← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث بشرَ بنَ سُحَيْمٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنَّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وَشُربٍ وذكرِ اللَّهِ" (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: بعث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ بنِ قيسٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ، إلّا مَن كان عليه صَوْمٌ مِنْ هَدْيٍ" (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن حَكيمِ بنِ حَكيمٍ، عن مسعودِ بنِ الحكمِ الزُّرَقِيِّ، عن أمِّه، قالت: لَكأنِّي أَنظُرُ إلى عليٍّ، على بغلةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ البيضاءِ حينَ وقَف على شِعْبِ الأنصارِ وهو يقولُ: "أيُّها الناسُ، إنَّها ليستْ بأيامِ صيامٍ، إنَّما هي أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ" (٣). فإن قال قائلٌ: إن النبيَّ ﷺ إذ قال في أيامِ مِنًى: "إنها أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ". لم يُخْبِرْ أُمّتَه أنها الأيامُ المعدوداتُ التي ذكَرها اللَّهُ في كتابِه، فما تُنْكِرُ أن

стр. 2207

يكونَ النبيُّ ﷺ عَنَى بقولِه: "وذكرِ اللَّهِ" (١). الأيامَ المعلوماتِ؟ قيل: غيرُ جائزٍ أن يكونَ عَنَى اللَّهُ ذلك؛ لأن اللَّهَ لم يكنْ يُوجبُ في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه فيها ما أَوْجب في الأيامِ المعدوداتِ، وإنما وصَف المعلوماتِ جل ذكرُه بأنها أيامٌ يُذْكَرُ فيها اسمُ اللَّهِ على بهائمِ الأنعامِ، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فلم يُوجب في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه كالذي أَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ مِن ذِكْرِه، بل أَخبَر أنها أيامُ ذكرِه على بهائمِ الأنعامِ، فكان معلومًا - إذ قال ﷺ لأيامِ التشريقِ: "إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ". فَأَخرَج قولَه: "وذكرِ اللَّهِ". مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ ولا إضافةٍ إلى أنه الذكرُ على بهائمِ الأنعامِ - أنه عَنَى بذلك الذكرَ الذي ذكَره اللَّهُ في كتابِه، فأَوْجَبه على عبادِه مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ، ولا إضافةٍ إلى معنًى في الأيامِ المعدوداتِ، وأنه لو كان أرادَ بذلك ﷺ وَصْفَ الأيامِ المعلوماتِ به، لوَصَل قولَه: "وذكرٍ". إلى أنه ذِكْرُ اسمِ (٢) اللَّهِ على ما رزَقنا من بهائمِ الأنعامِ، كالذي وصَفَ اللَّهُ به ذلك، ولكنه أَطلَقَ ذلك باسمِ الذكْرِ من غيرِ وَصْلِه بشيءٍ، كالذي أَطْلَقه ﵎ باسمِ الذكرِ، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. فكان ذلك من أوضحِ الدليلِ على أنه عَنَى بذلك ما ذكَره اللَّهُ في كتابِه وأَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.

стр. 2208

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فمن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيام التَّشْريقِ، فَنَفَر في اليومِ الثاني، فلا إِثْمَ عليه في نَفْرِه وتَعَجُّلِه في النَّفْرِ، ومن تأخَّر عن النَّفْرِ في اليومِ الثاني مِن أيامِ التَّشْريقِ إلى اليومِ الثالثِ حتى يَنْفِرَ في اليومِ الثالثِ، فلا إثْمَ عليه في تأخُّرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ (١)، عن عطاءٍ، قال: لا إثمَ عليه في تعجيلِه، ولا إثمَ عليه في تأخيرِه (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه (٣). حدثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن عكرمةَ مثلَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: يوم النَّفْرِ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا حرَجَ عليه ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٥). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 2209

السدِّيِّ: أمّا ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ﴾. يقولُ: مَن نَفَر في يومَيْن فلا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر فنَفَر في الثالثِ فلا جُناحَ عليه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. أي: من أيامِ التشريقِ فلا إثمَ عليه، ومَن أَدركَه الليلُ بمِنًى من اليومِ الثاني من قبلِ أن يَنْفِرَ، فلا نَفْرَ له حتى تزولَ الشمسُ من الغدِ، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: مَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: رخَّص اللَّهُ في أن يَنْفِرُوا في يومَيْن منها إن شاءوا، ومَن تأخَّر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: في تَعْجِيلِه (٣). حدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا إثمَ (٤) على مَن تَعَجَّل، ولا إثمَ على مَن تأخَّر. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: هذا في التعجيلِ.

стр. 2210

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ وإسرائيلُ، عن زيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: حلَّ النَّفْرُ في يومَيْن لمن اتَّقَى (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلَى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تعجيلِه (٢)، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخيرِه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أَلِلْمَكِّيِّ أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأولِ؟ قال: نعم، قال اللَّهُ : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. فهي للناسِ أجمعين (٤). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ليس عليه إثمٌ. حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: بعدَ يومِ النَّحْرِ، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: مَن نفَر مِن مِنًى في يومَيْن بعدَ النَّحْرِ فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر

стр. 2211

﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١): فلا حرَجَ عليه (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. في تَعَجُّلِه، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخُّرِه. وقال آخرون: بل معناه: فمَن تَعَجَّل في يومَيْن فهو مغفورٌ له لا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر فكذلك (٣). ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ليس عليه إثمٌ. حدَّثنا ابنُ بشّارٍ (٤)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: غُفِر له، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: غُفِر له (٥).

стр. 2212

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ نحوَه. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، جميعًا عن سفيانَ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: قد غُفِر له. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن سفيانَ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: قد غُفِر له (١). حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: بَرِئَ من الإثمِ. حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن الحسنِ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: رجَع مغفورًا له (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال:

стр. 2213

قد غُفِر له (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: قد غُفِر له، إنهم يَتأوَّلُونها على غيرِ تأويلِها، إن العُمرةَ لَتُكَفِّرُ ما معها من الذنوبِ، فكيف بالحجِّ (٢)؟ حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن إبراهيمَ وعامرٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قالا: غُفِر له (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: ثنى مَن أصدِّقُه، عن ابنِ مسعودٍ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: خرَج من الإثْمِ كلِّه. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: بَرِئَ من الإثمِ كلِّه، وذلك في الصَّدَرِ عن الحجِّ. قال ابنُ جريجٍ: وسَمِعْتُ رجلًا يُحدِّثُ (٤) عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: غُفِر له ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: غُفِر له (٥). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا [أسودُ بنُ سَوادةَ] (٦)

стр. 2214

القَطّانُ، قال: سمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ قال: خرَج مِن ذنوبِه (١). وقال آخرون: معنى ذلك: فمَن تَعَجَّلَ في يومَيْن فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر فلا إثمَ عليه فيما بينه وبين السَّنةِ التي بعدَها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسحاقُ (٢) بنُ يحيى بنِ طلحةَ، قال: سألتُ مجاهدًا عن قولِ اللَّهِ : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: لمَن في الحجِّ، ليس عليه إثمٌ حتى الحجِّ من عامِ قابلٍ (٣). وقال آخرون: بل معناه: فلا إثمَ عليه إن اتَّقَى اللَّهَ فيما بَقِيَ من عُمُرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ذهَب إثمُه كلُّه إن اتَّقَى فيما بَقِيَ (٤). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي

стр. 2215

العاليةِ مثلَه. حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: لمن اتَّقَى، بشرطٍ. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ فلا جُناحَ عليه لمن اتَّقَى. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: وَدِدْتُ أنِّي من هؤلاء ممن يُصيبُه اسمُ التَّقْوَى. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: هي في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (لمَن اتَّقَى اللهَ) (١). حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَجَ عليه. يقولُ: لمن (٢) اتَّقَى معاصيَ اللَّهِ (٣). وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمَن تَعَجَّل في يومَيْن من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه. أي: فلا حَرَجَ عليه في تعجيلِه النَّفْرَ إن هو اتَّقَى قتلَ الصيدِ حتى يَنْقَضِيَ اليومُ

стр. 2216

الثالثُ، ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ فلم يَنْفِرْ، فلا حرَجَ عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ أبي صالحٍ: لمن اتَّقَى أن يُصِيبَ شيئًا من الصيدِ حتى يَمْضِيَ اليومُ الثالثُ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ولا يحِلُّ له أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تَخْلُوَ أيامُ التَّشْريقِ. وقال آخرون: بل معناه: فمَن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيامِ التشريقِ فنفَر فلا إثمَ عليه، أي: مغفورٌ له، ومَن تأخَّر فنفَر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه، أي: مغفورٌ له، إن اتَّقَى على حَجِّه أن يُصيبَ فيه شيئًا نهاه اللَّهُ عنه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾. قال: يقولُ: لمن اتَّقَى على حَجِّه. قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: مَن اتَّقَى في حَجِّه غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبِه، أو ما سلَف من ذنبِه (١). وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك: فمن تَعَجَّل في يومَيْن من أيامِ مِنًى الثلاثةِ، فنفَر في اليومِ الثاني، فلا إثمَ عليه لِحَطِّ اللَّهِ ذنوبَه، إن كان قد اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه، فاجتنَب فيه ما أمَره اللَّهُ باجتنابِه، وفعَل فيه ما أمَره اللَّهُ

стр. 2217

بفعلِه، وأطاعَه بأدائِه على ما كَلَّفه من حدودِه. ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ منهن، فلم يَنْفِرْ إلى النَّفْرِ الثاني حتى نفَر من غدٍ النَّفْرَ الأولَ، فلا إثمَ عليه لتكفيرِ اللَّهِ له ما سلَف من آثامِه وأجرامِه، إن كان اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه بأدائِه بحدودِه. وإنما قلْنا: إن ذلك أَوْلَى تأويلاتِه به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خَرَجَ مِن ذُنُوبِه كيومِ وَلَدَتْه أُمُّه" (١). وأنه قال ﷺ : "تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرَةِ، فإنهما يَنْفِيان الذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ". حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن عاصمٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّهما يَنْفِيان الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ، وليس للحَجَّةِ المَبْرُورةِ ثوابٌ دُونَ الجَنَّةِ" (٢). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا الفضلُ بنُ الصّبّاح، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عاصمِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، عن عمرَ يَبْلُغُ به النبيَّ ﷺ قال: "تابعُوا بينَ

стр. 2218

الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّ [المتابعةَ بينهمَا] (١) ينفيان (٢) الفَقْرَ والذُّنوبَ كما يَنفِي الكِيرُ الخَبثَ، أوْ خبثَ الحديدِ" (٣). حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا ابنُ أبي الزِّنادِ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن صالحٍ مولى التَّوْأمةِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذا قَضَيْتَ حَجَّكَ فأنتَ مِثْلُ ما وَلَدَتْكَ أُمُّكَ". وما أَشبهَ ذلك من الأخبارِ التي يطولُ بذكرِ جميعِها الكتابُ، مما يُنْبِئُ عن أنَّ مَن حجَّ فقضاه بحدودِه على ما أمَره اللَّهُ، فهو خارجٌ مِن ذنوبِه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٤) في حجِّه، فكان في ذلك من قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يُوَضِّحُ عن أن معنَى قولِه - جل وعز -: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنه خارجٌ من ذنوبِه، محطوطةٌ عنه آثامُه، مغفورةٌ له أَجرامُه. و [أنه لا] (٥) معنى لقولِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَج عليه في نَفْرِه في اليومِ الثاني، ولا حرَجَ عليه في مُقامِه إلى اليومِ الثالثِ؛ لأن الحرَجَ إنما يُوضَعُ عن العاملِ فيما كان عليه تَركُ عملِه، فيُرَخَّصُ له في عملِه بوضعِ الحَرَجِ عنه في عملِه، أو فيما كان عليه عملُه، فيُرَخَّصُ له في تركِه بوضعِ الحرجِ عنه (٦). فأما ما كان على العاملِ عملُه، فلا

стр. 2219

وَجْهَ لوضعِ الحرَجِ عنه فيه إن هو عَمِله، وفرضُه عملُه؛ لأنه محالٌ أن يكونَ المؤدِّي فرضًا عليه حَرِجًا بأدائِه، فيجوزَ أن يقالَ: قد وضَعْنا عنك فيه الحَرجَ. وإذا كان ذلك كذلك، وكان الحاجُّ لا يخلُو عندَ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حَرَجَ عليه، أو فلا جُناحَ عليه؛ من أن يكونَ فرضُه النَّفْرَ في اليومِ الثاني من أيامِ التشريقِ، فوُضِع عنه الحرَجُ في المُقامِ، أو أن يكونَ فرضُه المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها، فوُضِع عنه الحَرجُ في نفرِه في اليومِ الثاني، فإن يَكُنْ فرضُه في اليومِ الثاني من أيامِ التشريقِ المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها، فوُضِع عنه الحَرجُ في نَفْرِه في اليومِ الثاني منها، وذلكَ هو التَّعَجُّلُ الذي قيل: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. فلا معنى لقولِه على تأويلِ مَن تأوَّلَ ذلك: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا جُناحَ عليه، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن المتأخِّرَ إلى اليومِ الثالثِ إنما هو متأخِّرٌ عن (١) أداءِ فرضٍ عليه، تاركٌ قَبولَ رخصةِ النَّفْرِ، فلا وجهَ لِأَنْ يُقالَ: لا حرَجَ عليك في مُقامِك على أداءِ الواجبِ عليك. لما وصَفْنا قبلُ، أو يكونَ فرضُه في اليومِ الثاني النَّفْرَ، فرُخِّص له في المُقامِ إلى اليومِ الثالثِ، فلا معنى أن يُقالَ: لا حرَجَ عليك في تَعَجُّلِكَ النَّفْرَ الذي هو فَرَضُك وعليك فعلُه. للذي قَدَّمْنا من العِلّةِ. وكذلك لا معنى لقولِ مَن قال: معناه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَجَ عليه في نَفْرِه ذلك، إن اتَّقَى قتلَ الصيدِ إلى انقضاءِ اليومِ الثالثِ؛ لأن ذلك لو كان تأويلًا مسلَّمًا لقائلِه، لكان في قولِه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ما يُبْطِلُ دَعْواه؛ لأنه لا خلافَ بينَ الأُمّةِ في أن الصيدَ للحاجِّ بعدَ نَفْرِه من مِنًى في اليومِ الثالثِ حلالٌ، فما الذي من أجلِه وُضِع عنه الحرَجُ بقولِه:

стр. 2220

﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. إذا هو تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ ثم نَفَر، هذا معَ إجماعِ الحُجَّةِ على أن المُحْرمَ إذا رمَى وذبَح وحلَق وطاف بالبيتِ فقد حَلَّ له كلُّ شيءٍ، وتَصْريحُ الروايةِ المرويَّةِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِ ذلك، التي حدَّثنا بها هَنّادُ بنُ السَّريِّ الحَنْظَلِيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن حَجّاجٍ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، عن عَمرةَ، قالت: سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، متى يُحِلُّ المُحْرِمُ؟ فقالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إذا رَمَيْتُمْ، وذَبَحْتُم وحَلَقْتُم حَلَّ لكم كُلُّ شيءٍ إلا النساءَ" (١). قال: وذكَر الزُّهْرِيُّ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢). وأما الذي تأوَّل ذلك أنه بمعنى: فلا إثمَ عليه إلى عامِ قابلٍ. فلا وجهَ لتحديدِ ذلك بوقتٍ، وإسقاطِه الإثمَ عن الحاجِّ سنةً مستقبَلَةً، دونَ آثامِه السالفةِ؛ لأنَّ اللَّهَ جل ثناؤُه لم يَحْصُرْ ذلك على نَفْيِ إثمِ وقتٍ مستقبَلٍ بظاهرِ التنزيلِ، ولا على لسانِ الرسولِ ﵊، بل دَلالةُ ظاهرِ التنزيلِ تُبِينُ عن أنَّ المتعجِّلَ في اليومَيْن والمتأخِّرَ لا إثمَ على كلِّ واحدٍ منهما في حالِه التي هو بها دونَ غيرِها من الأَحوالِ، والخبرُ عن النبيِّ ﷺ يُصرِّحُ بأنه بانقضاءِ حجِّه على ما أُمِر به خارجٌ من ذنوبِه كيومِ ولَدَتْه أمُّه. ففي ذلك من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، وصريحِ قولِ الرسولِ ﷺ دلالةٌ واضحةٌ على فسادِ قولِ من قال: معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا إثمَ عليه من وقتِ انقضاءِ حجِّه إلى عامِ قابلٍ.

стр. 2221

فإن قال لنا قائلٌ: ما الجالبُ للَّامِ في قولِه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وما معناها؟ قيل: الجالبُ لها معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن في قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معنى: حطَطْنا ذُنوبَه وكفَّرْنا آثامَه، فكان في ذلك معنى: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ لمن اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه. فتُرك ذِكْرُ: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ. اكتفاءً بدَلالةِ قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه كأنه إذا ذكَر هذه الرخصةَ فقد أخبَر عن أمرٍ، فقال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا لمن اتَّقَى. وأنكَرَ بعضُهم ذلك من قولِه، وزعَم أن الصفةَ (١) لا بدَّ لها من شيءٍ تَتَعلَّقُ به؛ لأنها لا تقومُ بنفسِها، ولكنها فيما زعَم من صلةِ قولٍ متروكٍ، فكان معنى الكلامِ عنده (٢): قلْنا: مَن تأخَّر فلا إثمَ عليه لمن اتَّقَى. وقام قولُه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَقامَ القولِ. وزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن موضعَ طَرْحِ الإثمِ في المتعجِّلِ، فجُعِل في المتأخِّرِ - وهو الذي أَدَّى ولم يُقَصِّرْ - مثلُ ما جُعِل على المقصِّرِ، كما يقالُ في الكلامِ: إن تصدَّقْتَ سرًّا فحَسَنٌ، وإن أظْهرْتَ فحَسَنٌ. وهما مختلِفان؛ لأن المتصدِّقَ علانيةً إذا لم يَقْصِدِ الرياءَ فحَسَنٌ، وإن كان الإسرارُ أحسنَ، وليس في وصفِ حالتَيِ المتصدِّقَيْن بالحُسْنِ وصفُ إحداهما بالإثمِ، وقد أخبرَ اللَّهُ عن النافرَيْن بنفيِ الإثمِ عنهما، ومُحالٌ أن يَنْفِيَ عنهما إلا ما كان في تَرْكِه الإثمُ، على ما تأوَّله قائلو هذه المقالةِ. وفي إجماعِ الجميعِ على أنهما جميعًا لو تَرَكا النَّفْرَ، وأقاما بمِنًى لم يكونا

стр. 2222

آثمَيْن، ما يدُلُّ على فسادِ التأويلِ الذي تأوَّلَه مَن حَكَيْنا عنه هذا القولَ. وقال أيضًا: وفيه وجهٌ آخرُ، وهو معنى نَهْيِ الفريقَيْن عن أن يُؤثِّمَ أحدُ الفريقَيْن الآخرَ، كأنه أراد بقولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا يَقُلِ المتعجِّلُ للمتأخِّرِ: أنتَ آثمٌ. ولا المتأخِّرُ للمتعجِّلِ: أنتَ آثمٌ. بمعنى: فلا يُؤَثِّمَنّ أحدُهما الآخرَ. وهذا أيضًا تأويلٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ مخالِفٌ، وكَفَى بذلك شاهدًا على خَطَئِه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾. يعني بذلك جل ثناؤُه: واتقوا اللَّهَ أيها المؤمنون فيما فرَض عليكم مِن فرائضِه، فخافُوه في تَضْيِيعِها والتفريطِ فيها، وفيما نهاكم عنه في حَجِّكم ومَناسِكِكم أن تَرْتَكِبُوه أو تَأْتُوه، وفيما كَلَّفكم في إحرامِكم لحجِّكم أن تُقَصِّرُوا في أدائِه والقيامِ به، واعلَموا أنكم إليه تُحشَرون، فمُجازِيكم هو بأعمالِكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه، ومُوَفٍّ كلَّ نفسٍ منكم ما عَمِلتْ وأنتم لا تُظْلَمون. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. وهذا نعتٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه للمنافقِين، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومن الناسِ مَن يُعجِبُك يا محمدُ ظاهرُ قولِه وعلانيتُه، ويَستشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه، وهو ألدُّ الخصامِ، جَدِلٌ بالباطلِ. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ في الأَخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ، قَدِم على النبيِّ ﷺ ، فزعَم أنه يريدُ الإسلامَ، وحلَف أنه ما قَدِم

стр. 2223

إلا لذلك، ثم خرَج فأفسدَ أموالًا من أموالِ المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ قال: نزَلتْ في الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حليفٌ لبني زُهْرةَ، وأقبَلَ إلى النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، فأظهَر له الإسلامَ، فأعجَب النبيَّ ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يعلَمُ أني صادقٌ. وذلك قولُه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. ثم خرَج من عندِ النبيِّ ﷺ ، فمرَّ بزَرْعٍ لقومٍ من المسلمين وحُمُرٍ، فأَحرَقَ الزرعَ، وعقَر الحُمُرَ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. وأما ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: فأعْوَجُ (١) الخِصامِ، وفيه نزَل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. ونزَلتْ فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى (٢) ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (٣) [القلم: ١٠ - ١٣]. وقال آخرون: بل نزَل ذلك في قومٍ من أهلِ النفاقِ، تكلَّموا في السَّرِيّةِ التي أُصِيبتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ بالرَّجِيعِ.

стр. 2224

ذكر مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو (١) عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصِيبت هذه السَّرِيةُ، أصحابُ خُبَيْبٍ، بالرَّجيعِ بينَ مكةَ والمدينةِ، قال (٢) رجالٌ من المنافقِين: يا ويحَ هؤلاء المقتولِين الذين هَلَكوا هكذا، لا هم قعَدوا في بيوتِهم، ولا هم أدَّوْا رسالةَ صاحبِهم. فأَنزل اللَّهُ في ذلك من قولِ المنافقِين، وما أصاب أولئك النَّفَرَ من الشهادةِ والخيرِ من اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: بما (٣) يُظهِرُ بلسانِه من الإسلام، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي: من النفاقِ، ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجَعَك، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أي: خرَج من عندِك، ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يُحِبُّ عملَه ولا يرضاه، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. الذين شَرَوْا أنفسَم للَّهِ بالجهادِ في سبيلِه، والقيامِ بحقِّه حتى هلَكوا على ذلك؛ يعني هذه السَّرِيةَ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصيبتِ السَّريةُ التي كان فيها عاصمٌ ومَرثدٌ

стр. 2225

بالرَّجيعِ، قال رجالٌ من المنافقِين. ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ (١). وقال آخرون: بل عَنَى بذلك جميعَ المنافقِين، وعَنَى بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. اختلافَ سَريرتِه وعَلانيتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ أبي مَعْشَرٍ، قال: أخبرَني أبي أبو مَعْشَرٍ نَجيحٌ، قال: سَمِعْتُ سعيدًا المَقْبُرِيَّ يُذاكرُ محمدَ بنَ كعبٍ، فقال سعيدٌ: إن في بعضِ الكتبِ أن للَّهِ عبادًا ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقُلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، لَبِسوا لِباسَ (٢) مُسُوكِ (٣) الضَّأنِ من اللِّينِ، يَجْتَرُّون الدنيا بالدينِ، قال اللَّهُ: أعليَّ يَجْتَرِئُون، وبي يَغْتَرُّون؟ وعِزَّتي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ منهم حيرانَ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ: هذا في كتابِ اللَّهِ. فقال سعيدٌ: وأين هو من كتابِ اللَّهِ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. فقال سعيدٌ: قد عرَفْتُ في مَن أُنزِلتْ هذه الآيةُ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ: إن الآيةَ تَنزِلُ في الرجلِ، ثم تكونُ بعدَه عامّةً (٤).

стр. 2226

حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني الليثُ بنُ سعدٍ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن القُرَظِيِّ، عن نَوْفٍ، وكان يقرأُ الكتبَ، قال: إني لأَجِدُ صفةَ ناسٍ من هذه الأُمّةِ في كتابِ اللَّهِ المنزَّلِ، قومٌ يحتالون الدنيا بالدينِ، ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، يَلْبَسون (١) لباسَ مُسُوكِ الضّأنِ، وقلوبُهم قلوبُ الذئابِ، فعليَّ يَجْتَرِئون، وبي يَغْتَرُّون؟ حلَفْتُ بنفسي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ فيها (٢) حيرانَ. قال القُرَظِيُّ: تَدَبَّرْتُها في القرآنِ فإذا هم المنافقون، فوجَدْتُها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ (٣) [الحج: ١١]. حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قال: هو المنافقُ (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾. قال: علانيتُه في الدنيا، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ﴾ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ (٥).

стр. 2227

حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: هذا عبدٌ كان حسنَ القولِ سيِّئَ العملِ، كان (١) يَأْتِي رسولَ اللَّهِ ﷺ فيُحسِنُ له القولَ، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قال: يقولُ قولًا، في قلبِه غيرُه، واللَّهُ يعلَمُ ذلك. قال أبو جعفرٍ: وفي قولِه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ وجهان مِن القراءةِ؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. بمعنى أن المنافقَ الذي يُعْجِبُ رسولَ اللَّهِ ﷺ قولُه، يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه أن قولَه موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، وهو كاذبٌ. كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: كان رجلٌ (٣) يَأتِي إلى النبيِّ ﷺ ، فيقولُ: أَيْ رسولَ اللَّهِ، أَشهدُ أنك جئتَ بالحقِّ والصدقِ من عندِ اللَّهِ. قال: حتى يُعْجَبَ النبيُّ ﷺ بقولِه، ثم يقولُ: أما واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ ليَعلمُ أن ما في قلبي مثلُ ما نطَق به لساني. فذلك قولُه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. قال: هؤلاء المنافقون. وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾. حتى بلَغ:

стр. 2228

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. بما يَشْهَدُون أنك رسولي (١). وقال السديُّ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. يقولُ: اللَّهُ يَعلَمُ أني صادقٌ، أني أريدُ الإسلامَ. حدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه (٢). وقال مجاهدٌ: ويُشهِدُ اللَّهَ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عنه (٣). وقرأ ذلك آخرون: (وَيَشْهَدُ اللَّهُ على ما في قلبه). بمعنى: واللَّهُ يَشْهَدُ على الذي في قلبِه من النفاقِ، وأنه مُضْمِرٌ في قلبِه غيرَ الذي يُبدِيه بلسانِه، وعلى كذبِه في قيلِه (٤). وهو قراءةُ ابنِ مُحَيْصِنٍ (٥). وعلى ذلك المعنى تأوَّله ابنُ عباسٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى في حديثِ أبي كُريبٍ، عن يونسَ بنِ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ الذي ذكَرْناه آنفًا.

стр. 2229

والذي نختارُ في ذلك من القراءةِ (١) قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾. بمعنى: يَسْتشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾. والأَلَدُّ من الرجالِ: الشديدُ الخصومةِ، يقالُ في "فعَلْتَ" منه: قد لَدِدْتَ يا هذا ولم تكنْ أَلَدَّ، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدادةً. فأما إذا غلَب مَن خاصمَه، فإنما يقالُ فيه: لدَدْتَ يا فلانُ فلانًا فأنتَ تلُدُّه لَدًّا، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): ثُمَّ [ارْدِ بي وبهما] (٣) مَنْ تُرْدِي نَلُدُّ (٤) أَقْرانَ الخُصُومِ اللُّدِّ واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه أنه ذو جِدالٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجعَك (٥). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. يقولُ: شديدُ القسوةِ في معصيةِ اللَّهِ، جَدِلٌ بالباطلِ، إذا شِئْتَ رأيتَه

стр. 2230

عالمَ اللسانِ، جاهلَ العملِ، يتكلَّمُ بالحكمةِ، ويعملُ بالخطيئةِ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: جَدِلٌ بالباطلِ (٢). وقال آخرون: معنى ذلك أنه غيرُ مستقيمِ الخصومةِ ولكنه مُعْوَجُّها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: ظالمٌ لا يَستقيمُ (٣). حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: "الأَلَدُّ الخصامِ": الذي لا يستقيمُ على خصومةٍ (٤). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: أَعْوَجُ الخصامِ (٥). قال أبو جعفرٍ: وكلا هذين القولين متقارِبُ المعنى؛ لأنَّ الاعوجاجَ في الخصومةِ من الجدالِ واللَّدَدِ.

стр. 2231

وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قولِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن الحسنِ، قال: "الأَلَدُّ الخِصامِ": الكاذبُ القولِ (١). وهذا القولُ يَحتمِلُ أن يكونَ معناه معنى القولَيْن الأَوَّلَيْن، إن كان أراد به قائلُه أنه يُخاصِمُ بالباطلِ من القولِ والكذبِ منه؛ جدَلًا واعْوِجاجًا عن الحقِّ. وأما الخِصامُ، فهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: خاصَمْتُ فلانًا خِصامًا ومُخاصمةً. وهذا خبرٌ من اللَّهِ ﵎ عن المنافقِ الذي أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه يُعجِبُه - إذا تكلَّمَ - قيلُه ومَنْطِقُه، ويَسْتشهِدُ اللَّهَ على أنه مُحِقٌّ في قيلِه ذلك؛ بشدةِ خصمومتِه وجدلِه بالباطلِ والزُّورِ من القولِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾: وإذا أَدْبَر هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ مُنْصَرِفًا عنك. كما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾. قال: يعني: وإذا خرَج من عندِك سَعَى (٢). وقال بعضُهم: معناه: وإذا غَضِب.

стр. 2232

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾. قال: إذا غَضِب. فمعنى الآيةِ: وإذا خرَج هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ غَضْبانَ، عَمِل في الأرضِ بما حرَّم اللَّهُ عليه، وحاول فيها معصيةَ اللَّهِ، وقَطْعَ الطريقِ، وإفسادَ السُّبلِ على عبادِ اللَّهِ، كما قد ذكَرْنا آنفًا من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، الذي ذكَر السدِّيُّ أن فيه نزلَتْ هذه الآيةُ؛ من إحراقِه زُروعَ المسلمِين وقَتْلِه حُمُرَهم. والسَّعْيُ في كلامِ العربِ: العملُ، يقالُ منه: فلانٌ يَسْعَى على أهلِه. يعني به: يعْمَلُ فيما يعودُ عليهم نفعُه. ومنه قولُ الأعشى (١): وسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غيرِ مُوَاكِلٍ … قَيْسٌ فضَرَّ عَدُوَّها وبَنَى لهَا يعني بذلك: عَمِل لها في المكارمِ. وكالذي قلْنا في ذلك كان مجاهدٌ يقولُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾. قال: عَمِل (٢). واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإفسادِ الذي أضافَه اللَّهُ إلى هذا المنافقِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه ما قلْنا فيه من قَطْعِه الطريقَ وإخافتِه السبيلَ، على ما قد ذكَرْنا

стр. 2233

قبلُ من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ. وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: قَطْعُ الرَّحِمِ وسَفْكُ دماءِ المسلمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: قَطَعَ الرَّحِمَ، وسَفَكَ الدماءَ؛ دماءَ المسلمين، فإذا قيل: لِمَ تَفعلُ كذا وكذا؟ قال: أَتقرَّبُ به إلى اللَّهِ. والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولَّى مُدبِرًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ عَمِل في أرضِ اللَّهِ بالفسادِ، وقد يَدخُلُ في الإفسادِ جميعُ المعاصي، وذلك أن العملَ بالمعاصي إفسادٌ في الأرضِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ وصْفَه ببعضِ معاني الإفسادِ دونَ بعضٍ. وجائزٌ أن يكونَ ذلك الإفسادُ منه كان بمعنى قَطْعِ الطريقِ، [وجائزٌ أن يكونَ كان يقطَعُ الرحمَ ويسفِكُ الدماءَ] (١)، وجائزٌ أن يكونَ كان غيرَ ذلك، وأيُّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا في الأرضِ؛ لأن ذلك كان منه للَّهِ معصيةٌ، غيرَ أن الأَشبهَ بظاهرِ التنزيلِ أن يكونَ كان يقطعُ الطريقَ، ويُخِيفُ السبيلَ؛ لأن اللَّهَ وصَفَه في سياقِ الآيةِ بأنه يسعَى في الأرضِ ليُفسِدَ فيها، ويُهلِكَ الحرثَ والنَّسْلَ، وذلك بفعلِ مُخيفي السُّبُلِ، أشبهُ منه بفعلِ قُطّاعِ الرَّحِمِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في وجهِ إهلاكِ هذا المنافقِ - الذي وصَفَه اللَّهُ بما وصَفَه به

стр. 2234

من صفتِه (١) - الحرثَ والنسلَ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرعِ قومٍ من المسلمين، وعَقْرًا لحُمُرِهم. حدَّثني بذلك موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (٢). وقال آخرون بما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثّامٌ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبيٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ الآية. قال: إذا ولَّى (٣) سعى بالعَدَاءِ (٤) والظلمِ، فيَحبِسُ اللَّهُ بذلك القطرَ، فيُهْلِكُ الحرثَ والنسلَ، واللَّهُ لا يحبُّ الفسادَ. قال: ثم قرأ مجاهدٌ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. قال: ثم قال: أَمْ (٥) واللَّهِ ما هو بَحْرَكم هذا، ولكنْ كلُّ قريةٍ على ماءٍ جارٍ فهو بَحْرٌ (٦). والذي قاله مجاهدٌ وإن كان مذهبًا من التأويلِ تَحتمِلُه الآيةُ، فإن الذي هو أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ من التأويلِ ما ذكَرْنا عن السدِّيِّ، فلذلك اخترْناه. وأما الحرثُ فإنه الزرعُ، والنسلُ: العَقِبُ والولَدُ، وإهلاكُه الزرعَ: إحراقُه. وقد يجوزُ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ باحتباسِ القطرِ من أجلِ معصيتهِ ربَّه، وسَعْيِه بالإفسادِ في الأرضِ. وقد يحتمِلُ أن يكونَ كان بقَتْلِه القُوَّامَ به والمتعاهدِين له، حتى

стр. 2235

فسَد فهلَك. وكذلك جائزٌ في معنى إهلاكِه النسلَ أن يكونَ كان بقَتْلِه أُمّهاتِه أو آباءَه التي منها يكونُ النسلُ، فيكونُ في قتلِه الآباءَ والأمهاتِ انقطاعُ نسلِهما. وجائزٌ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ، غيرَ أن ذلك وإن كان محتمِلتُه الآيةُ، فالذي هو أَوْلَى بظاهرِها ما قاله السديُّ، غيرَ أن السديَّ ذكَر أن الذي نزلتْ فيه هذه الآيةُ إنما نزَلتْ فيه (١) في قتلِه حُمُرًا لقومٍ مسلمين، وإحراقِه زرعًا لهم. وذلك وإن كان جائزًا أن يكونَ كذلك، فغيرُ فاسدٍ أن تكونَ الآيةُ نزَلتْ فيه والمرادُ بها كلُّ مَن سلَك سبيلَه في قَتْلِ كلِّ ما قَتَل من الحيوانِ الذي لا يَحِلُّ قتلُه بحالٍ، والذي يحِلُّ قتلُه في بعضِ الأحوالِ، إذا قتَله بغيرِ حقٍّ، بل ذلك كذلك عندي؛ لأن اللَّهَ لم يَخْصُصْ من ذلك شيئًا دونَ شيءٍ، بل عَمَّه. وبالذي قلْنا في عمومِ ذلك قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميمِيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. قال: [الحرثُ الحرثُ، والنسلُ] (٢) نَسْلُ كلِّ دابّةٍ. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ، قال: قلتُ: أرأيتَ قولَه: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾؟ قال: الحرثُ حرثُكم، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ (٣).

стр. 2236

حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الحرثِ والنسلِ، فقال: الحرثُ مما تَحرُثُون، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من تميمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أمَّا النسلُ، فنَسْلُ كلِّ دابّةٍ، والناسِ أيضًا (١). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾. قال: نباتَ الأرضِ، ﴿وَالنَّسْلَ﴾: مِن كلِّ شيءٍ (٢) من الحيوانِ، من الناسِ والدوابِّ (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قال: [الحرثُ الحرثُ] (٤)، والنّسلُ نسلُ كلِّ شيءٍ (٥). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ، قال: الحرثُ النباتُ، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ.

стр. 2237

حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾. قال: الحرثُ الذي يَحْرُثُه الناسُ؛ نباتُ الأرضِ، ﴿وَالنَّسْلَ﴾: نسلُ كلِّ دابّةٍ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. قال: الحرثُ الزرعُ، والنَّسلُ من الناسِ والأنعامِ. قال: يَقتُلُ نسلَ الناسِ والأنعامِ (٢). قال: وقال مجاهدٌ: يَبْتَغِي في الأرضِ هلاكَ الحرثِ؛ نباتِ الأرضِ، والنسلِ مِن كلِّ شيءٍ من الحيوانِ (٣). حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾. قال: الحرثُ الأصل، والنسلُ نسلُ (٤) كلِّ دابّةٍ، والناسُ منهم (٥). حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو (٦) بنُ أبي سلَمةَ، قال: سُئل سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ عن فسادِ الحرثِ والنسلِ، وما هما، و (٧) أيُّ حرثٍ وأيُّ نسلٍ؟ قال سعيدٌ: قال مكحولٌ: الحرثُ ما تحرُثون، وأما النسلُ فنسلُ كلِّ دابةٍ (٨).

стр. 2238

وقد قرأ بعضُ القرأةِ: (ويُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ) (١) برفعِ "يُهْلِكُ" بمعنى: ومن النَّاسِ مَنْ يُعجِبُك قولُه فِي الحياةِ الدُّنيا، ويُشهِدُ اللَّهَ على ما فِي قلبِه وهو ألَدُّ الخصامِ، ويُهْلِكُ الحرثَ والنَّسلَ، وإذا تولَّى سعَى في الأرضِ ليُفسِدَ فِيها، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفسادَ. فيَرُدُّ "وَيُهْلِكُ" على ﴿وَيُشْهِدُ﴾ عطفًا به عليه. وذلك قراءةٌ عندي غيرُ جائزةٍ وإن كان لها مَخرجٌ في العربيةِ؛ لمخالفتِها ما عليه الحجةُ مُجمِعةٌ من القراءةِ في ذلك (٢)، وأن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ ومُصْحفِه فيما [ذُكِر لنا] (٣): (ليُفْسِدَ فيها ولِيُهْلِكَ الحرثَ والنسلَ) (٤). وذلك من أدلِّ الدليلِ على تصحيحِ قراءةِ من قرَأ ذلك: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالنصبِ عطفًا به على ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واللَّهُ لا يحبُّ المعاصيَ، وقطعَ السبلِ، وإخافةَ الطرقِ، [والفسادَ] (٥). والفسادُ: مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: فسَد الشيءُ يفسُدُ. نظيرُ قولِهم: ذهَب يَذهَبُ ذَهابًا. ومن العربِ مَن يجعَلُ مصدرَ "فسَد" فُسُودًا، ومصدرَ "ذَهَب يَذهَبُ" ذُهوبًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ

стр. 2239

جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: وإذا قيل لهذا المنافقِ الذي نَعَت نعتَه لنبيِّه ﷺ ، وأخبرَه أنه يُعجِبُه قولُه في الحياةِ الدنيا: اتَّقِ اللَّهَ، وخَفْه في إفسادِك في أرضِ اللَّهِ، وسَعْيِك فيها بما حرَّم اللَّهُ عليك من معاصِيه، وإهلاكِك حُروثَ المسلمين ونسلَهم. اسْتَكْبرَ ودخلَتْه عِزَّةٌ وحَمِيّةٌ بما حرَّم اللَّهُ عليه، فتمادَى في غَيِّه وضلالِه. قال اللَّهُ جل ثناؤُه: فكفاه عقوبةً من غَيِّه وضلالِه صِلِيُّ نارِ جهنمَ، وبئسَ المِهادُ هي لصالِيها. واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى بها كلَّ فاسقٍ (١) منافقٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا بِسْطامُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ العُطارِديُّ، قال: سمِعتُ عليًّا في هذه الآيةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال عليٌّ: اقْتَتَلا وربِّ الكعبةِ (٢). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال: كان عمرُ بنُ الخطابِ إذا صلّى السُّبْحَةَ (٣) وفرَغ، دخَل

стр. 2240

مِرْبَدًا (١) له، فأَرْسَل إلى فتيانٍ قد قرَءوا القرآنَ، منهم ابنُ عباسٍ وابنُ أخي عُيَيْنَةَ. قال: فيَأْتُون فيَقْرَءون القرآنَ وَيَتدارَسونه، فإذا كانت القائلةُ انْصَرف. قال: فمرُّوا بهذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابنُ زيدٍ: وهؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللَّهِ. فقال ابنُ عباسٍ لبعضِ مَن كان إلى جنبِه: اقْتَتَل الرجلان. فسمِع عمرُ ما قال، فقال: وأيَّ شيءٍ قلتَ؟ قال: لا شيءَ يا أميرَ المؤمنين. قال: ماذا قلتَ: اقْتَتل الرجلان؟ قال: فلمَّا رأَى ذلك ابنُ عباس قال: أَرَى ههنا مَن إذا أُمِر بتقوى اللَّهِ أخَذتْه العِزَّةُ بالإثمِ، وأَرَى مَن يَشْرِي نفسَه ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، يَقومُ هذا فَيأْمُرُ هذا بتقوى اللَّهِ، فإذا لم يَقْبَلْ وأخَذتْه العزَّةُ بالإثمِ، قال هذا: وأنا أَشْرِي نفسي. فقاتَلَه، فاقْتَتَل الرجلان. فقال عمرُ: للَّهِ تِلادُك (٢) يابنَ عباسٍ (٣). وقال آخَرون: بل عنَى بها الأخنسَ بنَ شَرِيقٍ، وقد ذكَرْنا مَن قال ذلك فيما مضَى. وأمَّا قولُه: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، فإنه يعني به: لبِئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنَمُّ التي أَوْعَدها جلَّ ثناؤُه هذا المنافقَ، ووطَّأها لنفسِه بنفاقِه وفجورِه وتمرُّدِه على ربِّه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ومِن الناسِ مَن يبيعُ نفسَه بما وعَد اللَّهُ المجاهدين في

стр. 2241

سبيلِه، وابتاع به أنفسَهم بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وقد دلَّلْنا على أن معنى "شرَى": "باع"، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنَى عن إعادتِه (١). وأمَّا قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. فإنه يعني أن هذا الشاريَ يَشْرِي إذا شرَى، طلَبَ مرضاةِ اللَّهِ. ونُصِب قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ﴾ بقولِه: ﴿يَشْرِي﴾. كأنه قال: ومِن الناسِ مَن يَشْرِي مِن أجلِ ابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ. ثم ترَك "من أجلِ" وعمِل فيه الفعلُ. وقد زَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه نصَب ذلك على الفعلِ (٢) على ﴿يَشْرِي﴾. كأنه قال: لابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ. فلمَّا نزَع اللامَ عمِل الفعلُ. قال: ومثلُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]. قال: وقال الشاعرُ وهو حاتمٌ (٣): وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ … وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما وقال: لمَّا أذْهَب اللامَ أعْمَل فيه الفعلَ. وقال بعضُهم: [إنما ذلك] (٤) مصدرٌ وُضِع موضعَ الشرطِ وموضعَ "أن"، فيَحْسُنُ فيها الباءُ واللامُ، فيقولُ: أتيتُك مِن خوفِ الشرِّ، ولخوفِ الشرِّ، وبأن خِفتُ الشرَّ. فالصفةُ غيرُ معلومةٍ، فحُذِفت وأقِيمَ المصدرُ مُقامَها. قال: ولو كانت الصفةُ حرفًا واحدًا بعينِه لم يَجُزْ حذفُها، كما غيرُ جائزٍ لمَن قال: فعلتُ هذا لك

стр. 2242

ولفلانٍ. أن يُسْقِطَ اللامَ. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت هذه الآيةُ فيه ومَن عُنِي بها؛ فقال بعضُهم: نزَلت في المهاجرين والأنصارِ، وعُنِي بها المجاهدون في سبيلِ اللَّهِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: هم المهاجرون والأنصارُ (١). وقال بعضُهم: بل نزَلت في رجالٍ مِن المهاجرين بأعيانِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْحٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: أُنْزِلت في صُهَيْبِ بنِ سِنَانٍ وأبي ذرٍّ الغفاريِّ جُنْدُبِ بن السَّكَنِ، أخَذ أهلُ أبي ذَرٍّ أبا ذَرٍّ، فانْفَلت منهم، فقدِم على النبيِّ ﷺ ، فلمّا رجَع مُهاجِرًا عرَضُوا له، وكانوا بِمَرِّ الظَّهرانِ، فانفلَت أيضًا حتى قَدِمَ على النبيِّ ﷺ ، وأمَّا صُهَيْبٌ فأخَذه أهلُه، فافْتَدى منهم بمالِه، ثم خرَج مهاجرًا فأدركَه قُنفذُ (٢) بنُ عُمَيرِ بنِ جُدْعَانَ، فخرَج له ممّا بقِي من مالِه، وخلَّى سبيلَه (٣).

стр. 2243

حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: كان رجلٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَمَ، فأراد أن يأتيَ النبيَّ ﷺ ويُهَاجرَ إلى المدينةِ، فمنَعوه وحبَسوه، فقال لهم: أُعْطِيكم داري ومالي وما كان لي من شيءٍ فخَلُّوا عنِّي، فأَلْحَقَ بهذا الرجلِ. فأبَوْا، ثم إن بعضَهم قال لهم: خُذوا منه ما كان له مِن شيءٍ، وخَلَّوا عنه. ففعَلوا، فأعطاهم دارَه ومالَه، ثم خرَج فأنْزَل اللَّهُ على النبيِّ ﷺ بالمدينةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية. فلمَّا دنا مِن المدينةِ تلقَّاه عُمرُ في رجالٍ، فقال له عُمرُ: ربِح البيعُ. قال: وبيعُك فلا يَخْسَرُ، وما ذاك؟ قال: أنْزَل اللَّهُ فيك كذا وكذا (١). وقال آخَرون: بل عُنِي بذلك كلُّ شارٍ نفسَه في طاعةِ اللَّهِ وجهادٍ في سبيلِه، أو أمرٍ بمعروفٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدثني حسينُ بنُ الحسنِ أبو عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى خرَقه، فقالوا: أَلْقَى بيدِه. فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدَامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن

стр. 2244

طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن المغيرةِ، قال: بعَث عمرُ جيشًا فحاصَروا أهلَ حصنٍ، فتقدَّم رجلٌ مِن بَجيلةَ فقَاتَلَ، فقُتِل، فأكثَرَ الناسُ فيه؛ يقولون: أَلْقَى بيدِه إلى التهلُكةِ. قال: فبلَغ ذلك عمرَ بنَ الخطابِ، فقال: كذَبوا، أليس اللَّهُ يقولُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١)؟. حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، قال: حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى شقَّه، فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّه العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيِّ، قال: ثنا حزمُ (٢) بنُ أبي حزمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. أَتدرون فيمَ أُنْزِلت؟ أنْزِلت في أن المسلمَ لقِي الكافرَ فقال له: قلْ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، فإذا قلتَها عصَمتَ دمَك ومالَك إلَّا بحقِّهما. فأبَى أن يقولَها، فقال المسلمُ: واللَّهِ، لَأشْرِيَنَّ نفسي للَّهِ. فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل (٣). حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا زيادُ بنُ أبي مسلمٍ، عن أبي الخليلِ، قال: سمِع عمرُ إنسانًا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال: اسْترجَعَ عمرُ فقال: إنا للَّهِ وإنَّا إليه

стр. 2245

راجعون، قام رجلٌ يأمُرُ بالمعروفِ ويَنْهَى عن المنكرِ فقُتِل (١). والذي هو أولى بظاهر هذه الآيةِ مِن التأويلِ ما رُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عباسِ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، مِن أن يكونَ عُنِي بها الآمِرُ بالمعروفِ، والناهي عن المنكرِ، وذلك أن اللَّهَ وصَف صفةَ فريقين؛ أحدُهما منافقٌ يقولُ بلسانِه خلافَ ما في نفسِه، وإذا اقْتَدَر على معصيةِ اللَّهِ ركِبها، وإذا لم يَقْتَدِرْ رامَها، وإذا نُهِي أخَذتْه العزةُ (٢) بما هو به آثمٌ، والآخرُ منهما بائعٌ نفسَه طلبَ رضا اللَّهِ. فكان الظاهرُ مِن التأويلِ أن الفريقَ الموصوفَ بأنه شرَى نفسَه للَّهِ، وطلَب رضاه، إنما شراها للوثوبِ بالفريقِ الفاجرِ طلبَ رضا اللَّهِ، فهذا هو الأغلبُ الأظهرُ مِن تأويلِ الآيةِ. وأمَّا ما رُوِي مِن نزولِ الآيةِ في أمرِ صُهَيْبٍ، فإن ذلك غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، إذ كان غيرَ مدفوعٍ جوازُ نزولِ آيةٍ من عندِ اللَّهِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ بسببٍ مِن الأسبابِ، والمعنيُّ بها كلُّ مَن شمِله ظاهرُها. فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف شاريًا نفسَه ابتغاءَ مرضاتِه، فكلُّ مَن باع نفسَه في طاعتِه حتى قُتل فيها، أو (٣) اسْتَقْتَل وإن لم يُقْتَلْ، فمَعْنيٌّ بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. في جهادِ عدوِّ المسلمين كان ذلك منه، أو في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.
следующие страницы →