍ، وتَتَصدَّقُ به. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لا يأكلُ مِن بدَنتِه الذي يُصيبُ أهلَه حرامًا، والكفاراتُ كذلك (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ والحجاجُ وغيرُهما، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ: لا يؤكلُ مِن جزاءِ الصيدِ، ولا مِن النَّذرِ، ولا مِن الفديةِ، ويُؤكلُ مما سوَى ذلك (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، أنهم قالوا: لا يؤكلُ من الفديةِ - وقال مرّةً: من هدْيِ الكفارةِ - ولا من جزاءِ الصيدِ (٤). وقال بعضُهم: له أن يأكُلَ منه. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: أخبَرني نافعٌ، عن ابنِ

стр. 2059

عُمرَ، قال: لا يُؤكَلُ من جزاءِ الصيدِ والنذْرِ، ويؤكَلُ مما سوَى ذلك (١). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنبسةَ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كلْ (٢) من الفديةِ وجزاءِ الصيدِ والنذْرِ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، قال: الشاةُ بينَ ستةِ مساكينَ، يأكُلُ منه إن شاءَ، ويتصدَّقُ على ستةِ مساكينَ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرني عبدُ الملكِ، قال: ثنى مَن سمِعَ الحسنَ يقولُ: كُلْ مِن ذلكَ كلِّه. يعني: من جزاءِ الصيدِ والنذْرِ والفديةِ. حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ، أنه كان لا يرَى بأسًا بالأكلِ من جزاءِ الصيدِ ونذْرِ المساكينِ. وعلةُ مَن حظَرَ على المفتدِي الأكلَ مِن فديةِ حِلَاقِه، وفديةِ ما لزِمَتْه منه الفديةُ، أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على الحالقِ والمتطيِّبِ ومَن كان بمثلِ حالِهم، فديةً من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، فلن يخلُوَ ذلكَ الذي أوجَبه اللَّهُ عليه من الإطعامِ والنُّسُكِ من أحدِ أمرَيْن؛ إمَّا أن يكونَ أوجَبه عليه لنفسِه أو لغيرِه، أو له ولغيرِه؛ فإن كان أوجَبه لغيرِه، فغيرُ جائزٍ له أن يأكُلَ منه؛ لأنَّ ما لَزِمه لغيرِه فلا يُجزِئُه فيه إلا الخروجُ منه إلى مَن وجَب له. أو يكونَ له وحدَه، وما وجَبَ له فليسَ عليه؛ لأنه غيرُ مفهومٍ في لغةٍ أن يقالَ: وجَبَ على فلانٍ لنفسِه دينارٌ أو درهمٌ أو شاةٌ. وإنما يجِبُ له على غيرِه، فأمَّا على نفسِه فغيرُ مفهومٍ وجوبُه. أو يكونَ وجَبَ عليه له ولغيرِه، فنصيبُه الذي وجَبَ من ذلكَ غيرُ جائزٍ أن يكونَ عليه؛ لما وصَفْنا. وإذا كانَ ذلك

стр. 2060

كذلكَ، كان الواجبُ عليه ما هو لغيرِه، وما هو لغيرِه بعضُ النُّسكِ، وإذا كان ذلك كذلك، فإنما وجَبَ عليه بعضُ النُّسُكِ لا النُّسكُ كلُّه. قالوا: وفي إلزامِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه إيَّاه النسكَ تامًّا ما يَبِينُ (١) عن فسادِ هذا القولِ. وعلةُ من قال: له أن يأكُلَ من ذلك. أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على المفْتدِي نُسكًا، والنُّسكُ في معاني الأضاحِي، وذلك هو ذَبْحُ ما يُجزِئُ في الأضاحِي من الأزواجِ الثمانيةِ. قالوا: ولم يأمُرْه اللَّهُ ﵎ بدفعِه إلى المساكينِ. قالوا: فإذا ذبَح فقد نَسَك، وفعَل ما أمَرَه اللَّهُ جل ثناؤُه، وله حينئذٍ الأكلُ منه، والصدقةُ منه بما شاءَ، وإطعامُ ما أحَبَّ منه مَن أحبَّ، كما له ذلك في أُضْحِيَتِه. والذي نقولُ به في ذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه أوجَبَ على المفتدِي النُّسُكَ إن اختارَ التكْفيرَ بالنُّسكِ، ولن يَخلوَ الواجبُ عليه في ذلك مِن أن يكونَ ذَبْحَه دونَ غيرِه، أو ذبْحَه والصدقةَ (٢) به؛ فإن كان الواجبُ عليه في ذلك ذبْحَه، فالواجبُ أن يكونَ إذا ذبَح نُسكًا فقد أدَّى ما عليه وإنْ أكَل جميعَه ولم يُطعِمْ مِسكينًا منه شيئًا، وذلك ما لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ العلمِ قاله. أو يكونَ الواجبُ عليه ذَبْحَه والصدقةَ به؛ فإنْ كان ذلك عليه، فغيرُ جائزٍ له أكْلُ ما عليه أن يتصدَّقَ به، كما لو لَزِمتْه زكاةٌ في مالِه، لم يكنْ له أن يأكُلَ منها، بل كانَ عليه أن يُعطيَها أهلَها الذين جعلَها اللَّهُ لهم، ففي إجماعِهم على أن ما ألزمَه اللَّهُ من ذلك، فإنَّما ألزَمه لغيرِه - دَلالةٌ واضحةٌ على حكمِ ما اختلَفوا فيه من غيرِه. ومعنى النُّسكِ الذَّبحُ للَّهِ ﵎ في لغةِ العربِ، يقالُ: نسَكَ فلانٌ للَّهِ

стр. 2061

نَسيكةً - بمعنَى: ذبَح للَّهِ ذبيحةً - ينسُكها نَسْكًا. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: النُّسكُ أن يذبَحَ (١) شاةً (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا برَأْتُم من مرَضِكم الذي أحْصَرَكم عن حجِّكم أو عُمرتِكم. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علْقمةَ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: فإذا برَأْتُم (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. يقولُ: إذا أَمِنتَ حينَ تُحصَرُ، إذا أَمِنْتَ مِن كسرِك ومِن وجَعِكَ، فعليك أنْ تأتيَ البيتَ فتكونَ لك متعةٌ، فلا تَحِلَّ حتى تأتيَ البيتَ (٤). وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنْتُم من (٥) خوفِكم.

стр. 2062

ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: لِتعلَموا أنّ القومَ كانوا خائفين يومئذٍ (١). حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. قال: إذا أمِنَ من خوفِه، وبَرَأَ من مَرضِه. وهذا القولُ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الأمنَ هو خلافُ الخوفِ، لا خلافُ المرضِ، إلَّا أن يكونَ مرضًا مَخُوفًا منه الهلاكُ، فيقالَ: فإذا أمِنتم الهلاكَ من خوفِ المرضِ وشِدَّتِه. وذلك معنًى بعيدٌ. وإنما قلنا: إن معناه الخوفُ من العدوِّ؛ لأنّ هذه الآياتِ نزَلتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ أيامَ الحديبيةِ، وأصحابُه من العدوِّ خائفونَ، فعرَّفَهم اللَّهُ ﵎ بها ما عليهم إذا أحْصَرَهم خوفُ عدوِّهم عن الحجِّ، وما الذي عليهم إذا هم أَمِنوا من ذلك، فزالَ منهم (٢) خَوْفُهم. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. يعني بذلك جَلَّ ثناؤُه: فإن أُحصِرْتُم أيُّها المؤمنون، فما استيسَرَ مِن الهدْيِ، فإذا أمِنتُم فزالَ عنكم خوفُكم من عَدُوِّكم، أو هلاكِكم من مَرضِكم، فتمتَّعتُم بعُمرتِكم إلى حجِّكم، فعليكم ما استيسَرَ من الهَدْيِ. ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في صفةِ التَّمتُّعِ الذي عنَى اللَّهُ جل ثناؤُه بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يَحصُرَه خَوفُ العدوِّ وهو مُحْرمٌ بالحجِّ، أو مرضٌ، أو عائقٌ من

стр. 2063

العِلَلِ، حتى يفوتَه الحجُّ، فيَقدَمَ مكةَ، فيخرُجَ من إحرامِه بعملِ عمرتِه (١)، ثم يحِلَّ فيستمتِعَ بإحلالِه من إحرامِه ذلكَ إلى السنةِ المسْتقبلةِ، ثم يَحُجَّ ويُهْدِيَ، فيكونَ متمتِّعًا بالإحلالِ من لَدُنْ يحِلُّ من إحرامِه الأوَّلِ إلى إحرامِه الثاني من القابِلِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى البصريُّ، قال: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ الزُّورِ وهو يخطُبُ، وهو يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، واللَّهِ ما التمتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ كما تصنَعون، إنما التمتُّعُ أنْ يُهِلَّ الرجلُ بالحجِّ فَيحصُرَه عدوٌّ أو مرضٌ أو كَسْرٌ، أو يحبِسَهُ أمرٌ، حتى تذهبَ أيامُ الحجِّ، فيقدَمَ فيجعلَها عمرةً، فيتمتَّعَ بحِلِّه إلى العامِ المقبلِ، ثم يحُجَّ ويُهدِيَ هدْيًا، فهذا التمتعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان ابنُ الزبيرِ يقولُ: المتعةُ لمَن أُحصِرَ. قال: وقال ابنُ عباسٍ: هي لمَن أُحصِرَ و (٣) خُلِّيتْ (٤) سبيلُه (٥). حدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: كان ابنُ الزبيرِ يقولُ: إنما المتعةُ للمُحْصَرِ،

стр. 2064

وليست لمن خُلِّيَ سبيلُه (١). وقال آخرون (٢): معنى ذلك: فإن أُحصِرتُم في حَجِّكُم، فما استيسَرَ من الهدْيِ، فإذا أمِنتم وقد حلَلْتُم مِن إحرامِكُم، ولم تَقضُوا عمرةً تخرُجون بها من إحرامِكم لحجِّكم (٣)، ولكن حلَلْتُم حينَ أُحصِرْتُم بالهدْيِ، وأَخَّرْتُم العمرةَ إلى السنةِ القابلةِ، فاعتمَرتُم في أشهرِ الحجِّ، ثم حلَلْتُم فاستمتعتُم بإحلَالِكم إلى حجِّكم، فعلَيكم ما استيسرَ مِن الهدْيِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن (٤) علقمةَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. قال: إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ. قال: يبعَثُ بما استيسرَ من الهدْيِ؛ شاةٍ، فإن عَجَّلَ قبلَ أن يبلُغَ الهدْيُ محلُّه؛ حلَقَ (٥) رأسَه، أو مسَّ طِيبًا، أو تداوَى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: فإذا بَرَأَ فمضَى من وجهِه ذلك حتى أتى البيتَ، حَلَّ من حجِّه بعمرةٍ، وكان عليه الحجُّ من قابِلٍ، وإنْ هو رجعَ ولم يُتِمَّ إلى البيتِ مِن وجْههِ ذلك، فإنَّ عليه حَجَّةً وعمرةً، ودمًا لتأخيرِه العمرةَ، فإن هو رجَعَ مُتمتِّعًا في أشهرِ الحجِّ، فإنّ عليه ما استيسرَ من الهدْيِ شاةً، فإن (٦) لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَع. قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ فقال: كذلك قال

стр. 2065

ابنُ عباسٍ في ذلك كلِّه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو (٢) حابسٌ حبَسه (٣)، يبعثُ بهدْيِه، فإذا بلَغتْ محِلَّها صارَ حلالًا، فإنْ أمِنَ أو بَرَأَ ووصَلَ إلى البيتِ، فهي له عمرةٌ، وأحَلَّ، وعليه الحجُّ عالمًا قابلًا، فإن هو لم يصِلْ إلى البيتِ حتى يرجِعَ إلى أهلِه، فعليه عُمرةٌ وحَجةٌ وهَدْيٌ. قال قتادةُ: والمتعةُ التي لا يتعاجَمُ (٤) النَّاسُ فيها أن أصلَها كانَ هكذا (٥). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ إلى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: هذا المحصَرُ إذا أمِنَ فعليه المتعةُ [والحجُّ] (٦)، وهدْيُ المتمتِّعِ، فإن لم يجِدْ فالصيامُ، فإن عَجَّلَ العمرةَ قبلَ أشهرِ الحجِّ، فعليه فيها هَدْيٌ (٧). حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، عن عليٍّ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: فإن أخّرَ العمرةَ حتى يجمَعَها مع الحجِّ فعليه الهدْيُ (٨).

стр. 2066

وقال آخرون: عنَى بذلكَ المحصَرَ وغيرَ المحصَرِ. ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرني ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: المتعةُ لمن أُحصِرَ، ولمن خُلِّيت (١) سبيلُه. فكان (٢) ابنُ عباسٍ يقولُ: أصابتْ هذه الآيةُ المحصرَ ومن خُلِّيتْ سبيلُه (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فَسَخ حجَّه بعمرةٍ، فجعَلَه عمرةً، واستَمتعَ بعمرتِه إلى حَجِّه، فعليه ما استيسَرَ من الهدْيِ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: أما المتعةُ، فالرجلُ يُحرِمُ بحَجَّةٍ، ثم يَهدِمُها بعمرةٍ، وقد خرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمسلمين حاجًّا، حتى إذا أتوْا مكةَ، قال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ : "من أحَبَّ منكم أن يَحِلَّ فَلْيَحِلَّ". قالوا: فما لك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: "أنَا مَعِي الهدْيُ". وقال آخرون: بل ذلك الرجلُ يقدَمُ مُعتمرًا من أُفقٍ من الآفاقِ في أشهرِ الحجِّ، فإذا قضَى عُمرتَه، أقامَ حلالًا بمكةَ حتى يُنشئَ منها الحجَّ، فيحُجَّ من عامِه ذلك، فيكونَ مُسْتمتِعًا بالإحلالِ إلى إحرامِه بالحجِّ.

стр. 2067

ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: مِن يومِ الفطرِ إلى يومِ عرفةَ، فعليه ما استيسرَ من الهدْيِ (١). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثني يعقوبُ ابنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قدِمَ ابنُ عُمرَ مرَّةً في شوالٍ، فأقمنا حتى حجَجْنا، فقال: إنكم قد استمتَعتُم إلى حجِّكم بعمرةٍ، فمَن وجَد منكم أن يُهدِيَ فلْيُهدِ، ومَن لا، فليَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلِه (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ وعبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ [السُّكَّريُّ، قالا: حدَّثنا] (٣) يزيدُ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن نافعٍ، أنه أخبَره أنه خرَجَ مع ابنِ عمرَ مُعْتمرَيْن في شوالٍ، فأدْرَكَهُما الحجُّ وهما بمكَّةَ، فقال ابنُ عمرَ: مَن اعتمرَ معنا في شوالٍ ثم حجَّ فهو متمتعٌ، عليه ما استيسَر من الهدْيِ، فمن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَعَ (٤).

стр. 2068

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ في رجلٍ اعتمرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ، فساق هديًا تطوُّعًا، فقدِمَ مكةَ في أشهرِ الحجِّ، قال: إن لم يكُنْ يريدُ الحجَّ، فلْيَنحَرْ هدْيَه، ثم ليرْجِعْ إن شاءَ، فإنْ هو نحَر الهديَ وحَلَّ، ثم بدَا له أن يُقيمَ حتى يحُجَّ، فلينْحَرْ هدْيًا آخرَ لمُتعتِه (١)، فإن لَمْ يجِدْ فلْيصُمْ (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي ليلَى مثلَ ذلك. حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيَى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ أنه كان يقولُ: مَن اعتمرَ في شوّالٍ أو في ذي القَعدةِ، ثم أقامَ بمكةَ حتى يحُجَّ، فهو مُتمتعٌ، عليه ما علَى المتمتعِ (٣). [حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ مثلَه] (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ مثلَ ذلك. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: مَن أحرَم بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ، فما استيسرَ من الهدْيِ (٥).

стр. 2069

حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعٌ، قال: أخبَرني ابنُ جُريجٍ، قال: كان عطاءٌ يقولُ: المتعةُ لخلقِ اللَّهِ أجمعينَ؛ الرجلِ والمرأةِ، والحرِّ والعبدِ، هي لكلِّ إنسانٍ اعتمرَ في أشهرِ الحجِّ ثم أقامَ ولم يبرَحْ حتى يحُجَّ، ساقَ (١) هديًا مقلَّدًا أو لم يَسُقْ، وإنما سُمِّيتِ المتعةَ مِن أجلِ أنه اعتمرَ في شهورِ الحجِّ، فتمَتَّعَ بعمرةٍ إلى الحجِّ، ولم تُسَمَّ المتعةَ من أجلِ أنه يَحِلُّ بتمتُّعِ النِّساءِ (٢). وأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عنَى بها: فإن أُحْصِرتُم أيها المؤمنون في حَجِّكم، فما استيسرَ من الهديِ، فإذا أمِنتُم، فمن تمتَّعَ ممن حَلَّ من إحرامِه بالحجِّ - بسببِ الإحْصارِ بعمرةٍ اعتمرَها، لفَوْتِه الحجَّ في السنةِ القابلةِ في أشهرِ الحجِّ - إلى قضاءِ الحَجَّةِ التي فاتَتْه حينَ أُحْصِرَ عنها، ثم [حَلَّ مِن] (٣) عُمرتِه فاستمتعَ بإحلَالِه من عُمرتِه إلى أن يحُجَّ، فعليه ما استيسرَ من الهدْيِ. وإن كان قد يكونُ متمتِّعًا مَن أنشأَ عمرةً في أشهرِ الحجِّ وقضاها، ثم حَلَّ من عُمرتِه وأقامَ حلَالًا بمكةَ (٤) حتى حجَّ من عامِه. غيرَ أن الذي هو أولَى بالذي ذكَره اللَّهُ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ هو ما وصَفنا، من أجلِ أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عما على المحصَرِ عن الحجِّ والعمرةِ من الأحكامِ في إحصارِه، فكان مما أخبَر ﷻ أنه عليه - إذا أمِنَ مِن إحصارِه، [إن تمتَّع] (٥) بالعمرةِ إلى الحجِّ - ما استيسرَ من الهدْيِ، فإن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ. فكان معلومًا بذلك أنه معنِيٌّ به اللازمُ له - عندَ أمْنِه من

стр. 2070

إحصارِه - من العملِ بسببِ الإحلالِ الذي كان منه من (١) حجِّه الذي أُحصِر فيه، دونَ المتمتِّعِ الذي لَمْ يتَقدَّمْ عُمرتَه ولا حجَّه إحصارُ مرضٍ ولا خوفٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: [فعليه ما] (٢) استيسرَ من الهدْيِ، يُهْدِيه جزاءً لاستمتاعِه بإحلالِه من إحرامِه الذي حَلَّ منه حينَ عادَ لقضاءِ حَجَّتِه التي أُحصِر فيها، وعمرتِه التي كانت لزِمته بفوتِ حجَّتِه. فإن لم يجِدْ هَدْيًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ في حَجِّه، وسبعةِ أيامٍ (٣) إذا رجَعَ إلى أهلِه. ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في الثلاثةِ الأيامِ التي أوجَبَ اللَّهُ عليه صومَهنَّ في الحجِّ؛ أىُّ أيامِ الحجِّ هُنَّ؟ فقال بعضُهم: هُنَّ ثلاثةُ أيامٍ مِن أيامِ حَجِّه (٤)، أيَّ أيامٍ شاءَ، بعدَ ألا يُجاوِزَ بآخرِهن يومَ عَرفةَ. ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذّارعُ، قال: ثنا حُميدُ بنُ الأسودِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قبلَ التَّرويةِ يومًا، ويومَ التَّرْويةِ، ويومَ عرفةَ (٥).
следующие страницы →