← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وذلك ليلةُ جَمْعٍ. قال قتادةُ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما بينَ الجبلَين مَشْعَرٌ. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: المشعَرُ الحرامُ هو ما بينَ جبالِ المزدَلفةِ، ويقالُ: هو قَرْنُ قُزَحَ. حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وهي المُزْدَلفةُ، وهي جَمْعٌ. وذُكِر عن عبدِ الرحمن بنِ الأسودِ ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، قال: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال. ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: المَشْعَرُ الحرامُ ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن المشعَرِ الحرامِ؟ فقال: ما أدري. وسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما بينَ الجبلَين. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي

стр. 2172

إسحاقَ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: الجبيلُ وما حولَه مشاعِرُ (١). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، قال: وقَفتُ مع مجاهدٍ على الجُبَيلِ، فقال: هذا المشعَرُ الحرامُ. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبِي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الجُبَيلُ وما حولَه مشاعِرُ. قال أبو جعفر: وإنما جعَلْنا أوَّلَ حدِّ المشعَرِ مما يلي مِنًى مُنْقطعَ وادي مُحَسِّرٍ مما يلي المُزْدَلفةَ؛ لأن المثنى حدَّثني، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "عَرَفةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا عُرَنَةَ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا مُحَسِّرًا" (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن ابن أبي مُلَيكَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ أنه قال: كلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ إلا واديَ مُحَسِّرٍ (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حَجاجٍ، قال: أخبرَني مَن سمِع عُرْوةَ بنَ الزبيرِ يقولُ مثلَ ذلك. حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ في خطبتِه: تَعَلَّمُنَّ أن عرفةَ كلَّها مَوْقِفٌ إلا بطنَ عُرَنَةَ، تَعَلَّمُنَّ أن المُزْدَلفةَ كلَّها مَوقِفٌ إلا بطنَ مُحَسِّرٍ (٤).

стр. 2173

غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك فإني أختارُ للحَاجِّ أنْ يجعَلَ وقوفَه لذكْرِ اللَّهِ من المشعَرِ الحرامِ على قُزَحَ وما حولَه؛ لأن أبا كريبٍ حدَّثنا، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ المخزوميِّ، عن زيدِ بنِ عليٍّ، [عن أبيه] (١)، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ (٢)، عن عليٍّ، قال: لما أصبَح رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمُزْدَلفةِ، غدا فوقَف على قُزَحَ، وأردَف الفضلَ (٣)، ثم قال: "هذا الموقِفُ، وكلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ" (٤). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ، عن أبي رافعٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه. حدَّثنا هَنَّادٌ وأحمدُ بنُ حَمّادٍ الدُّولابيُّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَرْبوعٍ، عن ابنِ (٥) الحويرثِ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ واقِفًا على قُزَحَ وهو يقولُ: أيُّها الناسُ، أصْبِحوا، أيُّها الناسُ، أصْبِحوا. ثم دفَع (٦).

стр. 2174

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن يوسفَ بنِ مَاهَكَ، قال: حَجَجْتُ مع ابنِ عمرَ، فلما أصبَح بجَمْعٍ صلَّى الصُّبْحَ، ثم غدَا وغدَونا معه حتى وقَف مع الإمامِ على قُزَحَ، ثم دفَع الإمامُ، فدفَع بدَفْعتِه. وأمَّا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (١) حينَ صار بالمُزْدَلفةِ: هذا كلُّه مشاعِرُ إلى مكةَ. فإن معناه أنها معالِمُ من معالِمِ الحَجِّ، يُنْسَكُ في كلِّ بقعةٍ منها بعضُ مناسكِ الحَجِّ، لا أن كلَّ ذلك المشعَرُ الحرامُ الذي يكونُ الواقفُ حيثُ وقَف منه إلى بطنِ مكةَ قاضِيًا ما عليه من الوقوفِ بالمشعَرِ الحرامِ من جَمْعٍ. وأما قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ. فإنه يَحتملُ أن يكونَ أراد: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن حدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخِرِه على حقِّه وصِدْقِه؛ لأن حدودَ ذلك على صحتِها حتى لا يكونَ فيها زيادةٌ ولا نقصانٌ لا يحيطُ بها إلا القليلُ من أهلِ المعرفةِ بها، غيرَ أن ذلك وإن لم يقِفْ على حَدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخرِه وقوفًا لا زيادةَ فيه ولا نقصانَ إلا مَن ذكرتُ، فموضِعُ الحاجةِ للوقوفِ لا خفاءَ به على كبيرِ (٢) أحدٍ من سكانِ تلك الناحيةِ وكثيرٍ مِن غيرِهم، وكذلك سائرُ مشاعرِ الحَجِّ والأماكنِ التي فرَض اللَّهُ على عبادِه أن يَنْسُكوا عندَها كعرفاتٍ ومِنًى والحَرَمِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾. يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون عندَ المشعرِ الحرامِ بالثناءِ عليه، والشكرِ له على أياديه عندَكم، وليكنْ ذكرُكم إياه بالخضوعِ لأمرِه، والطاعةِ

стр. 2175

له، والشكرِ له على ما أنعَم عليكم من التوفيقِ، لِما وفَّقكم له من سننِ إبراهيمَ خليلِه، بعدَ الذي كنتم (١) فيه مِن الشركِ والحَيْرةِ والعمَى عن طريقِ الحقِّ، وبعدَ الضلالةِ، كذكرِه إيَّاكم بالهدَى، حتى اسْتَنْقَذَكم من النارِ به، بعدَ أن كنتم على شفا حُفرةٍ منها، فنَجَّاكم منها، وذلك هو معنى قولِه: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾. وأما قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾. فإن من أهلِ العربيةِ مَن يوجِّهُ تأويلَ "إن" إلى (٢) "ما"، وتأويلَ اللامِ التي في ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ إلى "إلا". فتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: وما كنتم من قبلِ هدايةِ اللَّهِ إيَّاكم لِما هداكم له من ملةِ خليلِه إبراهيمَ التي اصطفاها لمَنْ رضِي عنه من خلْقِه إلا من الضالين. ومنهم مَن يوجِّهُ تأويلَ "إن" إلى "قد"، فمعناه على قولِ قائلي (٣) هذه المقالةِ: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون كما ذكَركم بالهدَى، فهداكم لِما رضِيَه من الأديانِ والمِلَلِ، وقد كنتم من قبلِ ذلك مِن الضالين. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، ومَن المَعْنِيُّ بالأمرِ بالإفاضةِ من حيثُ أفاض الناسُ؟ ومَن الناسُ الذين أُمِروا بالإفاضةِ مِن مَوْضعِ إفاضتِهم؟ فقال بعضُهم: المَعْنِيُّ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: قريشٌ ومَن ولَدَته قريشٌ، الذين كانوا يُسَمَّون في

стр. 2176

الجاهليةِ الحُمْسَ، أُمِروا في الإسلامِ أن يُفيضوا من عرفاتٍ، وهي البقعةُ (١) التي أفاض منها سائرُ الناسِ غيرَ الحُمْسِ، وذلك أن قريشًا ومَن ولَدَته قريشٌ، كانوا يقولون: لا نخرُجُ من الحرَمِ. فكانوا لا يشهَدون مَوقِفَ الناسِ بعَرفةَ معهم، فأمرَهم اللَّهُ بالوقوفِ معهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت قريشٌ ومَن كان على دينِها، وهم الحُمْسُ، يقِفون بالمُزْدَلفةِ، يقولون: نحن قَطِينُ اللَّهِ (٢). وكان مَن سِواهم يقِفُون بعَرفةَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٣). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مروانَ: كتبتَ إليَّ في قولِ النبيِّ ﷺ لرجلٍ من الأنصارِ: "إني أحْمَسُ". وإني لا أدري أقالها النبيُّ أم لا؟ غيرَ أني سمِعتُها تُحدَّثُ عنه. والحُمْسُ ملةُ قريشٍ، وهم مشركون، ومَن

стр. 2177

ولَدَت قريشٌ من (١) خُزاعةَ، وبنو (٢) كِنانةَ، كانوا لا يدفَعون من عَرفةَ، إنما كانوا يدفَعون من المُزْدَلفةِ، وهو المشعَرُ الحرامُ، وكانت بنو عامرٍ حُمْسًا، وذلك أن قريشًا ولَدَتهم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. وأن العربَ كلَّها كانت تُفِيضُ من عَرفةَ إلا (٣) الحُمْسَ، وكانوا يدفَعون إذا أصبَحوا من المُزْدَلفةِ (٤). حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا أبو تَوْبةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سفيانَ، عن حسينِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت العربُ تَقِفُ بعَرفةَ، وكانت قريشٌ تقفُ دون ذلك بالمزدَلفةِ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. فرفَع النبيُّ ﷺ الموقفَ إلى مَوْقِفِ العربِ بعَرفةَ (٥). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال. ثنا حَكَّامٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. [قال: كان جماعةُ الناسِ يُفيضون من عرفاتٍ، ويقولُ أهلُ الحرمِ: إنا حُمْسٌ. فكانوا يُفيضون من جمعٍ، فقال اللَّهُ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾] (٦): من حيثُ يُفِيضُ جماعةُ الناسِ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ،

стр. 2178

عن [عبدِ اللَّهِ بنِ أبي المُجالِدِ] (١)، عن مجاهدٍ، قال: إذا كان يومُ عَرفةَ، هَبَط اللَّهُ إلى السماءِ الدنيا في الملائكةِ، فيقولُ: هلمَّ إليَّ عبادي، آمَنوا بوَعدي، وصدَّقوا رسلي. فيقولُ: ما جزاؤُهم؟ فيقالُ: أن تغفِرَ لهم. فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: عَرفةُ. قال: كانت قريشٌ تقولُ: نحن الحُمْسُ أهلُ الحرمِ، ولا نخلِفُ (٣) الحرمَ (٤) المزدلفةَ. فأُمِروا أن يبلغُوا عَرفةَ (٥). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال قتادةُ: وكانت قريشٌ وكلُّ حَليفٍ لهم وبَني أختٍ لهم لا يُفِيضون من عرفاتٍ، إنما يُفِيضون من المُغَمَّسِ (٦)، ويقولون: إنما نحن أهلُ اللَّهِ فلا نخرُجُ من حَرمِه. فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ من عرفاتٍ، وأخبَرهم أن (٧) سُنَّةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ هكذا الإفاضةُ من عرفاتٍ (٨).

стр. 2179

حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانت العربُ تَقِفُ بعرفاتٍ، فتُعظِمُ قريشٌ أن تَقِفَ معهم، فتَقِفُ قريشٌ بالمزدلفةِ، فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا مع الناسِ من عرفاتٍ. حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانت قريشٌ وكلُّ ابنِ أختٍ وحليفٍ لهم لا يُفِيضون مع الناسِ من عرفاتٍ، يَقِفون في الحرَمِ ولا يخرُجون منه، يقولون: إنما نحن أهلُ حرَمِ اللَّهِ، فلا نخرُجُ من حرَمِه. فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، وكانت سنةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ الإفاضةَ من عرفاتٍ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ، قال: كانت قريشٌ - لا أدري قبلَ الفيلِ أم بعدَه - ابتَدعَت أمْرَ الحُمْسِ رأيًا رأوه بينَهم، قالوا: نحن بنو إبراهيمَ، وأهلُ الحَرَمِ (١)، وولاةُ البيتِ، وقاطِنو مكةَ وساكِنوها، فليس لأحدٍ من العربِ مثلُ حقِّنا، ولا مثلُ مَنْزِلتِنا (٢)، ولا تعرِفُ له العربُ مثلَ ما تَعرِفُ لنا، فلا تُعَظِّموا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرَمَ، فإنكم إن فعلْتُم ذلك استَخفَّت العربُ بحُرمِكم، وقالوا: قد عظَّموا من الحِلِّ مثلَ ما عظَّموا من الحَرَمِ. فتَرَكوا الوقوفَ على عَرفةَ والإفاضةَ منها، وهم يعرِفون ويُقِرُّون أنها من المشاعِرِ والحَجِّ ودينِ إبراهيمَ، ويَرون لسائرِ العرب (٣) أن يَقِفوا عليها وأن يُفِيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهلُ الحرَمِ، فليس ينبغي لنا أن نخرُجَ من الحُرْمةِ،

стр. 2180

ولا نُعظِّمَ غيرَها كما نُعظِّمُها نحن الحُمْسَ - والحُمْسُ أهلُ الحرَمِ - ثم جعَلوا لمَن ولَدوا من العربِ من ساكِني الحِلِّ مثلَ الذي لهم بولادتِهم إياهم، فيَحِلُّ لهم ما يَحِلُّ لهم، ويَحْرُمُ عليهم ما يَحْرُمُ عليهم، وكانت كِنانةُ وخُزاعةُ قد دخلوا معهم في ذلك. ثم ابتَدعوا في ذلك أمورًا لم تكنْ، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْسِ أن يَأْتَقِطُوا (١) الأقِطَ، ولا يَسلَئُوا السَّمْنَ وهم حُرُمٌ، ولا يَدخُلوا بيتًا من شَعَرٍ، ولا يستَظِلُّوا إن استظلُّوا إلا في بيوتِ الأدَمِ ما كانوا حُرُمًا (٢). ثم رفَعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهلِ الحِلِّ أن يأكُلوا من طعامٍ جاءوا به معهم من الحِلِّ في الحَرَمِ، إذا جاءوا حُجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيتِ إذا قدِموا أوَّلَ طوافِهم إلا في ثيابِ الحُمْسِ، فإن لم يَجِدوا منها شيئًا طافوا بالبيتِ عُراةً. فحمَلوا على ذلك العربَ فدانَت به، وأخَذوا بما شرَعوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ ، فأنزَل اللَّهُ حينَ أحكَم له دينَه، وشرَع له حَجَّتَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعني قريشًا، والناسُ العربُ، فرفَعهم في سُنَّةِ الحَجِّ إلى عرفاتٍ والوقوفِ عليها والإفاضةِ منها، فوضَع اللَّهُ أمرَ الحُمْسِ، وما كانت قريشٌ ابتَدعَت منه عن الناسِ بالإسلامِ حينَ بعَث اللَّهُ رسولَه ﷺ (٣). حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ الخَوْلانيُّ (٤)، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنا أبنُ أبي الزنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة [أنها قالت] (٥): كانت قريشٌ تَقِفُ

стр. 2181

بقُزَحَ، وكان الناسُ يَقِفون بعَرفةَ. قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١). وقال آخرون: المخاطبون بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ المسلمون كلُّهم، والمَعْنِيُّ بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِن جَمْعٍ، وبالناسِ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ﵇. ذكرُ منَ قال ذلك حُدِّثتُ عن القاسمِ بنِ سلَّامٍ، قال: ثنا مروانُ (٢) بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن أبي بِسْطامَ، عن الضَّحاكِ، قال: هو إبراهيمُ (٣). قال أبو جعفرٍ: والذي نراه صَوابًا في تأويلِ هذه الآيةِ [التأويلُ الذي رُوِي عن عائشةَ وابنِ عباسٍ] (٤)، أنه عُنِي بهذه الآيةِ قريشٌ ومَن كان مُتَحَمِّسًا معها من سائرِ العربِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: فمَن فرَض فيهن الحَجَّ فلا رَفَثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحَجِّ، ثم أفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، واستغفِروا اللَّهَ إن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، وما تَفعَلوا من خيرٍ يعلَمْه اللَّهُ. وهذا إذ كان ما وصَفْنا تأويلَه، فهو مِن المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، على نحوِ ما تقدَّم بيانُناه في مثلِه، ولولا إجماعُ مَن (٥) وصَفتُ

стр. 2182

إجماعَه على أن ذلك تأويلُه، لقلتُ: أولى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ ما قاله الضَّحاكُ، من أن اللَّهَ عنَى بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: من حيثُ أفاض إبراهيمُ؛ لأن الإفاضةَ من عرفاتٍ لا شَكَّ أنها قبلَ الإفاضةِ من جَمْعٍ، وقبلَ وجوبِ الذِّكْرِ عندَ المشعرِ الحرامِ. وإذ كان ذلك لا شكَّ كذلك، وكان اللَّهُ إنما أمَر بالإفاضةِ من الموضعِ الذي أفاض منه الناسُ بعدَ انقضاءِ ذِكْرِ الإفاضةِ من عرفاتٍ، وبعدَ أمْرِه بذكرِه عندَ المشعرِ الحرامِ [بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾] (١). ثم قال بعدَ ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - كان معلومًا بذلك أنه لم يأمُرْ بالإفاضةِ إلا من الموضعِ الذي لم يُفِيضوا منه دونَ الموضعِ الذي قد أفاضوا منه، إذ (٢) كان الموضعُ الذي قد أفاضوا منه، فانقضَى وقتُ الإفاضةِ منه، لا وجهَ لأنْ يقالَ: أفِضْ منه. فإذ كان لا وجهَ لذلك، وكان غيرُ جائزٍ أن يأمُرَ اللَّهُ - جل وعز - بأمرٍ لا معنى له، كانت بيِّنةً صحةُ ما قاله من التأويلِ في ذلك، وفسادُ ما خالَفه، لولا الإجماعُ الذي وصَفناه، وتظاهرُ الأخبارِ بالذي ذكَرنا عمن حكَينا قولَه من أهلِ التأويلِ. فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، والناسُ جماعةٌ، وإبراهيمُ واحدٌ، واللَّهُ تعالى ذكرُ يقولُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؟ قيل: إن العربَ تفعَلُ ذلك كثيرًا، فَتدُلُّ بذكرِ الجماعةِ على الواحدِ [وبذكرِ الواحدِ على الجماعةِ] (٣)، ومن ذلك قولُ اللَّهِ : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ

стр. 2183

النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والذي قال ذلك واحدٌ، وهو - فيما تظاهَرَت به الروايةُ من أهلِ السِّيَرِ - نُعَيمُ بنُ مسعودٍ الأشجعيُّ. ومنه قولُ اللَّهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. قيل: عُنِي بذلك النبيُّ ﷺ . ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾. يعني جل ثناؤه بذلك: فإذا أفَضْتُم من عَرَفاتٍ مُنصرِفِين إلى مِنًى، فاذْكُروا اللهَ عندَ المشْعَرِ الحرامِ، وادعوه واعبُدوه عندَه، كما ذكَركم بهدايتِه، فوفَّقكم لِما ارتَضَى لخليلِه إبراهيمَ، فهَداه له من شريعةِ دينهِ بعدَ أن كنتم ضُلَّالًا عنه. وفي ﴿ثُمَّ﴾ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من التأويلِ وجهان: أحدُهما: ما قاله الضحاكُ من أن معناه: ثم أفيضوا فانصرِفوا راجِعين إلى مِنًى من حيثُ أفاض إبراهيمُ خليلي من المشعَرِ الحرامِ، وسَلوني المغفرةَ لذنوبِكم؛ فإني لها غفورٌ، وبكم رحيمٌ. كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ العجليُّ، قال: ثنا عبدُ القاهرِ بنُ السِّرِيِّ السُّلَمِيُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ (١) - ويُكْنَى أبا كِنانةَ - عن أبيه، عن العباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "دعَوتُ اللَّهَ يومَ عَرَفةَ أن يَغْفِرَ لأمَّتي ذنوبَها، فأجابَني: إني (٢) قد غَفَرتُ، إلا ذنوبَها بينَها وبينَ خَلْقي. فأعَدتُ الدعاءَ يومَئذٍ، فلم أُجَبْ بشيءٍ، فلما كان غداةَ المُزْدَلفةِ قلتُ: يا ربِّ، إنك قادرٌ أن تُعَوِّضَ هذا المظلومَ مِن ظُلامتِه، وتَغْفِرَ لهذا الظَّالمِ. فأجابني: إني (٢) قد غفرتُ".

стр. 2184

قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ . قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، رأيناك تضحَكُ في يومٍ لم تَكُنْ تضحَكُ فيه. قال: "ضحِكتُ مِن عدوِّ اللَّهِ إبليسَ لمَّا سمِع بما سمِع، أهوى (١) يَدْعُو بالوَيلِ والثُّبورِ، ويَضَعُ الترابَ على رأسِه" (٢). حدَّثني مسلمُ بنُ حاتمٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا بَشَّارُ بنُ بُكَيرٍ الحنفيُّ، قال (٣): ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: خطَبَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ عَشيَّةَ عَرفةَ، فقال: "أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقَبِل مِن مُحْسِنِكم، وأعطَى مُحْسِنَكم ما سأل، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم إلا التَّبِعاتِ فيما بينَكم، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ". فلما كان غداةَ جَمْعٍ قال: "أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ قد تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقبِل من مُحسِنِكم، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ بينَكم عَوَّضها من عندِه، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ". فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، أفَضتَ بنا بالأمسِ كئيبًا حزينًا، وأفَضتَ بنا اليومَ فَرِحًا مسرورًا. قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إني سألتُ ربِّي بالأمسِ شيئًا لم يَجُدْ لي به؛ سألتُه التَّبِعاتِ فأبَى عليَّ، فلمَّا كان اليومُ أتاني جبريلُ، وقال: إن ربَّك [يَقْرأُ عليك] (٤) السلامَ، ويقولُ:

стр. 2185

التَّبِعاتُ ضَمِنتُ عِوَضَها من عندي" (١). فقد بيَّن هذان الخبران أن غفرانَ اللَّهِ التَّبِعاتِ التي بينَ خلقِه فيما بينَهم، إنما هو غداةَ جَمْعٍ، وذلك في الوقتِ الذي قال جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾. لذنوبِكم؛ فإنه غفورٌ لها حينَئذٍ، تَفَضُّلًا منه عليكم، رحيمٌ بكم. والآخرُ منهما: ثم أفِيضوا من عَرفةَ إلى المشعَرِ الحرامِ، فإذا أفَضْتم إليه منها، فاذكُروا اللَّهَ عندَه كما هداكم. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. يعني جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾: فإذا فرَغتم من حَجِّكم، فذبَحتم نَسائِكَكم فاذْكُروا اللهَ. يقالُ منه: نَسَك الرجلُ يَنْسُكُ نُسْكًا ونُسُكًا ونَسِيكةً ومَنْسَكًا. إذا ذبَح نُسُكَه. والمَنْسِكُ اسمٌ مثلُ المشرقِ والمغربِ. فأما النُّسْكُ في الدِّينِ، فإنه يقالُ منه: ما كان الرجلُ نَاسِكًا، ولقد نَسَك ونَسُك نَسْكًا ونِسْكًا ونَساكةً. وذلك إذا تَقَرَّأ (٢).

стр. 2186

وبمثلِ الذي قلنا في معنى المناسكِ في هذا الموضعِ قال مجاهدٌ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثني أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾. قال: إِهْراقَةُ الدِّماءِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. وأما قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في صفةِ ذكْرِ القومِ آباءَهم الذين أَمَرهم اللَّهُ أن يجعَلوا ذكْرَهم إياه كذكرِهم إياهم (٢) أو أشدَّ ذكرًا؛ فقال بعضُهم: كان القومُ في جاهليتِهم بعدَ فراغِهم من حَجِّهم ومناسكِهم يجتَمعون فيتَفاخَرون بمآثرِ آبائِهم، فأمَرهم اللَّهُ في الإسلامِ أن يكونَ ذكْرُهم بالثناءِ والشكرِ والتعظيمِ لربِّهم دونَ غيرِه، وأن يُلْزِموا أنفسَهم من الإكثارِ من ذكرِه نظيرَ ما كانوا ألزَموا أنفسَهم في جاهليتِهم من ذكرِ آبائِهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ في هذه الآيةِ، قال: كانوا يذكُرون آباءَهم في الحَجِّ، فيقولُ بعضُهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ. ويقولُ بعضُهم: كان أبي يَضرِبُ بالسيفِ. ويقولُ بعضهم: كان أبي جَزَّ نواصِيَ بني فلانٍ (٣).

стр. 2187

وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يقولون: كان آباؤُنا ينحَرون الجُزُرَ، ويفعَلون كذا. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يذكُرون فَعَالَ آبائِهم (١). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عَيَّاشٍ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا فرَغوا من الحَجِّ قاموا عندَ البيتِ، فيذكُرون آباءَهم وأيامَهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ، وكان أبي يفعَلُ. فذلك قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟ قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَني حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم وقَفوا عندَ الجَمرةِ، فذكَروا آباءَهم، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم. قال: فنزَلت هذه الآيةُ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: كانوا إذا قَضَوا

стр. 2188

مناسكَهم وقَفوا عندَ الجمرةِ، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم. قال: فنزلت هذه الآيةُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: تفَاخَرَت العربُ بينَها بفعلِ آبائِها يومَ النحرِ حينَ فرَغوا، فأُمرُوا بذكْرِ اللَّهِ مكانَ ذلك (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال قتادةُ: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قَضَوا مناسكَهم بمِنًى قعَدوا حِلَقًا، فذكَروا صنيعَ آبائِهم في الجاهليةِ وفَعالَهم، به يخطُبُ خطيبُهم، ويُحدِّثُ محدِّثُهم، فأمَر اللَّهُ المسلمين أن يذكُروا اللَّهَ كذكرِ أهلِ الجاهليةِ آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم اجتمَعوا فافتَخروا وذكَروا آباءَهم وأيامَها، فأُمِروا أن يجعَلوا مكانَ ذلك ذكْرَ اللَّهِ، يذكُرونه كذكرِهم آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ

стр. 2189

جُبيرٍ وعِكْرمةَ، قالا: كانوا يذكُرون فعلَ آبائِهم في الجاهليةِ إذا وقَفوا بعَرفةَ، فنزلَت هذه الآيةُ (١). حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ذلك يومَ النحرِ حينَ ينحَرون. قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: كانت العربُ يومَ النحرِ حينَ يفرُغون يَتفاخَرونَ بفَعَالِ آبائِها، فأُمِروا بذكرِ اللَّهِ مكانَ ذلك. وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاذكُروا اللَّهَ كذكرِ الأبناءِ والصِّبيانِ الآباءَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عثمانَ بنِ أبي رَوَّادٍ، عن عطاءٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. قال: هو قولُ الصبيِّ: [يا أباه] (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو (٤) زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: يعني بالذِّكْرِ ذكرَ الأبناءِ الآباءَ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال:

стр. 2190

قال لي عطاءٌ: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: أبَهْ أُمَّهْ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا صالحُ بنُ عمرَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كالصبيِّ يَلْهَجُ [بأبيه وأمِّه] (٢). حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. يقولُ: كذكرِ الأبناءِ الآباءَ أو أشدَّ ذِكْرًا (٣). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. يقولُ: كما يذكُرُ الأبناءُ الآباءَ (٤). حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: يعني ذكْرَ الأبناءِ الآباءَ. وقال آخرون: بل قيل لهم: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾. لأنهم كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم فدَعَوا ربَّهم، لم يذكُروا غيرَ آبائِهم، فأُمِروا من ذكرِ اللَّهِ نظيرَ ذكْرِ آبائِهم.

стр. 2191

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كانت العربُ إذا قضَت مناسكَها وأقاموا بمِنًى، يقومُ الرجلُ فيسألُ اللَّهَ ويقولُ: اللهمَّ إن أبي كان عظيمَ الجَفْنةِ، عظيمَ القُبَّةِ، كثيرَ المالِ، فأعطِني مثلَ ما أعطيتَ أبي. ليس يذكُرُ اللَّهَ، إنما يذكُرُ آباءَه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا (١). والصوابُ من القولِ عندي في تأويلِ ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤه أمَر عبادَه المؤمنين بذكرِه بالطاعةِ له و (٢) الخضوعِ لأمرِه والعبادةِ له بعدَ قضاءِ مناسكِهم، وذلك الذكرُ جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي أمَر به جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. الذي أوجَبه على مَن قضَى نُسُكَه بعدَ قضائِه نُسُكَه، فألزَمه حينَئذٍ مِن ذكْرِه ما لم يكنْ له لازمًا قبلَ ذلك، وحَثَّ على المحافظةِ عليه محافظةَ الأبناءِ على ذكرِ الآباءِ في الإكثارِ منه، بالاستكانةِ له، والتَّضَرُّعِ إليه بالرغبةِ منهم إليه في حوائجِهم، تَضَرُّعَ الولدِ لوالدَيه، والصبيِّ لأمِّه وأبيه، أو أشدَّ من ذلك، إذ كان ما كان بهم وبآبائِهم مِن نعمةٍ فمنه، وهو وَلِيُّه. وإنما قلنا: الذِّكْرُ الذي أمَر اللَّهُ جل ثناؤه به الحاجَّ بعدَ قضاءِ مناسكِه بقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي وصَفنا؛ من أجلِ أنه لا ذكرَ للَّهِ أمَر

стр. 2192

العبادَ به بعدَ قَضاءِ مناسكِهم لم يكنْ عليهم من فرضِه قبلَ قضائِهم مناسكَهم، سوى التكبيرِ الذي خصَّ اللَّهُ به أيامَ مِنًى. فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه جل ثناؤه قد أوجَب على خلقِه بعدَ قضائِهم مناسكَهم من ذكرِه ما لم يكنْ واجبًا عليهم قبلَ ذلك، وكان لا شيءَ من ذكرِه خَصَّ به ذلك الوقتَ سوى التكبيرِ الذي ذكَرناه، كانت بَيِّنةً صحةُ ما قلنا في تأويلِ ذلك على ما وصَفنا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾. يعني جل ثناؤه بذلك: فإذا قَضَيتُم مناسِكَكم أيها المؤمنون، فاذْكُروا اللهَ كذِكْرِكم آباءَكم أو أشدَّ ذكرًا، وارغَبوا إليه فيما لديه من خيراتِ الدنيا والآخرةِ بابتهالٍ وَتَمَسْكُنٍ، واجعَلوا أعمالَكم لوجهِه خالصًا ولطلبِ مرضاتِه، وقولوا: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ. ولا تكونوا كمَن اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، فكانت أعمالُهم للدنيا وزينتِها، فلا يسألون ربَّهم إلا متاعًا (١)، ولا حظَّ لهم في ثوابِ اللَّهِ، ولا نصيبَ لهم في جِنانِه وكريمِ ما أعدَّ لأوليائِه. كما قال في ذلك أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾:

стр. 2193

هَبْ لنا غَنَمًا، هَبْ لنا إبلًا، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: كانوا في الجاهليةِ يقولون: هَبْ لنا غَنَمًا (٢). ثم ذكَر مثلَه. حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ يقولُ (٣) في قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: كانوا - يعني أهلَ الجاهليةِ - يقِفُون - يعني بعدَ قضاءِ مناسكِهم - فيقولون: اللهمَّ ارزقْنا إبلًا، اللهمَّ ارزقْنا غَنمًا. فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟ قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ (٤). حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: كانوا يطوفون بالبيتِ عُراةً فيَدْعُون فيقولون: اللهمَّ اسقِنا المطرَ، وأعطِنا على عدوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالحِين إلى صالحِين (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي

стр. 2194

الدُّنْيَا﴾: نصرًا ورزقًا، ولا يَسألون لآخرتِهم شيئًا (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: فهذا عبدٌ نوَى الدنيا؛ لها عمِل ولها نَصِب (٢). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: كانت العربُ إذا قَضَت مناسكَها وأقامت بمِنًى، لا يذكُرُ اللَّهَ الرجلُ منهم، إنما يذكُرُ أباه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال: كانوا أصنافًا ثلاثةً في تلك المواطنِ يومَئذٍ؛ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وأهلُ الكفرِ، وأهلُ النفاقِ، فمِن الناسِ مَن يقولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يريدون الآخرةَ ولا يؤمنون بها، ومنهم مَن يقولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية. قال: والصنفُ الثالثُ وهو: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (٤).

стр. 2195

وأما معنى "الخَلَاقِ" فقد بيَّناه في غيرِ هذا الموضعِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في تأويلِه، والصحيحَ لَدينا من معناه بالشواهدِ من الأدلةِ، وأنه النصيبُ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الحسنةِ" التي ذكَر اللَّهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: يعني بذلك: ومِن الناسِ مَن يقولُ: ربَّنا أَعْطِنا عافيةً في الدنيا، وعافيةً في الآخرةِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. قال: في الدنيا عافيةً، وفي الآخرةِ عافيةً. قال قتادةُ: وقال رجلٌ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقِبِي به في الآخرةِ فعجِّلْه لي في الدنيا. فمَرِض مرضًا شديدًا (٢)، حتى أَضْنَى على فراشِه، فذُكِر للنبيِّ ﷺ شأنُه، فأتاه النبيُّ ﷺ ، فقيل له: إنه دعا بكذا وكذا. فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّه لا طاقةَ لأحدٍ بعُقُوبةِ اللَّهِ، ولكن قُلْ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ". قال (٢): فقالها، فما لَبِث إلا أيامًا أو يسيرًا حتى بَرَأ (٣).

стр. 2196

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الحكمِ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى حُميدٌ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: عاد رسولُ اللَّهِ ﷺ رجلًا قد صار مثلَ الفَرْخِ المَنْتوفِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "هل كنتَ تَدعُو اللَّهَ بشيءٍ، أو تَسألُ اللَّهَ شيئًا؟ ". قال: قلتُ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقِبي به في الآخرةِ فعاقِبْني به في الدنيا. قال: "سبحانَ اللَّهِ! هل يَستطيعُ ذلك أحدٌ أو يُطيقُه، فهَلَّا قُلْتَ: اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ؟ " (١). وقال آخرون: بل عَنَى اللَّهُ بالحسنةِ في هذا الموضعِ؛ في الدنيا العلمَ والعبادةَ، وفي الآخرةِ الجنةَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عَبّادٌ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. قال: الحسنةُ في الدنيا العلمُ والعبادةُ، وفي الآخرةِ الجنةُ (٢).

стр. 2197

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال: العبادةُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرةِ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ واقدٍ العطّارُ، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوَّامِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾. قال: الحسنةُ في الدنيا الفهمُ في كتابِ اللَّهِ والعلمُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ في (١) هذه الآيةِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. قال: الحسنةُ في الدنيا العلمُ والرزقُ الطيّبُ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: الجنةُ (٢). وقال آخرون: الحسنةُ في الدنيا المالُ، وفي الآخرةِ الجنةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال: فهؤلاء النبيُّ ﷺ والمؤمنون (٣). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾:

стр. 2198

هؤلاء المؤمنون، أما حسنةُ الدنيا فالمالُ، وأما حسنةُ الآخرةِ فالجنةُ (١). والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤُه أخبَر عن قومٍ من أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه، ممن حجَّ بيتَه، أنهم (٢) يَسألُون ربَّهم الحسنةَ في الدنيا، والحسنةَ في الآخرةِ، وأن يَقِيَهم عذابَ النارِ. وقد تَجْمَعُ الحسنةُ من اللَّهِ العافيةَ في الجسمِ والمعاشِ والرزقِ، وغيرِ ذلك، والعلمَ والعبادةَ. وأما في الآخرةِ فلا شكَّ أنها الجنةُ؛ لأن مَن لم يَنَلْها يومَئذٍ، فقد حُرِم جميعَ الحسناتِ، وفارَقَ جميعَ معانِي العافيةِ. وإنما قلْنا: إن ذلك أَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللَّهَ لم يَخْصُصْ بقولِه مُخْبِرًا عن قائلِ ذلك من معاني الحسنةِ شيئًا، ولا نَصَب على خصُوصِه دَلالةً دالَّةً على أن المرادَ من ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فالواجبُ من القولِ فيه ما قلنا، من أنه لا يجوزُ أن يُخَصَّ من معاني ذلك شيءٌ، وأن يُحْكَمَ له (٣) بعمومِه على ما عمَّه اللَّهُ. وأما قولُه: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فإنه يَعني بذلك: اصْرِفْ عنّا عذابَ النارِ. يقالُ منه: وَقَيْتُه كذا أَقِيه وِقايةً ووَقايةً (٤)، ووِقاءً ممدودًا. ورُبَّما قالوا: وقَاك اللَّهُ وَقْيًا. إذا دافعتَ عنه أذًى أو مكروهًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.

стр. 2199

يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾. الذين يقولون بعدَ قضاءِ مَناسِكِهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. رغبةً منهم إلى اللَّهِ جل ثناؤُه فيما عندَه، وعِلمًا منهم بأن الخيرَ كلَّه من عندِه، وأن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيه مَن يشاءُ. فأَعْلَمَ جل ثناؤُه أن لهم نصيبًا وحظًّا من حَجِّهم ومناسِكِهم، وثوابًا جزيلًا على عملِهم الذي كسَبوه وباشَرُوا معاناتِه بأموالِهم (١) وأنفسِهم، خاصًّا ذلك لهم دونَ الفريقِ الآخرِ الذين عانَوْا ما عانَوْا من نَصَبِ أعمالِهم وتَعَبِها، وتكَلَّفوا ما تَكَلَّفوا من أسفارِهم بغيرِ (٢) رغبةٍ منهم فيما عندَ ربِّهم من الأجرِ والثوابِ، ولكن رجاءَ خَسِيسٍ من عَرَضِ الدنيا، وابتغاءَ عاجلِ حُطامِها. كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: فهذا عبدٌ نَوَى الدنيا، لها عَمِلَ ولها نَصِب. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾. أي: حظٌّ من أعمالِهم (٣). حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يُريدُون الآخرةَ ولا يُؤمِنون بها. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. قال:

стр. 2200

فهؤلاء النبيُّ ﷺ والمؤمِنون. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لهؤلاء الأجرُ بما عَمِلوا في الدنيا. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. فإنه يَعني جل ثناؤُه أنه مُحيطٌ بعملِ الفريقَيْن كلَيْهما اللذَيْن مِن مسألةِ أحدِهما: ربَّنا آتِنا في الدنيا. ومن مسألةِ الآخَرِ: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ. فمُحْصٍ له بأسرعِ الحسابِ، ثم إنه مُجازٍ كلا الفريقَيْن على عملِه. وإنما وصَف جل ثناؤُه نفسَه بسرعةِ الحسابِ؛ لأنه جل ذكرُه يُحْصِي ما يُحْصِي من أعمالِ عبادِه بغيرِ عقدِ أصابعَ ولا فكرٍ ولا رَوِيّةٍ، فِعْلَ العَجَزةِ الضَّعَفةِ من الخلقِ، ولكنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كلِّ ذلك، فلذلك امْتَدَح بسرعةِ الحسابِ، وأخْبَرَ خَلْقَه أنه ليس لهم بمثلٍ فيَحتاجَ في حسابِه إلى عقدِ كفٍّ أو وَعْيِ صَدْرٍ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. يعني جل ثناؤُه: اذكُرُوا اللَّهَ بالتوحيدِ والتعظيمِ في أيامٍ مَحْصِيّاتٍ، وهُنَّ أيامُ رَمْيِ الجِمارِ، أمَر عبادَه يومئذٍ بالتكبيرِ أدبارَ الصلَواتِ، وعندَ الرَّمْيِ مع كلِّ حصاةٍ من حَصَى الجِمارِ يُرْمى بها جَمْرةٌ من الجِمارِ. وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: أيامُ

стр. 2201

التشريقِ (١). حدَّثني محمدُ بنُ نافعٍ البصريُّ، قال: أخبرنا غُنْدَرٌ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن هُشَيمٍ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني بالأيامِ المعدوداتِ أيامَ التشريقِ، وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ النَّحْرِ. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني أيامَ التَّشْريقِ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مَخْلَدٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ سمِعه يومَ الصَّدَرِ بعدَما صدَر يُكَبِّرُ في المسجدِ، ويَتَأَوَّلُ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤). حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن

стр. 2202

عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني أيامَ التَّشْريقِ. حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ السُّكَّريُّ، قال: أخْبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: هي أيامُ التَّشْريقِ (١). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن طَلْحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، مثلَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: أيامُ التشريقِ بمنًى. حدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ، قالا: هي أيامُ التشريقِ. حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مَنْصورٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن

стр. 2203

إبراهيمَ، قال: الأيامُ المعْدوداتُ أيامُ التَّشْريقِ (١). حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: الأيامُ المعدوداتُ الأيامُ بعدَ النَّحْرِ (٢). حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ عن الأيامِ المعدوداتِ، فقال: أيامُ التَّشْريقِ. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنها أيامُ التَّشْريقِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: هي أيامُ التشريقِ (٣). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما الأيامُ المعدوداتُ فهي أيامُ التشريقِ (٤). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٥). حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، قال: الأيامُ المعدوداتُ

стр. 2204

ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ (١). حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. قال: أيامُ التشريقِ الثلاثةُ (٢). حدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن الأيامِ المعدوداتِ والأيامِ المعلوماتِ، فقال: الأيامُ المعدوداتُ أيامُ التَّشْريقِ، والأيامُ المعلوماتُ يومُ عرَفةَ، ويومُ النحرِ، وأيامُ التَّشْريقِ (٣). قال أبو جعفرٍ: وإنما قلْنا: إن الأيامَ المعدوداتِ هي أيامُ مِنًى، وأيامُ رَمْيِ الجِمارِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه كان يقولُ فيها: إنها أيامُ ذِكْرِ اللَّهِ. ذكرُ بعضِ الأخبارِ التي رُوِيَتْ بذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وخَلّادُ بن أَسلمَ، قالا (٤): ثنا هُشَيمٌ، عن عمرَ بنِ أبي سلَمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أيامُ التَّشْريقِ أيامُ طُعْمٍ وذِكْرٍ" (٥).

стр. 2205

حدَّثنا خَلَّادٌ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا صالحٌ، قال: ثنى ابنُ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ يطوفُ في مِنًى: "لا تَصُومُوا هذه الأيامَ؛ فإنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ" (١). حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، قالا (٢) جميعًا: ثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن نُبَيْشةَ (٣)، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ هذه الأيامَ أيّامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ" (٤). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيم، عن ابنِ أبي ليلَى، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن صومِ أيّامِ التشريقِ، وقال: "هي أيّامُ أكلٍ وشُربٍ وذكرِ اللَّهِ" (٥).

стр. 2206

حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث بشرَ بنَ سُحَيْمٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنَّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وَشُربٍ وذكرِ اللَّهِ" (١). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: بعث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ بنِ قيسٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ، إلّا مَن كان عليه صَوْمٌ مِنْ هَدْيٍ" (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن حَكيمِ بنِ حَكيمٍ، عن مسعودِ بنِ الحكمِ الزُّرَقِيِّ، عن أمِّه، قالت: لَكأنِّي أَنظُرُ إلى عليٍّ، على بغلةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ البيضاءِ حينَ وقَف على شِعْبِ الأنصارِ وهو يقولُ: "أيُّها الناسُ، إنَّها ليستْ بأيامِ صيامٍ، إنَّما هي أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ" (٣). فإن قال قائلٌ: إن النبيَّ ﷺ إذ قال في أيامِ مِنًى: "إنها أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ". لم يُخْبِرْ أُمّتَه أنها الأيامُ المعدوداتُ التي ذكَرها اللَّهُ في كتابِه، فما تُنْكِرُ أن

стр. 2207

يكونَ النبيُّ ﷺ عَنَى بقولِه: "وذكرِ اللَّهِ" (١). الأيامَ المعلوماتِ؟ قيل: غيرُ جائزٍ أن يكونَ عَنَى اللَّهُ ذلك؛ لأن اللَّهَ لم يكنْ يُوجبُ في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه فيها ما أَوْجب في الأيامِ المعدوداتِ، وإنما وصَف المعلوماتِ جل ذكرُه بأنها أيامٌ يُذْكَرُ فيها اسمُ اللَّهِ على بهائمِ الأنعامِ، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فلم يُوجب في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه كالذي أَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ مِن ذِكْرِه، بل أَخبَر أنها أيامُ ذكرِه على بهائمِ الأنعامِ، فكان معلومًا - إذ قال ﷺ لأيامِ التشريقِ: "إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ". فَأَخرَج قولَه: "وذكرِ اللَّهِ". مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ ولا إضافةٍ إلى أنه الذكرُ على بهائمِ الأنعامِ - أنه عَنَى بذلك الذكرَ الذي ذكَره اللَّهُ في كتابِه، فأَوْجَبه على عبادِه مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ، ولا إضافةٍ إلى معنًى في الأيامِ المعدوداتِ، وأنه لو كان أرادَ بذلك ﷺ وَصْفَ الأيامِ المعلوماتِ به، لوَصَل قولَه: "وذكرٍ". إلى أنه ذِكْرُ اسمِ (٢) اللَّهِ على ما رزَقنا من بهائمِ الأنعامِ، كالذي وصَفَ اللَّهُ به ذلك، ولكنه أَطلَقَ ذلك باسمِ الذكْرِ من غيرِ وَصْلِه بشيءٍ، كالذي أَطْلَقه ﵎ باسمِ الذكرِ، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾. فكان ذلك من أوضحِ الدليلِ على أنه عَنَى بذلك ما ذكَره اللَّهُ في كتابِه وأَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.

стр. 2208

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فمن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيام التَّشْريقِ، فَنَفَر في اليومِ الثاني، فلا إِثْمَ عليه في نَفْرِه وتَعَجُّلِه في النَّفْرِ، ومن تأخَّر عن النَّفْرِ في اليومِ الثاني مِن أيامِ التَّشْريقِ إلى اليومِ الثالثِ حتى يَنْفِرَ في اليومِ الثالثِ، فلا إثْمَ عليه في تأخُّرِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ (١)، عن عطاءٍ، قال: لا إثمَ عليه في تعجيلِه، ولا إثمَ عليه في تأخيرِه (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه (٣). حدثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن عكرمةَ مثلَه (٤). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: يوم النَّفْرِ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا حرَجَ عليه ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٥). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن

стр. 2209

السدِّيِّ: أمّا ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ﴾. يقولُ: مَن نَفَر في يومَيْن فلا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر فنَفَر في الثالثِ فلا جُناحَ عليه (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. أي: من أيامِ التشريقِ فلا إثمَ عليه، ومَن أَدركَه الليلُ بمِنًى من اليومِ الثاني من قبلِ أن يَنْفِرَ، فلا نَفْرَ له حتى تزولَ الشمسُ من الغدِ، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: مَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: رخَّص اللَّهُ في أن يَنْفِرُوا في يومَيْن منها إن شاءوا، ومَن تأخَّر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: في تَعْجِيلِه (٣). حدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا إثمَ (٤) على مَن تَعَجَّل، ولا إثمَ على مَن تأخَّر. حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: هذا في التعجيلِ.

стр. 2210

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ وإسرائيلُ، عن زيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: حلَّ النَّفْرُ في يومَيْن لمن اتَّقَى (١). حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلَى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تعجيلِه (٢)، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخيرِه (٣). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أَلِلْمَكِّيِّ أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأولِ؟ قال: نعم، قال اللَّهُ : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾. فهي للناسِ أجمعين (٤). حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: ليس عليه إثمٌ. حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: بعدَ يومِ النَّحْرِ، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: مَن نفَر مِن مِنًى في يومَيْن بعدَ النَّحْرِ فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر
следующие страницы →