← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المبُارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه مثلَه، إلا أنه قال: وإن حلَفتَ فكفِّرْ عن يمينِك، وافعلِ الذى هو خيرٌ. حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: هو أن يَحْلِفَ الرجلُ ألَّا يُكَلِّمَ قرابتَه ولا يَتصَدَّقَ، أو يكونَ بينه وبين إنسانٍ مُغَاضبةٌ، فيَحْلِفَ لا يُصْلِحُ بينَهما، ويقولَ: قد حلَفتُ. قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه، ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ (١). حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. يقولُ: لا تعتلُّوا باللهِ، أن يقولَ أحدُكم: إنه تَأَلَّى أن لا يَصِلَ رَحِمًا، ولا يسعى في صَلاحٍ، ولا يتصدَّقَ من مالِه. مهلًا مهلًا! بارَك اللهُ فيكم، فإن هذا القرآنَ إنما جاء بتركِ أمرِ الشيطانِ، فلا تُطيعوه، ولا تُنْفِذوا له أمرًا في شيءٍ من نُذُورِكم ولا أيْمانِكم (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ لا يُصْلِحُ بينَ الناسِ ولا يَبَرُّ، فإذا قيل له، قال: قد حلَفتُ (٣). حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال:

стр. 2417

سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ قال: الإنسانُ يَحْلِفُ ألا يَصْنَعَ (١) الخيرَ، الأمرَ الحسنَ، يقولُ: حلَفتُ. قال اللهُ: افعلِ الذى هو خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينِك، ولا تَجْعَلِ اللهَ عُرْضَةً (٢). حُدِّثتُ عن الحسينِ (٣)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية: هو الرجلُ يُحَرِّمُ ما أحلَّ اللهُ له على نفسِه، فيقولُ: قد حلَفتُ، فلا يَصْلُحُ إلا أن أَبَرَّ يميني. فأمَرهم اللهُ أن يُكَفِّروا أيْمانَهم، ويأتوا الحلالَ (٤). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أما ﴿عُرْضَةً﴾؛ فيَعْرِضُ بينَك وبينَ الرجلِ الأمرُ فتَحْلِفُ باللهِ لا تُكَلِّمُه ولا تَصِلُه، وأما ﴿تَبَرُّوا﴾؛ فالرجلُ يَحْلِفُ لا يَبَرُّ ذا رَحِمِه، فيقولُ: قد حلَفْتُ. فأمَر اللهُ ألا يُعَرِّضَ بيمينِه بينَه وبينَ ذي رَحِمِه، ولْيَبَرَّه ولا يُبالي بيمينِه، وأما ﴿وَتُصْلِحُوا﴾؛ فالرجلُ يُصْلِحُ بينَ الاثنيْن فيَعْصِيانِه، فيَحْلِفُ ألا يُصْلِحَ بينَهما، فيَنْبَغِي له أن يُصْلِحَ ولا يُباليَ بيمينِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الكفَّاراتُ (٥).

стр. 2418

حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن هُشيمٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: يَحْلِفُ ألا يَتَّقِيَ اللهَ، ولا يَصِلَ رَحِمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين، فلا يَمْنَعُه يمينُه (١). وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَعْتَرِضوا بالحلفِ باللهِ في كلامِكم فيما بينَكم، فتَجْعَلوا ذلك حُجَّةً لأنفسِكم في تركِ فعلِ الخيرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. يقولُ: لا تَجْعَلْني عُرْضَةً ليَمينِك ألا تَصْنَعَ الخيرَ، ولكن كفِّرْ عن يَمينِك واصْنَعِ الخيرَ (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: كان الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ مِن البرِّ والتَّقْوَى ولا يَفْعَلُه، فنهَى اللهُ عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ

стр. 2419

يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ قَرابتَه، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين. يقولُ: فلْيَفْعَلْ ولْيُكفِّرْ عن يمينِه. حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قال: لا تَحْلِفْ ألا تَتَّقىَ اللهَ، ولا تَحْلِفْ ألا تَبَرَّ ولا تَعْمَلَ خيرًا، ولا تَحْلِفْ ألا تَصِلَ، ولا تَحْلِفْ ألا تُصْلِحَ بينَ الناسِ، ولا تَحْلِفْ أن تَقْتُل وتَقْطَعَ. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخْبَرَنا هُشيمٌ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، ومُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ الآية. قالا: هو الرجلُ يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ ولا يَتَّقيَ ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، [وأُمِر أن يَتَّقيَ اللهَ، ويُصْلِحَ بينَ الناسِ] (١)، ويُكَفِّرَ عن يمينِه (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ] (١)، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: فأُمِروا بالصِّلةِ والمعروفِ والإصْلاحِ بينِ الناسِ، فإن حلَف حالفٌ ألا يَفْعَلَ ذلك فلْيَفْعَلْه ولْيَدَعْ يمينَه (٣). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: ذلك في الرجلِ

стр. 2420

يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، فأمَرَه اللهُ أن يَدَعَ يمينَه، ويَصِلَ رحمَه، ويَأْمُرَ بالمعروفِ، ويُصْلِحَ بينَ الناسِ (١). حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبى الأسودِ، عن عروةَ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. قالت: لا تَحْلِفوا (٢) باللهِ وإن برَرْتُم (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حُدِّثْتُ أن قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الَاية: نزَلَت في أبي بكرٍ في شأنِ مِسْطَحٍ (٤). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. قال: يَحْلِفُ الرجلُ ألا يَأْمُرَ بالمعروفِ، ولا يَنْهَى عن المنكرِ، ولا يَصِلَ رحِمَه. حدَّثني المثنَّى، ثنا سُويدٌ، أخْبَرنا ابنُ المبُارَكِ، عن هُشيمٍ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: يَحْلِفُ ألا يَتَّقِىَ اللهَ، ولا يَصِلَ رحِمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين، فلا يَنْفَعُه يمينُه (٥).

стр. 2421

حدَّثنى ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلَمةَ، عن سعيدٍ، عن مَكْحولٍ أنه قال فى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو أن يَحْلِفَ الرجلُ ألا يَصْنَعَ خيرًا، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، نهاهم اللهُ عن ذلك (١). وأولى التأويلَيْن بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: لا تَجْعَلوا الحلفَ باللهِ حُجَّةً لكم فى تركِ فعلِ الخيرِ فيما بينَكم وبينَ اللهِ وبينَ الناسِ. وذلك أن العُرْضةَ فى كلامِ العربِ القوةُ والشدةُ، يقالُ منه: هذا الأمرُ عُرْضةٌ له (٢). يعنى بذلك: قوةٌ لك على أسبابِك. ويقالُ: فلانةُ عُرْضةٌ للنِّكاحِ. أى: قوةٌ. ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ فى صفةِ نُوقٍ (٣): مِن كلِّ نَضَّاخةِ (٤) الذِّفْرَى (٥) إذا عَرِقَتْ … عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ يعنى بـ "عرضتُها": قوَّتُها وشدَّتُها. فمعنى قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ قوةً لأيمانِكم] (٦) فى ألا تَبَرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، ولكن إذا حلَف أحدُكم فرأَى الذى هو خيرٌ مما حلَف عليه؛ مِن تَرْكِ البرِّ والإصْلاحِ بينَ

стр. 2422

الناس، فلْيَحْنَثْ فى يمينِه، ولْيَبَرَّ، ولْيَتَّقِ اللهَ، ولْيُصْلِحْ بينَ الناسِ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه. وترَك ذكر "لا" مِن الكلامِ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليها، واكْتِفاءً بما ذكَر عما ترَك، كما قال امرؤُ القيسِ (١): فقلتُ يمينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأْسى لَدَيْكِ وأوْصالى بمعنى: فقلتُ: يمينَ اللهِ لا أَبْرَحُ. فحذَف "لا" اكْتِفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليها. وأما قولُه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾. فإنه اخْتُلِف فى تأويلِ البِرِّ الذى عناه اللهُ تعالى ذكرُه، فقال بعضُهم: هو فعلُ الخيرِ كلِّه. وقال آخَرون: هو البِرُّ بذى رحمِه. وقد ذكَرْتُ قائلى ذلك فيما مضَى. وأولى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى به فعلَ الخيرِ كلِّه. وذلك أن أفعالَ الخيرِ كلَّها مِن البرِّ، ولم يَخْصُصِ اللهُ فى قولِه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ معنًى دونَ معنًى مِن معانى البِرِّ، فهو على عمومِه، والبِرُّ بذَوِى القَرابةِ أحدُ معانى البِرِّ. وأما قولُه: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فإن معناه: أن تَتَّقوا ربَّكم، فتَحْذَروه وتَحْذَروا عِقابَه فى فرائضِه وحُدودِه أن تُضَيِّعوها أو تَتَعَدَّوْها. وقد ذكَرْنا تأويلَ مَن تأوَّل ذلك أنه بمعنى التَّقْوَى قبلُ. وقال آخَرون فى تأويلِه بما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. قال: كان الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ مِن البِرِّ والتَّقْوَى لا يَفْعَلُه، فنهَى اللهُ عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية. قال: ويقالُ: لا يَتَّقِ بعضُكم بعضًا بى، تَحْلِفون

стр. 2423

بى وأنتم كاذِبون لِيُصَدِّقَكم الناسُ، وتُصْلِحون بينَهم، فذلك قولُه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية (١). وأما قولُه: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فهو الإصلاحُ بينَهم بالمعروفِ فيما لا مَأْثَمَ فيه، وفيما يُحِبُّه اللهُ دونَ ما يَكْرَهُه. وأما الذى ذكَرْنا عن السُّدىِّ مِن أنَّ هده الآيةَ نزَلَت قبلَ نزولِ كفَّاراتِ الأيْمانِ، فقولٌ لا دَلالةَ عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ، والخبرُ عما كان لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ صادقٍ، وإلا كان دعْوَى لا يَتَعَذَّرُ مثلُها وخلافُها على أحدٍ، وغيرُ مُحالٍ أن تكونَ هذه الآيةُ نزَلَت بعدَ بيانِ كفاراتِ الأيْمانِ فى سورةِ "المائدةِ"، واكْتُفِى بذكرِها هناك عن إعادتِها ههنا، إذ كان المُخاطَبون بهذه الآيةِ قد علِموا الواجبَ مِن الكفاراتِ فى الأيْمانِ التى يَحْنَثُ فيها الحالفُ. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ سميعٌ لما يَقولُه الحالفُ منكم باللهِ إذا حلَف، فقال: واللهِ لا أَبَرُّ، ولا أَتَّقِى، ولا أُصْلِحُ بيَن الناسِ. ولغيرِ ذلك مِن قِيلِكم وأيْمانِكم، عليمٌ بما تَقْصِدون وتَبتَغون بحَلِفِكم ذلك، الخيرَ تُريدون أم غيرَه؛ لأنى عَلَّامُ الغُيوبِ وما تُضْمِرُه الصُّدورُ، لا تَخْفَى علىَّ خافيةٌ (٢)، ولا يَنْكَتِمُ عنى أمرٌ عَلَن فظهَر، أو خَفِى فبطَن. وهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه تَهَدُّدٌ ووَعيدٌ. يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقُونِ أيُّها الناسُ أن تُظْهِروا بألسنتِكم مِن القولِ، أو بأبدانِكم مِن الفعلِ، ما نهَيْتُكم عنه، أو تُضْمِروا

стр. 2424

فى أنفسِكم، وتَعْزِموا بقلويكم مِن الإراداتِ والنياتِ فعْلَ ما زجَرْتُكم عنه، فتَسْتَحِقُّوا بذلك منى العُقوبةَ التى قد عرَّفْتُكموها، فإنى مُطَّلعٌ على جَميعِ ما تُعْلِنونه أو تُسِرُّونه. القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. وفى معنى "اللَّغْوِ"؛ فقال بعضُهم فى معناه: لا يُؤَاخِذُكمُ اللهُ بما سبَقَتْكم به ألسنتُكم مِن الأيمانِ على عَجَلةٍ وسُرْعةٍ، فيُوجِبَ عليكم به كَفَّارةً إذا لم تَقْصِدوا الحَلِفَ واليَمينَ. وذلك كقولِ القائلِ: فعَلْتُ هذا واللهِ. أو: أفْعَلُه واللهِ. أو: لا أفْعَلُه واللهِ. على سُبوقِ المتكلمِ بذلك لسانُه بما وصَل به كلامَه مِن اليمين. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قال: هى: بلى واللهِ، ولا واللهِ (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزُّهرىِّ، عن القاسمِ، عن عائشةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٢).

стр. 2425

[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (١)، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ نحوَه] (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن [ابنِ إسحاقَ] (٣)، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: سألْتُ عائشةَ عن لَغْوِ اليمين، قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ما يَتَراجَعُ به الناسُ (٤). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ وعَبْدةُ وأبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٥). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ بها كلامَه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ على عائشةَ، فقال لها: يا أمَّ المؤمنين، قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؟ قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ليس مما عقَّدْتُم الأيمانَ (٦).

стр. 2426

حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى ليلى، عن عطاءٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ، فسألها عُبَيدٌ عن قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. فقالت عائشةُ: هو قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. ما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه. حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: انْطَلَقْتُ (١) مع عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ إلى عائشةَ، وهى مُجاورةٌ فى ثَبِيرٍ (٢)، فسألها عُبَيدٌ عن لَغْوِ اليَمينِ، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ موسى الحَرَشىُّ (٤)، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ الكِرْمانىُّ، قال: ثنا إبراهيمُ الصائغُ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: قالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "هو قولُ الرجلِ فى بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ" (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: هم القومُ يتدارءون فى الأمرِ، فيقولُ هذا: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وكلا

стр. 2427

واللهِ. يتدارءون فى الأمرِ لا تُعْقَدُ عليه قلوبُهم (١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعبىِّ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: قولُ الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ به كلامَه، ليس فيه كَفَّارةٌ (٢). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا المُغيرةُ، عن الشعبىِّ، قال: هو الرجلُ يقولُ: لا واللهِ. وبلى واللهِ. يَصِلُ حديثَه. حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، قال: سأَلْتُ عامرًا عن قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ. حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، جَميعًا عن ابن عَوْنٍ، عن الشعبىِّ مثلَه. حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، قال: قال أبو قِلابةَ فى: لا واللهِ، وبلى واللهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً (٣). وقال يعقوبُ فى حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لَغْوًا. وقال ابنُ وَكيعٍ فى حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً. ولم يَشُكَّ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ، قال: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٤).

стр. 2428

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكٍ، عن عَطاءٍ، قال: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ. [حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عطاءٍ مثلَه] (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو قولُ الناسِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٢). حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ وعكرمةَ، قالا: لا واللهِ، وبلى واللهِ. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن عَطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ على عائشةَ، فسألها، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٣). حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن ابنِ أبى ليلى وأشْعَثَ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبِى وجَريرٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ. حدّثنا ابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالا: ثنا يَعْلَى، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قالت: هو قولُك: لا واللهِ، وبلى واللهِ، ليس لها عَقْدُ الأيمانِ.

стр. 2429

حدَّثنا هَنَّادٌ، قال. ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: اللَّغْوُ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. يَصِلُ به كلامَه ما لم يكُ (١) شيئًا يَعْقِدُ عليه قلبَه. حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى عمرٌو، أن سعيدَ بنَ أبى هِلالٍ حدَّثه، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ يقولُ: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ: لَغْوُ اليَمينِ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ. فيما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه. حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عمرٌو: وحدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى حُسينٍ النَّوفلىُّ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ بذلك. حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: الرجلان يَتَبايَعان، فيقولُ أحدُهما: واللهِ لا أبيعُك بكذا وكذا. ويقولُ الآخرُ؛ واللهِ لا أشْتَرِيه بكذا وكذا. فهذا اللغوُ لا يُؤَاخَذُ به (٢). وقال آخَرون: بل اللغوُ فى اليمينِ: اليمينُ التى يَحْلِفُ بها الحالفُ، وهو يَرَى أنه كما يَحْلِفُ عليه، ثم تَبَيَّن غيرُ ذلك، وأنه بخلافِ الذى حلَف عليه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنى ابنُ نافعٍ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن أبى هريرةَ أنه كان يقولُ: لغوُ اليمينِ حَلِفُ الإنسانِ على الشئِ يَظُنُّ أنه الذى حلَف عليه، فإذا هو غيرُ ذلك (٣).

стр. 2430

حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: واللغوُ أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشئِ يَراه حقًّا وليس بحقٍّ (١). حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: هذا فى الرجلِ يَحْلِفُ على أمْرِ إضْرارٍ (٢) أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلُه، فيَرَى الذى هو خيرٌ منه، فأمَر (٣) اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويَأْتىَ الذى هو خيرٌ، ومِن اللغوِ أيضًا أن يَحْلِفَ الرجلُ على أمرٍ لا يَأْلُو فيه الصدقَ، وقد أخْطَأ فى يمينِه؛ فهذا الذى عليه الكفارةُ، ولا إثمَ عليه (٤). حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا [أبو داودَ] (٥)، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: خطأٌ غيرُ عمدٍ (٦). حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو أن تَحْلِفَ على الشئِ وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلَفْتَ، وليس كذلك، فلا يُؤَاخِذُه اللهُ ولا كفارةَ، ولكنَّ المُؤَاخَذةَ والكفارةَ فيما حلَف عليه على علمٍ (٧).

стр. 2431

حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمٍ، عن الحسنِ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا أنه كما حلَف. حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ يَرَى أنها كذلك، وليست كذلك. حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ وهو يَرَى أنه كذلك، فلا يَكونُ كما قال، فلا كفارةَ عليه. حدَّثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمين لا يَرَى إلا أنها كما حلَف عليه، وليست كذلك (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: مَن حلَف باللهِ ولا يَعْلَمُ إلا أنه صادقٌ فيما حلَف. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: حَلِفُ الرجلِ على الشئِ وهو لا يَعْلَمُ إلا أنه على ما حلَف عليه فلا يَكونُ كما حلَف؛ كقولِه: إن هذا البيتَ لفلانٍ.

стр. 2432

وليس له، وإن هذا الثوبَ لفلانٍ. وليس له (١). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه فيه صادقٌ (٢). حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، قال: فلا يُؤاخَذُ بذلك. قال: وكان يُحِبُّ (٣) أن يُكَفِّرَ (٤). حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا الجُعْفىُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فذلك اللغوُ لا يُؤاخَذُ به. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ نحوَه، إلا أنه قال: إن حلَفْتَ على الشئِ وأنت تَرَى أنك صادقٌ، وليس كذلك. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ (٥) إدْريسَ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ

стр. 2433

أنه قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الأيمانِ وهو يَرَى أنه كما حلَف (١). حدَّثنى إسحاقُ ابنُ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن زِيادٍ، قال: هو الذى يَحْلِفُ على اليمين يَرَى أنه فيها صادقٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرمىُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ ابنُ أبى السَّمِيطِ (٢)، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ؛ الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه كذلك، وليس كذلك (٣). حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ ويونس، عن الحسنِ، قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ. حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وكيعٍ، قال هَنَّادٌ: حدَّثنا وَكيعٌ، وقال ابنُ وَكيعٍ: حدَّثنى أبى، عن عِمْرانَ بنِ حُدَيْرٍ قال: سمِعْتُ زُرارةَ بنَ أوْفَى، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا (٤) أنها كما حلَف (٥). حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ بَشيرٍ، قال: سُئِل عامرٌ عن هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؟ قال: اللغوُ: أن يَحْلِفَ

стр. 2434

الرجلُ لا يَألُو عن الحقِّ، فيكونَ غيرَ ذلك، فذلك اللغوُ الذى لا يُؤاخَذُ به. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: فاللغوُ: اليمينُ الخطأُ غيرُ العمدِ؛ أن تَحْلِفَ على الشئِ وأنت تَرَى أنه كما حلَفْتَ عليه ثم لا يَكونُ كذلك، فهذا لا كفارةَ عليه ولا مَأْثَمَ فيه. حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: أما اللغوُ: فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين وهو يَرَى أنها كذلك، فلا تَكونُ كذلك، فليس عليه كفارةٌ (١). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اللغوُ: اليمينُ الخطأُ فى غيرِ عمدٍ؛ أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَرَى أنه كما حلَف عليه، وهذا ما ليس عليه فيه كفارةٌ (٢). حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ، قال: أما اليمينُ التى لا يُؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيها صادقٌ، فذلك اللغوُ. حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ مثلَه، إلا أنه قال: الرجلُ يَحْلِفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه فلا يَكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ (٣).

стр. 2435

حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى معاويةُ بن صالحٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [وعن] (١) ابنِ (٢) أبى طلحةَ -كذا قال [ابنُ أبى جعفرٍ] (٣) - قالا: مَن قال: واللهِ لقد فعَلْتُ كذا وكذا. وهو يَظُنُّ أن قد فعَلَه، ثم تبَيَّن له أنه لم يَفْعَلْه، فهذا لغوُ اليمينِ وليس عليه فيه كفارةٌ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ، كقولِ الرجلِ: واللهِ إن هذا لكذا وكذا. وهو يَرَى أنه صادقٌ، ولا يَكونُ كذلك. قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ أيضًا (٤). حدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سُئِل سعيدٌ عن اللغوِ فى اليمينِ، قال سعيدٌ: قال (٥) مكحولٌ: الخطأُ غيرُ العمدِ، ولكنَّ الكفارةَ فيما عقَدَت قلوبُكم (٦). حدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، أنه قال: اللغوُ الذى لا يُؤاخِذُ اللهُ به أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشئِ الذى يَظُنُّ أنه فيه صادقٌ، فإذا هو فيه غيرُ ذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وقد عفا اللهُ عنه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: إذا حلَف على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ به، وإذا حلَف على اليمين وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ،

стр. 2436

فذلك الذى يُؤاخَذُ به. وقال آخَرون: بلِ اللغوُ مِن الأيْمانِ التى يَحْلِفُ بها صاحبُها فى حالِ الغضبِ على غيرِ عقدِ قلبٍ ولا عزمٍ، ولكن وُصْلةً للكلامِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وَكيعٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن خالدٍ، عن عطاءٍ، عن وَسيمٍ (١)، عن ابنِ عباسٍ، قال: لغوُ اليمين أن تَحْلِفَ وأنت غَضْبانُ (٢). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ يمينٍ حلَف عليها رجلٌ وهو غَضْبانُ، فلا كفارةَ عليه فيها؛ قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣). وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنى به أحمدُ بنُ منصورٍ المَرْوَزىُّ، قال: ثنا عمرُ ابنُ يونُسَ اليَمامىُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أبى سليمانَ الزُّهْرىُّ، عن يحيى بنِ أبى كَثيرٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَمينَ فى غضبٍ" (٤).

стр. 2437

وقال آخَرون: بل اللغوُ فى اليمينِ الحلفُ على فعلِ ما نهَى اللهُ عنه، وتَرْكِ ما أمَر اللهُ بفعلِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الذى يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يَفِى، ويُكَفِّرُ يمينَه؛ قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لغوُ اليمينِ أن يَحْلِفَ الرجلُ على المعصيةِ للهِ، لا يُؤاخِذُه اللهُ بإلغائها (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ بنحوِه، وزاد فيه، قال: وعليه كفارتُه (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنى عبدُ الأعْلَى ويزيدُ بنُ هارونَ، عن داودَ، عن سعيدٍ بنحوِه. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ أن يُكَفِّرَ عن يمينِه ويأتىَ الذى هو خيرٌ. حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ

стр. 2438

وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، قال: ثنا إسحاقُ، عن عيسى ابنِ بنتِ داودَ بنِ أبى هندٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ إلْياسَ، عن أمِّ أبيه، أنها حلَفَت ألا تُكَلِّمَ ابنةَ ابنِها ابنةَ أبى الجَهْمِ، فأتَت سعيدَ بنَ المسيبِ وأبا بكرٍ وعروةَ بنَ الزبيرِ، فقالوا: لا يمينَ فى معصيةٍ، ولا كفارةَ عليها. حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها. قلتُ: فكيف يَصْنَعُ؟ قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه ويَتْرُكُ المعصيةَ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشير، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الحرامِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِه (٣). حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال فى لغوِ اليمينِ، قال: هى اليمينُ فى المعصيةِ. قال: أو لا تَقْرَأُ فتَفْهَمَ، قال اللهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]؟

стр. 2439

قال: فلا يُؤاخِذُه بالإلغاءِ (١)، ولكن يُؤاخِذُه بالتَّمامِ عليها. قال: وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها، ويُكَفِّرُ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ فى الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فقال: أيُكَفِّرُ خُطواتِ الشيطانِ؟ ليس عليه كفارةٌ (٢). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ذلك. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن الشعبىِّ فى الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، قال: كفارتُها أن يَتُوبَ منها (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن الشعبىِّ أنه كان يقولُ: يَتْرُكُ المعصيةَ ولا يُكَفِّرُ، ولو أمَرْتُه بالكفارةِ لأمَرْتُه أن يُتِمَّ على قولِه (٤). حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ قال: كلُّ يمينٍ لا يَحِلُّ لك أن تَفِىَ بها فليس فيها كفارةٌ. وعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن

стр. 2440

الوليدِ بنِ كثيرٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَن نذَر فيما لا يَمْلِكُ فلا نَذْرَ له، ومَن حلَف على معصيةِ اللهِ فلا يَمينَ له، ومَن حلَف على قَطيعةِ رَحِمٍ فلا يَمينَ له" (١). حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن حارثةَ بنِ محمدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَن حلَف على يمين قطيعةِ رَحِمٍ أو معصيةٍ للهِ فبِرُّه أن يَحْنَث بها ويَرْجِعَ عن يمينِه" (٢). وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ كلُّ يمينٍ وصَل بها الرجلُ كلامَه على غيرِ قصدٍ منه إيجابَها على نفسِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: لغوُ اليمين أن يَصِلَ الرجلُ كلامَه بالحلفِ؛ واللهِ لَيَأْكُلَنَّ، واللهِ لَيَشْرَبَنَّ، ونحوُ هذا، لا يَتَعَمَّدُ به اليمينَ ولا يُريدُ به حلِفًا، ليس عليه كفارةٌ. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائىِّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: لغوُ اليمينِ ما يَصِلُ به كلامَه؛ واللهِ لَتَأْكُلَنَّ، واللهِ لَتَشْرَبَنَّ. حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هما الرجلان يَتَساوَمان بالشئِ، فيقولُ

стр. 2441

أحدُهما: واللهِ لا أَشْتَرِيه منك بكذا. ويقولُ الآخرُ: واللهِ لا أَبِيعُك بكذا وكذا (١). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أن عروةَ حدَّثه أن عائشةَ زوجَ النبىِّ ﷺ قالت: أيْمانُ اللغوِ ما كان فى الهَزْلِ والمِراءِ والخُصومةِ والحديثِ الذى لا يَعْتَمِدُ (٢) عليه القلبُ (٣). وعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ موسى الحرشىُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ ميمونٍ المُرادىُّ، قال: ثنا عَوْفٌ الأعْرابىُّ، عن الحسنِ بنِ أبى الحسنِ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ بقومٍ يَنْتَضِلون -يعنى: يَرْمُون- ومع النبىِّ ﷺ رجلٌ مِن أصحابِه، فرمَى رجلٌ مِن القومِ، فقال: أصَبْتُ واللهِ، وأخْطَأْتَ. فقال الذى مع النبىِّ ﷺ : حنِث الرجلُ يا رسولَ اللهِ. قال: "كلَّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفارةَ فيها ولا عُقوبةَ" (٤). وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيْمانِ ما كان مِن يمينٍ بمعنى الدعاءِ مِن الحالفِ على نفسِه إن لم يَفْعَلْ كذا وكذا، أو بمعنى الشركِ والكفرِ.

стр. 2442

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ المِصْريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، عن يحيى بنِ أيوبَ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: هو كقولِ الرجلِ: أعْمَى اللهُ بصَرِي إن لم أَفْعَلْ كذا وكذا، أخْرَجَني اللهُ مِن مالى إن لم آتِك غدًا -فهو هذا- ولا يَتْرُكُ اللهُ له مالًا ولا ولدًا. يقولُ: لو يُؤاخِذُكم اللهُ بهذا لم يَتْرُكْ لكم شيئًا (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: ثنى يحيى ابنُ أيوبَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بمثلِه (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنى يحيى بن أيوبَ، أن زيدَ بنَ أسلمَ كان يقولُ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: مثلُ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، وهو مشركٌ. قال: لا يُؤاخِذُه حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه. حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اللغوُ في هذا: الحلفُ باللهِ ما كان بالألسُنِ، فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ باللهِ، وهو إذَنْ يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا. فهذا اللغوُ الذى قال اللهُ في سورةِ "البقرةِ". وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ ما كانت فيه كفارةٌ.

стр. 2443

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: فهذا في الرجلِ يَحْلِفُ على أمرِ إضْرارٍ أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلَه، فيَرَى الذى هو خيرٌ منه، فأمَرَه اللهُ أن يُكَفِّرَ يمينَه ويَأْتِيَ الذى هو خيرٌ (١). حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اليمينُ المُكَفَّرَةُ. وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ هو ما حنِثَ فيه الحالفُ ناسيًا. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنى مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ ثم يَنْساه (٢). يعنى في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣). قال أبو جعفرٍ: واللغوُ مِن الكلامِ في كلامِ العربِ كلُّ كلامٍ كان مَذْمومًا، وفعلًا لا معنى له مَهْجورًا. يقالُ منه: لغَا فلانٌ في كلامِه يَلْغُو لَغْوًا. إذا قال قَبيحًا مِن الكلامِ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]. وقولُه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].

стр. 2444

ومَسْموعٌ مِن العربِ: لغَيْتُ باسمِ فلانٍ. بمعنى: أُولِعْتُ بذكرِه بالقبيح. فمن قال: لغَيْتُ. قال: ألْغَى لَغًا. وهى لغةٌ لبعضِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (١): ورَبِّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ فإذ كان اللغوُ ما وصَفْتُ، وكان الحالفُ باللهِ: ما فعَلْتُ كذا. وقد فعَل، ولقد فعَلْتُ كذا. وما فعَل، واصِلًا بذلك كلامَه على سبيلِ سُبوقِ لسانِه مِن غيرِ تعمُّدِ إثْمٍ في يمينِه، ولكن لعادةٍ قد جرَت له عندَ عَجَلةِ الكلامِ، والقائلُ: واللهِ إن هذا لَفلانٌ. وهو يراه كما قال، أو: واللهِ ما هذا فلانًا. وهو يَراه ليس به، والقائلُ: ليَفْعَلَنَّ كذا واللهِ. أو: لا يَفْعَلُ كذا واللهِ. على سبيلِ ما وصَفْنا مِن عَجَلةِ الكلامِ وسُبوقِ اللسانِ للعادةِ، على غيرِ تعمُّدِ حَلِفٍ على باطلٍ، والقائلُ: هو مُشْرِكٌ، أو هو يَهُودىٌّ، أو نَصْرانيٌّ، إن لم يَفْعَلْ كذا، أو إن فعَل كذا. مِن غيرِ عزمٍ على كفرٍ أو يَهُوديةٍ أو نصرانيةٍ، جميعُهم قائلون هُجْرًا مِن القولِ، وذَميمًا مِن المَنْطِقِ، وحالِفون مِن الأيمانِ بألسنتِهم ما لم تتَعَمَّدْ فيه الإثمَ قلوبُهم، كان معلومًا أنهم لُغاةٌ في أيْمانِهم لا يَلْزَمُهم كفارةٌ في العاجلِ، ولا عقوبةٌ في الآجِلِ؛ لإخبارِ اللهِ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذٍ عبادَه بما لغَوْا مِن أيمانِهم، وأن الذى هو مُؤاخِذُهم به ما تعَمَّدَت فيه الإثمَ قلوبُهم. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن حلَف على يمينٍ فرأَى غيرَها خيرًا منها، فلْيَأْتِ الذى هو خيرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه" (٢). فأوْجَب الكفارةَ بإتيانِ الحالفِ ما حلَف ألا يَأْتِيَه، مع وجوبِ إتيانِ الذى هو خيرٌ مِن

стр. 2445

الذى حلَف عليه ألا يَأْتِيَه، وكانت الغرامةُ في المالِ، أو إلزامُ الجزاءِ مِن المجزيِّ (١) أبدانَ الجازين (٢)، لا شكَّ عقوبةً كبعضِ العقوباتِ التى جعَلها اللهُ تعالى ذكرُه نَكالًا لخلقِه فيما تَعَدَّوْا مِن حُدودِه، وإن كان يَجْمَعُ جميعَها أنها تَمْحيصٌ وكَفَّاراتٌ لمَن عُوقِبَ بها فيما عُوقِبوا عليه - كان بيِّنًا أن مَن أُلْزِم الكفارةَ في عاجلِ دُنْياه فيما حلَف به مِن الأيمانِ فحنِث فيه، وإن كانت كفارةً لذنبِه (٣)، فقد واخَذَه اللهُ بها بإلزامِه إياه الكفارةَ منها، وإن كان ما عجَّل مِن عقوبتِه إياه على ذلك مُسْقِطًا عنه عقوبتَه في آجِلِه. وإذ كان تعالى ذكرُه قد واخَذَه بها، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ، وقد واخَذَ بها: هى مِن اللغوِ الذى لا يؤاخَذُ به قائله. فإذ كان ذلك غيرَ جائزٍ، فبيِّنٌ فسادُ القولِ الذى رُوِى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: اللغوُ: الحلِفُ على المعصيةِ. لأن ذلك لو كان كذلك لم يَكُنْ على الحالفِ على معصيةِ اللهِ كفارةٌ بحِنْثِه في يمينِه، وفى إيجابِ سعيدٍ عليه الكفارةَ دليلٌ واضحٌ على أن صاحبَها بها مُؤاخَذٌ؛ لما وصَفْنا مِن أن مَن لزِمه الكفارةُ في يمينِه فليس ممَّن لم يُؤاخَذْ بها. فإذ كان اللغوُ هو ما وصَفْنا مما أخْبَرَنا اللهُ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذِنا به، وكلُّ يمينٍ لزِمَت صاحبَها بحِنْثِه فيها الكفارة في العاجلِ، و (٤) أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه صاحبَها العقوبةَ عليها في الآجِلِ، وإن كان وضَع عنه كفارتَها في العاجلِ -فهى مما كسَبَتْه قلوبُ الحالفِين، وتعَمَّدَت فيه الإثْمَ نفوسُ المُقْسِمِين، وما عدا ذلك فهو اللغوُ

стр. 2446

وقد بيَّنَّا وُجوهَه. فتأويلُ الكلامِ إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ أيُّها المؤمنون قُوَّةً (١) لأيْمانِكم، وحُجَّةً لأنفسِكم في أقسامِكم في ألَّا تَبَرُّوا ولا تتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، فإن اللهَ لا يُؤاخِذُكم بما لغَتْه ألسنتُكم مِن أيمانِكم، فنطَقَت به مِن قَبيحِ الأيْمانِ وذَميمِها، على غيرِ تعمُّدِكم الإثمَ وقصدِكم بعزائمِ صدورِكم إلى إيجابِ عَقْدِ الأيْمانِ التى حلَفْتُم بها، ولكنه إنما يُؤاخِذُكم بما تعَمَّدْتُم فيه عَقْدَ اليمينِ وإيجابَها على أنفسِكم، وعزَمْتُم على الإتمامِ على ما حلَفْتُم عليه بقصدٍ منكم وإرادةٍ، فيَلْزَمُكم حينَئذٍ إمَّا كفارةٌ في العاجلِ، وإما عقوبةٌ في الآجِلِ (٢). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. اخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذى أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ عبادَه أنه مُؤاخِذُهم به؛ بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى قولِه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ما تعَمَّدَت. فقال بعضُهم: المعنى الذى أوْعَد اللهُ عبادَه مُؤاخَذتَهم به هو حَلِفُ الحالفِ منهم على كذبٍ وباطلٍ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا حلَف الرجلُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ بها، وإذا حلَف وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذى يُؤاخَذُ به (٣).

стр. 2447

حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسْروقىّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن زائدةَ، عن مَنصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذى يُؤاخَذُ به. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أن تَحْلِفَ وأنت كاذبٌ. حدَّثني المثنى، [قال: ثنا عبدُ اللهِ بنِ صالحٍ] (١)، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]: وذلك اليمينُ الصَّبْرُ (٢) الكاذبةُ، يَحْلِفُ بها الرجلُ على ظلمٍ أو قَطيعةٍ، فتلك لا كفارةَ لها إلا أن يَتْرُكَ ذلك الظلمَ أو يَرُدَّ ذلك المالَ إلى أهلِه، وهو قولُه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ما عقَدَتْ عليه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: لا تُؤاخَذُ حتى تُصْعِدَ (٤) الأمرَ، ثم تَحْلِفَ عليه باللهِ الذى لا إلهَ إلا هو، فتُعَقِّدَ عليه يمينَك.

стр. 2448

والواجبُ على هذا التأويلِ أن يَكونَ قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ في الآخِرةِ بما شاء مِن العقوباتِ، وأن تكونَ الكفارةُ إنما تَلْزَمُ الحالفَ في الأيمانِ التى هى لَغْوٌ. وكذلك رُوى عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان لا يَرَى الكفارةَ إلا في الأيمانِ التى تَكونُ لَغْوًا، فأما ما كسَبَتْه القلوبُ، وعقَدَت فيه على الإثم، فلم يَكُنْ يُوجِبُ فيه الكفارةَ. وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك فيما مضَى قبلُ (١). وإذ كان ذلك تأويلَ الآيةِ عندَهم، فالواجبُ على مذهبِهم أن يَكونَ معنى الآيةِ في سورةِ "المائدةِ" (٢): ﴿لا يُؤاخِذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكنْ يُؤاخِذُكم بما عقَّدتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعام عشَرةِ مَساكينَ مِن أوْسطِ ما تُطْعِمون أهْليكم أو كِسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ، فمَن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ذلك كفارةُ أيْمانِكم إذا حلَفْتُم﴾ ولكن يؤاخِذُكم بما عقَّدْتُم، ﴿واحْفَظوا أيْمانَكم﴾. وبنحوِ ما ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ مِن القولِ في ذلك كان سعيدُ بنُ جُبيرٍ والضحاكُ ابنُ مُزاحِمٍ وجماعةٌ أُخَرُ غيرُهم يقولون، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك آنفًا. وقال آخَرونَ: المعنى الذى أوْعَد اللهُ تعالى عبادَه المُؤاخَذةَ بهذه الآيةِ، هو حَلِفُ الحالفِ على باطلٍ يَعْلَمُه باطلًا، وبذلك أوْجَب اللهُ عندَهم الكفارةَ دونَ اللغوِ الذى يَحْلِفُ به الحالفُ وهو مُخطِئٌ في حلفِه، يَحْسَبُ أن الذى حلَف عليه كما حلَف، وليس ذلك كذلك.

стр. 2449

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. يقولُ: بما تعَمَّدَت قلوبُكم، وما تعَمَّدَتْ فيه المأْثَمَ، فهذا عليك فيه الكفارةُ (١). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه سواءً (٢). وكأن قائلى هذه المقالةِ وجَّهوا تأويلَ مُؤاخَذةِ اللهِ عبدَه على ما كسَبه قلبُه مِن الأيمانِ الفاجرةِ، إلى أنها مُؤاخَذةٌ منه له بها (٣) بإلزامِه الكفارةَ فيه. وقال بنحوِ قولِ قتادةَ جماعةٌ أُخَرُ في إيجابِ الكفارةِ على الحالفِ اليمينَ الفاجرةَ، منهم عطاءٌ والحكَمُ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حَجَّاجٌ، عن عطاءٍ والحكمِ أنهما كانا يقولان في من حلَف كاذبًا متعمدًا: يُكَفِّرُ (٤). وقال آخَرون: بل ذلك معنيان؛ أحدُهما مُؤَاخَذٌ به العبدُ في حالِ الدنيا بإلزامِ اللهِ إياه الكفارةَ منه، والآخرُ منهما مُؤاخَذٌ به في الآخِرةِ إلا أن يَعْفُوَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن

стр. 2450

السُّدِّىِّ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أما ما كسَبت قلوبُكم، فما عقَدَت قلوبُكم، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين يَعْلَمُ أنها كاذبةٌ، إرادةَ أن يَقْضِىَ أمرَه. والأيمانُ ثلاثةٌ، اللغوُ، والعمدُ، والغَموسُ، والرجلُ يَحْلفُ على اليمينِ وهو يُرِيدُ أن يَفْعَلَ، ثم يَرَى خيرًا مِن ذلك، فهذه اليمينُ التى قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. فهذه لها كفارةٌ. وكأنَّ قائلَ هذه المقالةِ وجَّه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى غيرِ ما وجَّه إليه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وجعَل قولَه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الغَموسَ مِن الأيمانِ التى يَحْلِفُ بها الحالفُ على علمٍ منه بأنه في حلفِه بها مُبْطِلٌ، وقولَه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ اليمينَ التى يَسْتَأْنِفُ فيها الحِنْثَ أو البِرَّ، وهو في حالِ حلفِه بها عازمٌ على أن يَبَرَّ فيها. وقال آخرون: بل ذلك هو اعتقادُ الشركِ باللهِ والكفرِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن محمدٍ -يعنى ابنَ عَجْلانَ- أن زيدَ بنَ أسْلَمَ كان يَقولُ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: مثلَ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، هو مُشْركٌ. قال: لا يُؤاخِذُه اللهُ حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه (١). حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا

стр. 2451

يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾. قال: اللغوُ في هذا الحلفُ باللهِ ما كان بالألسنِ. فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ بالله، وهو إذن يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا. فهذا اللغوُ الذى قال اللهُ تعالى في سورةِ "البقرةِ": ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، قال: بما كان في قلوبكم صدقًا واخِذُك به، فإن لم يَكنْ في قلبِك صدقًا لم يُواخِذْك به، وإن أثِمْتَ (١). والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أوْعَد عبادَه أن يُؤاخِذَهم بما كَسَبت قلوبُهم مِن الأيمانِ، فالذى تَكْسِبُه قلوبُهم مِن الأيمانِ هو ما قصَدَتْه وعزَمَت عليه، على علمٍ ومعرفةٍ منها بما تَقْصِدُه وتُريدُه، وذلك يَكونُ منها على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ العزمِ على ما يَكونُ به العازمُ عليه في حالِ عزمِه بالعزمِ عليه آثمًا، وبفعلِه مستحِقًّا المؤاخَذةَ مِن اللهِ عليها، وذلك كالحالفِ على الشئِ الذى لم يَفْعَلْه أنه قد فعَله، وعلى الشئِ الذى قد فعَله أنه لم يَفْعَلْه، قاصدًا أصْلَ (٢) الكذبِ، وذاكرًا أنه قد فعَل ما حلَف عليه أنه لم يَفْعَلْه، أو أنه لم يَفْعَلْ ما حلَف عليه أنه قد فعَل، فيكونُ الحالفُ بذلك -إن كان مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه- في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن شاء واخَذَه به في الآخِرةِ، وإن شاء عفا عنه بتفضلِه، ولا كفارةَ عليه فيها في العاجلِ؛ لأنها ليست مِن الأيمانِ التى يَحْنَثُ فيها، وإنما الكفارةُ تَجِبُ في الأيمانِ بالحِنْثِ فيها، والحالفُ الكاذبُ في يمينِه ليست يمينُه مما يُبْتَدَأُ فيه الحِنْثُ فتَلْزَمَ فيه الكفارةُ. والوجهُ الآخرُ منهما: على وجهِ العزمِ على إيجابِ عقدِ اليمينِ في حالِ عزمِه على ذلك، فذلك مما لا يُواخَذُ به صاحبُه حتى يَحْنَثَ فيه بعدَ حلفِه، فإذا حنِث فيه

стр. 2452

بعدَ حلفِه كان مُواخَذًا بما كان اكْتَسَبه قلبُه -مِن الحلفِ باللهِ على إثمٍ وكذِبٍ- في العاجلِ بالكفارةِ التى جعَلها اللهُ كفارةً لذنبِه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ غفورٌ لعبادِه فيما لغَوْا مِن أيْمانِهم التى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه لا يُواخِذُهم بها، ولو شاء واخَذَهم بها، ولما واخَذَهم بها (١) فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفيرِ فيه، ولو شاء واخَذَهم في آجِلِ الآخِرةِ بالعقوبةِ عليه، فساترٌ عليهم فيها، وصافِحٌ لهم بعفوِه عن العقوبةِ فيها وغيرِ ذلك مِن ذنويهم، حليمٌ في تركِه مُعاجَلةَ أهلِ معصيتِه العقوبةَ على مَعاصِيهم. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: للذين يُقْسِمُون أَلِيَّةً. والأَليةُ الحلفُ. كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: يَحْلِفون (٢). يقالُ: آلَى فلانٌ يُؤْلِى إيلاءً وأَلِيَّةً. كما قال الشاعرُ (٣): كفَيْنا مَن تغَيَّب مِن ترابٍ (٤) … وأحْنَثْنا أَلِيَّةَ مُقْسِمِينا ويقالُ: أَلْوَةٌ وأُلْوَةٌ. كما قال الراجزُ:

стр. 2453

يا أُلْوَةٌ ما أُلْوَةٌ ما أُلْوَتِي وقد حُكِى عنهم أيضًا أنهم يقولون: إلْوةٌ. مَكسورةُ الألفِ. والتربُّصُ النظرُ والتوقفُ. ومعنى الكلامِ: للذين يُؤْلون أن يَعْتَزِلوا مِن نسائِهم تربُّصُ أربعةِ أشهرٍ. فترَك ذكرَ "أن يَعْتَزلوا"، اكْتِفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه. واخْتَلَف أهلُ التأويل في صفةِ اليمين التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه؛ [فقال بعضُهم: اليمينُ التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه] (١)، أن يَحْلِفَ عليها في حالِ غضبٍ على وجهِ الضِّرارِ (٢) لها ألا يُجامِعَها في فرجِها، فأما إن حلَف على غيرِ وجهِ الإضْرارِ [وعلى] (٣) غيرِ غضبٍ فليس هو مُؤلِيًا منها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِماكٍ، عن حُرَيْثِ بنِ عَمِيرةَ، عن أمِّ عَطيةَ، قالت: قال جُبيرٌ: أرْضِعى ابنَ أخى مع ابنِكِ. فقالت: ما أَسْتَطِيعُ أن أُرْضِعَ اثنين. فحلَف ألا يقرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلما فطَمَتْه مرَّ به على المجلسِ، فقال له القومُ: حَسَنًا ما غذَوْتُموه. قال جبيرٌ: إنى حلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه. فقال له القومُ: هذا إيلاءٌ. فأتَى عليًّا فاسْتَفْتاه، فقال: إن كنتَ فعَلْتَ ذلك غضبًا فلا تَصْلُحُ لك امرأتُك، وإلا فهى امرأتُك (٤).

стр. 2454

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، أنه سمِع عَطيةَ بنَ جبيرٍ، قال: تُوُفِّيَت أمُّ صبيٍّ نَسِيبةٌ لى، فكانت امرأةُ أبى تُرْضِعُه، فحلَف ألا يَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلمَّا مضَت أربعةُ أشهرٍ قيل له: قد بانَت منك. وأَحْسَبُ -شكَّ أبو جعفرٍ- قال: فأتَى عليًّا يَسْتَفْتِيه، فقال: إن كنتَ قلتَ ذلك غضبًا فلا امرأةَ لك، وإلا فهى امرأتُك (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخْبَرَنى سِماكٌ، قال: سمِعْتُ عطيةَ بنَ جُبيرٍ يَذْكُرُ نحوَه عن عليٍّ. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ، عن رجلٍ مِن بنى عِجْلٍ، عن أبى عطيةَ، أنه تُوُفِّى أخوه، وترَك ابنًا له صغيرًا، فقال أبو عطيةَ لامرأتِه: أَرْضِعِيه. فقالت: إنى أخشى أن تُغِيلَهما (٢). فحلَف ألا يَقْرَبَها حتى تَفْطِمَهما، ففعَل حتى فطَمَتْهما، فخرَج ابنُ أخى أبى عطيةَ إلى المجلسِ، فقالوا: لَحُسْنَ ما غَذَا أبو عطيةَ ابنَ أخيه. قال: كلَّا زعَمَت أمُّ عطيةَ أنى أُغِيلُهما، فحلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَهما. فقالوا له: قد حرُمَت عليك امرأتُك. فذكَرْتُ ذلك لعليٍّ، فقال عليٌّ: إنما أرَدْتَ الخيرَ، وإنما الإيلاءُ في الغضبِ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ، عن أبى عطيةَ أن أخاه تُوفِّى. فذكَر نحوَه. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخْبَرَنا داودُ بنُ أبى

стр. 2455

هندٍ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، أن رجلًا هلَك أخوه، فقال لامرأتِه: أَرْضِعِى ابنَ أخى. فقالت: أَخافُ أن تَقَعَ علىَّ. فحلَف ألا يَمَسَّها حتى تَفْطِمَ. فأمْسَك عنها حتى إذا فَطمَتْه أخْرَج الغلامَ إلى قومِه، فقالوا: لقد أحْسَنْتَ غِذاءَه. فذكَر لهم شأنَه، فذكَروا امرأتَه، قال: فذهَب إلى عليٍّ، فاسْتَحْلَفه باللهِ: ما أرَدْتَ بذلك -يعنى إيلاءً- قال: فردَّها عليه. حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أشْعَثَ بنِ سَوَّارٍ، عن سِماكٍ، عن عطيةَ بنِ أبى عَطيةَ، قال: تُوُفِّى أخٌ لى وترَك يَتيمًا له رضيعًا، وكنتُ رجلًا مُعْسرًا، لم يَكُنْ بيدى ما أَسْتَرْضِعُ له. قال: فقالت لى امرأتى -وكان لى منها ابنٌ تُرْضِعُه-: إن كفَيْتَنى نفسَك كفَيْتُكَهُما. فقلتُ: وكيف أَكْفِيك نفسى؟ قالت: لا تَقْرَبْنى. فقلتُ: واللهِ لا أَقْرَبُك حتى تَفْطِميهما. قال: ففَطمَتهما، وخرَجا على القومِ فقالوا: ما نَراك إلا قد أحْسَنْتَ ولايتَهما. قال: فقصَصْتُ عليهم القصةَ، فقالوا: ما نَراك إلا آلَيْتَ منها وبانت منك. قال: فأتَيْتُ عليًّا، فقصَصْتُ عليه القصةَ، فقال: إنما الإيلاءُ ما أُرِيدَ به الإيلاءُ. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ البُرْسانيُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضبٍ (١). وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضبٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو (٢) وَكيعٍ، عن أبى
следующие страницы →