← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

يعبُدُونه، فوضَعوه تحتَ الصَّنمِ، والصَّنمُ من فَوقِه، فأصبَح من الغدِ والصَّنمُ تحتَه وهو فوقَ الصَّنَمِ، ثم أخَذوه فوضَعوه فوقه وسمَّروا قدَمَيْه في التابوتِ، فأصبَح من الغدِ قد قُطِعت يدَا الصنمِ ورجلاه، وأصبَح ملقًى تحتَ (١) التابوتِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: قد عَلِمتُم أن إلهَ بنى إسرائيلَ لا يقومُ له شيءٌ، فأخرِجوه من بيتِ آلهِتَكم. فأخرَجوا التابوتَ فوضَعوه في ناحيةٍ من قريتِهم، فأخَذ أهلَ تلك الناحيةِ التي وضَعوا فيها التابوتَ وجَعٌ في أعناقِهم، فقالوا: ما هذا؟ فقالت لهم جاريةٌ كانت عندَهم من سَبْيِ بنى (٢) إسرائيلَ: لا تزالون ترَون ما تكرَهون ما كان هذا التابوتُ فيكم، فأخرِجُوه من قريتِكم. قالوا: كَذَبْتِ. قالت: إن آيةَ ذلك أن تأتُوا ببقَرَتَين لهما أولادٌ، لم يُوضَعْ عليهما نِيرٌ (٣) قطُّ، ثم تضَعوا وراءَهما (٤) العَجَلَ، ثم تضَعوا التابوتَ على العَجَلِ وتُسَيِّروهما، وتحبِسوا أولادَهما؛ فإنهما تنطلِقان به مُذْعِنَتَين، حتى إذا خرَجتا من أرضِكم ووَقَعتا في أرضِ بني إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما. ففعَلوا ذلك، فلما خرَجتا من أرضِهم ووَقَعَتا في أدنى أرضِ بنى إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما، ووَضَعَتاه في خَرِبةٍ فيها حَصادٌ (٥) من بني إسرائيلَ، ففَزِع إليه بنو إسرائيلَ وأقبَلوا إليه، فجعَل لا يدنو منه أحدٌ إلا مات، فقال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ: اعترِضُوا، فمن آنَس من نفسه قوَّةً فليَدْنُ منه. فعرَضوا عليه الناسَ، فلم يَقدِرْ أحدٌ يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أُذِن لهما بأن يحمِلاه إلى بيتِ أمِّهما، وهى أرْمَلَةٌ، فكان في بيتِ أمِّهما حتى مَلَك طالوتُ،

стр. 2872

فصَلَح أمرُ بنى إسرائيلَ مع شَمْويلَ (١). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العِلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: قال شَمْويلُ لبنى إسرائيلَ لمَّا قالوا له: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، و ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: وإن تَمْليكَه من قِبَلِ اللهِ، ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، فيَرِدَ عليكم الذي فيه من السكينةِ، وبقية مما ترَك آل موسى وآلُ هارونَ، وهو الذي كنتم تَهْزِمون به مَن لَقِيَكم (٢) من العدوِّ، وتَظْهَرُون به عليه. قالوا: فإن جاءنا التابوتُ، فقد رضِينا وسلَّمنا. وكان العدوُّ الذين أصابوا التابوتَ أسفلَ من الجبلِ، جبل إيلِيَا. فيما بينَهم وبينَ مصرَ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ، وكان فيهم جالوتُ، وكان جالوتُ رجلًا قد أُعْطِيَ بسطةً في الجسمِ، وقوةً في البَطْشِ، وشدَّةً في الحربِ، مَذكورًا بذلك في الناس، وكان التابوتُ حينَ اسْتُبِى قد جُعِل في قريةٍ من قُرَى فِلَسْطينَ، يقالُ لها: أزدودَ (٣). فكانوا قد جعَلوا التابوتَ في كنيسةٍ فيها أصنامُهم، فلما كان من أمر النبيِّ ﵇ ما كان من وعْدِ بنى إسرائيلَ أن التابوتَ سيأتِيهم، جَعَلت أصنامُهم تُصبِحُ في الكنيسةِ مُنَكَّسَةً على رءوسِها، وبعَث اللهُ على أهلِ تلك القريةِ فَأْرًا (٤)، تُبَيِّتُ (٥)

стр. 2873

الفَأرةُ الرجلَ، فيُصبِحُ مَيِّتًا قد أكَلَت (١) في جوفِه من دُبُرِه. قالوا: تعلَمون واللهِ، لقد أصابَكم بلاءٌ ما أصاب أُمَّةً من الأممِ قبلَكم (٢)، وما نعلَمُه أصابنا إلا مُذْ كان هذا التابوتُ بينَ أظْهُرِنا، مع أنكم قد رأيتُم أصنامَكم تُصْبِحُ كلَّ غداةٍ مُنَكَّسَةً، شيءٌ (٣) لم يكُنْ يُصنَعُ بها حتى كان هذا التابوتُ معها، فأخرِجُوه من بين أظْهُرِكم. فدَعَوا بعَجَلةٍ، فحمَلوا عليها التابوتَ، ثم علَّقُوها بثَوْرين، ثم ضَرَبوا على جُنوبِهما، وخرَجَت الملائكةُ بالثَّوْرَين تسوقُهما، فلم يَمُرَّ التابوتُ بشيءٍ من الأرضِ إلا كان قُدْسًا، فلم يَرُعْهم إلا التابوتُ على عجلةٍ يَجُرُّها الثَّوْرَان، حتى وقَف على بنى إسرائيلَ، فكبَّروا وحمِدوا الله، وجَدُّوا في حربِهم واسْتَوسَقوا (٤) على طالوتَ (٥). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا قال لهم نبيُّهم: إن الله اصْطَفَى طالوتَ عليكم، وزادَه بَسْطةً في العلمِ والجسمِ (٦). أبوا أن يُسَلِّموا له الرِّياسةَ، حتى قال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فقال لهم: أرأيتُم إن جاءَكم التابوتُ فيه سكينةٌ مِن ربِّكم وبقيَّةٌ مما ترك آل موسى وآلُ هارونَ تحمِلُه الملائكةُ؟ وكان موسى حينَ ألْقَى الألواحَ تَكسَّرَت ورُفِع منها، فنزَل فجمع ما بَقِى فجعَله في ذلك التابوتِ. قال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ،

стр. 2874

أنه لم يَبْقَ من الألواحِ إلا سُدُسَها. قال: وكانت العمالِقةُ قد سَبَت ذلك التابوتَ - والعمالِقَةُ فِرْقةٌ من عادٍ كانوا بأريحا (١) - فجاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بينَ السماءِ والأرضِ، وهم ينظُرُون إلى التابوتِ حتى وضَعَته عندَ طالوتَ، فلما رَأَوا ذلك قالوا: نعم. فسلَّموا له ومَلَّكوه، قال: وكانت الأنبياءُ إذا حضَروا قِتالًا، قدَّموا التابوتَ بين أيديهم ويقولون: إن آدَمَ نزل بذلك التابوتِ وبالرُّكْنِ. وبلَغنى أن التابوتَ وعصا موسى في بُحَيرةِ طَبَرِيَّةَ، وأنهما يَخْرُجان قبل يومِ القيامةِ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: إن أرميا لمَّا خُرِّب بيتُ المَقدسِ، وحُرِّقَتِ (٢) الكُتُبُ، وقَف في ناحية الجَبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ثم ردَّ اللهُ مَن ردَّ من بني إسرائيلَ على رأسِ سبعين سنةً من (٣) حينَ أماته، يَعْمُرونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ، فلما ذهَبَت المائةُ، ردَّ اللهُ إليه روحَه وقد عَمَرَت، فهى على حالِها الأولى. [قال: فجعَل يَنْظُرُ إلى العظام كيف يَلْتَئِمُ بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ تُكْسَى عَصَبًا ولحمًا، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. فقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. قال: وكان طعامُه تِينًا فِي مِكْتَلِ، وقُلَّةً فيها ماءٌ. قال: ثم سلَّط الله عليهم الوَصَبَ] (٤)، فلما أراد أن يَرُدُّ عليهم التابوتَ، أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم - إمَّا دانيالُ وإما غيرُه -: إن كنتم تُريدون أن يُرْفَعَ عنكم

стр. 2875

المرضُ، فأَخْرِجُوا عنكم هذا التابوتَ. قالوا: بآيةِ ماذا؟ قال: بآيةِ أنكم تأتون ببقَرَتَين صَعْبَتين (١) لم تَعْمَلا عملًا قطُّ، فإذا نظَرَنا إليه وضَعَتا أعناقَهما للنِّيرِ حتى يُشَدَّ عليهما، ثم يُشَدُّ التابوتُ على عَجَلٍ، ثم يُعَلَّقُ على البقرتَين، ثم تُخَلَّيان، فتَسيران حيثُ يريدُ اللهُ أن يبلِّغهما. ففَعَلوا ذلك، ووَكَّل الله بهما أربعةً من الملائكةِ يسوقونهما، فسارت البقرتان سيرًا سريعًا، حتى إذا بلَغَتا طَرْفَ القُدْسِ، كَسَرَتا نيرهما، وقَطَعَنا حِبالَهما، وذهَبَتا، فنزل إليهما داودُ ومَن معه، فلما رأى داودُ التابوتَ، حَجَلَ إليه فَرَحًا به. فقلنا لوَهْبٍ: ما: حَجَل إليه؟ قال: شَبيهٌ بالرَّقْصِ. فقالت له امرأتُه: لقد خَفِفْتَ حتى كاد الناسُ يَمْقُتونك لِما صنَعتَ. قال: أتُبَطِّئِينى عن طاعةِ ربِّي، لا تكُونين لى زوجةً بعدَ هذا. ففارقها (٢). وقال آخرون: بل التابوتُ الذي جعله الله آيةٌ لمُلْكِ طالوتَ كان في البَرِّيَّة، وكان موسى ﷺ خلَّفَه عند فتاه يُوشَعَ، فحملَته الملائكة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية: كان موسى ترَكه عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ، وهو بالبَرِّيَّةِ، وأقبلت به الملائكةُ تحمِلُه حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح في دارِه (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ

стр. 2876

في قولِه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ الآية. قال: كان موسى فيما ذُكر لنا ترك التابوتَ عند فتاه يُوشَعَ بن نُونٍ وهو في البَرِّيَّةِ، فذُكر لنا أن الملائكةَ حملته من البرِّيَّة حتى وضَعَته في دارِ طالوتَ، فأصبح التابوتُ في داره (١). وأولى القولين في ذلك بالصواب ما قاله ابن عباسٍ ووَهَبُ بنُ مُنَبِّهٍ، من أن التابوتَ كان عند عدوٍّ لبنى إسرائيلَ كان سلَبَهموه، وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال مُخْبِرًا عن نبيِّه في ذلك الزمانِ قولَه لقومِه من بنى إسرائيلَ: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ والألفُ واللامُ لا تَدْخُلان في مثل هذا من الأسماء إلا في معروف عند المُتخاطبين به، وقد عَرَفه المُخبَرُ والمُخبَرُ، فقد عُلِم بذلك أن معنى الكلام: إن آيَةَ مُلْكِه أن يأتِيَكم التابوتُ الذي قد عَرَفْتُموه، الذي كنتم تَستَنصرون به، فيه سكينةٌ من ربِّكم. ولو كان ذلك تابوتًا من التوابيت غيرَ معلوم عندَهم قَدْرُه، ومَبْلَغُ نَفْعِه قبل ذلك، لقيلَ: إن آيةَ مُلْكِه أن يأتِيَكم تابوتٌ فيه سَكِينةٌ من ربِّكُم. فإن ظنَّ ذو غفلةٍ أنهم كانوا قد عَرَفوا ذلك التابوت، وقَدْرَ نَفْعِه وما فيه وهو عند موسى ويُوشَعَ، فإن ذلك ما لا يخفى خطؤُه، وذلك أنه لم يَبلُغنا أن موسى لاقَى عدوًّا قطُّ بالتابوتِ، ولا فتاه يُوشَعَ، بل الذي يُعرَفُ من أمر موسى وأمرِ فرعونَ، ما قصَّ اللهُ من شأنهما، وكذلك أمره وأمر الجبَّارين، وأما فتاه يُوشَعُ، فإن الذين قالوا هذه المقالةَ، زعموا أن يُوشَعَ خلفَه في التِّيهِ حتى رُدَّ عليهم (٢) حين ملك طالوتُ، فإن كان الأمرُ على ما وصَفوه، فأيُّ الأحوالِ للتابوتِ الحالُ التي عَرَفوه فيها فجاز أن يقالَ: إن آيَةَ مُلْكه أن يأتيَكم التابوتُ الذي قد عَرَفْتُموه، وعَرَفتم أمره؟ وفى فَسادِ هذا القول بالذي ذكَرنا، أبْيَنُ الدَّلالة على صحةِ القولِ الآخَرِ، إذ لا قولَ في ذلك

стр. 2877

لأهل التأويل غيرُهما. وكانت صفةُ التابوتِ فيما بلَغَنا كما حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرِ والحسنُ بنُ يحيى، قالا: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: سَأَلْنَا وَهْبَ بن مُنبِّهٍ عن تابوتِ موسى ما كان؟ قال: كان نحوًا من ثلاثةِ أذرعٍ في ذراعين (١). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فِيهِ﴾: في التابوتِ ﴿سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. واختلف أهلُ التأويل في "معنى السكينة"؛ فقال بعضُهم: هي ريحٌ هَفَّافةٌ لها وَجْهُ كوَجْهِ الإِنسان. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادَةً، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن أبي وائلٍ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ، قال: السكينةُ ريحٌ هَفَّافةٌ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ. حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا سفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهيلٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عليٍّ، قال: السكينةُ لها وَجْهٌ كوجهِ الإنسان، ثم هي ريحٌ هَفَّافةٌ (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عَن سَلَمَةَ

стр. 2878

ابن كُهَيلٍ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ في قولِه: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: ريحٌ هَفَّافةٌ لها (١) صورةٌ. قال يعقوبُ في حديثِه: لها (٢) وَجْهٌ. وقال ابن (٣) المثنَّى: كوَجْهِ الإنسانِ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، قال: قال عليٌّ: السكينةُ لها وجهٌ كوجهِ الإنسانِ، وهى ريحٌ هَفَّافةٌ. حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، قال: قال عليٌّ: السكينةُ ريحٌ خَجُوجٌ ولها رأسان (٤). حدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، قال: سمعتُ خالدَ بنَ عرعرةَ يُحَدِّثُ عَن عليٍّ نحوَه (٥). حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شُعْبَةُ وحمادُ بنُ سَلَمَةَ وأبو الأَحْوَصِ، كلُّهم عن سِمَاكٍ، عن خالدِ بن عرعرَةَ، عن عليٍّ نحوَه (٤). وقال آخرون: لها رأسٌ كرأسِ الهِرَّة وجَناحان. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال:

стр. 2879

أقبَلَت السكينةُ [والصُّرَدُ] (١) وجبريلُ مع إبراهيمَ من الشامِ. قال ابن أَبي نجيحٍ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: السكينةُ لها رَأْسٌ كرأسِ الهِرَّةِ وجَناحان (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (٣). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: السكينةُ لها جَناحان وذَنَبٌ (٤). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثَّوْرِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: لها جَناحان وذَنَبٌ مثلُ ذَنَبِ الهِرَّةِ (٥). وقال آخرون: بل هي رأسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عَن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عن بعضِ أهلِ العلمِ من بني إسرائيلَ، قال: السكينةُ رأسُ هِرَّةٍ مَيِّتةٍ، كانت إذا صَرَخت في التابوتِ بصُرَاخِ هِرٍّ أيقَنُوا بالنصرِ وجاءهم الفتحُ (٦).

стр. 2880

وقال آخرون: إنما هي طَسْتُ من ذهبٍ من الجنةِ، كان يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياءِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. قال: طَسْتٌ من ذهبٍ من الجنةِ، كان يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياءِ (١). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: السكينةُ طَسْتُ من ذهبٍ، يُغْسَلُ فيها قلوبُ الأنبياء، أعطاها الله موسى، وفيها وضَع الألواحَ، وكانت الألواحُ - فيما بَلَغنا - من دُرٍّ (٢) وياقوتٍ وزبرجدٍ (٣). وقال آخرون: السكينةُ رُوحٌ من الله يتكلَّم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ الله، قال: سأَلْنا وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، فقلنا له: السَّكينةُ؟ قال: روحٌ من الله يتكلَّمُ، إذا اختلفوا في شيءٍ تكلَّمَ، فأخبَرهم ببيان ما يُريدون (٤).

стр. 2881

حدَّثنا محمدُ بنُ عَسْكَرٍ، قال: ثنا عبدُ الرزاق، قال: ثنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ. فَذَكَر نحوه. وقال آخرون: السكينةُ ما تعرِفون من الآياتِ فتسكُنون إليها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عَطاءَ بن أبى رباحٍ عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، قال: أمَّا السَّكينةُ، فما تعرفون من الآياتِ تسكُنون إليها (١). وقال آخرون: السكينةُ الرحمةُ. ذكرُ مَن قال ذلك حدِّثتُ عن عَمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: رَحْمَةٌ من ربِّكم (٢). وقال آخرون: السكينةُ هي الوقارُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: وَقارٌ (٣).

стр. 2882

وأولى هذه الأقوال بالحقِّ في معنى "السَّكِينَةِ"، ما قاله عطاءُ بن أبى رباحٍ، من الشئِ تَسْكُنُ إليه النُّفوسُ من الآياتِ التي تَعرِفونها، وذلك أن السَّكينةَ في كلامِ العربِ الفَعِيلةُ من قولِ القائلِ: سَكَن فلانٌ إلى كذا وكذا. إذا اطمأنَّ إليه وهَدَأت عندَه نَفْسُه، فهو يسكُنُ سُكُونًا وسَكِينةً، مثل قولك: عَزَم فلانٌ على هذا الأمرِ عَزْمًا وعزيمةً، وقضَى الحاكمُ بين القوم قضاءً وقضيَّةٌ. ومنه قولُ الشاعرِ (١): للهِ قَبْرٌ غالَها ماذا يُجِنُّ؟ … لقد أجَنَّ سَكِينةً ووَقارَا وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفتُ، فجائزٌ أن يكون ذلك على ما قاله عليُّ بنُ أبى طالبٍ على ما رَوَينا عنه، وجائزٌ أن يكونَ ذلك على ما قاله مجاهدٌ على ما حَكَينا عنه، وجائزٌ أن يكون ما قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وما قاله السُّدِّيُّ؛ لأن كلَّ ذلك آياتٌ كافياتٌ تَسْكُنُ إليهنَّ النُّفوسُ، وتَثْلَجُ بهنَّ الصدورُ، وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفنا، فقد اتَّضَح أن الآيةَ التي كانت في التابوتِ التي كانت النفوسُ تَسكُنُ إليها لمعرفتِها بصِحَّةِ أمْرِها إنما هي مُسَمَّاةٌ بالفعلِ وهى غيرُه، لدَلالة الكلام عليه. القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ (٢): الشئُ الباقى، من قولِ القائلِ: قد بقِى من هذا الأمر بَقِيَّةٌ. وهى فَعِيلةٌ منه، نظيرُ السَّكِينَةِ مِن "سَكَن". وقولُه: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. يعني به: مِن تَرِكَةِ آلِ موسى وآلِ هارونَ.

стр. 2883

واختلف أهلُ التأويلِ في البَقِيَّةِ التي كانت بَقِيَت من تَرِكتِهم؛ فقال بعضُهم: كانت تلك البقيةُ عصا موسى ورُضَاضَ الألواحِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمَةَ، قال: - أحسَبُه عن ابن عباسٍ - أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: رُضَاضُ الألواح (١). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بِشرٌ، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرِمة. قال داودُ: وأحسبُه عن ابن عباسٍ. مثلَه. حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في هذه الآية: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: عصا موسى ورُضَاضُ الألواحِ (٢). حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: فكان في التابوتِ عصا موسى ورُضَاضُ الألواحِ، فيما ذُكِر لنا. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: البَقِيَّةُ

стр. 2884

عصا موسى ورضاضُ الألواح (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. أما البَقِيَّة فإنها عصا موسى ورُضَاضَةُ الألواح (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: عصا موسى وأمورٌ من التوراة (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن عِكْرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: التوراة ورُضَاضُ الألواحِ والعصا. قال إسحاقُ: قال وكيعٌ: ورُضَاضُه كِسَرُه. حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عِكْرِمةَ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: رُضَاضُ الألواحِ (٤). وقال آخرون: بل تلك (٥) البقيَّةُ عصا موسى، وعصا هارونَ، وشيءٌ من الألواح.

стр. 2885

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيل (١) بن أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ: ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: كان فيه عصا موسى، وعصا هارونَ، ولَوحان من التوراة، والمنُّ (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى، عن عطيةَ بن سعدٍ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: عصا موسى، وعصا هارون، وثيابُ موسى، وثيابُ هارونَ، ورُضَاضُ الألواحِ (٣). وقال آخرون: بل هي العصا والنَّعْلان. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: سألتُ الثَّورِيَّ عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: منهم من يقولُ: البَقِيةُ قفيزٌ مِن مَنٍّ، ورُضَاضُ (٤) الألواحِ، ومنهم مَن يقولُ: العصا والنَّعْلان (٥). وقال آخرون: بل كان ذلك العصا وحدَها.

стр. 2886

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا بَكَّارُ بنُ (١) عبدِ اللهِ، قال: قلنا لوَهْب بن مُنَبِّهٍ: ما كان فيه؟ - يعني في التابوتِ - قال: كان فيه عصا موسى والسَّكينةُ (٢). وقال آخرون: بل كان ذلك رُضَاضَ الألواح وما تكسَّر منها. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، [قال: حدَّثنا الحُسينُ] (٣)، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ، قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾. قال: كان موسى حينَ ألقَى الألواحَ تَكَسَّرَت ورُفع منها، [فجَعَل الباقى] (٤) في ذلك التابوتِ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بن أبى رَباحٍ عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: العلمُ [والتوراة] (٥). وقال آخرون: بل ذلك الجهادُ في سبيل الله.

стр. 2887

ذكرُ من قال ذلك حُدثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: يعني بالبَقِيَّةِ القتالَ في سبيل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أُمروا (١). وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن التابوتِ الذي جعَله آيةً لصدقِ قول نبيِّه ﵇ [الذي قال] (٢) لأُمَّتِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. أن فيه سَكِينةً منه، وبَقِيةٌ [مِن تَرَكَةِ] (٣) آلِ موسى وآل هارونَ. وجائزٌ أن [تكون تلك] (٤) البَقيةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتوراةَ أو بعضَها، والنَّعْلَين، والثيابَ، والجهادَ في سبيل الله. وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدْرَكُ عِلْمُه من جهةِ الاستخراج ولا اللغة (٥)، ولا يُدْرَكُ علمُ ذلك إلا بخَبرٍ يوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عندَ أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفة (٦) التي وصَفنا. وإذ كان كذلك (٧)، فغير جائزٍ فيه تصويبُ قولٍ وتضعيفُ آخَرَ غيرِه، إذ كان جائزًا فيه ما قلنا من القولِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.

стр. 2888

اختلَف أهلُ التأويل في صفةِ حَمْلِ الملائكةِ ذلك التابوتَ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: تَحْمِلُه بين السماءِ والأرضِ حتى تَضَعَه بينَ أَظْهُرِهم. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: جاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بين السماءِ والأرضِ وهم ينظُرون إليه، حتى وضَعَته عندَ طالوتَ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: لمَّا قال لهم - يعنى النبيُّ لبنى إسرائيل -: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قالوا: فمَن لنا بأن الله هو آتاه هذا؟ ما هو إلا لهَواكَ فيه. قال: إن كنتم قد كذَّبتمونى واتَّهَمْتمونى فَإِنَّ ﴿آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. قال: فنزلت الملائكةُ بالتابوتِ نهارًا ينظُرون إليه عيانًا، حتى وضَعوه بين أظهُرِهم، فأقرُّوا غيرَ راضين، وخرَجوا ساخِطين. وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا قال لهم نبيُّهم [ما قال لهم] (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قالوا: فإن كنتَ صادِقًا، فأتِنا بآيةٍ أن هذا مَلِكٌ. قال: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وأصبح التابوتُ وما فيه في

стр. 2889

دارِ طالوتَ، فَآمَنوا بنبوَّة شمعونَ (١)، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. قال: تَحمِلهُ حتى تضَعَه في بيتِ طالوتَ (٣). وقال آخرون: معنى ذلك: تسوقُ الملائكةُ الدوابَّ التي تحملُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن بعض أشياخهم (٤)، قال: تَحمِلُه الملائكةُ على عَجَلةٍ، على بقرةٍ (٥). حدَّثنا الحسنُ، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: وُكِّل بالبقرتَينِ اللَّتين سارَتا بالتابوت أربعةٌ من الملائكة يسوقونهما، فسارَت البقرتان بهما سيرًا سريعًا، حتى إذا بَلَغَنَا طَرَفَ القُدْسِ ذَهَبَنَا (٦). وأولى القولَين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: حمَلَت التابوتَ الملائكةُ حتى وضَعَته نهارًا (٧) في دارِ طالوت (٨) بينَ أظْهُرِ بنى إسرائيلَ. وذلك أن الله تعالى ذكرُه

стр. 2890

قال: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾. ولم يَقُلْ: تأتى به الملائكةُ. وما جرَّتْه البَقَرُ (١) على عَجَلٍ، وإن كانت الملائكةُ هي سائِقَتَها، فهي غيرُ حاملته؛ لأن الحملَ المعروفُ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حَمْلَ ما حمَل، فأما ما حمَله على غيرِه، وإن كان جائزًا في اللغةِ أن يقال (٢): حَمَلَه، بمعنى مَعونتِه الحاملَ، أو بأنّ حَمْلّه كان عن سبِبِه، فليس سبيلُه سبيلَ ما باشَر حَمْلَه بنفسِه في تَعارُفِ الناسِ إِيَّاه بينَهم. وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشْهَرِ من اللغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ (٣)، ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن نبيَّه شَمْوِيلَ قال لبني إسرائيلَ: إن في مَجِيئِكم التابوتُ فيه سكينةٌ من ربِّكم، وبَقِيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، حامِلَته الملائكةُ ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ يعنى: لعلامةً لكم ودَلالةً أيُّها الناسُ على صدْقى فيما أخبَرْتُكم، أن الله بعث لكم طالوتَ مَلِكًا، أن كنتم قد كذَّبتمونى فيما أخبَرْتُكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتَّهَمْتمونى في خبرى إياكم بذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى بذلك: إن كنتم مُصَدِّقيَّ عند مجئ الآية التي سألتُمونيها على صدقى فيما أخبرتكم به من أمر طالوت ومُلكه. وإنما قلنا: ذلك معناه؛ لأن القومَ قد كانوا كفَروا بالله في تكذيبهم نبيَّهم، وردِّهم عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ بقولهم: هو ﴿أَنَّى

стр. 2891

يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾. وفى مسألِتهم إيّاه الآيةَ على صِدْقِه. فإذ (١) كان ذلك منهم كُفْرًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ لهم وهم كفارٌ: لكم في مَجِيءِ التابوتِ آيةٌ إن كنتم من أهلِ الإيمان بالله ورسولِه. وليسوا من أهلِ الإيمانِ بالله ولا برسولِه. ولكنَّ الأمرَ في ذلك على ما وصَفنا من معناه؛ لأنهم سألوا الآية على صدقِ خبرهِ إياهم ليُقِرُّوا بِصِدْقِه، فقال لهم: في مجئِ التابوتِ - على ما وصَفَه لهم - آيةٌ لكم إن كنتم عندَ مجيئِه كذلك مُصَدِّقيَّ بما قلتُ لكم وأخبَرْتكم به. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾. وفى هذا الخبرِ من اللهِ تعالى ذكرُه متروكٌ قد استُغْنِي [بدَلالتِه على] (٢) ما ذُكِر عليه عن ذكرِه. ومعنى الكلامِ: إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوتُ فيه سَكِينةٌ من ربِّهم و بَقِيَّةُ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، تَحمِلُه الملائكةُ، فصدَّقوا عندَ ذلك نبيَّهم، وأَقَرُّوا بأن الله قد بعَث طالوتَ مَلِكًا عليهم، وأَذْعَنوا له بذلك. يَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾. وما كان ليَفصِلَ بهم إلا بعدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم الملُكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ (٣) على إكْراهِهم على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرْهًا. وأما قولُه: ﴿فَصَلَ﴾. فإنه يعنى به: شخَص بالجُنُدِ ورحَل بهم. وأصلُ الفصْلِ القَطْعُ، يقالُ منه: فَصَل الرجل من موضعِ كذا وكذا - يعنى

стр. 2892

به: قَطَعَ ذلك فجَاوَزه شاخِصًا إلى غيره - يفصِلُ فصولًا، وفَصَل العَظْمَ والقولَ من غيرِه، فهو يفصِلُه فَصْلًا، إذا قَطَعه فأبانه. وفصَل الصبيَّ فِصالًا: إذا قطَعه عن اللبنِ. وقولٌ فَصْلٌ، يقطَعُ فيُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ لا يُرَدُّ. وقيل: إن طالوتَ فَصَل بالجنودِ يومئذٍ من بيتِ المَقْدسِ، وهم ثمانون ألفَ مقاتلٍ، لم يتَخَلَّفُ من بنى إسرائيلَ عن الفصولِ معه إلا ذو عِلَّةٍ لعلَّتِه، أو كبيرٌ لهَرَمِه، أو معذورٌ لا طاقةَ له بالنهوضِ معه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج بهم طالوتُ حيَن استَوسَقوا له، ولم يتَخَلَّفْ عنه إلا كبيرٌ ذو عِلَّةٍ، أو ضَريرٌ (١) معذورٌ، أو رجلٌ في ضَيْعةٍ (٢) لا بدَّ له من تَخَلُّفٍ (٣) فيها. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ. عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا جاءهم التابوتُ آمَنوا بنُبوَّة شمعونَ (٤)، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ، فخَرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا (٥). قال أبو جعفرٍ: فلمَّا فَصَل بهم طالوتُ على ما وصَفنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ

стр. 2893

مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. يقولُ: إن الله مُخْتَبِرُكم بنَهَرٍ، ليَعْلَمَ كيف طاعتُكم له. وقد دلَّلنا على أن معنى الابتلاء الاختبارُ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادته (١). وبما قلنا في ذلك كان قتادةُ يقولُ. حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: إن الله يَبْتلى خلْقَه بما يشاءُ؛ ليَعْلَمَ مَن يطيعُه مِمَّن يَعْصِيه (٢). وقيل: إن طالوتَ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. لأنهم شكَوا إلى طالوتَ قلةَ المياهِ بينَهم وبيَن عدوِّهم، وسألوه أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُجْرِيَ بينَهم وبينَ عدوِّهم نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ حينَئذٍ ما أخبَر الله عنه أنه قاله مِن قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا فَصَل طالوتُ بالجنودِ قالوا (٣): إن المياهَ لا تحمِلُنا، فادْعُ الله لنا يُجْرِى لنا نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية (٤).

стр. 2894

والنَّهَرُ الذي أخبرَهم طالوتُ أن الله مُبْتَلِيهم به، قيل: هو نهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطيَن. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال الربيعُ: ذُكِر لنا، والله أعلمُ، أنه نهرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسْطينَ (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه نَهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطينَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: هو نَهَرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسطيَن (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾: غازيًا إلى جالوتَ، قال طالوتُ لبنى إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: نَهَرٌ بينَ فِلَسْطيَن والأُرْدُنِّ، نَهَرٌ عَذْبُ المَاءِ طَيِّبُه (٣). وقال آخرون: بل هو نهرُ فِلَسْطينَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن

стр. 2895

أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: فالنهرُ الذي ابتُلِى به بنو إسرائيلَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: هو نَهَرُ فِلَسْطِينَ (٢). وأما قولُه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فإنه خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن طالوتَ أنه قال لجنودِه، إذ شَكَوا إليه العَطَشَ، فَأَخْبَرهم (٣) أَن اللَّهَ مُبْتَلِيهِم بِنَهَرٍ، ثم أعلَمَهم أن الابتلاءَ الذي أخبرَهم عن الله به مِن ذلك النَّهَرِ، هو أن مَن شَرِب مِن مائِه فليس هو منه، يعنى بذلك أنه ليس من أهلِ ولايتِه وطاعتِه، ولا من المؤمنين بالله وبلقائِه. ويدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. فَأَخرَجَ مَن لم يجاوزِ النهرَ من الذين آمنوا، ثم أخْلَص ذكرَ المؤمنين بالله ولقائِه عندَ دُنُوِّهم (٤) من جالوتَ وجنودِه بقولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأخبَرهم أنه مَن لم يَطْعَمُه؛ يعنى: مَن لم يَطْعَمِ الماءَ من ذلك النهرِ. والهاءُ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾. وفى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. عائدةٌ على النَّهَرِ، والمعنى لمائِه. وإنما تَرَك ذكرَ الماءِ اكِتفاءً بفَهْمِ السامِعِ بذكْرِ النَّهَرِ كذلك، أن المرادَ به الماءُ الذي فيه.

стр. 2896

ومعنى قولِه: ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾: لم يَذُقْه. يعنى: ومَن لم يَذُقْ ماءَ ذلك النَّهَرِ فهو مِنِّى. يقولُ: هو من أهلِ ولايتى وطاعتى، والمؤمنين بالله وبلقائِه. ثم استَثْنَى من قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. المُغْتَرِفِين بأيديهم غُرْفَةً، [فقال: و] (١) مَن لم يَطْعَمْ (٢) ماءَ ذلك النهرِ إِلا غُرْفَةً يَغْتَرفُها بيدِه، فإِنه مِنِّي. ثم اختلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. فقرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (غَرْفَةً) بِنَصْبِ الغَيْنِ من الغَرْفِةِ، بمعنى الغَرْفَةِ الواحدةِ، من قولِك: اغتَرفتُ غَرْفَةً. والغَرْفَةُ هي الفعلُ بعينِه من الاغْتِرافِ. وقرَأه آخرون بالضَّمِّ، بمعنى الماءِ الذي يَصِيرُ في كَفِّ المُغْتَرِفِ، فالغُرْفةُ الاسمُ، والغَرْفةُ المصدرُ (٣). وأعجبُ القراءتين في ذلك إليَّ ضَمُّ الغَيْنِ في "الغُرْفَةِ" بمعنى: إلا مَنِ اعْتَرَف كَفًّا من ماءٍ. لاختلافِ"غرْفة" إذا فُتِحَت غَيْنُها، وما هي له مصدرٌ. وذلك أن مصدرَ "اعْتَرَف" "اغتِرافةٌ"، وإنما "غَرْفَةٌ" مصدرُ "غَرَفْت"، فلما كانت "غَرْفةٌ" مُخالِفةً مصدرَ "اغتَرَف"، كانت الغُرْفةُ التي بمعنى الاسمِ على ما قد وصَفْنا أشبهَ منها بالغَرْفةِ التي هي بمعنى الفعلِ. وذُكرِ لنا أن عامَّتَهم شَرِبوا مِن ذلك الماءِ، فكان مَن شَرِب منه عَطِش، ومَن اعْتَرَف غُرْفَةً رَوِى.

стр. 2897

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: فشَرِب القومُ على قَدْرِ يَقينِهم (١)، فأمَّا الكفارُ فجعَلوا يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعَل الرجلُ يغتَرِفُ غُرْفَةٌ بيدِه، فتَجْزِيه وتُرْوِيه (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. قال: كان الكفارُ يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وكان المسلمون يغتَرِفون غُرْفةٌ فيَجْزيِهم ذلك (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: يعنى المؤمنين منهم، وكان القومُ كثيرًا، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، يعنى المؤمنين منهم، كان أحدُهم يغتَرِفُ الغُرْفَةَ فيَجْزِيه ذلك ويُرْوِيه (٤). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمروٌ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا أصبَح التابوتُ وما فيه في دارِ طالوتَ، آمَنوا بِنُبُوَّةِ شَمْعونَ، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ،

стр. 2898

فخرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا، وكان جالوتُ من أعظمِ الناسِ وأشدِّهم بأسًا، فَخَرَج يسيرُ بينَ يَدَى الجندِ، ولا تجتمِعُ إليه أصحابُه حتى يَهْزِمَ هُو مَن لَقِى، فلما خرَجوا قال لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ فشَرِبوا منه هَيبةً من جالوتَ، فعَبَر منهم أربعةُ آلافٍ، ورجَع ستةٌ وسبعون ألفًا، فمَن شرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرَبُ منه إلا غُرْفَةً رَوِى (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: أَلقَى الله على لسانِ طالوتَ حينَ فَصَل بالجنودِ، فقال: لا يَصْحَبْنى أحدٌ إلا أحدٌ له نِيَّةٌ في الجهادِ. فلم يَتَخلَّفْ عنه مُؤْمنٌ، ولم يَتْبَعْه (٢) منافِقٌ؛ [رجَعوا كفَّارًا] (٣)، فلما رأى قِلَّتَهم قالوا: لن نَمَسَّ (٤) هذا الماءَ غُرْفةً ولا غيرَها. وذلك أنه قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية. فقالوا: لن نَمَسَّ (٤) هذا، لا (٥) غُرْفةً ولا غيرَ غُرْفَةٍ. قال: وأَخَذَ البَقِيةُ الغُرْفَةَ، فشَرِبوا منه (٦) حتى كَفَتْهم وفَضَل منهم. قال: والذين لم يأخُذوا الغُرْفَةَ أَقوَى من الذين أخَذوها. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ

стр. 2899

اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: فشَرِب كلُّ إنسانٍ كَقَدْرِ (١) الذي في قلبهِ، فمَن اعْتَرَف غُرْفةً وأطاعَه رَوى بطاعتِه، ومَن شَرِب فأكثَر عَصَى، فلم يَرْوَ لمعصيتِه (٢). حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، في حديثٍ ذكَره عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. يقولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وكان - فيما يزعُمون - من تَتَابَعَ منهم في الشُّرْبِ الذي نُهِي عنه لم يُرْوِه، ومَن لم يَطْعَمُه إلا كما أُمِر غُرْفَةً بيدِه، أجْزأه وكَفاه. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾: فلما جاوَز النَّهَرَ طالوتُ. والهاءُ في: ﴿جَاوَزَهُ﴾ عائدةٌ على النَّهَرِ. و ﴿هُوَ﴾ كنايةُ اسمِ طالوتَ. وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. يعني: وجاوَز النَّهَرَ معه الذين آمنوا، ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. ثم اخْتُلِف في عِدَّةِ مَن جاوَز النَّهَرَ معه يومَئِذٍ، ومَن قال منهم: لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه؛ فقال بعضُهم: كانت عِدَّتُهم عِدَّةَ أَهلِ بدرٍ؛ ثلاثَمائةِ رجلٍ وبِضْعةَ عشَرَ رجلًا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدام، وحدَّثنا

стр. 2900

أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيرِيُّ، قالا جميعًا: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن عِدَّةَ أصحاب بدرٍ على عِدَّةِ أصحابِ طالوتَ الذين جاوَزوا النَّهَر معه، ولم يجز (١) معه إلا مؤمنٌ، ثلاثُمائةٍ وبِضعةَ عشَرَ رجلًا (٢). حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ بدر يومَ بدرٍ كعِدَّةِ أصحاب طالوت؛ ثلاثُمائةِ رجلٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا الذين جاوَزوا النَّهَرَ (٣). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ ثلاثمائة وبضعَةَ عَشَرَ رجلًا على عدةِ أصحابِ طالوتَ مَن جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمنٌ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراء بنحوه (٥). حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ على عِدَّة أصحابِ طالوتَ يومَ جاوزوا النَّهَرَ، وما جاوَز معه إلا مسلمٌ (٦).

стр. 2901

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ مثله (١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال لأصحابه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحاب طالُوتَ يومَ لَقِى". وكان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا (٢). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَحَّصَ الله الذين آمنوا عندَ النَّهَرِ، وكانوا ثلاثمائةٍ وفوقَ العشَرَةِ ودونَ العشرين، فجاء داودُ ﵇ فأكمَلَ به العِدَّةَ. وقال آخرون: بل جاوَز معه النَّهَرَ أربعةُ آلافٍ، وإنما خلَص أهلُ الإيمانِ منهم من أهل الكفر والنِّفاق حينَ لقُوا جالوتَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ، قال: عبر مع طالوت النهَرَ من بنى إسرائيل أربعةُ آلافٍ، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فنَظَروا إلى جالوت رجعوا أيضًا وقالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. فرجع عنه أيضًا ثلاثةُ آلاف وستُّمائة وبضعةٌ (٣) وثمانون، وخلَص في ثلاثمائةٍ وبضْعَةَ عَشَرَ، عِدَّةِ أَهلِ بدرٍ (٤).

стр. 2902

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: لمَّا جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شَرِبوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. وأولى القولين في ذلك بالصواب ما رُوى عن ابن عباس وقاله السُّدِّيُّ، وهو أنه جاوَز النَّهَرَ مع طالوت المؤمنُ الذي لم يَشْرَبْ من النهر إلا الغُرْفةَ، والكافرُ الذي شَرِب منه الكثيرَ، ثم وقع التمييزُ بينَهم بعدَ ذلك برؤية جالوتَ ولقائه، وانخَزَل (١) عنه أهلُ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. ومضى أهلُ البصيرةِ بأمرِ اللَّهِ على بصائِرِهم، وهم أهلُ الثَّباتِ على الإيمان، فقالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فإِن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ جاوَز النَّهَرَ مع طالوتَ إِلا أَهلُ الإيمانِ الذين ثبتوا معه على إيمانِهم، ومَن لم يشرَب من النهر إلا الغُرْفَةَ؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. فكان معلومًا أنه لم يجاوِزْ معه إلا أهلُ الإيمانِ، على ما رُوى به الخبرُ عن البَرَاءِ بن عازبٍ، ولأن أهلَ الكفرِ لو كانوا جاوزوا النهَرَ كما جاوَزه أهلُ الإيمانِ، لما خَصَّ الله بالذِّكْرِ في ذلك أهلَ الإيمانِ. فإن الأمر في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنكرٍ أن يكونَ الفريقان - أعنى فريق الإيمان وفريق الكُفْرِ - جاوزوا النَّهَرَ، وأخبر الله نبيَّه محمدًا ﷺ عن المؤمنين بالمُجاوزة؛ لأنهم كانوا من الذين جاوَزوه مع مَلِكِهم، وتَرَك ذكرَ أهلِ الكفرِ، وإن كانوا قد جاوَزوا النَّهَرَ مع المؤمنين.

стр. 2903

والذي يَدُلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فأوجب الله تعالى ذكرُه أن الذين يَظُنُّون أنهم ملاقو اللَّهِ هم الذين قالوا عند مجاوزة النهرِ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. دون غيرهم الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقُو الله، وأن الذين لا يظُنُّون أنهم ملاقُو الله هم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يُضافَ الإيمانُ إلى مَن جَحَد أنه مُلاقى الله، أو شَكَّ فيه. القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾. اختلف أهل التأويل في أمْرِ هذين الفريقين، أعنى القائلين: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. والقائلين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ من هما؟ فقال بعضُهم: الفريقُ الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. هم أهلُ كُفْرٍ باللهِ ونِفاقٍ، وليسوا ممن شهِد قتالَ جالوت وجنوده؛ لأنهم انصرَفوا عن طالوتَ ومَن ثبت معه لقتالِ عدوٍّ الله جالوت ومن معه، وهم الذين عَصَوا أمرَ اللَّهِ لشُرْبهم من النَّهَرِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ بذلك (١). وهو

стр. 2904

قولُ ابن عباسٍ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه آنِفًا (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: الذين يظُنُّون أنَّهم ملاقُو اللَّهِ، الذين اغتَرَفوا وأطاعوا، الذين مَضَوا مع طالوتَ المؤمنون، وجلَس الذين شَكُّوا. وقال آخرون: كلا (٢) الفريقَين كان أهلَ إيمانٍ، ولم يكنْ منهم أحدٌ شرِب مِن الماءِ إلا غُرْفةً، بل كانوا جميعًا أهلَ طاعةٍ، ولكنَّ بعضَهم كان أصحَّ يَقِينًا من بعضٍ، وهم الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. والآخرون كانوا أضعفَ يَقِينًا منهم (٣)، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ويكونُ، [واللهِ] (٤)، المؤمنون بعضُهم أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعضٍ، وهم مؤمنون كلُّهم (٥). حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن

стр. 2905

قتادةَ في قولِه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إِن النبيَّ ﷺ قال لأصحابِه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحابِ طالوتَ ثَلاثُمائةٍ". قال قتادةُ: وكان مع النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ ثلاثُمائةٍ وبضعَةَ عشَرَ (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الذين لم يأخُذوا الغُرْفةَ أقوى من الذين أخَذوا، وهم الذين قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ويجِبُ على القولِ الذي رُوِى عن البَراءِ بن عازبٍ أنه لم يُجاوزِ النَّهَرَ مع طالوتَ إلا عدةُ أصحابِ بدرٍ، أن يكونَ كلا الفريقَين اللذَين وصَفَهما اللهُ بما وصَفهما به، أمرُهما على نحوِ ما قال فيهما قتادةُ وابنُ زيدٍ. وأولى القولَين في [ذلك بتأويلِ الآيةِ] (٢)، ما قاله ابن عباسٍ والسُّدِّيُّ وابنُ جُرَيجٍ. وقد ذكَرنا الحُجَّةَ في ذلك فيما مَضَى قبلُ آنِفًا. وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾. فإنه يعنى: قال الذين يعلَمون ويَسْتيقِنون أنهم ملاقو اللَّهِ. حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾: الذين يَسْتيقِنون (٣): فتأويلُ الكلامِ: قال الذين يُوقِنون بالمَعادٍ، ويُصَدِّقون بالمَرْجِعِ إلى اللهِ، للذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ

стр. 2906

قَلِيلَةٍ﴾. يعنى بـ ﴿كَمْ﴾ كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى: بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: مع الحابِسِين أنفسَهم على رضاه وطاعتِه. وقد أتَينا على البَيانِ عن وجوهِ الظَّنِّ، وأن أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بما يدُلُّ على صحةِ ذلك فيما مَضَى، فكَرِهنا إعادتَه (١). وأما الفِئَةُ فإنهم الجماعةُ من الناسِ، لا واحدَ له من لفظِه، وهو مثلُ الرَّهْطِ والنَّفَرِ، يُجْمَعُ (٢) "فِئات"، و"فِئونَ" في الرفعِ، و"فِئينَ" في النصبِ والخَفضِ، بفتحِ نونِها في كلِّ حالٍ، و"فِتينُ" بالرفعِ بإعرابِ نونِها بالرفعِ، وتَرْكِ الياءِ فيها، وفى النصبِ "فِئينًا"، وفى الخَفْضِ "فِئينٍ"، فيكونُ الإعرابُ في الخفضِ والنصبِ في نونِها، وفى كلِّ ذلك مُقَرَّةٌ فيها الياءُ على حالِها، فإن أُضِيفت قيل: هؤلاء [فِئينُك. بإقرارِ] (٣) النونِ وحَذْفِ التنوينِ، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ، في جميعِ السنةِ: هذه سنينُك. بإثباتِ النونِ وإعرابِها، وحَذْفِ التنوينِ منها للإضافةِ، وكذلك العملُ في كلِّ منقوصٍ، مثلَ: مائةٌ وثُبَةٌ وقُلَةٌ (٤) وعِزَةٌ. فأما ما كان نقصُه من أولِه، فإن جَمْعَه بالتاءِ، مثلَ: عِدَةٌ وعداتٌ، وصِلةٌ وصِلاتٌ. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ مُعِينُ الصَّابِرين على الجهادِ في سبيلِه، وغيرِ ذلك من طاعتِه، وظهورِهم (٥) ونصْرِهم على أعدائِه

стр. 2907

الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالِفين مِنْهاجَ دينِه. وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلًا على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ولمَّا برَز طالوتُ وجنودُه لجالوتَ وجنودِه. ومعنى قولِه: ﴿بَرَزُوا﴾: صاروا بالبَرَازِ من الأرضِ، وهو ما ظهَر منها واستَوى، ولذلك قيل للرجلِ القاضي حاجتَه: تَبَرَّزَ؛ لأنَّ الناسَ قديمًا في الجاهليةِ إنما كانوا يَقْضُون حاجتَهم في البرَازِ من الأرضِ، فقيل: قد تَبرَّزَ فلانٌ. إذا خرَج إلى البَرَازِ من الأرضِ لذلك، كما قيل: تَغَوَّط. لأنهم كانوا يَقْضُون حاجتَهم في الغائطِ من الأرضِ، وهو المُطْمَئِنُّ منها، فقيل للرجلِ: تَغَوَّط. أي: صار إلى الغائطِ من الأرضِ. وأما قولُه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. فإنه يعنى أن طالوتَ وأصحابَه قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. يعنى: أنزِلْ علينا صبرًا. وقولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. يعنى: وقَوِّ قلوبَنا على جهادِهم؛ لتَثْبُتَ أقدامُنا فلا نَنْهِزِمَ عنهم، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين كفَروا بك فجَحَدوك إلهًا، وعَبَدوا غيرَك، واتَّخَذوا الأوثانَ أرْبابًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. يعنى (١) تعالى ذكرُه بذلك (٢): فهَزَم طالوتُ وجنودُه أصحابَ جالوتَ، وقتَل

стр. 2908

داودُ جالوتَ. وفى هذا الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر منه عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: ولمَّا برَزوا لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أفرِغْ علينا صبرًا وثبِّتْ أقدامَنا وانصُرْنا على القومِ الكافرين، فاستجاب لهم ربُّهم، فأفرَغ عليهم صبرَه، وثبَّتَ أقدامَهم ونصَرهم على القومِ الكافرين، فهَزَموهم بإذنِ اللهِ. ولكنه ترَك ذكْرَ ذلك اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. على أن الله قد أجاب دعاءَهم الذي دَعَوه به. ومعنى قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم (١) بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةً وهِزِّيمَى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. وداود هذا، هو داودُ بنُ إيشى (٢) نبيُّ اللهِ ﵇. وكان سببَ قتلِه إياه كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّا خرَج - أو قال: لمَّا بَرَز - طالوتُ الجالوتَ، قال جالوتُ: أبْرِزوا لى مَن يُقاتِلُنى، فإن قتَلنى فلكم مُلْكِى، وإن قتَلْتُه فلى مُلْكُكم. فأُتِى بداودَ إلى طالوتَ، فَقاضاه إن قتَله أن يُنكِحَه ابنتَه، وأن يُحَكِّمَه في مالِه، فألبَسه طالوتُ سلاحًا، فكَرِه داودُ أن يقاتِلَه بسلاحٍ (٣)، وقال: إنِ اللهُ لم يَنصُرْنى عليه لم يُغْنِ السلاحُ. فخرَج إليه بالمِقْلاعِ وبمِخْلاةٍ فيها أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ: أنت تُقاتِلُنى؟ قال داود: نعم.

стр. 2909

قال: وَيْلَك، [ما خرَجتَ إليَّ] (١) إلا كما يُخرَجُ إلى الكلب بالمِقْلاعِ والحِجارةِ! لأُبَدِّدَنَّ (٢) لَحْمَك، ولأُطْعِمَنَّه اليومَ الطيرَ والسِّباعَ. فقال له داودُ: بل أنت عدوُّ اللهِ شرٌّ من الكلبِ. فأخَذ داودُ حجرًا ورماه بالمِقْلاعِ، فأصابه (٣) بينَ عَيْنَيه حتى نفَذ (٤) في دِماغِه، فصَرَع جالوتَ، وانهزَم مَن معه، واحتَزَّ داودُ رأسَه، فلما رجَعوا إلى طالوتَ ادَّعى الناسُ قتلَ جالوتَ؛ فمنهم مَن يأتى بالسيفِ وبالشئِ من سلاحِه أو جسدِه، وخَبَّأ داودُ رأسَه، فقال طالوتُ: مَن جاء برأسِه فهو الذي قتَله. فجاء به داودُ، ثم قال لطالوتَ: أعْطِنى ما وعَدْتَنى. فندِم طالوتُ على ما كان شرَط له وقال: إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ، وأنت رجلٌ جَرِئٌ شجاعٌ، فاحتَمِلْ صداقَها ثلاثَمائةِ غُلْفةٍ (٥) من أعدائِنا. وكان يرجو بذلك أن يُقْتَلَ داودُ، فغَزا داودُ، وأسَر منهم ثلاثَمائةٍ، وقطَع غُلَفَهم وجاء بها، فلم يَجِدْ طالوتُ بُدًّا من أن يُزَوِّجَه، ثم أدرَكَته النَّدامةُ، فأراد قتلَ داودَ حتى هرَب منه إلى الجبلِ، فنهَض إليه طالوتُ فحاصَره، فلما كان ذاتَ ليلةٍ سُلِّط النومُ على طالوتَ وحَرَسِه، فهَبَط إليهم داودُ، فأخَذ إبريقَ طالوتَ الذي كان يشرَبُ منه ويَتوضَّأُ، وقطَع شَعَراتٍ من لحيتِه وشيئًا من هُدْبِ ثيابِه، ثم رجَع داودُ إلى مكانِه، فناداه: [أنْ تَعاهَدْ] (٦) حرَسَك، فإنى لو شئتُ أن (٧) أقتُلَك البارحةَ فعلتُ، [وإنَّ] (٨) هذا إبْرِيقُك، وشيءٌ من شَعَرِ لحيتِك

стр. 2910

وهُدْبِ ثيابِك. وبعَث به (١) إليه، فعلِم طالوتُ أنه لو شاء قتَله، فعطَفه ذلك عليه، فأمَّنَه وعاهَده باللهِ لا يرَى منه بأسًا، ثم انصرَف، ثم كان في آخِرِ أمرِ طالوتَ أنه كان يَدُسُّ لقتْلِه، وكان طالوتُ لا يقاتِلُ عدوًّا إِلا هُزِم، حتى مات. قال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أنَبِيًّا كان طالوتُ يُوحَى إليه؟ فقال: لم يأتِه وَحْيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يقالُ له: أشمويلُ (٢). يُوحَى إليه، وهو الذي مَلَّك طالوتَ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان داودُ النبيُّ وإخوةٌ له أربعةٌ، معهم أبوهم شيخٌ كبيرٌ، فتَخَلَّف أبوهم وتَخلَّف معه داودُ من بين إخوتِه في غَنَمِ أبيه يَرْعاها له، وكان من أصْغرِهم، وخرَج إخوتُه الأربعةُ مع طالوتَ، فدَعاه أبوه وقد تقارَب الناسُ ودنا بعضُهم من بعضٍ - قال ابن إسحاقَ: وكان داودُ، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، رجلًا قصيرًا أزرقَ (٤)، قليلَ شعرِ الرأسِ، وكان طاهرَ القلبِ نَقِيَّه (٥) - فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوِّهم، فاخرُجْ به إليهم، فإذا دفَعتَه إليهم، فأقبِلْ إليَّ سريعًا. فقال: أفعَلُ. فخرَج وأخَذ معه ما عُمِل (٦) لإخوتِه، ومعه مِخْلاتُه التي يَحْمِلُ فيها الحجارةَ، ومِقْلاعُه الذي كان يَرْمى به عن غَنَمِه، حتى إذا فصَل من عندِ
следующие страницы →