← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

والكَسْرِ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإن حبَسكم عدوٌّ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أو حابسٌ قاهرٌ مِن بني آدمَ. قالوا: فأما العللُ العارضةُ في الأبدانِ؛ كالمرضِ والجراحِ وما أشبَهها، فإن ذلك غيرُ داخلٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. ذِكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فَيَبْعَثُ الرجلُ بهَدْيَتِه، فإن كان لا يَسْتَطِيعُ أن يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَدَ مَن يُبَلِّغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصِمٍ: لا ندري، قال: يُحْرِمُ أو يَحِلُّ - مِن يومِ يُواعِدُ فيه صاحبَ الهَدْيِ إذا اشترى، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ و (١) يَعْتَمِرَ، فإذا أصابه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، فإن كان معه هَدْيٌ فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بعَث به فليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا، ولا يَعْتَمِرَ إلا أن يَشاءَ (٢). حدِّثتُ عن أبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصْرَ إلا من حبْسِ عدوٍّ (٣).

стр. 1997

حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ، وابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فأما مَن أصابه مرضٌ أو ضلالٌ أو كَسْرٌ، فلا شيءَ عليه، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾. فلا يكونُ الأمنُ إلا مِن الخوفِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ، إلا أنه قال: يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ مِن يومِ واعَد فيه صاحبَ الهَدْيَةِ إذا اشْتَرَى. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. وقال مالكُ بنُ أنسٍ (١): بلغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحُدَيْبِيَةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحلَقوا رُءوسَهم، وحلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه ولا ممن كان معه أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودوا لشيءٍ. حدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ عنه. قال: وسئل مالكٌ عمَّن أُحصِر بعدوٍّ وحيلَ بينَه وبينَ البيتِ؟ فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِسَ (٢)، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ. قال: والأمرُ عندَنا في من أُحْصِر بغيرِ عدوٍّ، بمرضٍ أو ما أشبَهَه، أن يَتَداوَى (٣) بما لا بدَّ له (٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم

стр. 1998

يَجْعَلَها عُمْرةً، ويحجَّ عامًا قابَلا ويُهْدِيَ (١). وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أَعْنِي مَن قال قولَ مالكٍ - أَنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في حَصْرِ المشركينَ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ، فأمَر اللَّهُ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ومَن معه بنَحْرِ هداياهم والإحلالِ. قالوا: فإنما أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ في حصرِ العدوِّ، فلا يَجُوزُ أن يُصْرَفَ حُكْمُها إلى غيرِ المعنى الذي نَزَلت فيه. قالوا: وأما المريضُ فإنه إذا لم يُطِقْ لمرضِه السيرَ حتى فاتَتْه عرفةُ، فإنما هو رجلٌ فاتَه الحَجُّ، عليه الخُروجُ مِن إحرامِه بما يَخْرُجُ به مَن فاته الحَجُّ، وليس مِن مَعْنى المحصَرِ الذي نزَلت هذه الآيةُ [فيه في شيءٍ] (٢). وأولى التأويلين بالصوابِ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ تأويلُ مَن تأوَّلَه بمعنى: فإن أحصَرَكم خوفُ عدوٍّ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أي: صيَّرَكم خوفُكم أو مرضُكم تَحْصُرون أنَفُسَكم فتَحْبِسُونها عن النُّفوذِ لِما أوْجَبْتُموه على أنْفُسِكم مِن عملِ الحجِّ والعمرةِ؛ فلذلك قيل: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾. لمّا أسقَط ذكرَ الخوفِ والمرضِ، يقالُ منه: أحصَرني خَوْفي مِن فلانٍ عن لقائِك، ومَرَضي عن فُلانٍ. يرادُ به: جَعَلَني أَحْبِسُ نفسي عن ذلك. فأما إذا كان الحابسُ الرجلَ والإنسانَ، قيل: حصَرني فلانٌ عن لقائِك. بمعنى: حبَسني عنه. فلو كان معنى الآيةِ ما ظنَّه المتأوّلُ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن حبَسكم حابسٌ مِن العدوِّ عن الوُصولِ إلى البيتِ. لوجَب أن يكونَ: فإن حصِرتم. ومما يُبَينُ صحةَ ما قلناه مِن أن تأويلَ الآيةِ مرادٌ بها إحصارُ غيرِ العدوِّ، وأنه إنما يُرادُ بها الخوفُ مِن العدوِّ قولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. والأمنُ إنما يكونُ بزَوالِ الخوفِ: وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الإحصارَ الذي عنَى اللَّهُ في هذه الآيةِ هو الخوفُ الذي يكونُ بزوالِه الأمنُ.

стр. 1999

وإذ كان ذلك كذلك، لم يَكُنْ حَبْسُ الحابسِ الذي ليس مع حَبْسِه خوفٌ على النفسِ من حَبْسِه داخلًا في حكمِ الآيةِ بظاهرِها المتلوِّ، وإن كان قد يُلحقُ حُكْمُه عندَنا بحكمِه مِن وجهِ القياسِ مِن أجلِ أن حَبْسَ مَن لا خوفَ على النفسِ مِن حَبسِه - كالسلطانِ غيرِ المَخُوفةِ عقوبتُه، والوالدِ وزوجِ المرأةِ، وإن كان منهم أو مِن بعضِهم حبسٌ، ومَنْعٌ عن الشخوصِ لعملِ الحجِّ، أو الوُصولِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِ الممنوعِ الإحرامَ (١) - غيرُ داخلٍ في ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾. لِما وصَفنا مِن أن معناه: فإن أحصَركم خوفُ عدوٍّ. بدَلالةِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾. وقد بَيَّنَ الخبرُ الذي ذكَرناه آنفًا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحصرُ حصرُ العدوِّ. وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآيةِ لِما وصَفنا، وكان ذلك منعًا مِن الوُصولِ إلى البيتِ، فكلُّ مانعٍ عرَضَ للمحرمِ فصدَّه عن الوُصولِ إلى البيتِ، فهو نظيرٌ له في الحُكمِ. ثم اختلَف أهلُ العلمِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو شاةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٢)

стр. 2000

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حبيب، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ شاةٌ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ. حدَّثنا ابنُ المُثَنّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ] (٢)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: تَمَتَّعتُ فسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ. قال: قلتُ: شاةٌ؟ قال: شاةٌ (٣). حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ؟ قال: مِن الأزواجِ الثمانيةِ؛ مِن الإبلِ والبقرِ والمَعْزِ والضَّأْنِ (٤). حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: مِن

стр. 2001

الغنمِ (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ مِن الأزواجِ الثمانيةِ (٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، قال: قيل للأشعثِ: ما قولُ الحسنِ فيما (٣) اسْتَيْسر من الهديِ؟ فقال: شاةٌ (٤). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ (٥)، عن قتادةَ، قال: أعلاه بَدَنَةٌ، وأوسَطُه بقرةٌ، وأخَسُّه شاةٌ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه، إلا أنه قال (٦): كان يقالُ: أعلاه بَدَنَةٌ. ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما (٧) اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي جمرةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٨). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ

стр. 2002

مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ (١). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ نُفَيعٍ (٢)، عن عطاءٍ مثلَه. حدَّثنا موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: المُحصَرُ يَبْعثُ بشاةٍ (٣) فما فوقَه (٤). حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسَر مِن الهَدْيِ؛ شاةٍ. قال: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (٥). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ما استيسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ فما فوقَها. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، عن شعبةَ، قال: ثنا أبو جَمْرةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما استيْسَر مِن الهَدْيِ جَزُورٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو شِرْكٌ في دمٍ (٦). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال:

стр. 2003

سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إنّ ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن الشاةَ ما استيْسَر مِن الهَدْيِ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ما استيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: شاةٌ (٣). حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن دَلْهَمِ بنِ صالحٍ، قال: سَأَلتُ أبا جعفرٍ عن قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. فقال: شاةٌ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ كان يقولُ: ما استَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٥). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ مثلَه (٥).

стр. 2004

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَني مالكُ بنُ أنسٍ، أنه بلَغه أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكٌ: وذلك أحبُّ إليّ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فيما (٢) استَيسَرَ مِن الهديِ، قال: عليه - يعني المُحْصَرَ - هَدْيٌ، إن كان موسِرًا فمِن الإبلِ، وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنمِ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ، وما عَظَّمْتَ شعائرَ اللَّهِ فهو أفضلُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا أشهبُ، قال: أخبَرَني ابنُ لَهيعةَ، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ حدَّثه، أنَّ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا حميدٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عُمَيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الهديُ شاةٌ. فقيل له: [لا يكونُ] (٤) دونَ بقرةٍ. قال: فأنا أقرأُ عليكم من كتابِ اللَّهِ ما تُصدِّقون (٥) أن الهدْيَ شاةٌ، ما في الظبيِ؟ قالوا: شاةٌ. قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦) [المائدة: ٩٥].

стр. 2005

وقال آخرون: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ مِن الإبلِ والبقرِ، سنٌّ دونَ سنٍّ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ عُبَيدَ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ، البقرةُ دونَ البقرةِ، والبعيرُ دونَ البعيرِ (١). حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: سأَل رجلٌ ابنَ عمرَ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟ قال: أتَرْضَى شاةً؟ كأنه لا يَرْضَاه. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ونافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ ناقةٌ أو بقرةٌ. فقيل له: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟ قال: الناقةُ دونَ الناقةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ. حدَّثني [ابنُ المُثنَّى] (٢)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه قال فيما (٣) اسْتَيْسَر من الهدْيِ، قال: جَزورٌ أو بقرةٌ (٤). حدَّثنا أبو كُريب ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئِل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: قال ابنُ عمرَ: مِن الإبلِ والبقرِ (٥).

стр. 2006

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: الناقةُ دونَ الناقةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن القاسمِ، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: الإبلُ والبقرُ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعائشةُ يَقولان: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، مِن الإبلِ والبقرِ (١). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا الوليدُ بنُ أبي هشامٍ، عن زيادِ بنِ جُبيرٍ، عن أخيه عبدِ اللَّهِ أو عُبيدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن المتعةِ عن (٢) الهَدْيِ؟ فقال: ناقةٌ. قلت: ما تَقولُ في الشاةِ؟ قال: أكلُّكم شاةٌ؟ أكلُّكم شاةٌ (٣)؟ حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ، قالا: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: في قولِ ابنِ عمرَ بقرةٌ فما فوقَها.

стр. 2007

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بَدنةٌ أو بقرةٌ، فأما شاةٌ فإنما هي نُسُكٌ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: البدنةُ دونَ البدنةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ، وإنما الشاةُ نُسُكٌ. وقال: تكونُ البقرةُ بأربعين وبخمسينَ (١). حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أسامةُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ. حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، أن سعيدَ بنَ أبي هندٍ حدَّثه قال: رأيتُ ابنَ عمرَ وأهلُ اليمنِ يَأْتُونه فيَسْأَلُونه عمَّا اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ ويقولون: [الشُّوهُ؟ الشُّوهُ] (٢)؟، قال: فيردُّ عليهم: [الشُّوهُ! الشُّوهُ] (٣)! [يَحْكِيهم، لأن] (٤) الجزورَ دونَ الجزورِ، والبقرةَ دونَ البقرةِ، ولكن ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ. وأولى القولين بالصوابِ قولُ مَن قال: ما استَيْسر مِن الهَدْيِ شاةٌ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه (٥) أوجَب ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، فذلك على كلِّ ما تَيَسَّر للمُهْدِي أن يُهْدِيَه، كائنًا ما كان ذلك الذي يُهْدَى، إلا أن يكونَ اللَّهُ - جلَّ وعَزَّ - خَصَّ مِن ذلك شيئًا، فيكونَ ما خَصَّ مِن ذلك خارجًا مِن جملةِ ما احتمَله ظاهرُ التنزيلِ، ويكونَ سائِرُ الأشياءِ غيرُه مُجْزِئًا إذا أهداه المُهْدِي، بعد أن يَسْتَحِقَّ اسمَ هَدْىٍ.

стр. 2008

فإن قال قائلٌ: فإنَّ الذين أبَوا أن تَكُونَ الشاةُ مما اسْتَيْسَر مِن الهديِ؛ لأنه (١) لا يَسْتَحِقُّ اسمَ هَدْيٍ، كما أنه لو أهدَى دجاجةً أو بيضةً لم يكن مُهْدِيًا هَدْيًا مُجْزِئًا؟ قيل: لو كان في المُهْدِي الدجاجةَ والبيضةَ مِن الاختلافِ نحوُ الذي في المُهْدِي الشاةَ، لكان سبيلُهما واحدةً، في أن كلَّ واحدٍ منهما قد أدَّى ما عليه بظاهرِ التنزيلِ، إذا لم يكنْ أحدُ المُهْدَيَيْنِ (٢) يُخْرِجُه مِن أن يكونَ مؤدِّيًا (٣) - بإهدائِه ما أَهْدَى مِن ذلك - ما (٤) أوجَبَه اللَّهُ عليه [في إحصارِه] (٥)، ولكن لمّا أَخْرَج المُهْدِي ما دونَ الجَذَعِ مِن الضأنِ، والثَّنِيِّ من المَعْزِ والإبلِ والبقرِ فصاعدًا مِن الأسنانِ، من أن يَكُونَ مُهْدِيًا ما أوجَبه اللَّهُ عليه في إحصارِه أو (٦) مُتْعتِه - الحُجَّةُ (٧) القاطعةُ العذرَ، نقلًا عن نبيِّها (٨) ﷺ وِراثةً، كان ذلك خارجًا مِن أن يكونَ مرادًا بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وإن كان مما اسْتَيْسَر لنا مِن الهَدَايا. ولمّا اخْتُلِف في الجَذَعِ مِن الضأنِ، والثَّنِيِّ مِن المعْزِ، كان مُجْزِئًا ذلك عن مُهدِيه؛ لظاهرِ التنزيلِ، لأنه مما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ. فإن قال قائلٌ: ما مَحَلُّ "ما" التي في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؟ قيل: رَفْعٌ.

стр. 2009

فإن قال: بماذا؟ قيل: بمَتْروكٍ، وذلك: فعليه. لأن تأويلَ الكلامِ: وأتمُّوا الحَجَّ والعمرةَ للَّهِ أيُّها المؤمنون، فإنْ حبَسكم عن إتمامِ ذلك حابسٌ مِن مرضٍ أو كسرٍ أو خوفِ عدوٍّ، فعليكم لإحلالِكم إن أَرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم - ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ. وإنما اخْتَرْنا الرفْعَ في ذلك؛ لأن أكثرَ القرآنِ جاء برفعِ نظائرِه؛ وذلك كقولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾. وكقولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. وما أشْبَه ذلك، مما يَطُولُ بإِحصائِه الكتابُ، تَرَكْنا ذِكْرَه استِغْناءً بما ذكَرنا عنه. ولو قيل: موضعُ "ما" نَصْبٌ، بمعنى: فإن أحصِرتم فأَهْدُوا ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ. لكان غيرَ مُخْطئٍ قائِلُه. وأما الهَدْيُ، فإنه جمعٌ، واحدُها هَدْيَةٌ، على تقديرِ جَدْيةِ السَّرْجِ (١)، والجمعُ الجَدْيُ، مخففٌ. حُدِّثْتُ عن أبي عُبَيْدةَ مَعْمَرِ بنِ المُثَنَّى، عن يونسَ، قال: كان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يقولُ: لا أعْلَمُ في الكلامِ حرفًا يُشْبِهُه (٢). وبتَخفيفِ الياءِ قرَأه القَرأَةُ في كلِّ مِصرٍ، وتسكينِ الدالِ ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾. إلا ما ذُكِر عن الأعرجِ؛ فإن أبا هشامٍ الرفاعيَّ حدَّثنا، قال: ثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن أَسِيدٍ (٣)، عن الأعرجِ أنه قرَأ: (هَدِيًّا بالِغَ الكَعْبَةِ). بكسرِ الدالِ مُثَقَّلًا، وقرَأ:

стр. 2010

(حتَّى يَبْلُغَ الهَدِيُّ مَحِلَّه) بكسرِ الدالِ [في "الهدِيّ"] (١) مثقَّلةً (٢). واخْتُلِف في ذلك عن عاصمٍ، فرُوِي عنه موافقةُ الأعرجِ، ومخالفتُه إلى قراءةِ سائرِ القَرَأَةِ (٣). والهَدْيُ عندَنا إنما سُمِّي هَدْيًا؛ لأنه تقرَّبَ به إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه مُهْدِيه، بمنزلةِ الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِه مُتَقَرِّبًا بها إليه. يُقالُ منه: أَهْدَيْتُ الهَدْيَ إلى بيتِ اللَّهِ، فأنا أُهْدِيه إهداءً. كما يُقالُ في الهدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِه: أَهْدَيْتُ إلى فلانٍ هَدِيَّةً، فأنا أُهْدِيها إِهْداءً (٤). ويُقالُ للبَدَنَةِ: هَدْيةٌ. ومنه قولُ زُهيرِ بنِ أبي سُلْمَى يَذْكُرُ رجلًا أُسِر، يُشَبِّهُه في حُرْمتِه بالبَدَنَةِ التي تُهْدَى (٥): فلم أرَ مَعْشَرًا أسَرُوا هَدِيًّا … ولم أرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. يعني بذلك جلَّ وعزَّ: فإن أُحْصِرْتم فأرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم، فعليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا تُحِلُّوا مِن إحرامِكم إذا أُحْصِرتم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ الذي أوجَبْتُه عليكم، لإحْلالِكم مِن إحْرامِكم الذي أُحْصِرْتم فيه، قبلَ تَمامِه وانْقِضاءِ مَشاعرِه ومناسِكِه - مَحِلَّه. وذلك أنَّ حَلْقَ الرأسِ إحلالٌ مِن الإحرامِ الذي كان المحرِمُ قد أوجَبَه على نفسِه، فنهاه اللَّهُ عن الإحلالِ مِن إحرامِه بحِلاقِه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ الذي أباح اللَّهُ له الإحلالَ - جلَّ ثناؤُه - بإهدائِه، مَحِلَّه.

стр. 2011

ثم اختلَف أهلُ العلمِ في مَحِلِّ الهَدْيِ الذي عناه اللَّهُ، الذي متى بلَغه كان للمُحْصَرِ الإحلالُ مِن إحرامِه الذي أُحْصِر فيه؛ فقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْيِ المُحْصَرِ الذي يَحِلُّ به ويجوزُ له ببُلوغِه إياه حَلْقُ رأسِه، إذا كان إحصارُه مِن خوفِ عدوٍّ منَعه ذَبْحَه، إن كان مما يُذْبَحُ، أو نَحْرَه، إن كان مما يُنْحَرُ - في الحِلِّ، ذبَح أو نَحَر، أو في الحَرَمِ، وإن كان من غيرِ خوفِ عدوٍّ، فلا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ. وهذا قولُ مَن قال: الإحصارُ إحصارُ العدوِّ دونَ غيرِه (١). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، أنه بلَغه أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحَروا الهَدْيَ، وحَلَقوا رُءوسَهم، وحَلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه، ولا ممن كان معه، أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودُوا لشيءٍ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَني مالكٌ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ خرَج إلى مكةَ مُعْتَمِرًا في الفتنةِ (٣)، فقال: إن صُدِدْتُ عن البيتِ صنَعنا كما صنَعْنَا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ . فأَهَلَّ بعمرةٍ مِن أجلِ أن النبيَّ ﷺ كان أَهَلَّ بعمرةٍ عامَ الحديبيةِ، ثم إن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ نظَر في أمرِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ. قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ، أُشْهِدُكم أني قد أوجَبْتُ

стр. 2012

الحَجَّ مع العمرةِ. قال: ثم طاف طَوَافًا واحدًا. ورأى أن ذلك مُجْزٍ عنه وأَهْدَى (١). قال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرِ عندَنا في من أُحْصِر بعدوٍّ كما أُحْصِر نبيُّ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه، فأما مَن أحصِر بغيرِ عدوٍّ، فإنه لا يَحِلُّ دونَ البيتِ. قال: وسُئِل مالكٌ عمَّن أُحْصِرَ بعدوٍّ وحِيل بينَه وبينَ البيتِ، فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِس، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ (٢). حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني مالكٌ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ ومرْوانَ بنَ الحَكَمِ وعبدَ اللَّهِ بنَ الزبيرِ أفْتَوْا ابنَ حُزابةَ المَخْزُوميَّ، وصُرِعَ في الحَجِّ ببعضِ الطريقِ، أن يتَداوَى (٣) بما لا بدَّ له (٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم يَجْعَلَها عمرةً، ويحُجَّ عامًا قابلًا ويُهْدِيَ (٥). قال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا في من أُحْصِرَ بغيرِ عدوٍّ. قال: وقال مالكٌ: وكلُّ مَن حُبِس عن الحجِّ بعدَ ما يُحْرِمُ؛ إما بمرضٍ أو خطإٍ من (٦) العددِ، أو خَفِي عليه الهلالُ، فهو مُحْصَرٌ، عليه ما على المحْصَرِ، يعني مِن

стр. 2013

المُقامِ على إحرامِه حتى يَطُوفَ و (١) يَسْعَى، ثم الحجُّ مِن قابلٍ والهَدْيُ (٢). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعت يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخبرَني أيوبُ بنُ موسى، أن داودَ بنَ أبي عاصمٍ أخبرَه أنه حَجَّ مرةً فاشْتَكَى، فرجَع إلى الطائفِ ولم يَطُفْ بينَ الصفا والمروةِ، فكتَب إلى عطاءِ بنِ أبي رباحٍ يَسْأَلُه عن ذلك، وأن عطاءً كتَب إليه: أن أَهْرِقْ دمًا. وعلَّةُ مَن قال بقولِ مالكٍ في أن مَحِلَّ الهديِ في الإحصارِ بالعدوِّ نَحْرُه حيثُ حُبِس صاحبُه، ما حدَّثنا به أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدِيُّ، قالا: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا موسى بنُ عُبيدَةَ، قال: أخبرَني أبو مُرَّةَ مولى أمِّ هانئٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: لما كان الهَدْيُ دونَ الجبالِ التي تَطْلُعُ على وادي الثَّنِيَّةِ، عرَض له المشركون فرَدُّوا وجهَه، قال: فنحَر النبيُّ ﷺ الهَدْيَ حيثُ حبَسوه، وهي الحديبيةُ، وحلَق، وتأسَّى به أناسٌ، فحَلَقُوا حين رَأَوْه حَلَق، وتَرَبَّص آخرون فقالوا: لعلَّنا نَطُوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رحِم اللَّهُ المُحَلِّقين". قيل: والمقُصِّرين. قال: "رحِم اللَّهُ المُحَلِّقِين". قيل: والمقصرين. قال: "والمقُصِّرِين" (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المبارَكِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ

стр. 2014

ومروانَ بنِ الحَكَمِ، قالا: لما كتَب رسولُ اللَّهِ ﷺ كتابَ القَضِيَّةِ بينَه وبين مُشركي قريشٍ، وذلك بالحديبيةِ عامَ الحديبيةِ، قال لأصحابِه: "قُومُوا فانْحَرُوا واحْلِقُوا". قال: فواللَّهِ ما قام منهم رجلٌ، حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ، قام فدخَل على أمِّ سَلَمةَ، فذكَر ذلك لها، فقالت أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، ثم لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم بكلمةٍ حتى تَنْحَرَ بُدْنَك (١)، وتَدْعُوَ حَلَّاقَك فتَحْلِقَ. فقام فخرَج فلم يُكلِّمْ منهم أحدًا، حتى فعَل ذلك، فلما رَأَوْا ذلك قاموا فنَحَروا، وجعَل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كاد بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غمًّا (٢). قالوا: فنحَر النبيُّ ﷺ هَدْيَه حين صدَّه المشركون عن البيتِ بالحديبيةِ، وحلَّ هو وأصحابُه. قالوا: والحديبيةُ ليست مِن الحرمِ. قالوا: ففي (٣) ذلك دليلٌ واضحٌ على أن معنى قولِه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حتى يَبْلُغَ بالذبحِ أو النحرِ مَحِلَّ أكلِه، والانتفاعُ به في مَحِلِّ ذَبْحِه ونحرِه، كما رُوِي عن نبيِّ اللَّهِ ﵊ في نظيرِه، إذ أُتِيَ بلحمٍ أهدَتْه (٤) بَرِيرَةُ مِن صَدَقَةِ كان تُصُدِّقَ بها عليها، فقال: "قَرِّبُوهُ فقد بلَغ مَحِلَّهُ" (٥). يعني: فقد بلَغ مَحِلَّ طيبِه وحلالِه له بالهدِيَّةِ إليه بعد أن كانت

стр. 2015

صدقةً على بَريرةَ. وقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْيِ المُحْصَرِ الحَرَمُ، لا مَحِلَّ له غيرُه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، أن عميرَ (١) بنَ سعيدٍ النَّخَعيَّ أهلَّ بعمرةٍ، فلما بلَغ ذاتَ الشُّقوقِ (٢) لُدِغ بها، فخرَج أصحابُه إلى الطريقِ يتشرَّفون (٣) الناسَ، فإذا هم بابنِ مسعودٍ، فذكَروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعَلوا بينَكم يومَ أمارٍ (٤)، فإذا ذبَح الهَدْيَ فلْيُحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه (٥). حدَّثنا تميمُ بنُ المنتَصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن سليمانَ بنِ مهرانَ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ وإبراهيمَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ أنه قال: خرَجنا مُهِلِّين بعمرةٍ، فينا الأسودُ بنُ يزيدَ، حتى نَزَلنا ذاتَ الشُّقوقِ، فلُدِغ صاحبٌ لنا، فشَقَّ ذلك عليه مَشقَّةً شديدةً، فلم ندرِ كيف نَصْنَعُ به، فخرَج بعضُنا إلى الطريقِ، فإذا نحن برَكْبٍ فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، فقلنا: يا أبا عبدِ الرحمنِ، رجلٌ منا لُدِغ، فكيف نَصْنَعُ به؟ قال: يَبْعَثُ معكم بثمنِ هَدْيٍ، فتَجْعَلونَ بينَكم وبينَه يومَ

стр. 2016

أمارٍ، فإذا نُحِر الهَدْيُ فلْيُحِلَّ، وعليه عمرةٌ في قابلٍ. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: بينَا نحن بذاتِ الشُّقوقِ، فلَبَّى رجلٌ منا بعمرةٍ، فلُدِغ، فمرَّ علينا عبدُ اللَّهِ فسألناه، فقال: اجعلوا بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، ويَبْعَثُ بثمنِ الهَدْيِ، فإذا نُحِرَ حلَّ، وعليه العمرةُ. حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمِعت إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحَدِّثُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: أهَلَّ رجلٌ منا بعمرةٍ، فلُدِغ، فاطَّلَع رَكْبٌ فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، فسأَلوه، فقال: ابعَثُوا (١) بهَدْيٍ، واجْعَلُوا بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، فإذا كان ذلك اليومُ فلْيُحِلَّ. وقال عُمارةُ بنُ عُمَيرٍ - وكان حَسْبُك به - عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ: وعليه العمرةُ مِن قابلٍ (٢). حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: خرَجْنا عمّارًا، فلما كنا بذاتِ الشُّقوقِ لُدِغ صاحبٌ لنا، فاعترَضْنا الطريقَ لنسأَلَ ما نَصْنَعُ به، فإذا عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ في رَكْبٍ، فقلنا له: لُدِغ صاحبٌ لنا. فقال: اجعَلُوا بينَكم وبينَ صاحبِكم يومًا، ولْيُرْسِلْ بالهَدْيِ، فإذا نُحِر الهَدْيُ، فلْيَحْلِلْ، ثم عليه العُمْرةُ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الحجاجِ، قال: حدَّثني

стр. 2017

عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، أنّ عميرَ (١) بنَ سعيدٍ (٢) النَّخَعيَّ أهَلَّ بعمرةٍ، فلما بلَغ ذاتَ الشُّقوقِ لُدِغ بها، فخرَج أصحابُه إلى الطريقِ يَتَشَرَّفون (٣) الناسَ، فإذا هم بابنِ مسعودٍ، فذكَروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعَلوا بينَكم (٤) يومَ أمارٍ، فإذا ذُبِح الهَدْيُ فلْيَحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه (٥). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. يقولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعمرةٍ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرَضٍ يُجْهِدُه، أو عُذْرٍ يَحْبِسُه، فعليه ذَبْحُ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، شاةٍ فما فوقَها يُذْبَحُ عنه، فإن كانت (٦) حَجَّةَ الإسلامِ، فعليه قضاؤُها، وإن كانت حَجَّةً بعد حَجَّةِ الفريضةِ أو عمرةً، فلا قضاءَ عليه. ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. فإن كان أحرَم بالحجِّ فمَحِلُّه يومَ النَّحْرِ، وإن كان أحرَم بعمرةٍ فمَحِلُّ هَدْيِه إذا أتى البيتَ (٧). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عَمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فهو الرجلُ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ كان يُحْبَسُ عن البيتِ فيُهْدِي إلى البيتِ ويَمْكُثُ على إحرامِه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بلَغ الهَدْيُ مَحِلَّه حلَق رأسَه، فأتمَّ اللَّهُ له حَجَّه. والإحصارُ أيضًا أن يُحَالَ بينَه وبينَ الحَجِّ، فعليه هَدْىٌ؛ إن كان موسِرًا مِن الإبلِ،

стр. 2018

وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنَمِ، ويَجْعَلُ حَجَّه عمرةً، ويَبْعَثُ بهَدْيِه إلى البيتِ، فإذا نُحِرَ الهَدْيُ فقد حَلَّ، وعليه الحَجُّ مِن قابلٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإذا أُحْصِرَ الحاجُّ بعَث بالهَدْيِ، فإذا نُحِرَ عنه حلَّ، ولا يحِلُّ حتى يُنْحَرَ هَدْيُه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، قال: سمِعت عطاءً يقولُ: مَن حُبِس في عمرتِه، فبعَث بهَدْيَةٍ فاعْتُرِضَ لها، فإنه يَتَصَدَّقُ بشيءٍ أو يَصومُ، ومن اعتُرض لهَدْيَتِه وهو حاجٌّ، فإن محِلَّ الهَدْيِ والإحرامِ (٢) يومُ النَّحْرِ، وليس عليه شيءٌ (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ مثلَه. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: الرجلُ يُحْرِمُ ثم يَخْرُجُ فيُحْصَرُ، إما بلَدْغٍ [وإما بمرضٍ] (٤)، فلا يُطِيقُ السَّيْرَ، وإما تَنْكَسِرُ راحلتُه، فإنه يُقيمُ، ثم يَبْعَثُ بهَدْىٍ، شاةٍ فما فوقَها، فإن هو صحَّ فسار فأدْرَكَ، فليس عليه هَدْيٌ، وإن فاته الحجُّ، فإنها تكونُ عُمرةً، وعليه من قابلٍ

стр. 2019

حَجَّةٌ، فإن هو رجَع، لم يَزَلْ مُحْرِمًا حتى يُنْحَرَ عنه يومَ النَّحْرِ، فإن هو بلَغه أن صاحبَه لم يَنْحَرْ عنه، عاد مُحْرِمًا، وبعَث بهَدْيٍ آخرَ، فواعَد صاحبَه يومَ يَنْحَرُ عنه (١)، فنَحَرَ عنه بمكةَ، ويَحِلُّ، وعليه مِن قابلٍ حَجَّةٌ وعمرةٌ، ومِن الناسِ مَن يقولُ: عُمرتان. وإن كان أحْرَم بعمرةٍ، ثم رجَع، وبعَث بهَدْيِه، فعليه مِن قابلٍ عُمْرَتان. وأناسٌ يَقُولون: لا، بل ثلاثُ عُمَرٍ، نحوًا مما صنَعوا في الحجِّ حين صنَعوا، عليه حَجَّةٌ وعُمْرَتان. حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أُحْصِرَ الرجلُ بعَث بهَدْيِه، إذا كان لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَد مَن يُبْلِغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها مكانَه، ويُواعِدُ صاحبَ الهَدْيِ، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ ويَعْتَمِرَ، فإن أصابَه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، وإن كان معه هَدْيٌ، فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه إذا بعَث به، وليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا ولا يَعْتَمِرَ، إلا أن يَشَاءَ (٢). وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أن مَحِلَّ الهَدَايَا والبُدْنِ الحَرَمُ - أنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - ذكَر البُدْنَ والهَدَايَا فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢، ٣٣]. فجعَل مَحِلَّها الحَرَمَ، فلا مَحِلَّ للهَدْيِ دُونَه. قالوا: وأما ما ادَّعى المُحْتَجُّون بنَحْرِ النبيِّ ﷺ هَدَاياه بالحُدَيْبيةِ حين صُدَّ عن البيتِ، فليس ذلك بالقولِ المُجْتَمَعِ عليه؛ وذلك أن الفضلَ بنَ سهلٍ حدَّثني، قال: ثنا مُخَوَّلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن مَجْزَأةَ بنِ زاهرٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه،

стр. 2020

عن ناجِيَةَ بنِ جُنْدَبٍ الأسْلَمِيِّ، قال: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ حين صُدَّ (١) الهَدْيُ، فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، ابْعَثْ معي بالهَدْيِ فلْنَنْحَرْه في الحَرَمِ. قال: "كيف تَصْنَعُ به؟ ". قلتُ: آخُذُ به أوديةً فلا يَقْدِرون عليه. فانْطَلَقْتُ به حتى نَحَرْتُه بالحَرَمِ (٢). قالوا: فقد بيَّن هذا الخبرُ أن النبيَّ ﷺ نحَر هدَايَاه في الحرَمِ، فلا حُجَّةَ لمُحْتَجٍّ بنَحْرِه بالحُدَيْبِيةِ في غيرِ الحرَمِ. وقال آخرون: معنى هذه الآيةِ وتأويلُها على غيرِ هذين الوَجْهَين اللذَيْن وصَفْنا، مِن قولِ الفريقين اللذَيْن ذكَرْنا اختلافَهم على ما ذكَرْنا. وقالوا: إنما معنى ذلك: فإن أُحْصِرْتم أيها المؤمنون عن حَجِّكم، فمُنِعْتُم مِن المُضِيِّ لإحرامِه؛ بعائقِ مرضٍ أو خوفِ عدوٍّ، وأداءِ اللازمِ لكم في (٣) حَجِّكم، حتى فاتَكم الوقوفُ بعرفةَ - فإن عليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ لِما فاتَكم مِن حَجِّكم، مع قضاءِ الحَجِّ الذي فاتَكم. وقال أهلُ هذه المقالةِ: ليس للمُحْصَرِ في الحجِّ بالمرَضِ والعِلَلِ غيرِه الإحلالُ إلا بالطوافِ بالبيتِ والسعْيِ بينَ الصفا والمروةِ، إن فاتَه الحجُّ. قالوا: فأما إن أطاقَ شُهودَ المشاهدِ، فإنه غيرُ مُحْصَرٍ. قالوا: وأما العُمْرةُ، فلا إحصارَ فيها؛ لأن وقتَها موجودٌ أبدًا. قالوا: والمُعْتَمِرُ لا يَحِلُّ إلا بعملِ آخرِ ما يَلْزَمُه في إحرامِه. قالوا: ولم يَدْخُلِ المُعْتَمِرُ في هذه الآيةِ، وإنما عُنِي بها الحاجُّ.

стр. 2021

ثم اختلَف أهلُ هذه المقالةِ؛ فقال بعضُهم: لا إحصارَ اليومَ بعدوٍّ، كما لا إحصارَ بمرَضٍ يَجُوزُ لمن ناله (١) أن يَحِلَّ مِن إحرامِه قبلَ الطوافِ بالبيتِ والسعْيِ بينَ الصفا والمروةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ [وطاوسٍ، قالا] (٢): قال ابنُ عباسٍ: لا إحصارَ اليومَ (٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، أن عائشةَ قالت: لا أعْلَمُ المُحْرِمَ يَحِلُّ بشيءٍ دونَ البيتِ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصرَ إلا مَن حبَسه عدوٌّ، فيحِلُّ بعمرةٍ، وليس عليه حَجٌّ ولا عمرةٌ. وقال [آخرون منهم] (٥): حِصارُ العدوِّ ثابتٌ اليومَ وبعدَ اليومِ. على نحوِ ما ذكَرْنا مِن أقوالِهم الثلاثةِ التي حكَيْنا عنهم.

стр. 2022

ذكرُ مَن قال ذلك، وقال: معنى هذه الآيةِ: فإن أُحْصِرْتُم عن الحَجِّ حتى فاتَكم، فعليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ لفَوْتِه إياكم حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ يُنْكِرُ الاشْتِراطَ في الحَجِّ، ويقولُ: أليس حَسْبُكم (١) سنةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ! إن حُبِس أحدُكم عن الحَجِّ، طاف بالبيتِ وبالصفا والمروةِ، ثم حلَّ مِن كلِّ شيءٍ حتى يَحُجَّ عامًا قابِلًا، ويُهْدِي أو يصومُ إن لم يجِدْ هَدْيًا (٢). حدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: أخبَرَنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: المُحْصَرُ لا يَحِلُّ من شيءٍ حتى يَبْلُغَ البيتَ، ويُقيمُ على إحرامِه كما هو، إلا أن تُصِيبَه جِراحةٌ أو جُرْحٌ، فيتَداوى بما يُصْلِحُه ويفتَدِيَ، فإذا وصَل إلى البيتِ، فإن كانت عمرةً قضاها، وإن كانت حَجَّةً فسَخها بعمرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قابِلٍ والهَدْيُ، فمن (٣) لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحَجِّ وسبعةٍ إذا رجَع. حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: أخبَرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ مرَّ على ابنِ حُزابةَ وهو بالسُّقْيا، فرَأى به كَسْرًا فاسْتَفْتَاه، فأمَرَه أن يَقِفَ

стр. 2023

كما هو، ولا يَحِلَّ مِن شيءٍ حتى يَأْتِيَ البيتَ، إلا أن يُصِيبَه أذًى فيَتَداوى، وعليه ما اسْتَيْسَر مِن الهدْيِ. وكان أهَلَّ بالحَجِّ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليْثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بحَجٍّ، فحبَسه خوفٌ أو مرَضٌ، أو ضَلَّ (١) له ظَهْرٌ يَحْمِلُه، أو شيءٌ مِن الأمورِ كلِّها، فإنه يَتَعَالَجُ (٢) بحبسِه (٣) ذلك بكلِّ شيءٍ لا بدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ مِن النساءِ والطيبِ، ويَفْتَدي بالفِدْيةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، فإن فاتَه الحَجُّ وهو بمحبَسِه ذلك، أو فاتَه أن يَقِفَ بمواقفِ (٤) عرفةَ قبلَ الفجرِ مِن ليلةِ المُزْدَلِفةِ، فقد فاتَه الحجُّ، وصارَت حَجَّتُه عمرةً؛ يَقْدَمُ مكةَ، ويَطُوفُ بالبيتِ وبالصفا والمَرْوَةِ، فإن كان معه هَدْيٌ نحَره بمكةَ قريبًا مِن المسجدِ الحرامِ، ثم حلَق رأسَه أو قصَّر، ثم حلَّ مِن النساءِ والطِّيبِ وغيرِ ذلك، ثم عليه أن يَحُجَّ قابلًا ويُهْدِيَ ما اسْتَيْسر مِن الهَدْيِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، أنه قال: المُحْصَرُ لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبين الصفا والمروةِ، وإن اضْطُرَّ إلى شيءٍ من لُبسِ الثيابِ التي لا بُدَّ له منها أو الدواءِ، صنَع ذلك وافْتَدَى (٥). فهذا ما رُوِي عن ابنِ عمرَ في الإحصارِ بالمرضِ وما أشبَهَه. وأما في الحَصْرِ (٦)

стр. 2024

بالعدوِّ، فإنه كان يقولُ فيه بنحوِ القولِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن مالكِ بنِ أنسٍ أنه كان يقولُه (١). حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُمَيرٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ أراد الحَجَّ حين نزَل الحَجّاجُ بابنِ الزبيرِ، فكلَّمه ابناه سالمٌ وعبدُ (٢) اللَّهِ، فقالا: لا يَضُرُّك ألا تَحُجَّ العامَ، إنا نَخافُ أن يكونَ بينَ الناسِ قِتالٌ، فيُحالَ بينَك وبينَ البيتِ. قال: إن حِيلَ بيني وبينَ البيتِ، فَعَلْتُ كما فعَلْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ حال (٣) كفارُ قريشٍ بينَه وبينَ البيتِ، فحلَق ورجَع (٤). وأما ما ذكَرْنا عنهم في العمرةِ مِن قولِهم: إنه لا إحصارَ فيها ولا حَصْرَ. فإنه حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ، أنه أهلَّ بعُمْرةٍ فأُحْصِر، قال: فكتَب إلى ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ، فكتَبا إليه أن يَبْعَثَ بالهَدْيِ، ثم يُقيمَ حتى يَحِلَّ مِن عُمْرتِه. قال: فأقام ستةَ أشهرٍ أو سبعةَ أشهرٍ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ (٥)، عن أبي العَلاءِ بنِ الشِّخِّيرِ، قال: خرَجتُ مُعْتَمِرًا فصُرِعتُ عن بعيرِي فكُسِرَت رِجْلي، فأَرْسَلْنا إلى ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ [من سَأَلهما] (٦)، فقالا: إن العمرةَ ليس لها وقتٌ

стр. 2025

كوقتِ الحجِّ، لا تَحِلَّ حتى تَطُوفَ بالبيتِ. قال: فأقَمتُ بالدثينَةِ (١) أو قريبًا منه سبعةَ أشهرٍ أو ثمانيةَ أشهرٍ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أيوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ السَّخْتِيانيِّ، عن رجلٍ مِن أهلِ البصرةِ كان قديمًا، أنه قال: خرَجتُ إلى مكةَ، حتى إذا كُنْتُ ببعضِ الطريق كُسِرَت فَخِذي، فأرْسَلْتُ إلى مكةَ (٣) وبها عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ والناسُ، فلم يُرَخِّصْ لي أحدٌ منهم (٤) أن أَحِلَّ، فأقَمتُ على ذلك الماءِ (٥) سبعةَ أشهرٍ حتى أَحْلَلْتُ بعمرةٍ (٦). حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ شهابٍ، في رجلٍ أصابَه كَسْرٌ وهو مُعْتَمِرٌ، قال: يَمْكُثُ على إحرامِه حتى يَأْتِيَ البيتَ فيَطُوفَ به وبالصفا والمروةِ، ويَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ، وليس عليه شيءٌ. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنَّ اللَّهَ عَنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ كلَّ مُحْصَرٍ في كلِّ (٧) إحرامٍ، بعمرةٍ كان إحرامُ المُحْصَرِ أو بحَجٍّ، وجعَل مَحِلَّ هَدْيِه الموضِعَ الذي أُحْصِرَ فيه، وجعَل له الإحلالَ مِن إحرامِه ببُلوغِ هَدْيِه مَحِلَّه. وتأوَّل

стр. 2026

بالمَحِلِّ المَنْحَرَ أو المذبحَ، وذلك حين حلَّ نَحْرُه أو ذَبْحُه، في حَرَمٍ كان أو في حِلٍّ، وألزَمَه قضاءَ ما حَلَّ منه مِن إحرامِه قبلَ إتمامِه إذا وجَد إليه سبيلًا، وذلك لتَواتُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه صُدَّ عامَ الحُدَيْبِيةِ عن البيتِ وهو مُحرِمٌ وأصحابُه بعمرةٍ، فنحَر هو وأصحابُه بأمرِه الهَدْيَ، وحَلُّوا مِن إحرامِهم قبلَ وُصولِهم إلى البيتِ، ثم قضَوا إحرامَهم الذي حلُّوا منه في العامِ الذي بعدَه، ولم يَدَّعِ أحدٌ مِن أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ ولا غيرِهم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ولا أحدًا مِن أصحابِه أقام على إحرامِه انتظارًا للوُصولِ إلى البيتِ، والإحلالِ بالطَّوافِ به، والسعيِ بينَ الصفا والمروةِ، ولا على (١) وُصولِ هَدْيِه إلى الحَرَمِ. فأولى الأفعالِ أن يُقْتَدَى به فِعْلُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، إذ لم يَأْتِ بحَظْرِه خبرٌ، ولم تَقُمْ بالمنعِ منه حُجَّةٌ. فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهلُ العلمِ مُخْتَلِفِين فيما اخْتَرْنا مِن القولِ في ذلك؛ فمِن متأوِّلٍ معنى الآيةِ تأويلَنا، ومِن مخالِفٍ ذلك، ثم كان ثابتًا بما قُلْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ النقلُ - كان الذي نُقِل عنه أولى الأمورِ بتأويلِ الآيةِ، إذ كانت هذه الآيةُ لا يَتَدافعُ أهلُ العلمِ أنها يومئذٍ نزَلت، [وفي] (٢) حكمِ صَدِّ المشركين إياه عن البيتِ أُوحِيَتْ. وقد رُوِي بنحوِ الذي قُلْنا في ذلك خبرٌ. حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدثني الحجاجُ بنُ أبي عثمانَ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ، أن عِكْرِمةَ مولى ابنِ عباسٍ حدَّثه، قال: حدَّثني الحجاجُ بنُ عمرٍو الأنصاريُّ، أنه سمِع رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "مَن كُسِر أو عَرِج فقد حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أُخرى". قال: فحَدَّثْتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ بذلك فقالا: صدَق (٣).

стр. 2027

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا حجّاجٌ الصوَّافُ، وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن الحجاجِ الصوَّافِ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن الحجاجِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ نحوَه، وعن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ (١). ومعنى هذا الخبرِ في (٢) الأمرِ بقضاءِ الحَجَّةِ التي حَلَّ منها [النبيُّ ﷺ ] (٣)، نظيرَ فعلِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه في قضائِهم عمرتَهم التي حَلُّوا منها عامَ الحُدَيبيةِ مِن القابلِ، في عامِ عُمرةِ القضيةِ. ويُقالُ لمن زعَم أن الذي حَصَرَه عدوٌّ، إذا حَلَّ مِن إحرامِه التطوُّعِ فلا قضاءَ عليه، وأن المُحْصَرَ بالعِللِ عليه القضاءُ: ما العلةُ التي أوجَبَت على أحدِهما القضاءَ وأسْقَطَت عن الآخرِ، وكلاهما قد حلَّ مِن إحرامٍ كان عليه إتمامُه لولا العلةُ العائقةُ؟ فإن قال: لأن الآيةَ إنما نَزَلَت في الذي حصَره العدوُّ، فلا يَجُوزُ لنا نَقلُ حُكْمِها إلى غيرِ ما نزَلت فيه. قيل له: قد دافَعك عن ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العلم، غيرَأنا نُسَلِّمُ لك ما قُلْتَ في ذلك، فهلَّا كان حُكْمُ المنعِ بالمرضِ والإحصارِ به (٤) حُكْمَ المنعِ بالعدوِّ، إذ هما

стр. 2028

مُتَّفِقان في المنعِ مِن الوُصولِ إلى البيتِ وإتمامِ عملِ إحرامِهما (١)، وإن اختلَفت أسبابُ منعِهما، فكان أحدُهما ممنوعًا بعلَّةٍ في بَدَنِه، والآخرُ بمنعِ مانعٍ؟ ثم يُسَأَلُ عن الفرقِ بينَ ذلك مِن أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا (٢) إلا أُلزِم في الآخرِ مِثلَه. وأما الذين قالوا: لا إحصارَ في العمرةِ. فإنه يُقالُ لهم: قد علِمتم أن النبيَّ ﷺ إنما صُدَّ عن البيتِ وهو مُحرِمٌ بالعُمْرةِ، فحَلَّ مِن إحرامِه، فما بُرهانُكم على [ألا إحصارَ] (٣) فيها؟ أوَ رأَيتم إن قال قائلٌ: لا إحصارَ في حَجٍّ، وإنما فيه فَوْتٌ، وعلى الفائتِ الحَجَّ المُقامُ على إحرامِه حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويسعى بينَ الصفا والمروةِ؛ لأنه لم يَصِحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه سَنَّ في الإحصارِ في الحجِّ سُنَّةً - فقد قال ذلك جماعةٌ مِن أئمةِ الدينِ - فأما العمرةُ فإنَّ النبيَّ ﷺ قد سَنَّ فيها ما سَنَّ، وأنزَل اللَّهُ في حُكْمِها ما بيَّن مِن الإحلالِ والقضاءِ الذي فعَله رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ففيها الإحصارُ دونَ الحجِّ، هل بينَها (٤) وبينَه فرقٌ؟ ثم يُعْكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يَقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلزِم في الآخرِ مثلَه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: فإن أُحْصِرْتم فما اسْتَيْسر من الهدْيِ، ولا تحْلِقُوا رءُوسَكم حتى يَبْلُغَ الهدْيُ محِلَّه، إلا أنْ يُضْطَرَّ إلى حَلْقِه منكم مُضْطَرٌّ؛ إما لمرَضٍ،

стр. 2029

وإما لأذًى برأسِه، من هوامَّ أو غيرِها، فيَحْلِقَ هنالك للضرورةِ النازلةِ به وإن لم يَبْلُغِ الهَدْيُ مَحِلَّه (١)، فيَلْزَمَه بحِلاقِه رأسَه وهو كذلك فديةٌ مِن صيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما ﴿أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾؟ قال: القَمْلُ وغيرُه، الصُّداعُ (٢) وما كان في رأسِه (٣). وقال آخرون: لا يَحْلِقُ إن أراد أن يَفْتَدِيَ (٤) بالنَّسْكِ أو الإطعامِ إلا بعدَ التكفيرِ، وإن أراد أن يَفْتَدِيَ بالصَّومِ، حلَق ثم صامَ. ذكرُ مَن قال ذلك [حُدِّثتُ عن] (٥) عُبيدِ اللَّهِ بنِ معاذٍ، عن أبيه، عن أشعثَ، عن الحسنِ، قال: إذا كان بالمُحرِمِ أذًى مِن رأسِه، فإنه يَحْلِقُ حينَ يَبْعَثُ بالشاةِ أو يُطْعِمُ المساكينَ، وإن كان صومٌ، حلَق ثم صامَ بعدَ ذلك (٦). حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحْصِر، بعَث بما اسْتَيْسَر مِن

стр. 2030

الهَدْيِ؛ شاةٍ، فإن عجّل قبلَ أن يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فحلَق رأسَه، أو مَسَّ طِيبًا، أو تَداوَى، كان عليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ. قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال: مَن أُحْصِر بمرَضٍ أو كَسْرٍ فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا يَحْلِقْ رأسَه، ولا يَحِلَّ حتى يومِ النَّحْرِ، فمَن كان مريضًا، أو اكْتَحَل، أو ادَّهَن، أو تَداوَى، أو كان به أذًى مِن رأسِه، فحلَق، ففِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (٢). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: هذا إذا كان قد بعَث بهَدْيِه، ثم احتاج إلى حَلْقِ رأسِه مِن مَرَضٍ، وإلى طِيبٍ، وإلى ثوبٍ يَلْبَسُه؛ قميصٍ أو غيرِ ذلك، فعليه الفِدْيةُ. حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، قال: مَن أُحْصِرَ عن الحجِّ فأصابه في حَبْسِه (٣) ذلك مَرَضٌ أو أذًى برأسِه، فحلَق رأسَه في مَحْبَسِه ذلك، فعليه فِدْيَةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ.

стр. 2031

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أنّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بالحَجِّ، فحبَسه مَرَضٌ أو خوفٌ، فإنه يَتَعالجُ في حَبْسِه ذلك بكلِّ شيءٍ لا بُدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ له النساءُ والطِّيبُ، ويَفْتَدِي بالفديةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (١). حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: هذا قبلَ أن يُنْحَرَ الهَدْيُ، إن أصابه شيءٌ فعليْه الكفارةُ. وقال آخرون: معنَى ذلك: فمَن كان منكم مريضًا أو به أذًى مِن رأسِه، فعليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقَةٍ أو نُسُكٍ، قبلَ الحِلاقِ إذا أراد حِلاقَه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: فمَن اشْتَدَّ مرَضُه أو آذاه رأسُه وهو مُحْرِمٌ، فعليْه صيامٌ أو إطعامٌ أو نُسُكٌ، ولا يَحْلِقُ رأْسَه حتى يُقَدِّمَ فِدْيَتَه قبلَ ذلك (٢). وعلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يعقوبَ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ

стр. 2032

أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال: إنَّ كعبَ بنَ عُجْرةَ مرَّ بالنبيِّ ﷺ وبرأسِه مِن الصِّئْبانِ (١) والقَمْلِ كثيرٌ، فقال له النبيُّ ﵊: "هل عندَك شاةٌ؟ ". فقال كعبٌ: ما أجدُها. فقال له النبيُّ ﷺ : "إن شِئْتَ فأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، وإن شِئْتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، ثم احْلِقْ رأسَك" (٢). فأما المرضُ الذي أُبِيحَ له معه العلاجُ بالطِّيبِ وحَلْقِ الرأسِ، فكلُّ مرضٍ كان صلاحُه بحَلْقِه؛ كالبِرْسامِ (٣) الذي يكونُ من صلاحِ صاحبِه حلقُ رأسِه، وما أشبهَ ذلك، والجِراحاتِ التي تكونُ بجسَدِ الإنسانِ، التي يُحتاجُ معها إلى العلاجِ بالدواءِ الذي فيه الطِّيبُ، ونحوِ ذلك من القروحِ والعِلَلِ العارِضَةِ للأبدانِ. وأما الأذَى الذي يكونُ - إذا كان برأسِ الإنسانِ خاصةً - له حَلْقُه، فنحوُ الصُّداعِ والشَّقيقةِ (٤)، وما أشبهَ ذلك، وأن يكثُرَ صِئبانُ الرأسِ، وكلِّ ما كان للرأسِ مُؤذيًا، مما في حَلْقِه صلاحُه، ودفْعُ المضرَّةِ الحالَّةِ به، فيكونُ ذلك له بعمومِ قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾. وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنّ هذه الآيةَ نزَلَتْ عليه بسببِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، إذْ شَكَا كثْرةَ أذًى برأسِه من صِئْبانِه، وذلك عامَ الحُدَيبيةِ. ذِكرُ الأخبارِ التي ذُكِرت (٥) في ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشَّواربِ وحُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قالا: ثنا يزيدُ

стр. 2033

ابنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرّ بيَ النَّبِيُّ ﷺ بالحديبيَةِ، ولِي وَفْرةٌ (١) فيها هوامُّ، ما بينَ أصلِ كلِّ شعَرةٍ إلى فَرْعِها قَمْلٌ وصِئبَانٌ، فقال: "إن هذا لَأذًى". قلتُ: أجل يا رسولَ اللَّهِ، شديدٌ. قال: "أمعك دَمٌ؟ ". قلتُ: لا. قال: "فإنْ شِئْتَ فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وإن شِئْتَ فتَصَدَّقْ بثَلاثَةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ على سِتَّةِ مَسَاكِينَ، على كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ" (٢). حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ الواسِطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطحّانُ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسدُ بنُ عَمرٍو، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: خرَجتُ مع النبيِّ ﷺ زمنَ الحديبِيَةِ، ولِي وَفْرةٌ مِن شعَرٍ قد قَمِلتْ، وأكلَني الصِّئبانُ، فرآني رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "احْلِقْ". ففعلتُ، فقال: "هل لك هَدْيٌ؟ ". قلتُ: ما أَجِدُ. فقال: "إنَّه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ". فقلتُ ما أجِدُ. فقال: "صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ". قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ

стр. 2034

أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١). وهذا الخبرُ يُنْبئُ عن أنّ الصحيحَ من القولِ أنّ الفِديةَ إنما تجِبُ على الحالقِ بعدَ الحلْقِ، وفسادِ قولِ مَن قال: يَفْتَدِي ثم يَحلِقُ. لأن كعبًا يُخبِرُ أن النبيَّ ﷺ أمرَه بالفديةِ بعدَما أمرَه بالحلْقِ فحلَق. حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: أمَرني رسولُ اللَّهِ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو فَرَقٍ من طعامٍ بينَ ستَّةِ مساكينَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ مَعقلٍ، قال: قعَدتُ إلى كعبٍ وهو في المسجدِ، فسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. فقال كعبٌ: نزَلتْ فيَّ؛ كان بي أذًى من رأسِي، فحُمِلتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ والقملُ يتناثرُ علَى وجْهِي، فقال: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ الجَهْدَ بَلَغَ (٣) مِنْكَ ما أرَى، أتجِدُ شاةً؟ ". فقلتُ: لَا، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. قال: فنزَلتْ فيَّ خاصةً، وهي لكم عامَّةً (٤).

стр. 2035

حدَّثني تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَريكٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ معقلٍ المُزَنيَّ (١) يقولُ: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: حجَجْتُ مع نبيِّ اللَّهِ ﵇ فقَمِلَ رأسِي ولحيَتي وشارِبي وحاجبَيَّ، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فأرسَلَ إليَّ فقال: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ هَذَا أصَابَكَ". ثم قال: "ادْعُوا لي حَلَّاقًا". فدعَوْه، فحلَقَنِي، ثم قال: "أعنْدَكَ شيءٌ تَنْسُكُه عنك؟ ". قال: قلتُ: لَا. قال: "فَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ طَعامٍ". قال كعبٌ: فنزَلتْ هذه الآيةُ فيَّ خاصةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ثم كانت للناسِ عامَّةً (٢). حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثني أيوبُ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، قال: مَرَّ بيَ النبيُّ ﷺ وأنا أُوقِدُ تحتَ قِدْرٍ، والقَمْلُ يتَناثرُ على وجْهِي، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأْسِكَ؟ ". قال: قلتُ: نَعم. قال: "احْلِقْه وصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، أو اذْبَحْ شاةً" (٣). حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلّا أنه قال: والقمْلُ يَتناثرُ عليَّ. أو قال: علَى حاجِبَيَّ. وقال أيضًا. "أو
следующие страницы →