← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

دُنياهم ودينِهم وأنفسِهم وأموالهم، كما أحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَذَرَ الموتِ بعد إمانَتِه إياهم، وجعَلهم لخلقِه مَثَلًا، وعِظَةً يَتَّعِظُون بهم، وعِبْرةً يَعْتَبرون بهم، وليَعْلَمُوا أن الأمورَ كلَّها بيدِه، فيَسْتَسْلِمُوا لقضائه، ويَصْرِفُوا الرغبةَ كلَّها والرهبة إليه. ثم أخبرَ تعالى ذكرُه أن أكثرَ (١) مَن يُنْعِمُ عليه من عباده بنِعَمِه الجليلة، ويَمُنُّ عليه بمننه الجسيمةِ، يَكْفُرُ به، ويَصْرِفُ الرغبة والرهبة إلى غيره، ويَتَّخِذُ إلهًا مِن دونِه؛ كُفْرانًا منه لنِعَمِه التي يُوجِبُ أصغرُها عليه من الشكرِ ما يَفْدَحُه (٢)، ومِن الحَمْدِ ما يُثْقِلُه، فقال تعالى ذكره: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. يَقُولُ: لا يَشْكُرون نِعْمَتىَ التي أَنْعَمْتُها عليهم، وفَضْلِيَ الذي تَفَضَّلْتُ به عليهم؛ بعبادتِهم غيرى وصَرْفهم رغبتَهم ورهبتَهم إلى مَن دُونِى ممن لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا ولا نَفْعًا، ولا يَمْلِكُ موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وقاتلوا أيُّها المؤمنون في سبيل الله - يعني: في دينه الذي هَدَاكم له، لا في طاعةِ الشيطانِ - أعداءَ دينِكم الصَّادِّين عن سبيل ربِّكم، ولا [تحتَموا عن قتالِه عندَ] (٣) لقائِهم، ولا تَجبُنُوا (٤) عن حربهم، فإنَّ بيدى حياتكم وموتَكم، ولا يَمْنَعنَّ أحدَكم مِن لقائِهم وقتالِهم حَذَرُ الموتِ وخَوْفُ المنية على نفسه

стр. 2837

بقتالهم، فيَدْعوه ذلك إلى التَّعْريدِ (١) عنهم والفرارِ منهم، فتَذِلُّوا، ويَأْتيَكم الموتُ الذي خِفْتُموه في مَأْمَنِكم الذي وَأَلْتُم إليه، كما أتى الذين خرَجوا من ديارهم فرارًا من الموتِ؛ الذين قصَصت عليكم قصتَهم، فلم يُنْجِهم فِرارُهم منه من نزوله بهم، حين جاءَهم أمرى، وحلَّ بهم قضائى، ولا ضرَّ المتُخَلَّفين وراءَهم ما كانوا لم يَحْذَرُوه إذ دافعتُ عنهم مناياهم، وصرَفتُها عن حوبائِهم (٢)، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتُكم بقتالِه من أعدائى وأعداءِ دينى، فإن من حَبىَ منكم فأنا أَحْيَيْتُه (٣)، ومن قُتِل منكم فبقَضائى كان قتلُه (٤). ثم قال تعالى ذكرُه لهم: واعلَموا أيها المؤمنون أن ربَّكم سميعٌ لقول مَن يَقُولُ من منافقيكم لمن قُتل منكم في سبيلى: لو أطاعونا فجلَسوا في منازِلِهم ما قتلوا. عليمٌ بما تُجِنُّه (٥) صدورُهم من النفاقِ والكفر، وقلَّةِ الشُّكْرِ لنِعْمَتى عليهم، وآلائى لَدَيْهم في أنفسِهم وأهليهم، ولغير ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادى. يقولُ تعالى ذكرهُ لعبادِه المؤمنين: فاشكرُونى أنتم بطاعتِى فيما أمَرتُكم من جهادِ عدوِّكم في سبيلى: وغير ذلك مِن أمْرِى ونَهْيِى، إذ كفَر هؤلاء نِعَمِى، واعلَموا أن الله سميعٌ لقولِهم، وعليمٌ بهم وبغيرهم، وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، محيطٌ بذلك كلِّه، حتى أُجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا. ولا وجه لقولِ مَن زعم أن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَمرٌ مِنَ اللَّهِ الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفٌ، بالقتال بعدَ ما أحياهم؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي

стр. 2838

سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يخلو إن كان الأمرُ على ما تَأَوَّلوه مِن أحدٍ أمورٍ ثلاثة؛ إما أَن يَكُونَ عطفًا على قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾. وذلك من المُحالِ أن يميتَهم ويأمرَهم وهم موتى بالقتال في سبيلِه. أو يَكونَ عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. وذلك أيضًا مما لا معنى له؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أمرٌ مِن الله بالقتال، وقوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ خبرٌ عن فعلٍ قد مضَى. وغيرُ فصيحٍ العطفُ بخبر مستقبَلٍ على خبرٍ ماضٍ، لو كانا جميعًا خَبَرين، لاختلافِ معنَيَيْهما، فكيف عطفُ الأمرِ على خبرٍ ماضٍ؟ أو يَكُونَ معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله. ثم أسقَط القول، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢]. بمعنى: يقولون: ربَّنا أبصَرْنا وسمِعْنا. وذلك أيضًا إنما يَجُوزُ في الموضع الذي يَدُلُّ ظاهرُ الكلام على حاجته إليه، ويَفْهَمُ السامعُ أنه مرادٌ به الكلامُ وإن لم يُذْكَرْ، فأما في الأماكن التي لا دَلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدَّعٍ أنه مرادٌ فيها. القولُ في تأويل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. يعني تعالي ذكرُه بذلك: مَن هذا الذي يُنْفِقُ في سبيل الله، فيُعِينُ مُضْعِفًا (١)، أو يُقَوِّى ذا فاقةٍ أراد الجهادَ في سبيل اللهِ، ويُعْطى منهم مُقْتِرًا. وذلك هو القَرْضُ الحسَنُ الذي يُقْرِضُ العبدُ ربَّه. وإنما سمّاه الله تعالى ذكرُه قرضًا؛ لأن معنى [القرض إعطاءُ] (٢) الرجل غيرَه مالَه مُملِّكًا له ليَقْضِيَه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاءُ (٣) من أعطَى أهل الحاجة والفاقة في

стр. 2839

سبيل الله، إنما يُعْطِيهم ما يُعْطيهم من ذلك ابتغاءَ ما وعدَه الله عليه من جزيل الثواب عندَه يومَ القيامة، سماه قرضًا، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصَفْنا. وإنما جعَله تعالى ذكرُه حَسَنًا؛ لأن المُعْطِيَ يُعْطِي ذلك عن نَدْبِ اللَّهِ إِياه، وحثِّه له عليه احتسابًا منه، فهو لله طاعةٌ، وللشياطين (١) معصيةٌ، وليس ذلك لحاجةٍ بالله إلى أحدٍ من خلقِه، ولكنَّ ذلك كقول العرب: عندى لك قرضُ صدقٍ وقرضُ سوءٍ. للأمر تأتى فيه الرجلَ مَسرَّتُه أو مَساءتُه، كما قال الشاعرُ (٢): كلُّ امرئٍ سوفَ يُجْزَى قرضَه حَسَنًا … أو سَيِّئًا ومَدِينًا بالذِي دَانا فقرضُ المرء: ما سلف من صالح عملِه أو سيِّئِه. وهذه الآية نظيرةُ الآية التي قال (٣) فيها تعالى ذِكرُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وبنحو الذي قُلْنا في ذلك كان ابن زِيدٍ يَقُولُ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال: هذا في سبيلِ اللَّهِ، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: بالواحد سبعُمائة ضِعْفٍ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيد بن أسلمَ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ

стр. 2840

أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: [جاء ابن الدحداحة] (١) إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، أَلَا أَرَى ربَّنا يَسْتَقْرِضُنا مما أعطانا لأنفسنا، وإن لى أرضَيْنِ؛ إحدَاهما بالعالية، والأُخرَى بالسافلِة، وإنِّي قد جعَلتُ خيرَهما صدقةً. قال: فكان النبيُّ ﷺ يقولُ: "كم من عَذْقٍ مُذَلَّلٍ [لابنِ الدَّحْداحةِ] (٢) في الجَنَّةِ" (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أن رجلًا على عهدِ النبيِّ ﷺ لما سمع بهذه الآية، قال: أنا أُقْرِضُ اللَّهَ. فعمد إلى خير حائطٍ له فتصدَّق به. قال: وقال قتادةُ: يَسْتَقْرِضُكم ربُّكم كما تَسْمَعون وهو الوَلِيُّ الحميدُ، ويَسْتَقْرِضُ (٤) عبادَه (٥)! حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ الأنماطيُّ النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن خليفةَ، عن حميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللهِ بن الحارث، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لما نزَلَت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال أبو الدَّحْداحِ: يا رسولَ اللهِ، أوَ إِنَّ الله يُريدُ منا القرضَ؟ قال: "نعَمْ يا أبا الدَّحْدَاحٍ". قال: يدَكَ. قال (٦): فناوَله يدَه. قال: فإني قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطى؛ حائطًا فيه ستُّمائة نخلةٍ. ثم جاء يَمْشي حتى أتى الحائط وأمُّ الدَّحْداحِ فيه في عيالِها، فناداها: يا أمَّ الدحداحِ. قالت: لبَّيْك. قال: اخْرُجي، قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطًا فيه ستُّمائِةِ نخلةٍ (٧).

стр. 2841

وأما قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. فإنه عِدَةٌ مِن الله تعالى ذكرُه مُقْرِضَه ومُنْفِقَ ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قَرْضِه ونَفَقَتِه ما لا حدَّ له ولا نهاية. كما حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: هذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (١). وقد حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن ابن عُيَيْنةً، عن صاحبٍ له يَذْكُرُ عن بعضِ العلماء، قال: إن الله أعطاكم الدنيا قرضًا، وسألَكُمُوها قرضًا، فإن أعطَيْتُمُوها طيِّبةً بها أنفُسُكم، ضاعَف لكم ما بينَ الحسنةِ إلى العَشْرِ إلى السبعِمائة، إلى أكثرَ من ذلك، وإن أخَذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتُم وأحسنتم، كانت لكم الصلاةُ والرحمةُ، وأوجَب لكم الهُدَى (٢). وقد اختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: (فَيُضَاعِفُهُ). بالألف ورفعه (٣)، بمعنى: الذي يُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنًا فيُضَاعِفُه (٤) له. [نَسَقًا بـ "يُضاعِفُ"] (٥) على قوله: "يُقْرِضُ".

стр. 2842

وقرأه آخرون بذلك المعنى (فيُضَعِّفُه). غير أنَّهم قرَءوه بتشديدِ العَين وإسقاطِ الألفِ (١). وقرأه آخرون ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾. بإثباتِ الألف في "يُضَاعِفَ" ونَصْبِه، بمعنى الاستفهام (٢)، فكأنهم تأوَّلوا الكلامَ: مَن المُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنًا فيضاعفه له؟ فجعَلوا قولَه: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ جوابًا للاستفهام، وجَعَلُوا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اسمًا؛ لأنَّ "الذي" وصِلَتَه بمنزلِة "عمرٍو "و" زيدٍ"، فكأنهم وجَّهوا تأويل الكلام إلى قولِ القائلِ: مَن أخوك فنُكْرِمَه. لأن الأفصَحَ في جوابِ الاستفهام بالفاء - إذا لم يَكُنْ قبله ما يُعْطَفُ به عليه من فعلٍ مستقبلٍ - نَصْبُه. وأولى هذه القراءاتِ عندنا بالصواب (٣) قراءةُ مَن قرأَ: (فَيُضَاعِفُه له). بإثباتِ الألفِ ورفع "يُضَاعِفُ"؛ لأنَّ في قوله: (من ذا الذي يُقْرِضُ اللهُ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُه). [معنى الجزاء] (٤)، والجزاءُ إذا دخَل في جوابِه "الفاءُ"، لم يَكُنْ جوابُه بالفاء إلا (٥) رَفْعًا، فلذلك كان الرفْعُ في "يُضَاعَفُه" أولى بالصوابِ عندَنا من النَّصْبِ، وإنما اختَرْنا الألفَ في "يُضَاعِفُ"، مِن حذفها وتشديد العين؛ لأن ذلك أفصَحُ اللُّغَتَين، وأكثرُهما على ألسنة العرب. القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. يعني تعالي ذكرُه بذلك أنه الذي يبدِه قبْضُ أرزاق العبادِ وبَسْطُها دون غيره ممن

стр. 2843

ادَّعى أهلُ الشرك به أنهم آلهةٌ واتَّخَذوه ربًّا دونَه يَعْبُدُونَه، وذلك نظيرُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بن بشارٍ، قالا: ثنا حجاجٌ، وحدَّثني عبدُ الملك بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: ثنا حجاجٌ وأبو ربيعة، قالا: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ وحميدٍ وقتادةَ، عن أنسٍ، قال: غلا السِّعْرُ على عهدِ رسول الله ﷺ ، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السِّعرُ فَأَسْعِر لنا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إن الله الباسِطُ القابِضُ الرازقُ، وإني لأرجو أن أَلْقَى الله ليس أحدٌ يَطْلُبُنى بمظلِمةٍ في نَفْس ومالٍ" (١). قال أبو جعفر: يعنى بذلك ﷺ أن الغَلاءَ والرُّخْصَ والسَّعةَ والضِّيقَ بيدِ اللهِ دونَ غيره، فكذلك قوله تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. يعنى بقوله: ﴿يَقْبِضُ﴾: يُقْتِرُ بِقَبْضِه الرِّزْقَ عمن يَشاءُ من خلقه. ويَعْنى بقوله: ﴿وَيَبْسُطُ﴾: يُوَسِّعُ ببسطِه الرزقَ على مَن يشاءُ منهم. وإنما أراد تعالى ذكرُه بقيلِه ذلك حثَّ عبادِه المؤمنين الذين قد بسَط عليهم من فضلِه، فوسَّع عليهم مِن رزقِه على تَقْوية ذوِى الإقتارِ منهم بمالِه، ومعونتِه بالإنفاقِ عليه وحمولته على النُّهوض لقتال عدوِّه من المشركين في سبيلِه، فقال تعالى ذكرُه: مَن يُقَدِّمْ لنفسِه ذُخْرًا عندى بإعطائه ضعفاءَ المؤمنين وأهل الحاجة منهم، ما يَستَعينُ به على القتال في سبيلى، فأضاعف له من ثوابى أضْعافًا كثيرةً مما (٢) أعطاه وقوَّاه به؟

стр. 2844

فإني أيُّها (١) الموسِعُ، الذي قبَضتُ الرزقَ عمن ندبتُك إلى معونَتِه وإعطائِه؛ لأبتلِيَه بالصبرِ على ما ابْتَلَيْتُه به، والذي بسَطْتُ عليك لأمتحنَك بعمَلِك فيما بسَطتُ عليك، فأنظرَ كيف طاعتُك إيَّايَ فيه، فأُجازِىَ كلَّ واحدٍ منكما (٢) على قدرِ طاعتِكما لي فيما ابتَلَيْتُكما فيه، وامْتَحَنْتُكما به مِن غِنًى وفاقةٍ، وسَعَةٍ وضيقٍ، عندَ رُجوعِكما إليَّ في آخِرَتِكما ومصيرِ كما إليَّ في مَعادِكما. وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال من بلَغنا قولُه مِن أهلِ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآية. قال: علم أن في من يُقَاتِلُ في سبيلِه مَن لا يَجدُ قوةً، وفى من لا يُقَاتِلُ في سبيلِه [من يَجِدُ غِنًى] (٣)، فندَب هؤلاءِ فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾. قال: يَبْسُطُ عليك وأنت ثَقِيلٌ عن الخُروجِ لا تُرِيدُه، وقبَض عن هذا وهو يَطِيبُ نفسًا بالخُروجِ ويَخِفُّ له، فقوِّه مما في يَدِكَ يَكُنْ لك في ذلك حَظٌّ. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾. يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: وإلى اللهِ معادُكم أيها الناسُ، فاتَّقُوا الله في أنفسِكم أن تُضَيِّعوا فرائضَه وتَتَعدَّوا حُدودَه، وأن يعمَلَ مَن بُسِطَ عليه منكم في رِزْقِه بغيرِ ما أَذِن له بالعملِ فيه ربُّه، وأن يَحْمِلَ المُقْتِرَ منكم، فقُبِض عنه رِزقُه، إقتارُه على

стр. 2845

معصيتِه والتَّقَدُّمِ على ما نهاه، فيَسْتَوجِبَ بذلك [منه بمصيرِه] (١) إلى خالقه ما لا قِبَلَ له به من أليمِ عقابِه. وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وإلى الترابِ تُرْجَعون. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: مِن الترابِ خلَقهم، وإلى الترابِ يَعُودون (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم ترَ يا محمدُ بقلبِك، فتعلمَ بخبرى إياك يا محمدُ ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾. يعنى: إلى وُجوهِ بني إسرائيلَ وأشرافِهم ورؤسائِهم. ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. يَقُولُ: مِن بعدِ ما قُبِضَ موسى فمات. ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فذُكِر لي أن النبيَّ الذي قال لهم ذلك، شَمْوِيلُ بنُ بالى بن علقمةَ بن يرخامَ (٣) بن أبيهو بن تهو بن صوفَ بن علقمةَ بن ماحثَ بن عموصا بن عزريا بن صفنيةَ (٤) بن علقمةَ بن أبي ياسفَ (٥) بن قارونَ بن يصهرَ بن قاهتَ بن لاوى بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ. حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابن (٦) إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ.

стр. 2846

وحدَّثني أيضًا المثنى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ أنه سمِع وهبَ بنَ منبهٍ يَقُولُ: هو شمويلُ (١). ولم يَنْسِبْه كما نسبَه ابن (٢) إسحاقَ. وقال السديُّ: بل اسمُه شمعونُ. وقال: إنما سُمَّي شمعونَ لأَنَّ أُمَّه دَعَتِ اللهِ أن يَرْزُقَها غلامًا، فاستجَاب اللهُ لها دعاءَها فرزَقها، فولَدت غلامًا فسمَّته شمعونَ، تَقُولُ: اللهُ تعالى سمِع دعائىَ. حدَّثني بذلك (٢) موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ (٣). فكأن "شمعون" فعلُون عندَ السُّدِّيِّ مِن قولِها (٤): سمِع اللهُ دعاءَها. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾. قال: شمؤلُ (٥). وقال آخرون: بل الذي سأَله قومُه من بنى إسرائيلَ أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلون

стр. 2847

في سبيلِ اللهِ يوشعُ بنُ نونِ بن أفرائيمَ (١) بن يوسفَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ. حدَّثني بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾. قال: كان نبيُّهم الذي بعدَ موسى يوشعَ بنَ نونِ، قال: وهو أحدُ الرجلين اللذين أنعَم اللهُ عليهما (٢). وأما قولُه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فاختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه سأَل الملأُ من بني إسرائيلَ نبيَّهم ذلك؛ فقال بعضُهم: كان سببَ مسألتِهم إياه ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ قال: خلَف بعدَ موسى في بني إسرائيلَ يوشَعُ بنُ نونٍ يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأَمْرَ اللهِ قبَضَه اللهُ، ثم خلَف فيهم كالبُ بنُ يوفنَّا (٣) يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأمْرَ اللهِ حتى قبَضه اللهُ تعالى، ثم خلَف فيهم حزقيلُ بنُ بوزى، وهو ابن العجوزِ، ثم إن الله قبَض حزقيلَ، وعظُمت في بني إسرائيلَ الأحداثُ، ونسُوا ما كان مِن عهدِ اللهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ وعبدوها منَ دونِ اللهِ، فبعَث اللهُ إليهم إلياسَ ابنَ تَسبى (٤) بن فِنحاصَ بن العيزارِ بن هارونَ بن عمرانَ نبيًّا، وإنما كانت الأنبياءُ من بنى إسرائيلُ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا مِن التوراةِ، وكان إلياسُ مع ملِكٍ من ملوكِ بني إسرائيلَ يُقالُ له:

стр. 2848

أحابُ (١). وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، فكان إلياسُ يُقِيمُ له أمرَه، وكان سائرُ بنى إسرائيلَ قد اتَّخَذُوا صنمًا يَعْبُدونَه مِن دونِ اللهِ، فجعَل إِلياسُ يَدْعُوهم إلى اللهِ، وجعَلوا لا يَسْمَعُون منه شيئًا، إلا ما كان مِن ذلك الملكِ، والملوكُ مُتَفَرِّقةٌ بالشامِ، كلُّ مَلِكٍ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ الذي كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَرَاه على هُدًى مِن بين أصحابهِ، يومًا: يا إلياسُ، واللهِ ما أَرَى مَا تَدْعُو إليه الناسَ إِلا باطلًا، واللهِ ما أرى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكِ بني إسرائيلَ قد عبَدوا الأوثانَ من دونِ اللهِ - إلَّا على مثلِ ما نحن عليه، يَأْكُلُون ويَشْرَبُون ويَتَنَعَّمُون، مُمَلَّكين (٢)، ما يَنْقُصُ مِن دنياهم [أمرُهم الذي تَزْعُمُ أنه باطلٌ] (٣)، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ. فيَزْعُمون - واللهُ أعْلمُ - أن إلياسَ اسْتَرجع، وقام شعرُ رأسِه وجلدِه، ثم رفَضه وخرَج عنه، ففعَل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِه، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما يَصْنَعون. ثم خَلَف من بعده فيهم اليَسَعُ، فكان فيهم ما شاء اللهُ أَن يَكُونَ، ثَم قبَضه اللهُ إليه، وخلَفت فيهم الخُلوفُ، وعظُمت فيهم الخطايا، وعندَهم التابوتُ يَتَوارثونه كابرًا عن كابرٍ، فيه السَّكينةُ وبقيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، وكانوا لا يلقاهم عدوٌّ، فيُقَدِّمُون التابوتَ ويَزْحَفُون به معهم، إلا هزَم اللهُ ذلك العدوَّ. ثم خلَف فيهم ملِكٌ يُقالُ له: إيلاءُ (٤). وكان اللهُ قد بارَك لهم في جبَلِهم مِن إيلياءَ، لا يَدْخُلُه عليهم عدوٌّ، ولا يحتاجون معه إلى غيرِه، وكان أحدُهم فيما يَذْكُرُون يَجْمَعُ الترابَ على الصخرةِ، ثم يَنْبِذُ فيه الحبَّ، فيُخْرِجُ اللهُ له ما يَأْكُلُ سنتَه هو وعيالُه، ويَكُونُ لأحدِهم الزيتونةُ فيَعْتَصِرُ منها ما يَأْكُلُ هو وعيالُه سنتَه، فلما عظُمت

стр. 2849

أحداثُهم، وترَكوا عهدَ اللهِ إليهم، نزَل بهم عدوٌّ، فخرَجوا إليه، وأخرَجوا معهم (١) التابوتَ كما كانوا يُخْرِجُونه، ثم زحَفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب مِن بين أيدِيهم، فأتى مَلِكُهم إيلاءُ، فأُخبِر أن التابوتَ قد أُخِذ واسْتُلِب، فمالت عنقُه، فمات كَمَدًا عليه، فمرَج أمرُهم عليهم، ووَطِئَهم عدوُّهم حتى أُصِيبَ مِن أبنائِهم ونسائِهم، وفيهم نبيٌّ لهم قد كان اللهُ بعَثه إليهم - فكانوا لا يَقْبَلون منه شيئًا - يقالُ له: شَمْوِيلُ، وهو الذي ذكَر الله لنبيِّه محمدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. يَقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قال ابن إسحاقَ: فكان مِن حديثِهم فيما حدَّثني به بعضُ أهلِ العلمِ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، أنه لما نزَل بهم البلاءُ، ووُطِئَتْ بلادُهم، كلَّموا نبيَّهم شَمْوِيلَ بنَ بالى، فقالوا: ابْعَثْ لنا ملِكًا نُقَاتلْ في سبيلِ اللهِ. وإنما كان قِوامُ بني إسرائيلَ الاجتماعَ على الملوكِ، وطاعةَ الملوكِ أنبياءَهم، وكان الملِكُ هو يَسيرُ بالجموعِ والنبيُّ يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَأْتيه بالخبرِ من ربِّه، فإذا فعَلوا ذلك صلَح أمرُهم، فإذا عَتَتْ مُلوكُهم وترَكوا أمرَ أنبيائِهم فسَد أمرُهم، فكانت الملوكُ إذا تابَعتها الجماعةُ على الضلالةِ تركوا أمرَ الرسلِ؛ ففريقًا يُكَذِّبون فلا يَقْبَلون منه شيئًا، وفريقًا يَقْتُلون، فلم يَزَلْ ذلك البلاءُ بهم حتى قالوا له: ابْعَثْ لنا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ. فقال لهم: إنه ليس عندَكم وفاءٌ ولا صِدقٌ ولا رَغْبةٌ في الجهادِ. فقالوا: إنما كنا نَهابُ الجهادَ ونَزْهَدُ فيه أنا كنا ممنوعِين في بلادِنا، لا يَطُؤُها أحدٌ، فلا يَظْهَرُ علينا فيها عدوٌّ، فأما إذ بلَغ

стр. 2850

ذلك، فإنه لابُدَّ من الجهادِ، فنُطِيعُ ربَّنا في جهادِ عدوِّنا، ونَمْنَعُ أبناءَنا ونساءَنا وذرارِيَّنا (١). حدِّثت عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. قال الربيعُ: ذكرِ لنا - والله أعلم - أن موسى لما حضَرته الوفاةُ، استخلَف فتاه يُوشَعَ بنَ نونٍ على بنى إسرائيلَ، وأن يُوشَعَ بنَ نونٍ سار فيهم بكتابِ اللهِ - التوراةِ - وسُنَّةِ نبيِّه موسى، ثم إن يُوشعَ بنَ نونٍ تُوفِّى، واستُخْلِفَ فيهم آخرُ، فسار فيهم بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه موسى ﷺ ، ثم استُخْلِف آخرُ، فسار فيهم بسيرةِ صاحبيه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فعرَفوا وأنكَروا، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكرَوا عامةَ أمرِه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكروا أمرَه كلَّه، ثم إن بني إسرائيلَ أتَوا نبيًّا مِن أنبيائِهم حينَ أُوذُوا في نْفُسِهم (٢) وأموالِهم، فقالوا له: سل ربَّك أن يَكْتُبَ علينا القتالَ. فقال لهم ذلك النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾. قال: قال ابن عباسٍ: هذا حينَ رُفِعَت التوراةُ واسْتُخْرِجَ أَهلُ الإيمانِ، وكانت الجَبَابرةُ قد أخْرَجَتْهم مِن ديارِهم وأبنائِهم (٤).

стр. 2851

حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاك يَقُولُ في قولِه: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾. قال: هذا حينَ رُفِعَت التَّوْراةُ واسْتُخْرِج أَهلُ الإيمانِ (١). وقال آخرون: كان سببَ مسألتِهم نبيَّهم ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ يُقَاتِلون العمالقَةَ، وكان ملِكَ العمالقةِ جالوتُ، وأنهم ظهَروا على بني إسرائيلَ، فضرَبوا عليهم الجزيةَ، وأخَذوا توراتَهم، وكانت بنو إسرائيلَ يَسْأَلُون الله أن يَبْعَثَ لهم نبيًّا يُقَاتِلون معه، وكان سِبْطُ النبوَّة قد هلَكوا، فلم يَبْقَ منهم إلا امرأةٌ حُبْلَى، فأخَذوها فحبسوها في بيتٍ؛ رهبةَ أن تَلِدَ جاريةً فتُبْدِلَها (٢) بغلامٍ؛ لما تَرَى مِن رغبةِ بني إسرائيلَ في ولَدِها، فجعَلت المرأةُ تَدْعو الله أن يَرْزُقَها غلامًا، فولَدت غُلامًا فسمَّتْه شمعونَ، فكبِر الغلامُ، فَأَسْلَمَتْه (٣) يَتَعَلَّمُ التوراةَ في بيتِ المقدسِ، وكفَله شيخٌ مِن علمائِهم وتَبَنّاه، فلما بلَغ الغلامُ أَن يَبْعَثَهُ اللهُ نبيًّا أتاه جبريلُ والغلامُ نائمٌ إلى جَنْبِ الشيخِ، وكان لا يَتَّمِنُ (٤) عليه أحدًا غيرَه، فدعاه بلَحْنِ الشيخِ: يا شماولُ. فقام الغلام فزِعًا إلى الشيخِ، فقال: يا أَبَتاه، دعوتَني؟ فكرِه الشيحُ أن يَقُول: لا، فيَفْزَعَ الغلامُ، فقال: يا بُنيَّ، ارْجِعُ فنَمْ. فرجَع فنام، ثم دعاه الثانيةَ، فأتاه الغلامُ أيضًا، فقال: دعوتَنى. فقال: ارْجِعْ فنَم، فإن دعوتُك الثالثةَ فلا تُجِبْنى. فلما كانت الثالثةَ ظهرَ له جبريلُ، فقال: اذْهَبْ إلى قومِك فبلِّغْهم

стр. 2852

رسالةَ ربِّك، فإِنَّ الله قد بعثَك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم كذَّبوه وقالوا: اسْتَعْجَلْت بالنبوَّةِ ولم تَئِنْ لك. وقالوا: إن كنْت صادقًا فابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ، آيةً من نبوَّتِك، فقال لهم شمعونُ: عسَى إن كُتِبَ عليكم القتالُ ألا تُقَاتِلوا (١). قال أبو جعفرٍ: وغيرُ جائزٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: (نُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ). إذا قُرِئَ بالنونِ غيرُ الجزمِ، على معنى المجازاةِ وشرْطِ الأمرِ. فإن ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الرَفْعَ فيه جائزٌ وقد قُرِئَ بالنونِ، بمعنى الذي نُقاتِلُ به (٢) في سبيلِ اللهِ. فإن ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن العرب لا تُضْمِرُ حرفين، ولكنْ لو كان قُرِئ ذلك بالياءِ لجازَ رفعُه؛ لأنه يكونُ لو قُرئَ كذلك صلة لـ "الملكِ"، فيصيرُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: ابْعَثْ لنا الذي يُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ. كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾. لأن قولَه: ﴿يَتْلُو﴾ مِن صلةِ "الرسولِ". القول في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾. يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: قال النبيُّ الذي سألوه أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلُوا في سبيلِ اللهِ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾: هل تَعِدُون ﴿إِنْ كُتِبَ﴾ يعنى:: إِن فُرِض عليكم القتالُ، ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ يعنى: ألا تَفُوا بما تعِدون الله من (٣) أنفسِكم مِن

стр. 2853

الجهادِ في سبيلِه، فإنكم أهلُ نُكْثٍ وغَدْرٍ، وقلَّةِ وفاءٍ بما تَعِدُونَ. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يعنى: قال الملأُ مِن بني إسرائيلَ لنبيِّهم ذلك: وأيُّ شيءٍ يمنعُنا أن نُقَاتِلَ في سبيلِ اللهِ عدوَّنا وعَدُوَّ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ بالقهرِ والغلبةِ؟. فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ دخولِ "أَنْ" في قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟ وحَذْفِه مِن قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾؟ [الحديد: ٨]. قيل: هما لُغتان فصيحتان للعرب، تَحْذِفُ "أن" مرةً مع قولِها (١): ما لك؟ فتقولُ: ما لك لا تَفْعَلُ كذا؟ بمعنى: ما لك غيرُ فاعلِه؟ كما قال الشاعرُ (٢): ما لَكِ تَرْغِينَ ولا تَرْغُو الخَلِفْ (٣) وذلك هو الكلامُ الذي لا حاجةَ بالمتكلمِ به إلى الاستشهادِ على صحتِه لفُشُوِّ ذلك على ألسنِ العربِ. وتُثْبِتُ "أن" فيه أُخرى؛ توجيهًا لقولِها: ما لك؟ إلى معناه (٤)، إذ كان معناه: ما منَعك؟ كما قال تعالى ذكرُه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. ثم قال في سورةٍ أُخرى في نظيرِه: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢]. فوضَع ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ موضعَ ﴿مَا لَكَ﴾، و ﴿مَا لَكَ﴾ موضعَ ﴿مَا مَنَعَكَ﴾؛ لاتِّفاقِ

стр. 2854

مَعْنَيَيْهما وإن اختلَفت ألفاظُهما، كما تَفْعَلُ العربُ ذلك في نظائرِه مما تَتَّفِقُ معانيه وتَخْتَلِفُ ألفاظُه، كما قال الشاعرُ (١): يَقُولُ إذا اقْلَوْلَى (٢) عليها وأَقْرَدَتْ (٣) … أَلَا هَلْ أَخو عَيشٍ لَذِيذٍ بدَائمِ؟ فأَدْخَل في "دائم" الباءَ مع "هل" وهى استفهامٌ، وإنما تَدْخُلُ في خبرِ "ما" التي في معنى الجَحْدِ؛ لتقاربِ معنى الاستفهامِ والجَحْدِ. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَقُولُ (٤): أُدخِلَت "أنْ" في: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾؛ لأنه بمعنى قولِ القائلِ: ما لك في ألا تُقاتِلَ؟ ولو كان ذلك جائزًا لجاز أن يقالَ: ما لك أن قُمْتَ؟ وما لك أنك قائمٌ؟ وذلك غيرُ جائزٍ؛ لأَنَّ المنعَ إِنما يَكُونُ للمُسْتَقْبَلِ مِن الأفعالِ، كما يقالُ: منَعتُك أن تقومَ. ولا يقالُ: منَعتُك أن قمتَ. فلذلك قيل في ما لك: ما لك ألا تَقُومَ؟ ولم يُقَلْ: مالك أن قُمْتَ؟ وقال آخرون منهم (٥): "أن" ههنا زائدةٌ بعد ["ما لنا" كما تزادُ] (٦) "لما" و "لو" وهى تُزادُ في هذا المعنى كثيرًا. قال: ومعناه: وما لنا لا تُقَاتِل في سبيلِ اللهِ؟ فأعمَل "أن"، وهى زائدةٌ، وقال الفرزدَقُ (٧):

стр. 2855

لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذُنوبَ لها … [إليَّ لَامَتْ] (١) ذَوُو أَحْسَابِها عُمَرا والمعنى: لو لم تَكُنْ غَطَفانُ لها ذَنوبٌ، و "لا" زائدةٌ فأعمَلها. وأنكَر ما قال هذا القائلُ مِن قولِه الذي حكَينا عنه آخرون، وقالوا: غيرُ جائزٍ أن تجعَلَ "أن" زائدةً في الكلامِ وهو صحيحٌ في المعنى، وبالكلامِ إليه الحاجةُ؛ قالوا: والمعنى: ما يمنعُنا ألا تُقَاتِلَ. فلا وجهَ لدعوى مدَّعٍ أنَّ "أنْ" زائدةٌ وله معنىً مفهومٌ صحيحٌ. قالوا: وأما قولُه: *لو لم تَكُنْ غَطَفَانٌ لا ذُنوبَ لها* فإنَّ "لا" غيرُ زائدةٍ في هذا الموضِعِ؛ لأنّه جَحْدٌ، والجَحْدُ إذا جُحِد صار إثباتًا. قالوا: فقولُه: لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذنوبَ لها. إثباتُ الذنوبِ لها، كما يُقالُ: ما أخوك ليس يقومُ. بمعنى: هو يقومُ. وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾: مالنا ولأن لا نُقَاتلَ. ثم حُذِفت الواوُ فتُرِكت، كما يُقالُ في الكلامِ: ما لك ولأنْ تذهبَ إلى فلانٍ. فأُلْقِى منها الواوُ؛ لأن "أنْ" حرفٌ غيرُ مُتَمَكنٍ في الأسماءِ، وقالوا: يُجيرُ أَن يُقالَ: ما لك أن تَقُومَ. ولا تُجيزُ: ما لك القيامُ؛ لأن القيامَ اسمٌ صحيحٌ. و "أنْ" اسمٌ غيرُ صحيحٍ، وقالوا: قد تقولُ العربُ: إياك أن تتكلَّمَ. بمعنى: إياك وأن تَتَكَلَّمَ.

стр. 2856

وأنكَر ذلك مِن قولِهم آخرون، وقالوا: لو جاز أن يُقَالَ ذلك على التأويلِ الذي تأوَّله قائلُ مَن حكينا، قولَه، لوَجَب أن يَكُونَ جائزًا: ضرَبتُك بالجاريةِ وأنت كفيلٌ (١). بمعنى: وأنت كفيلٌ بالجاريةِ. وأن تَقُولَ: رأيتُك [إيَّانا وتريدُ] (٢). بمعنى: رأيتُك وإيَّانا تُريدُ. لأن العربَ تَقُولُ: إياك بالباطلِ أن تَنْطِقَ. قالوا: فلو كانت الواوُ مُضْمَرةً في "أن" الجاز جميعُ ما ذكَرنا، ولكنَّ ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن ما بعدَ الواوِ مِن الأفاعيلِ غيرُ جائزٍ له أن يَقَعَ على ما قبلَها، واسْتَشْهَدُوا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن الواوَ مُضْمَرَةٌ مع "أن" بقولِ الشاعرِ (٣): فَبُحْ بالسَّرائرِ في أهلِها … وإياك في غيرِهم أن تَبُوحا وأنَّ "أنْ تَبوحا" لو كان فيها واوٌ مُضْمَرةٌ لم يَجُزْ تَقْدِيمُ "في (٤) غيرِهم" عليها. وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾. فإنه يعنى: وقد أُخْرِجَ مَن غُلِب عليه مِن رجالِنا ونسائنا مِن ديارِهم وأولادِهم، ومَن سُبِىَ. وهذا الكلامُ ظاهرُه العمومُ، وباطنُه الخصوصُ؛ لأن الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. كانوا في ديارِهم وأوطانِهم، وإنما كان أُخْرِج مِن دارِه وولده مَن أُسِر وقُهِر منهم. وأما قولُه: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ يَقولُ: فلما فُرِض عليهم قتالُ عدوِّهم والجهادُ في سبيلِه، ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.

стр. 2857

يقولُ: أدبَروا مُوَلِّين عن القتالِ، وضيَّعوا ما سأَلوه نبيَّهم مِن فرضِ الجهادِ. والقليلُ الذي اسْتَثْناهم اللهُ منهم هم الذين عَبروا النهرَ مع طالوتَ، وسَنَذْكُرُ سببَ تَوَلِّى مَن تَوَلَّى منهم، وعبورِ مَن عبرَ منهم النهرَ بعدُ إن شاءَ اللهُ إذا أتَيْنا عليه. يقولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. يعنى: واللهُ ذو علمٍ بمَن ظلَم منهم نفسَه، فأخلَف الله ما وعَده من نفسِه، وخالَف أمرَ ربِّه فيما سأله ابتداءً أن يُوجِبَه عليه. وهذا من اللهِ تعالى ذكرُه تقريعٌ لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في تكذيبِهم نبيَّنا محمدًا ﷺ ومخالفتِهم أمرَ ربِّهم. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه لهم: إنكم يا معشرَ اليهودِ عصَيتم الله وخالَفتم أمرَه فيما سألتموه أن يفرِضَه عليكم ابتداءً من غيرِ أن يبتدئَكم ربُّكم بفرضِ ما عصَيتموه فيه، فأنتم بمعصيتِه فيما ابتدأكم به من إلزامِ فرضِه أحْرَى. وفي هذا الكلامِ متروكٌ قد استُغنى بذكرِ ما ذُكِر عما تُرِك منه؛ وذلك أن معنى الكلامِ: قالوا: وما لنا ألا نقاتِلَ في سبيلِ اللهِ وقد أُخْرِجنا من ديارِنا وأبنائِنا. فسأل نبيُّهم ربَّهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِ اللهِ، فبعث لهم مَلِكًا، وكتَب عليهم القتالَ، فلما كُتبِ عليهم القتالُ تولَّوْا إلا قليلًا منهم، واللهُ عليمٌ بالظالمين. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾. يعني تعالى ذكره بذلك: وقال للملإِ من بني إسرائيل نبيُّهم شَمْوِيلُ (١): إِن الله

стр. 2858

قد أعطاكم ما سألتم، وبعَث لكم طالوتَ مَلِكًا. فلما قال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ ذلك، قالوا: أنَّى يكونُ لطالوتَ المُلْكُ علينا، وهو من سِبْط بنيامينَ بن يعقوبَ، وسِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطٌ لا مُلْكَ فيهم ولا نُبوَّةَ، ونحن أحقُّ بالمُلْكِ منه؛ لأَنَّا من سِبْطِ يَهوذا بن يعقوبَ. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ يعنى: ولم يؤتَ طالوتُ كثيرًا من المالِ؛ لأنه سَقَّاءٌ، وقيل: كان دبَّاغًا. وكان سببَ تمليكِ اللهِ طالوتَ على بنى إسرائيلَ، وقولِهم ما قالوا لنبيِّهم شَمْوِيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ ما حدَّثنا به ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قال الملأُ من من بني إسرائيلَ لشَمْوِيلَ بن بالى ما قالوا له، سأل الله نبيُّهم شَمْوِيلُ أن يبعثَ لهم مَلِكًا، فقال اللهُ له: انظرِ القَرْنَ الذي فيه الدُّهْنُ في بيتِك، فإذا دخَل عليك رجلٌ، فَنَشَّ (١) الدُّهْنُ الذي في القَرْنِ، فهو مَلِكُ بني إسرائيلَ، فَادْهُنْ رأسَه منه، وملِّكْه عليهم، وأخبِرْه بالذي جاءه. فأقام يَنتظرُ متى ذلك الرجلُ داخِلًا عليه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا يعمَلُ الأدَمَ، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ بن يعقوبَ، وكان سِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطًا لم يكُنْ فيهم نُبَوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فخرج طالوتُ في طلبِ دابةٍ له أضَلَّته، ومعه غلامٌ له، فمرَّا ببيتِ النبيِّ ﵇، فقال غلامُ طالوتَ لطالوتَ: لو دخلتَ بنا على هذا النبيِّ، فسألناه عن أمرِ دابتِنا فيُرشِدَنا، ويدعوَ لنا فيها بخيرٍ؟ فقال طالوتُ: ما بما قلتَ من بأسٍ. فدخَلا عليه، فبينما هما عندَه يذكُران له شأنَ دابتِهما، ويسألانه أن يدعوَ لهما فيها، إذ نَشَّ الدُّهْنُ الذي في القَرْنِ، فقام إليه النبيُّ ﵇ فأخَذه، ثم قال لطالوتَ: قرِّبْ رأسَك. فقرَّبه، فدهَنه منه، ثم قال: أنت ملكُ بنى إسرائيلَ الذي أمَرنى اللهُ أن أُمَلِّكَكَ عليهم. وكان اسمُ طالوتَ

стр. 2859

بالسُّرْيانيَّةِ شاولَ (١) بن قيسِ بن أبيالِ بن صرارِ بن يحربَ (٢) بن أفيحَ بن آيسَ (٣) بن بنيامينَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ، فجلَس عندَه، وقال الناسُ: مُلِّكَ طالوتُ. فأتَتْ عظماءُ بنى إسرائيلَ نبيَّهم وقالوا له: ما شأنُ طالوتَ يُمَلَّكُ علينا وليس في بيتِ النبوَّةِ ولا المملكةِ؟ قد عرَفْتَ أن النبوَّةَ والمُلْكَ في آلِ لاوِى وآلِ يَهوذا. فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٤). حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ (٥) عبد الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بن مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ، قال: قالت بنو إسرائيلَ لشْمَويلَ (٦): ابعَثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ في سبيلِ اللهِ. قال: قد كفاكم اللهُ القتالَ. قالوا: إنا نتخوَّفُ مَن حولَنا، فيكونُ لنا مَلِكٌ نفزَعُ إِليه. فأوحَى اللهُ إلى شَمْويلَ، أن ابعثْ لهم طالوتَ مَلِكًا، وادهُنْه بدُهْنِ القُدُسِ. فضلَّت حُمُرٌ لأبي طالوتَ، فأرسَله وغلامًا له يطلُبانها، فجاءوا إلى شَمْويلَ يسألونه عنها، فقال: إن الله قد بعَثك مَلِكًا على بني إسرائيلَ. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: و (٧) ما عَلِمتَ أن سِبْطى أدنى أسْباطِ بنى إسرائيلَ؟ قال: بلى. قال: أفما عَلِمتَ أن قبيلتي أدنى قبائلِ سبْطى؟ قال: بلى. قال: أما علِمتَ أن بيتى أدنى بيوتِ قبيلتي؟ قال: بلى. قال: فبأيَّة آيةٍ؟ قال: بآيَةِ أنك ترجِعُ وقد وجَد أبوك حُمُرَه، وإذا كنتَ بمكانِ كذا وكذا نزَل عليك الوَحْيُ. فدهَنه بدُهْنِ القُدُسِ، فقال لبني إسرائيلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ

стр. 2860

يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا كذّبت بنو إسرائيلَ شَمْعونَ، وقالوا له: إن كنتَ صادِقًا فابَعثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ في سبيلِ اللهِ آيةً من نبوَّتِك. قال لهم شمعونُ: عسى إن كُتِب عليكم القتالُ ألَّا تقاتِلوا. ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. دعا الله، فأُتِى بعضًا تكونُ مقدارًا على طولِ الرجلِ الذي يُبْعَثُ فيهم ملكًا، فقال: إن صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا. فقاسُوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوتُ رجلًا سقَاءً يَسْقى على حمارٍ له، فضَلَّ حِمارُه، فانطلَق يطلُبُه في الطريقِ، فلما رأَوْه دعَوه فقاسُوه بها، فكان مثلَها، فقال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قال القومُ: ما كنتَ قطُّ أكذبَ منك الساعةَ، ونحن من سِبْطِ المملكةِ وليس هو من سِبْطِ المملكةِ، ولم يؤتَ سعةً من المالِ فنتَّبِعَه لذلك. فقال النبيُّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٢). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرمةَ، قال: كان طالوتُ سقَاءٌ يبيعُ الماءَ (٣). حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال:

стр. 2861

بعَث اللهُ طالوتَ مَلِكًا، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ سِبْطٌ لم يكنْ فيهم مملكةٌ ولا نبوةٌ، وكان في بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ مملكةٍ، وكان سِبْطُ النبوةِ سِبْطَ لاوِى، إليه موسى، وسِبْطُ المملكةِ يهوذا، إليه داودُ وسليمانُ، فلما بُعِث من غيرِ سِبْطِ النبوةِ والمملكةِ أنكَروا ذلك، وعجِبوا منه وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾؟ قالوا: كيف يكونُ له الملكُ علينا، وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟ فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. قال: وكان من سِبْطٍ لم يكنْ فيهم مُلْكٌ ولا نبوةٌ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٢). حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾: وكان في بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ خلافةٍ، فلذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؟ يقولون: ومن أين يكونُ له المُلْكُ علينا، وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ الخلافةِ؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. حدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ

стр. 2862

سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ بن مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾. فذكَر نحوَه. حُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لمَّا قالت بنو إسرائيلُ لنبيِّهم: سَلْ رَبَّك أن يكتُبَ علينا القتالَ. فقال لهم ذلك النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية. قال: فبعَث اللهُ طالوتَ مَلِكًا. قال: وكان في بني إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبوَّةٍ وسِبْطُ مملكةٍ، ولم يكنْ طالوتُ (١) من سِبْطِ النبوَّةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ، فلما بُعِث لهم مَلِكًا أنكَروا ذلك، وعجِبوا وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ قالوا: وكيف يكونُ له المُلْكُ علينا وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أما ذكْرُ طالوت إذ قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ فإنهم لم يقولوا ذلك إلا أنه كان في بنى إسرائيل سِبْطان؛ كان في أحدِهما النبوةُ، وكان في الآخرِ المُلْكُ، فلا يُبْعَثُ إلا من كان من سِبْطِ النبوةِ، ولا يُمَلَّكُ على الأرضِ أحدٌ إلا مَن كان مِن سِبْطِ المُلْكِ، وإنه ابتَعَث طالوتَ حينَ ابتَعَثه وليس من أحدِ السِّبْطَين، واختاره عليهم، وزادَه بَسْطَةً في العلمِ والجسمِ، ومن أجلِ ذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾، وليس من واحدٍ من السِّبْطَين؟ قال:

стр. 2863

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية: هذا حينَ رُفِعت التوراةُ واستُخرج أهلُ الإيمانِ، وكانت الجبابرةُ قد أخرَجتهم من ديارِهم وأبنائِهم، فلما كُتِب عليهم القتالُ، وذلك حينَ أتاهم التابوتُ، قال: وكان من بني إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبُوَّةٍ وسِبْطُ خلافةٍ، فلا تكونُ الخلافةُ إلا في سِبْطِ الخلافةِ، ولا تكونُ النبوةُ إلا في سِبْطِ النبوةِ، فقال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾. وليس من أحدِ السِّبْطَين؛ لا سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ الخلافةِ. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢). وقد قيل: إن معنى المُلْكِ في هذا الموضعِ الإمرةُ على الجيشِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قال: كان أميرَ الجيشِ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه، إلا أنه قال: كان أميرًا على الجيشِ (٣).

стр. 2864

وقد بيَّنا معنى "أَنَّى" (١)، ومعنى "المُلْكِ" فيما مضَى (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: قال نبيُّهم شَمْوِيلُ لهم: إن الله اصطَفاه عليكم. يعني: اختَاره عليكم. كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختارَه عليكم (٣). حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال: اختاره عليكم. حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختاره (٤). وأما قولُه: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ فإنه يعنى بذلك: إن الله بسَط له في العلمِ والجسمِ، وآتاه من العلمِ فضلًا على ما آتَى غيرَه من الذين خُوطِبوا بهذا الخطابِ، وذلك أنه ذكَر أنه أتاه وحْيٌ من اللهِ، وأما في الجسمِ، فإنه

стр. 2865

أُوتى من الزيادةِ في طولِه عليهم ما لم يُؤْتَه غيرُه منهم. كما حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا قالت بنو إسرائيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قال: واجتمَع بنو إسرائيلَ، فكان طالوتُ فوقَهم من مِنْكَبَيه فصاعدًا (١). وقال السُّدَّيُّ: أُتِي النبيُّ ﷺ بعَصًا تكونُ مقدارًا على طولِ الرجلِ الذي يُبْعَثُ فيهم مَلِكًا، فقال: إن صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا. فقاسُوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، فقاسُوا طالوتَ بها، فكان مثلَها. حدَّثني بذلك موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الله اصطفاه عليكم وزاده مع اصطفائِه إيَّاه ﴿بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. يعنى بذلك: بَسَط له مع ذلك في العلمِ والجسمِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: بعدَ هذا (٣).

стр. 2866

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن المُلْكَ للهِ وبيدِه دونَ غيرِه، يؤتيه. يقولُ: يؤْتِي ذلك من يشاءُ، فيَضَعُه عندَه، ويَخُصُّه به، ويمنَحُه مَن أحبَّ من خلقِه. يقولُ: فلا تَسْتَنكِروا يا معشرَ الملأ من بنى إسرائيلَ أن يبعَثَ اللهُ طالوتَ مَلِكًا عليكم، وإن لم يكنْ من أهلِ بيتِ المملكةِ، فإن المُلْكَ ليس بميراثٍ عن الآباءِ والأسْلافِ، ولكنه بيَدِ اللهِ، يُعطِيه مَن يشاءُ من خلقِه، فلا تتخيَّروا على اللهِ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثني ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: المُلْكُ بيَدِ اللهِ يَضَعُه حيثُ يشاءُ، ليس لكم أن تختاروا فيه. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: مُلْكُه سلطانُه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾: سلطانَه (١). وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى بذلك: واللهُ واسعٌ بفضلِه،

стр. 2867

فيُنْعِمُ به (١) على مَن أحبَّ، [ويَزِيدُ فيه] (٢) من يشاءُ، عليمٌ بمَن هو أهلٌ لمُلْكِه الذي يؤتيه، وفضْلِه الذي يُعْطِيه، فيُعْطِيه ذلك لعلمِه به، وبأنه لِما أعطاه أهلٌ؛ إما للإصلاحِ به، وإما [لأن يَنْتَفِعَ هو به] (٣). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾. وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه عن نبيِّه الذي أخبَر عنه به (٤) دليلٌ على أن الملأَ من بني إسرائيلَ الذين قيل لهم هذا القولُ، لم يُقِرُّوا ببعثةِ اللهِ طالوتَ عليهم مَلِكًا إذ أخبرَهم نبيُّهم بذلك، وعرَّفهم فَضيلتَه التي فضَّله اللهُ بها، ولكنهم سألوه الدَّلالةَ على صدقِ ما قال لهم من ذلك وأخبرَهم به. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: والله يُؤتى مُلْكَه مَن يَشَاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ. فقالوا له: [انْتِ بآيةٍ على ذلك] (٥) إن كنتَ من الصادقين. قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾. وهذه القصةُ، وإن كانت خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن الملأ من بنى إسرائيلَ ونبيِّهم، وما كان من ابتدائِهم نبيَّهم بما ابتدَءوا به من مسألتِه أن يسألَ الله لهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِه، [ونبأ] (٦) عما كان منهم من تكذيبِهم نبيَّهم بعدَ علمِهم بنُبوَّتِه، ثم إخلافِهم الموعدَ الذي وعَدوا الله ووَعدوا رسولَه من

стр. 2868

الجهادِ في سبيلِ اللهِ، بالتخلُّفِ عنه حينَ استُنْهِضوا لحربِ مَن استُنْهِضُوا لحربِه، وفتْحِ اللهِ على القليلِ من الفئةِ، مع تخذيلِ الكثيرِ منهم عن مَلِكِهم، وقُعودِهم عن الجهادِ معه؛ فإنه تأديبٌ لمَن كان بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من ذَرارِيِّهم وأبنائِهمِ يهودِ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، وأنهم لن يَعْدُوا في تكذيبِهم محمدًا ﷺ فيما أمَرهم به ونَهاهم عنه، مع علْمِهم بصدقِه، ومَعْرِفتِهم بحقيقةِ نُبوَّتِه، بعدَ ما كانوا يَستَنصرون الله به على أعدائِهم قبلَ رسالتِه، وقبلَ بعثةِ اللهِ إِيَّاه إليهم، وإلى غيرِهم أن يكونوا كأسلافِهم وأوائلِهم الذين كذَّبوا نبيَّهم شَمْويلَ بنَ بالى، مع عِلْمِهم بصدقِه، ومعرفتِهم بحقيقةِ نبوَّتِه، وامتناعِهم من الجهادِ مع طالوتَ لمَّا ابتَعَثه اللهُ مَلِكًا عليهم، بعدَ مسألتِهم نبيَّهم ابتعاثَ مَلِكٍ يُقاتِلون معه عدوَّهم، ويجاهِدون معه في سبيلِ ربِّهم، ابتداءً منهم بذلك نبيَّهم، وبعدَ مراجعةِ نبيِّهم شَمْويلَ إياهم في ذلك، وحضٌّ لأهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ ﷺ على الجهادِ في سبيلِه، وتحذيرٌ منه لهم أن يكونوا في التخلُّفِ عن نبيِّهم محمدٍ ﷺ عندَ لقائِه العدوَّ، ومناهضتِه أهلَ الكفرِ باللهِ وبه، على مِثْلِ الذي كان عليه الملأُ من بني إسرائيلَ في تَخَلُّفهم عن مَلِكهم طالوتَ، إذ زحَف لحربِ عدوِّ اللهِ جالوتَ، وإيثارِهم الدَّعَةَ والخفضَ (١) على مباشرةِ حَرِّ الجهادِ، والقتالِ في سبيلِ اللهِ، وشَحْذٌ منه لهم على الإقدامِ على مُناجزة أهلِ الكفرِ به الحربَ، وتَرْكِ تهيُّبِ قتالِهم أن قلَّ عددُهم، وكَثُر عددُ أعدائِهم، واشتدَّت شَوكتُهم بقولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وإعلامٌ منه تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين به أن بيدِه النصرَ والظَّفَرَ والخيرَ والشرَّ.

стр. 2869

وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ فإنه يعنى: للملإِ من بني إسرائيلَ الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقولُه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: إن علامةَ مُلْكِ طالوتَ التي سأَلْتُمونيها دَلالةً على صدقي في قوله: إن الله بعَثه عليكم مَلِكًا، وإن كان من غير سِبْطِ المملكةِ ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو التابوتُ الذي كانت بنو إسرائيل إذا لَقُوا عدوًّا لهم قَدَّمُوه أمامَهم، وزحَفوا معه، فلا يَقومُ لهم معه عدوٌّ، ولا يَظهَرُ عليهم أحدٌ ناوَأَهم، حتى منَعوا أمرَ اللهِ، وكَثُر اختلافُهم على أنبيائِهم، فسَلَبهم اللهُ إِيَّاه مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، يَرُدُّه إليهم في كلِّ ذلك، حتى سَلَبَهم آخِرَ مرَّةٍ، فلم يرُدَّه عليهم، [ولن يُرَدَّ] (١) إليهم آخرَ الأبدِ. ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في سَببِ مجئِ التابوتِ الذي جعَل اللهُ مَجيئَه إلى بني إسرائيلَ آيةً لصدقِ نبيِّهم شَمْويلَ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. وهل كانت بنو إسرائيلَ سُلِبُوه قبلَ ذلك فردَّه اللهُ عليهم حينَ جعَل مجيئَه آيةً لمُلْكِ طالوتَ؟ أولم يكونوا سُلِبوه قبلَ ذلك، ولكنَّ الله ابتَدَأهم به ابتداءً؟ فقال بعضُهم: بل كان ذلك عندَهم من عهدِ موسى وهارونَ يَتَوارثونه، حتى سَلَبهم إياه مُلوكٌ من أهلِ الكفرِ به، ثم ردَّه اللهُ عليهم آيةً لمُلْكِ طالوتَ. وقال في سببِ ردِّه عليهم ما أنا ذاكِرُه، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ قال: كان لعيلى الذي ربَّى شَمْويلَ ابنان شابان أحدَثا في القُربانِ شيئًا لم يكنْ فيه، كان مِسْوَطُ (٢) القُرْبانِ

стр. 2870

الذي كانوا يَسُوطونه (١) به كُلَّا بَيْن (٢)، فما أخرَجا كان للكاهنِ الذي يسُوطُه (٣)، فجعَل ابناه كَلاليبَ، وكانا إذا جاء النساءُ يُصَلِّينَ فِي القُدْسِ يَتَشَبَّثان بهن، فبينا شَمْويلُ نائمٌ قِبَلَ البيتِ الذي كان ينامُ فيه عيلى، إذ سمع صوتًا يقولُ: أشَمْويلُ. فوَثَب إلى عِيلى، فقال: لبَّيك، ما لَكَ دعَوتَني؟ فقال: لا، ارجِعْ فنَمْ. فرجَع فنام، ثم سمِع صوتًا آخَرَ يقولُ: أَشَمُويلُ. فَوَثَب إلى عِيلى أيضًا، فقال: لبيك، ما لَكَ دعوتَنى؟ فقال: لم أفعلْ، ارجِعْ فنَم، فإن سمِعتَ شيئًا فقل: لبَّيك، مكانَك، مُرْنى فأفعلَ. فرجَع فنام، فسمع صوتًا أيضًا يقولُ: أَشَمُويلُ. فقال: لبَّيك، أنا هذا، مُرْنى أَفعَلْ. قال: انطلِقْ إلى عِيلى، فقُلْ له: مَنَعه حُبُّ الولدِ أَن يَرْجُرَ ابنَيْه أَن يُحْدِثا في قُدْسى وقُرْبانى، وأن يَعصِيَانى، فلأنزِعَنَّ منه الكِهانة ومِن وَلدِه، ولأُهلِكنَّه وإياهما. فلما أصبَح سأله عيلى، فأخبرَه، ففزِع لذلك فَزَعًا شديدًا. فسار إليهم عدوٌّ مِمَّن حولَهم، فأمَر ابنَيه أن يخرُجا بالناسِ فيُقاتلا ذلك العدوَّ، فخَرَجا وأخرَجا معهما التابوتَ الذي كان فيه اللَّوْحان وعصا موسى ليُنْصَرُوا به، فلما تهَيَّئوا للقتالِ هم وعدوُّهم، جعَل عيلى يتوقَّعُ الخبرَ؛ ماذا صنَعوا؟ فجاءه رجلٌ يخبِرُه وهو قاعدٌ على كُرسيِّه: إن ابنَيك قد قُتِلا، وإن الناسَ قد انهزَموا. قال: فما فعل التابوتُ؟ قال: ذهَب به العدوُّ. قال: فشَهِق ووقَع على قَفاه من كُرسيِّه فمات. وذهَب الذين سَبَوا التابوتَ حتى وضَعوه في بيتِ آلهتِهم ولهم صَنمٌ

стр. 2871

يعبُدُونه، فوضَعوه تحتَ الصَّنمِ، والصَّنمُ من فَوقِه، فأصبَح من الغدِ والصَّنمُ تحتَه وهو فوقَ الصَّنَمِ، ثم أخَذوه فوضَعوه فوقه وسمَّروا قدَمَيْه في التابوتِ، فأصبَح من الغدِ قد قُطِعت يدَا الصنمِ ورجلاه، وأصبَح ملقًى تحتَ (١) التابوتِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: قد عَلِمتُم أن إلهَ بنى إسرائيلَ لا يقومُ له شيءٌ، فأخرِجوه من بيتِ آلهِتَكم. فأخرَجوا التابوتَ فوضَعوه في ناحيةٍ من قريتِهم، فأخَذ أهلَ تلك الناحيةِ التي وضَعوا فيها التابوتَ وجَعٌ في أعناقِهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جاريةٌ كانت عندَهم من سَبْيِ بنى (٢) إسرائيلَ: لا تزالون ترَون ما تكرَهون ما كان هذا التابوتُ فيكم، فأخرِجُوه من قريتِكم. قالوا: كَذَبْتِ. قالت: إن آيةَ ذلك أن تأتُوا ببقَرَتَين لهما أولادٌ، لم يُوضَعْ عليهما نِيرٌ (٣) قطُّ، ثم تضَعوا وراءَهما (٤) العَجَلَ، ثم تضَعوا التابوتَ على العَجَلِ وتُسَيِّروهما، وتحبِسوا أولادَهما؛ فإنهما تنطلِقان به مُذْعِنَتَين، حتى إذا خرَجتا من أرضِكم ووَقَعتا في أرضِ بني إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما. ففعَلوا ذلك، فلما خرَجتا من أرضِهم ووَقَعَتا في أدنى أرضِ بنى إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما، ووَضَعَتاه في خَرِبةٍ فيها حَصادٌ (٥) من بني إسرائيلَ، ففَزِع إليه بنو إسرائيلَ وأقبَلوا إليه، فجعَل لا يدنو منه أحدٌ إلا مات، فقال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ: اعترِضُوا، فمن آنَس من نفسه قوَّةً فليَدْنُ منه. فعرَضوا عليه الناسَ، فلم يَقدِرْ أحدٌ يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أُذِن لهما بأن يحمِلاه إلى بيتِ أمِّهما، وهى أرْمَلَةٌ، فكان في بيتِ أمِّهما حتى مَلَك طالوتُ،

стр. 2872

فصَلَح أمرُ بنى إسرائيلَ مع شَمْويلَ (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العِلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: قال شَمْويلُ لبنى إسرائيلَ لمَّا قالوا له: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، و ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: وإن تَمْليكَه من قِبَلِ اللهِ، ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، فيَرِدَ عليكم الذي فيه من السكينةِ، وبقية مما ترَك آل موسى وآلُ هارونَ، وهو الذي كنتم تَهْزِمون به مَن لَقِيَكم (٢) من العدوِّ، وتَظْهَرُون به عليه. قالوا: فإن جاءنا التابوتُ، فقد رضِينا وسلَّمنا. وكان العدوُّ الذين أصابوا التابوتَ أسفلَ من الجبلِ، جبل إيلِيَا. فيما بينَهم وبينَ مصرَ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ، وكان فيهم جالوتُ، وكان جالوتُ رجلًا قد أُعْطِيَ بسطةً في الجسمِ، وقوةً في البَطْشِ، وشدَّةً في الحربِ، مَذكورًا بذلك في الناس، وكان التابوتُ حينَ اسْتُبِى قد جُعِل في قريةٍ من قُرَى فِلَسْطينَ، يقالُ لها: أزدودَ (٣). فكانوا قد جعَلوا التابوتَ في كنيسةٍ فيها أصنامُهم، فلما كان من أمر النبيِّ ﵇ ما كان من وعْدِ بنى إسرائيلَ أن التابوتَ سيأتِيهم، جَعَلت أصنامُهم تُصبِحُ في الكنيسةِ مُنَكَّسَةً على رءوسِها، وبعَث اللهُ على أهلِ تلك القريةِ فَأْرًا (٤)، تُبَيِّتُ (٥)

стр. 2873

الفَأرةُ الرجلَ، فيُصبِحُ مَيِّتًا قد أكَلَت (١) في جوفِه من دُبُرِه. قالوا: تعلَمون واللهِ، لقد أصابَكم بلاءٌ ما أصاب أُمَّةً من الأممِ قبلَكم (٢)، وما نعلَمُه أصابنا إلا مُذْ كان هذا التابوتُ بينَ أظْهُرِنا، مع أنكم قد رأيتُم أصنامَكم تُصْبِحُ كلَّ غداةٍ مُنَكَّسَةً، شيءٌ (٣) لم يكُنْ يُصنَعُ بها حتى كان هذا التابوتُ معها، فأخرِجُوه من بين أظْهُرِكم. فدَعَوا بعَجَلةٍ، فحمَلوا عليها التابوتَ، ثم علَّقُوها بثَوْرين، ثم ضَرَبوا على جُنوبِهما، وخرَجَت الملائكةُ بالثَّوْرَين تسوقُهما، فلم يَمُرَّ التابوتُ بشيءٍ من الأرضِ إلا كان قُدْسًا، فلم يَرُعْهم إلا التابوتُ على عجلةٍ يَجُرُّها الثَّوْرَان، حتى وقَف على بنى إسرائيلَ، فكبَّروا وحمِدوا الله، وجَدُّوا في حربِهم واسْتَوسَقوا (٤) على طالوتَ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا قال لهم نبيُّهم: إن الله اصْطَفَى طالوتَ عليكم، وزادَه بَسْطةً في العلمِ والجسمِ (٦). أبوا أن يُسَلِّموا له الرِّياسةَ، حتى قال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فقال لهم: أرأيتُم إن جاءَكم التابوتُ فيه سكينةٌ مِن ربِّكم وبقيَّةٌ مما ترك آل موسى وآلُ هارونَ تحمِلُه الملائكةُ؟ وكان موسى حينَ ألْقَى الألواحَ تَكسَّرَت ورُفِع منها، فنزَل فجمع ما بَقِى فجعَله في ذلك التابوتِ. قال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ،

стр. 2874

أنه لم يَبْقَ من الألواحِ إلا سُدُسَها. قال: وكانت العمالِقةُ قد سَبَت ذلك التابوتَ - والعمالِقَةُ فِرْقةٌ من عادٍ كانوا بأريحا (١) - فجاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بينَ السماءِ والأرضِ، وهم ينظُرُون إلى التابوتِ حتى وضَعَته عندَ طالوتَ، فلما رَأَوا ذلك قالوا: نعم. فسلَّموا له ومَلَّكوه، قال: وكانت الأنبياءُ إذا حضَروا قِتالًا، قدَّموا التابوتَ بين أيديهم ويقولون: إن آدَمَ نزل بذلك التابوتِ وبالرُّكْنِ. وبلَغنى أن التابوتَ وعصا موسى في بُحَيرةِ طَبَرِيَّةَ، وأنهما يَخْرُجان قبل يومِ القيامةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: إن أرميا لمَّا خُرِّب بيتُ المَقدسِ، وحُرِّقَتِ (٢) الكُتُبُ، وقَف في ناحية الجَبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ثم ردَّ اللهُ مَن ردَّ من بني إسرائيلَ على رأسِ سبعين سنةً من (٣) حينَ أماته، يَعْمُرونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ، فلما ذهَبَت المائةُ، ردَّ اللهُ إليه روحَه وقد عَمَرَت، فهى على حالِها الأولى. [قال: فجعَل يَنْظُرُ إلى العظام كيف يَلْتَئِمُ بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ تُكْسَى عَصَبًا ولحمًا، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. فقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. قال: وكان طعامُه تِينًا فِي مِكْتَلِ، وقُلَّةً فيها ماءٌ. قال: ثم سلَّط الله عليهم الوَصَبَ] (٤)، فلما أراد أن يَرُدُّ عليهم التابوتَ، أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم - إمَّا دانيالُ وإما غيرُه -: إن كنتم تُريدون أن يُرْفَعَ عنكم

стр. 2875

المرضُ، فأَخْرِجُوا عنكم هذا التابوتَ. قالوا: بآيةِ ماذا؟ قال: بآيةِ أنكم تأتون ببقَرَتَين صَعْبَتين (١) لم تَعْمَلا عملًا قطُّ، فإذا نظَرَنا إليه وضَعَتا أعناقَهما للنِّيرِ حتى يُشَدَّ عليهما، ثم يُشَدُّ التابوتُ على عَجَلٍ، ثم يُعَلَّقُ على البقرتَين، ثم تُخَلَّيان، فتَسيران حيثُ يريدُ اللهُ أن يبلِّغهما. ففَعَلوا ذلك، ووَكَّل الله بهما أربعةً من الملائكةِ يسوقونهما، فسارت البقرتان سيرًا سريعًا، حتى إذا بلَغَتا طَرْفَ القُدْسِ، كَسَرَتا نيرهما، وقَطَعَنا حِبالَهما، وذهَبَتا، فنزل إليهما داودُ ومَن معه، فلما رأى داودُ التابوتَ، حَجَلَ إليه فَرَحًا به. فقلنا لوَهْبٍ: ما: حَجَل إليه؟ قال: شَبيهٌ بالرَّقْصِ. فقالت له امرأتُه: لقد خَفِفْتَ حتى كاد الناسُ يَمْقُتونك لِما صنَعتَ. قال: أتُبَطِّئِينى عن طاعةِ ربِّي، لا تكُونين لى زوجةً بعدَ هذا. ففارقها (٢). وقال آخرون: بل التابوتُ الذي جعله الله آيةٌ لمُلْكِ طالوتَ كان في البَرِّيَّة، وكان موسى ﷺ خلَّفَه عند فتاه يُوشَعَ، فحملَته الملائكة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية: كان موسى ترَكه عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ، وهو بالبَرِّيَّةِ، وأقبلت به الملائكةُ تحمِلُه حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح في دارِه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ
следующие страницы →