← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وبمثلِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في أسماءِ سُوَرِ القرآنِ التي ذُكِرَت، جاء شعرُ الشعراءِ، فقال بعضُهم (١): حلَفْتُ بالسبعِ اللَّواتي طُوِّلَت وبمِئِينَ بعدَها قد أُمْئِيَتْ وبمَثانٍ ثُنِّيَت فكُرِّرَت وبالطَّواسِينِ (٢) التي (٣) قد ثُلِّثَت وبالحَوامِيمِ اللَّواتي سُبِّعَت (٤) وبالمُفَصَّلِ اللَّواتي فُصِّلَت قال أبو جعفرٍ: وهذه الأبياتُ تَدُلُّ على صحةِ التأويلِ الذي تأوَّلْناه في هذه الأسماءِ. وأما المُفَصَّلُ، فإنما (٥) سُمِّيَت مُفَصَّلًا؛ لكثرةِ الفصولِ التي بينَ سورِها بـ "بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ". ثم تُسَمَّى (٦) كلُّ سورةٍ مِن سورِ (٧) القرآنِ سُورةً، وتُجْمَعُ سُوَرًا، على تقديرِ خُطبةٍ وخُطَبٍ، وغُرفةٍ وغُرَفٍ.

стр. 282

والسورةُ بغيرِ همزٍ: المنزلةُ مِن مَنازلِ الارتفاعِ، ومِن ذلك سُورُ المدينةِ، سُمِّي (١) بذلك الحائطُ الذي يَحْوِيها؛ لارتفاعِه على ما يَحْوِيه، غيرَ أن السُّورةَ مِن سُورِ المدينةِ لم يُسْمَعْ في جمعِها سُوَرٌ، كما سُمِع في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سورٌ، قال العَجَّاجُ (٢) في جمعِ السورةِ مِن (٣) البناءِ: فرُبَّ ذي سُرادِقٍ (٤) مَحْجُورِ سُرْتُ (٥) إليه في أعالي السُّورِ فخرَج تقديرُ (٦) جمعِها على تقديرِ جمعِ بُرَّةٍ وبُسْرةٍ؛ لأن [ذلك يُجْمَعُ بُرًّا وبُسْرًا] (٧)، وكذلك لم يُسْمَعْ في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سُورٌ، ولو جُمِعَت كذلك لم يكنْ خطأً في القياسِ إذا أُرِيد به جميعُ القرآنِ، وإنما ترَكوا - فيما يُرَى - جمعَه كذلك؛ لأن كلَّ جمعٍ كان بلفظِ الواحدِ المُذَكَّرِ، مثلَ بُرٍّ وشعيرٍ وقَصَبٍ وما أشبَهَ ذلك، فإن جِماعَه (٨) [مَجرى الواحدِ] (٩) مِن الأشياءِ غيرِه؛ لأن حكمَ الواحدِ منه منفردًا (١٠) قلَّما يُصابُ، فجرَى جِماعُه مَجْرَى الواحدِ مِن الأشياءِ (١١) غيرِه، ثم

стр. 283

جُعِلَت الواحدةُ منه كالقطعةِ مِن جميعِه، فقيل: بُرَّةٌ وشَعِيرَةٌ وقَصَبةٌ. يُرادُ به قطعةٌ منه، ولم تكنْ سُوَرُ القرآنِ موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرِّ والشعيرِ وسُورِ المدينةِ؛ بل كلُّ سورةٍ منها موجودةٌ منفردةٌ بنفسِها انفرادَ كلِّ غرفةٍ مِن الغرفِ وخطبةٍ مِن الخطبِ، فجُعِل جمعُها جمعَ الغرفِ والخطبِ، المَبْنيِّ جمعُها مِن واحدِها. ومِن الدَّلالةِ على أن معنى السُّورةِ المنزلةُ مِن الارتفاعِ قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (١): ألم تَرَ أن اللَّهَ أعْطاك سُورةً … تَرَى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ يعني بذلك أن اللَّهَ أعْطاه منزلةً مِن مَنازلِ الشرفِ التي قصَرت عنها منازلُ الملوكِ. وقد هَمز بعضُهم السورةَ مِن القرآنِ، وتأويلُها في لغةِ من (٢) همَزَها، القطعةُ التي قد أُفْضِلَت مِن القرآنِ عمّا سواها وأُبْقِيَت، وذلك أن سُؤْرَ كلِّ شيءٍ البقيةُ منه تَبْقَى بعدَ الذي يُؤْخَذُ منه، ولذلك سُمِّيَت الفَضْلةُ مِن شرابِ الرجلِ يَشْرَبُه ثم يُفْضِلُها فيُبْقِيها في الإناء: سُؤْرًا. ومِن ذلك قولُ أعْشَى بني ثعلبةَ يَصِفُ امرأةً فارقَتْه فأبْقَت في قلبِه مِن وَجْدِها بقيةً (٣): فبانَت وقد أسْأَرَت في الفؤا … دِ صَدْعًا على نأْيِها مُسْتَطِيرَا وقال الأعْشَى في مثلِ ذلك (٤):

стр. 284

بانَت وقد أسْأَرَت في النفسِ حاجتَها … بعدَ ائْتِلافٍ وخيرُ الوُدِّ ما نفَعا وأما الآيةُ مِن آيِ (١) القرآنِ فإنها تَحْتَمِلُ وجهَيْن في كلامِ العربِ؛ أحدُهما: أن تكون سُمِّيت آيةً؛ لأنها علامةٌ يُعْرَفُ بها تمامُ ما قبلَها وابتداؤُها، كالآيةِ التي تكونُ دَلالةً على الشيءِ يُسْتَدَلُّ بها عليه، كقولِ الشاعرِ (٢): ألِكْني إليها عَمْرَك اللهَ يا فَتَى … بآيةِ ما جاءَت إلينا تَهادَيا (٣) يعني: بعلامةِ ذلك. ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]. [يعْني بذلك] (٤): علامةً منك لإجابتِك دُعاءَنا وإعْطائِك إيانا سُؤْلَنا. والآخرُ منهما: القِصَّةُ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى (٥): ألا أبْلِغا (٦) هذا المُعَرِّضَ آيَةً (٧) … أيَقْظانَ قال القولَ إذ قال أم حَلَمْ يعني بقولِه: آيةً: رسالةً مني وخبرًا عني. فيكونُ معنى الآياتِ القِصَصَ، قصةٌ تَتْلُو قصةً، بفُصولٍ ووُصولٍ.

стр. 285

القولُ في تأويلِ أسماءِ فاتحةِ الكتابِ قال أبو جعفرٍ: صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: "هي أُمُّ القُرآنِ، وهي فاتحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المثَانِي". فهذه أسماءُ فاتحةِ الكتابِ. وسُمِّيَت فاتحةَ الكتابِ لأنه (١) يُفْتَتَحُ بكتابتِها المَصاحِفُ، [وبقراءتِها] (٢) الصلواتُ (٣)، فهي فَواتحُ لما يَتْلُوها مِن سُورِ القرآنِ في الكتابِ (٤) والقراءةِ. وسُمِّيَت أمَّ القرآنِ لتقدُّمِها (٥) على سائرِ سُوَرِ القرآنِ غيرِها وتأخُّرِ ما سواها خلفَها في القراءةِ والكتابةِ. وذلك مِن معناها شبيهٌ بمعنى فاتحةِ الكتابِ، وإنما قيل لها - لكونها كذلك -: أمُّ القرآنِ؛ لتسميةِ العربِ كلَّ جامعٍ أمرًا أو مُقَدِّمٍ لأمرٍ، إذا كانت له توابعُ تَتْبَعُه، هو لها إمامٌ جامعٌ، أُمًّا، فتقولُ للجلدةِ التي تجْمَعُ الدِّماغَ: أمُّ الرأسِ. وتُسَمِّي (٦) لِواءَ الجيشِ ورايتَهم التي يَجْتَمِعون تحتَها للجيشِ أُمًّا، ومِن ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ يَصِفُ رايةً مَعْقودةً على قناةٍ يَجْتَمِعُ تحتَها هو وصحبُه (٧):

стр. 286

وأسْمَرَ قَوَّامٍ إذا نام صُحْبَتي … خفيفِ الثيابِ لا تُوارِي له أَزْرَا (١) على رأسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بها … جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لها أمرَا إذا نزَلَت قيل انْزِلوا وإذا غدَت … غدَت ذاتَ [بِرْزيقٍ تَخالُ] (٢) بها فَخْرَا يعني بقولِه: على رأسِه أمٌّ لنا. أي: على رأسِ الرمحِ رايةٌ يَجْتَمِعون لها في النزولِ والرَّحيلِ وعندَ لقاءِ العدوِّ. وقد قيل: إن مكةَ سُمِّيَت أمَّ القُرَى لتقدمِها أمامَ جميعِها، وجمعِها ما سواها. وقيل: إنما سُمِّيَت بذلك؛ لأن الأرضَ دُحِيَت منها، فصارت لجميعِها أمًّا. ومِن ذلك قولُ حُميدِ بنِ ثَوْرٍ الهِلاليِّ (٣): إذا كانت [الخمسون أُمَّك] (٤) لم يكن … لدائِك إلا أن تَمُوتَ طَبيبُ لأن الخمسين جامعةٌ ما دونها مِن العددِ، فسمَّاها أمًّا للذي قد بلَغها. وأما تأويلُ اسمِها أنها السبعُ، فإنها سبعُ آياتٍ، لا خلافَ بينَ الجميعِ مِن القراءِ والعلماءِ في ذلك، وإنما اخْتَلَفوا في الآيِ التي صارت بها سبعَ آياتٍ.

стр. 287

فقال عُظْمُ (١) أهلِ الكوفةِ: صارت سبعَ آياتٍ، بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ورُوِي ذلك عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ والتابعين. وقال آخَرون: بل (٢) هي سبعُ آياتٍ، وليس منهن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولكن السابعةُ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وذلك قولُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ ومُتَفقِّهيهم (٣). قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا في ذلك في كتابِنا "اللطيفِ في أحكامِ شرائعِ الإسلامِ"، بوَجيزٍ مِن القولِ، وسنَسْتَقْصِي بيانَ ذلك بحكايةِ أقوالِ المختلفين فيه مِن الصحابةِ والتابعين والمتقَدِّمِين والمتأخِّرِين في كتابِنا الأكبرِ "في (٤) أحكامِ شرائعِ الإسلامِ" إنِ اللَّهُ شاء ذلك. وأما وصفُ النبيِّ ﷺ آياتِها السبعَ بأنهن مَثانٍ؛ فلأنها تُثَنَّى قراءتُها في كلِّ صلاةِ تَطَوُّعٍ ومكتوبةٍ، وكذلك كان الحسنُ البصرىُّ يَتَأوَّلُ ذلك. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. قال: هي فاتحةُ الكتابِ. ثم سُئِل عنها وأنا أَسْمَعُ، فقرَأها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. حتى أتَى على آخرِها، فقال: تُثَنَّى في كلِّ قراءةٍ. أو قال: في كلِّ صلاةٍ. الشكُّ مِن أبي جعفرٍ.

стр. 288

والمعنى الذي قلْنا في ذلك قصَد أبو النَّجْمِ العِجْليُّ بقولِه (١): الحمدُ للَّهِ الذي عافاني وكلَّ خيرٍ بعدَه أعْطاني مِن القُرَانِ ومِن المثَاني (٢) وكذلك قولُ الراجزِ الآخرِ [الذي يقولُ] (٣): نشَدْتُكم بمُنْزِلِ الفُرقانِ أمِّ الكتابِ السبعِ مِن مَثاني ثُنِّينَ (٤) مِن آىٍ مِن القرآنِ والسبعِ سبعِ الطُّوَلِ الدَّواني وليس في وجوبِ (٥) اسمِ السبعِ المثاني لفاتحةِ الكتابِ ما يَدْفَعُ صحةَ وجوبِ (٦) اسمِ المثاني للقرآنِ كلِّه، ولِمَا ثنَّى المئِين مِن السُّورِ؛ لأنَّ لكلِّ ذلك وجهًا ومعنًى مفهومًا، لا يَفْسُدُ بتسميةِ بعضِ ذلك بالمثاني تسميةُ غيرِه بها. فأما وجهُ تسميةِ ما ثنَّى المئينَ مِن سورِ القرآنِ بالمثاني، فقد بيَّنا صحتَه، وسنَدُلُّ على صحةِ وجهِ تسميةِ جميعِ القرآنِ به عندَ انتهائِنا إليه، في سورةِ "الزُّمَرِ" إن شاء اللَّهُ تعالى.

стр. 289

القولُ في تأويلِ الاستعاذةِ تأويلُ قولِه: "أعُوذُ". والاستعاذةُ الاستجارةُ. وتأويلُ قولِ القائلِ: "أعُوذُ باللَّهِ مِن الشيطانِ": أسْتَجِيرُ باللَّهِ دونَ غيرِه مِن سائرِ خلقِه، مِن الشيطانِ، أن يَضُرَّني في ديني، أو يَصُدَّني عن حقٍّ يَلْزَمُني لربِّي. تأويلُ قولِه: "مِن الشيطانِ". والشيطانُ في كلامِ العربِ كلُّ مُتَمَرِّدٍ مِن الجنِّ والإنسِ والدَّوابِّ وكلِّ شيءٍ. ولذلك (١) قال ربُّنا جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. فجعَل مِن الإنسِ شياطينَ مثلَ الذي جعَل مِن الجنِّ. وقال عمرُ بنُ الخطابِ رحمةُ اللَّهِ عليه، وركِب بِرْذَوْنًا (٢) فجعَل يَتَبَخْتَرُ به، فجعَل يَضْرِبُه فلا يَزْدادُ إلا تَبَخْتُرًا، فنزَل عنه، وقال: ما حمَلْتُموني إلا على شيطانٍ، ما نزَلْتُ عنه حتى أنْكَرْتُ نفسي. حدَّثنا بذلك يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني هشامُ بنُ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ، عن أبيه، عن عمرَ (٣). قال أبو جعفرٍ: وإنما سُمِّي المُتَمَرِّدُ مِن كلِّ شيءٍ شيطانًا؛ لمفارقةِ أخلاقِه وأفعالِه أخلاقَ سائرِ جنسِه وأفعالَه، وبُعدِه مِن الخيرِ. وقد قيل: إنه أُخِذ مِن قولِ القائل:

стр. 290

شطَنَت دارِي مِن دارِك. يُريدُ بذلك: بَعُدَت. ومِن ذلك قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (١): نأتْ بسعادَ عنكَ نَوًى شَطُونُ … فبانَت والفؤادُ بها رَهينُ والنَّوَى: الوجهُ الذي نوَتْه وقصَدَتْه. والشَّطونُ: البعيدُ. فكأن الشيطانَ على هذا التأويلِ فَيْعَالٌ مِن: شَطَن. ومما يَدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ أميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (٢): أَيُّمَا شاطِنٍ عَصَاه عَكاه (٣) … ثم يُلْقَى في السِّجْنِ والأكْبالِ (٤) ولو كان فَعْلانَ مِن: شاط يَشِيطُ لَقال: أَيُّمَا شائطٍ. ولكنه قال: أَيُّمَا شاطنٍ؛ لأنه مِن: شَطَن يَشْطُنُ، فهو شاطنٌ. تأويلُ قولِه: "الرَّجيمِ". وأما الرجيمُ فهو فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ (٥)، كقولِ القائلِ: كفٌّ خَضيبٌ، ولحيةٌ دَهينٌ، ورجلٌ لَعينٌ. يريدُ بذلك: مخضوبةٌ، ومدهونةٌ، وملعونٌ. وتأويلُ الرجيمِ: الملعونُ المشْتومُ. وكلُّ مَشْتومٍ بقولٍ رَديءٍ أو سبٍّ فهو مَرْجُومٌ. وأصلُ الرجمِ الرَّمْيُ، بقولٍ كان أو بفعلٍ. ومِن الرجمِ بالقولِ: قولُ أبي إبراهيمَ لإبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]. وقد يجوزُ أن يكونَ قيل للشيطانِ: رجيمٌ؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه طرَدَه مِن سماواتِه، ورجَمه بالشُّهُبِ الثَّواقبِ.

стр. 291

وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ أن أولَ ما نزَل جبريلُ [على النبيِّ ﷺ علَّمه الاستعاذةَ] (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزَل جبريلُ على محمدٍ قال: يا محمدُ استعِذْ (٢)، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبدُ اللَّهِ: وهي أولُ سورةٍ أنزلها اللَّهُ على محمدٍ بلسانِ جبريلَ، فأمَره أن يَتَعَوَّذَ باللهِ دونَ خَلْقِه (٣). القولُ في تأويلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه (٢): ﴿بِسْمِ﴾. قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه وتقدَّست أسماؤُه أدَّب نبيَّه محمدًا ﷺ بتعليمِه تقديمَ ذكرِ أسمائِه الحُسْنَى أمامَ جميعِ أفعالِه، وتقَدَّم إليه في وَصفِه بها قبلَ جميعِ مُهِمَّاتِه، وجعَل ما أدَّبه به مِن ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميعِ خلقِه سُنَّةً يَسْتَنُّون بها، وسبيلًا يَتَّبِعونه عليها، في (٤) افتتاحِ أوائلِ مَنْطِقِهم، وصدورِ رسائلِهم وكتبِهم وحاجاتِهم، حتى أغْنَت دلالةُ ما ظهَر مِن قولِ القائلِ: ﴿بِسْمِ

стр. 292

اللَّهِ﴾. على ما بطَن مِن مرادِه الذي هو محذوفٌ. وذلك أن الباءَ مِن: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. مُقْتَضِيةٌ فعلًا يكونُ لها جالبًا، ولا فعلَ معها ظاهرٌ، فأغْنَت سامعَ القائلِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. معرفتُه بمرادِ قائلِه من إظهارِ قائلِ ذلك مُرادَه قولًا؛ إذ كان كلُّ ناطقٍ به عندَ افتتاحِه أمرًا قد أحْضَر مَنْطِقَه به - إمَّا معه، وإمَّا قبلَه بلا فصلٍ - ما قد أغْنَى سامِعَه مِن دَلالةٍ شاهدةٍ على الذي مِن أجلِه افْتَتَح قِيلَه به، فصار استغناءُ سامعِ ذلك منه عن إظهارِ ما حذَف منه، نظيرَ استغنائِه إذا سمِع قائلًا قيل له: ما أكَلْتَ اليومَ؟ فقال: طعامًا. عن أن يُكَرِّرَ المسئولُ مع قولِه: طعامًا: أكَلْتُ. لما قد ظهَر لديه مِن الدلالةِ على أن ذلك معناه بتقدُّمِ مسألةِ السائلِ إياه عما أكَل. فمعقولٌ إذن أن (١) القائلَ إذا قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم افْتَتَح تاليًا سورةً، أن إتْباعَه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. تلاوةَ السورةِ، مُنْبِئٌ (٢) عن معنى قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ومفهومٌ به أنه مُرِيدٌ بذلك: أقْرَأُ بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. وكذلك قولُه: باسمِ اللَّهِ. عندَ نُهوضِه للقيامِ أو عندَ قعودِه وسائرِ أفعالِه، يُنْبئُ (٣) عن معنى مرادِه بقولِه: باسمِ اللَّهِ. وأنه أراد بقِيلِه: باسمِ اللَّهِ: أقُومُ باسمِ اللَّهِ، وأقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. وكذلك سائرُ الأفعالِ. وهذا الذي قلْنا في تأويلِ ذلك هو معنى قولِ ابنِ عباسٍ الذي حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو

стр. 293

رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ قال: إن أولَ ما نزَل به جبريلُ على محمدٍ ﷺ ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال: قال له جبريلُ (١): بسمِ اللَّهِ يا محمدُ. يقولُ: اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ. قال أبو جعفرٍ: فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان تأويلُ قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما وصَفْتَ، والجالبُ الباءَ في: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. ما ذكرتَ، فكيف قيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. بمعنى: أقْرَأُ باسمِ اللَّهِ. أو: أقُومُ [باسمِ اللَّهِ] (٢). أو: أقْعُدُ باسمِ اللَّهِ؟ وقد علمتَ أن كلَّ قارئٍ كتابَ اللَّهِ، فبعونِ اللَّهِ وتوفيقِه قراءتُه، وأن كلَّ قائمٍ أو قاعدٍ أو فاعلٍ فعلًا، فباللَّهِ قيامُه وقعودُه وفعلُه؟ وهلَّا - إذ كان ذلك كذلك - قيل: باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. ولم يُقَلْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. فإن قولَ القائلِ: أقُومُ وأقْعُدُ باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. أو: أقْرَأُ باللَّهِ. أوضحُ معنًى لسامعِه مِن قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. إذ كان قولُه: أقُومُ، أو (٣): أقْعُدُ باسمِ اللَّهِ. يُوهِمُ سامعَه أن قيامَه وقعودَه بمعنًى غيرِ اللَّهِ. قيل له وباللَّهِ التوفيقُ: إن المقصودَ إليه مِن معنى ذلك غيرُ ما توهَّمْتَه في نفسِك، وإنما معنى قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذِكْرِه قبلَ كلِّ شيءٍ. أو: أقْرَأُ بتسميتِه (٤). أو: أقُومُ وأقْعُدُ بتَسْميتِي اللَّهَ وذكرِه. [لا أنه] (٥) يعني

стр. 294

بقيلِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾: أقُومُ باللَّهِ. أو: أقْرَأُ باللَّهِ. فيَكُونَ قولُ القائلِ: أقْرَأُ باللَّهِ. أو: أقومُ. أو: أقعدُ باللَّهِ. أولى بوجهِ الصوابِ في ذلك مِن قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. فإن قال: فإن كان الأمرُ في ذلك على ما وصَفْتَ، فكيف قيل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. وقد علمتَ أن الاسمَ اسمٌ، وأن التسميةَ مصدرٌ مِن قولِك: سمَّيت؟. قيل: إن العربَ قد تُخْرِجُ المصادرَ مُبْهَمةً على أسماءٍ مختلفةٍ، كقولِهم: أكرَمْتُ فلانًا كرامةً. وإنما بناءُ مصدرِ "أفعلتُ" - إذا أُخْرِج على فعلِه - الإفعالُ. وكقولِهم: أهَنْتُ فلانًا هَوانًا، وكلَّمْتُه كلامًا. وبناءُ مصدرِ "فعَّلْتُ" التَّفْعيلُ. ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (١): أكُفْرًا بعدَ ردِّ الموتِ عني … وبعدَ عطائِك المائةَ الرِّتاعا يريدُ: إعْطاءَك. ومنه قولُ القائلِ (٢) الآخرِ: فإن كان هذا البُخْلُ منك سَجِيَّةً … لقد كنتُ في طُولِي رجاءَك أشْعَبا يريد: في (٣) إطالتي رجاءَك. ومنه قولُ الآخرِ (٤):

стр. 295

أظُلَيْمَ (١) إن مُصابَكم رجلًا … أهْدَى السلامَ تحيةً ظُلْمُ يُريدُ: إصابتَكم. والشواهدُ في هذا المعنى تَكْثُرُ، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه. فإذ (٢) كان [الأمرُ على ما] (٣) وصَفْنا مِن إخراجِ العربِ مصادرَ الأفعالِ على غيرِ بناءِ أفعالِها (٤) كثيرًا، وكان تصديرُها إياها على مَخارجِ الأسماءِ موجودًا فاشيًا - فبَيِّنٌ (٥) بذلك صوابُ ما قلْنا مِن التأويلِ في قولِ القائلِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. أن (٦) معناه في ذلك عندَ ابتدائِه في فعلٍ أو قولٍ: أبْدَأُ بتسميةِ اللَّهِ قبلَ فعلي أو قبلَ قولي. وكذلك معنى قولِ القائلِ عندَ ابتدائِه بتلاوةِ القرآنِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. إنما معناه: أقْرَأُ مُبْتَدئًا بتسميةِ اللَّهِ. أو: أبْتَدِئُ قراءتي بتسميةِ اللَّهِ. فجُعِل الاسمُ مكانَ التسميةِ، كما جُعِل الكلامُ مكانَ التكليمِ، والعطاءُ مكانَ الإعْطاءِ. وبمثلِ الذي قلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِي الخبرُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: أولُ ما نزلَ به (٧) جبريلُ على محمدٍ ﷺ ، قال: يا محمدُ، قُلْ: أسْتَعِيذُ بالسميعِ العليمِ مِن الشيطانِ الرجيمِ. ثم

стр. 296

قال: قُلْ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ. قال ابنُ عباسٍ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾. يقولُ له جبريلُ: يا محمدُ، اقْرَأْ بذكرِ اللَّهِ ربِّك، وقُمْ واقْعُدْ بذكرِ اللَّهِ. وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يُنْبِئُ عن صحةِ ما قلنا، مِن أنه مُرادٌ (١) بقولِ القائلِ مُفْتَتِحًا قراءتَه بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. أقْرَأُ بتسميةِ اللَّهِ وذكرِه، وأفْتَتِحُ القراءةَ بتسميةِ اللَّهِ بأسمائِه الحسنَى وصفاتِه العُلَى - ويُوضِّحُ (٢) فسادَ قولِ مَن زعَم أن معنى ذلك مِن قائلِه: باللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ أولُ (٣) كلِّ شيءٍ. مع أن العبادَ إنما أُمِروا أن يَبْتَدِئوا عندَ فَواتحِ أمورِهم بتسميةِ اللَّهِ، لا بالخبرِ عن عظمتِه وصفاتِه، كالذي أُمِروا به مِن التسميةِ على الذَّبائحِ والصيدِ، وعندَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وسائرِ أفعالِهم. فكذلك الذي أُمِروا به مِن تسميتِه عندَ افْتِتاحِ تلاوةِ تَنْزيلِ اللَّهِ، وصدورِ رسائلِهم وكتبِهم. ولا خلافَ بينَ الجميعِ مِن علماءِ الأمةِ أن قائلًا لو قال عندَ تذكيتِه بعضَ بَهائمِ الأنعامِ: باللَّهِ. ولم يقلْ: باسمِ اللَّهِ. أنه مُخالفٌ بتركِه قيلَ: باسمِ اللَّهِ. ما سُنّ له عندَ التذكيةِ من القولِ، فقد عُلم بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: باسمِ اللَّهِ: باللَّهِ. كما قال الزاعمُ أن اسمَ اللَّه في قولِ اللَّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. هو اللَّهُ؛ لأن ذلك لو كان كما زعَم، لَوجَب أن يكونَ القائلُ عندَ تذكيتِه ذبيحتَه: باللَّهِ. قائلًا ما سُنَّ له مِن القولِ على

стр. 297

الذَّبيحةِ. وفي إجماعِ الجميعِ على أن قائلَ ذلك تاركٌ ما سُنَّ له مِن القولِ على ذبيحتِه إذا لم يَقُلْ: باسمِ اللَّهِ - دليلٌ واضحٌ على فسادِ ما ادَّعَى مِن التأويلِ في قولِ القائلِ: باسمِ اللَّهِ. أنه مرادٌ به باللَّهِ، وأن اسمَ اللَّهِ هو اللَّهُ. وليس هذا الموضعُ مِن مَواضعِ الإكثارِ في الإبانةِ عن الاسمِ؛ أهو المُسَمَّى أم غيرُه؟ أم هو صفةٌ له؟ فنُطِيلَ الكتابَ بذكْرِه، وإنما هذا موضعٌ مِن مَواضعِ الإبانةِ عن الاسمِ المضافِ إلى اللَّهِ - جلّ وعزّ -؛ أهو اسمٌ أم مصدرٌ بمعنى التسميةِ؟ فإن قال لنا قائلٌ: فما أنت قائلٌ في بيتِ لَبيدِ بنِ رَبيعةَ (١): إلى الحَوْلِ ثم اسمُ السلامِ عليكما … ومَن يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعْتَذَر فقد تأوَّله مُقَدَّمٌ في العلمِ بلغةِ العربِ أنه مَعْنِيٌّ به: ثم السلامُ عليكما. وأن اسمَ السلامِ هو السلامُ (٢). قيل له: لو جاز ذلك وصحَّ تأويلُه فيه على ما تأوَّل، لجَاز أن يقالَ: رأيْتُ اسمَ زيدٍ، وأكلتُ اسمَ الطعامِ، وشرِبْتُ اسمَ الشرابِ. وفي إجماعِ جميعِ العربِ على إحالةِ ذلك، ما يُنْبِئُ عن فسادِ تأويلِ من تأوَّل قولَ لبيدٍ: * ثم اسمُ السلامِ عليكما * أنه أراد: ثم السلامُ عليكما. و (٣) ادِّعائِه أن إدخالَ الاسمِ في ذلك وإضافتَه إلى

стр. 298

السلامِ، إنما جاز إذ كان اسمُ المُسَمَّى هو المُسَمَّى بعينِه. ويُسألُ القائلون قولَ مَن حكَيْنا قولَه هذا، فيقالُ لهم: أتَسْتَجِيزون في العربيةِ أن يقالَ: أكَلْتُ اسمَ العسلِ. يعني بذلك: أكَلْتُ العسلَ. كما جازَ عندَكم: اسمُ السلامِ عليك (١). وأنتم تُريدون: السلامُ عليك (١)؟ فإن قالوا: نعم. خرَجوا مِن لسانِ العربِ، وأجازوا في لغتِها (٢) ما تُخَطِّئُه جميعُ العربِ في لغتِها. وإن قالوا: لا. سُئِلوا الفرقَ بينَهما، فلن يَقُولوا في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه. فإن قال لنا قائلٌ: فما معنى قولِ لبيدٍ هذا عندَك؟ قيل له: يَحْتَمِلُ ذلك وجهين، كلاهما غيرُ الذي قاله مَن حكَيْنا قولَه؛ أحدُهما: أن السلامَ اسمٌ مِن أسماءِ اللَّهِ، فجائزٌ أن يكونَ لبيدٌ عنَى بقولِه: * ثم اسمُ السلامِ عليكما * : ثم الْزَما اسمَ اللَّهِ وذِكْرَه بعدَ ذلك، ودَعَا ذِكْري والبكاءَ عليَّ. على وجهِ الإغْراءِ. فرفَع الاسمَ إذ (٣) أخَّر الحرفَ الذي يَأْتي بمعنى الإغراءِ. وقد تَفْعَلُ العربُ ذلك إذا أخَّرَت الإغراءَ وقدَّمَت المُغْرَى به، وإن كانت قد تَنْصِبُ به وهو مُؤَخَّرٌ، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (٤):

стр. 299

يا أيُّها المائحُ (١) دَلْوِي دونَكا إني رأيْتُ الناسَ يَحْمَدُونكا فأغْرَى بـ "دونك" وهي مُؤخَّرةٌ، وإنما معناه: دونَك دلوِي. فكذلك قولُ لبيدٍ: * إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما * يعني: ثم (٢) عليكما اسمَ السلامِ. أي: الْزَما ذكرَ اللَّهِ، ودَعَا ذِكْرِي والوَجْدَ بي؛ لأن مَن بكَى حولًا على امرئٍ ميتٍ فقد اعْتَذَر. فهذا أحدُ وجهيه. والوجهُ الآخرُ منهما: ثم تَسْمِيتي اللَّهَ عليكما. كما يقولُ القائلُ للشيءِ يَراه فيُعْجِبُه: اسمُ اللَّهِ عليك. يُعَوِّذُه بذلك مِن السُّوءِ، فكأنه قال: ثم اسمُ اللَّهِ عليكما مِن السُّوءِ. وكأنَّ الوجهَ الأولَ أشبهُ المعْنَيَيْن بقولِ لبيدٍ. ويُقالُ لمن وجَّه بيتَ لبيدٍ هذا إلى أن معناه: ثم السلامُ عليكما. أتَرَى ما قلْنا مِن هذين الوجهَيْن جائزًا، أو أحدَهما، أو غيرَ ما قلتَ فيه؟ فإن قال: لا. أبان مِقْدارَه مِن العلمِ بتَصاريفِ وجوهِ كلامِ العربِ، وأغْنَى خَصمَه عن مناظرتِه. وإن قال: بلى. قيل له: فما بُرهانُك على صحةِ ما ادَّعَيْتَ مِن التأويلِ أنه الصوابُ دونَ الذي ذكَرْتُ أنه مُحْتَمِلُه مِن الوجهِ الذي يَلْزَمُنا تسليمُه لك؟ ولا سبيلَ إلى ذلك. وأما الخبرُ الذي حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ بنِ الضَّحّاكِ [وهو يُلَقَّبُ بِزِبْرِيقٍ] (٣)، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ

стр. 300

يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عِيسى ابنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إلى الكُتَّابِ لِيُعَلِّمَه، فقال لَه المُعَلِّمُ: اكتُبْ باسمِ. فقال له عِيسَى: وما باسمِ؟ فقال له المُعلِّمُ: مَا أَدْرِي، فَقَالَ له (١) عيسى: الباءُ بَهاءُ اللَّهِ، والسينُ سَناؤُهُ، والميمُ مَمْلَكَتُه" (٢). فأخْشَى أن يكونَ غلطًا مِن المُحَدِّثِ، وأن يكونَ أراد [ب س م] على سبيلِ ما يُعَلَّمُ المُبْتَدِئُ مِن الصِّبيانِ في الكُتابِ حروفَ [أبي جاد] (٣)، فغلِط بذلك فوصَله، فقال: باسمِ. لأنه لا معنَى لهذا التأويلِ إذا تُلِي: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. على ما يَتْلُوه القارئُ في كتابِ اللَّهِ تعالى؛ لاستحالةِ معناه عن المفهومِ به عندَ جميعِ العربِ وأهلِ لسانِها، إذا حُمِل تأويلُه على ذلك.

стр. 301

القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جل ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿اللَّهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: أما تأويلُ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿اللَّهِ﴾. فإنه على معنى ما رُوِي لنا عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ: هو الذي يَأْلَهُه (١) كلُّ شيءٍ، ويَعْبُدُه كلُّ خلقٍ. وذلك أن أبا كُرَيْبٍ حدَّثنا، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: اللَّهُ ذو الأُلوهيةِ والعبوديةِ على خلقِه أجمعين (٢). فإن قال لنا قائلٌ: فهل لذلك في "فعَل ويَفْعَل" أصلٌ كان منه (٣) بناءُ هذا الاسمِ؟ قيل: أمَّا سماعًا مِن العربِ فلا، ولكن استدلالًا. فإن قال: وما دلَّ على أن الأُلوهيةَ هي العبادةُ، وأن الإلهَ هو المعبودُ، وأن له أصلًا في "فعَل ويَفْعَل"؟ قيل: لا تَمانُعَ بينَ العربِ في الحكمِ لقولِ القائلِ، يَصِفُ رجلًا بعبادةٍ، ويَطْلُبُ ما (٤) عندَ اللَّهِ جل ذكرُه: تألَّه فلانٌ. بالصحةِ، ولا خلافَ. ومِن ذلك قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (٥): للَّهِ دَرُّ الغانِياتِ المُدَّهِ (٦)

стр. 302

سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تأَلُّهي يعني: مِن تعَبُّدي وطلَبي اللَّهَ بعملي. ولا شك أن التألُّهَ التفَعُّلَ مِن: ألَه يَأْلَهُ. وأن معنى ألَه - إذا نُطِق به -: عبَد اللَّهَ. وقد جاء منه مصدرٌ يَدُلُّ على أن العربَ قد نطَقَت منه بـ "فعِل يَفْعَل" بغيرِ زيادةٍ. وذلك ما حدَّثنا به سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن نافعِ بنِ (١) عمرَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ) (٢). قال: عبادتَك. ويقولُ: إنه كان يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ (٣). وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، عن ابنِ عباسٍ: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَك). قال: إنما كان فرعونُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ. [وكذلك كان [ابنُ عباسٍ] (٤) يقرؤها ومجاهدٌ] (٥). وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسين بنُ داودَ] (٦)، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتَكَ). قال:

стр. 303

وعبادتَك. ولا شكَّ أن الإلاهةَ (١) - على ما فسَّره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ - مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ألَه اللَّهَ فلانٌ إلاهةً. كما يقالُ: عبَد اللَّهَ فلانٌ عبادةً، وعبَر الرؤيا عبارةً. فقد بيَّن قولُ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ هذا أن "ألَه" عبَد، وأن الإلاهةَ مصدرُه. فإن قال: فإن كان جائزًا أن يقالَ لمن عَبد اللَّهَ: ألَهه - على تأويلِ قولِ ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ - فكيف الواجبُ في ذلك أن يقالَ إذا أراد المُخْبِرُ [الخبرَ عن] (٢) استيجابِ اللَّهِ ذلك على عبدِه؟ قيل: أما الروايةُ فلا روايةَ به (٣) عندَنا، ولكن الواجبَ على قياسِ ما جاء به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الذي حدَّثنا به إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ عيسى أسْلَمَتْه أُمُّه إلى الكُتَّابِ ليُعَلِّمَه، فقال له المُعَلِّمُ: اكْتُب: اللَّه. فقال له عِيسى: أتَدْرِي ما اللَّهُ؟ اللَّهُ إلهُ الآلِهَةِ" - أن يُقالَ: اللَّهُ جلّ ثناؤُه إلهُ العبدِ، والعبدُ ألَهه. وأن يكونَ قولُ القائلِ: اللَّهُ. مِن الكلامِ (٤) أصلُه الإلهُ.

стр. 304

فإن قال: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك مع اختلافِ لفظَيْهما (١)؟ قيل: كما جاز أن يكونَ قولُه: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]. أصلُه: لكنْ أنا، هو اللَّهُ ربِّي. كما قال الشاعرُ (٢): وتَرْمِينَني (٣) بالطَّرْفِ أيْ أنتَ مُذْنِبٌ … وتَقْلِينَني لكنَّا إياك لا أقْلِي يريدُ: لكنْ أنا إياك لا أقلي. فحذَف الهمزةَ مِن "أنا" فالْتَقَت نونُ "أنا" ونونُ "لكن" وهي ساكنةٌ، فأُدْغِمَت في نونِ "أنا" فصارتا نونًا مشددةً. فكذلك اللَّهُ، أصلُه الإلهُ، أُسْقِطَت الهمزةُ التي هي فاءُ الاسمِ، فالْتَقَت اللامُ التي هي عينُ الاسمِ واللامُ الزائدةُ التي دخَلَت مع الألفِ الزائدةِ، وهي ساكنةٌ، فأُدْغِمَت في الأُخرى التي هي عينُ الاسمِ، فصارَتا في اللفظِ لامًا واحدةً مشددةً، كما وصَفْنا مِن قولِ اللَّهِ: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال أبو جعفرٍ: وأما: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، فهو فَعْلانُ، مِن رحِم (٤)، و ﴿الرَّحِيمِ﴾، فَعيلٌ منه، والعربُ كثيرًا ما تَبْنِي الأسماءَ مِن "فعِل يَفْعَلُ" على "فَعْلانَ"، كقولِهم مِن غضِب: غَضْبانُ. ومِن سكِر: سَكْرانُ. ومِن

стр. 305

عطِش: عَطْشانُ. فكذلك قولُهم: رحمنُ. مِن رحِم؛ لأن "فعِل" (١) منه: رحِم يَرْحَمُ. وقيل: رَحيمٌ. وإن كانت عينُ "فعِل" منه (٢) مكسورةً، لأنه مدحٌ، ومِن شأنِ العربِ أن يَحْمِلوا أبنيةَ الأسماءِ إذا كان فيها مدحٌ أو ذمٌّ على "فعيلٍ"، وإن كانت عينُ "فعل" منها مكسورةً أو مفتوحةً، كما قالوا مِن "علِم": عالمٌ وعليمٌ. ومِن "قدَر": قادرٌ وقديرٌ. وليس ذلك منها بناءً على أفعالِها؛ لأن البناءَ مِن "فعِل يَفْعَل" و"فعَل يَفْعِل" فاعلٌ، فلو كان الرحمنُ والرحيمُ خارجَيْن على (٣) بناءِ أفعالِهما لَكانت صورتُهما الراحمَ. فإن قال قائلٌ: فإذ كان الرحمنُ والرحيمُ اسمَيْن مشتقَّيْن مِن الرحمةِ، فما وجهُ تَكريرِ ذلك وأحدُهما مُؤَدٍّ عن معنَى الآخَرِ؟ قيل له: ليس الأمرُ في ذلك كما (٤) ظنَنْتَ، بل لكلِّ كلمةٍ منهما معنًى لا تُؤَدِّي الأخْرى منهما عنها. فإن قال: وما المعنى الذي انْفَرَدَت به كلُّ واحدةٍ منهما، فصارت إحداهما غيرَ مُؤَدِّيةِ المعنى عن الأخرى؟ قيل: أما مِن جهةِ العربيةِ، فلا تَمانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ أن قولَ القائلِ: الرحمنُ. عن أبنيةِ الأسماءِ مِن "فعِل ويَفْعَل" أشدُّ عدولًا مِن قولِه: الرحيمُ. ولا خلافَ مع ذلك بينَهم أن كلَّ اسمٍ كان له أصلٌ في "فعِل

стр. 306

ويَفْعَلُ" ثم كان عن أصلِه من "فعِل ويَفْعَلُ" أشدَّ عدولًا، أن الموصوفَ به مُفَضَّلٌ على الموصوفِ بالاسمِ المبنيِّ على أصلِه مِن "فعُل ويَفْعُل" إذا كانت التسميةُ به مدحًا أو ذمًّا، فهذا ما في قولِ القائلِ: الرحمنُ. مِن زيادةِ المعنى على قولِه: الرحيمُ. في اللغةِ. وأما مِن جهةِ الأثرِ والخبرِ، ففيه بينَ (١) أهلِ التأويلِ اختلافٌ (٢)؛ فحدَّثني السَّرِيُّ بنُ يحيى التَّمِيميُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ زُفَرَ، قال: سمِعْتُ العَرْزميَّ (٣) يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: الرحمنُ بجميعِ الخلقِ، الرحيمُ، قال: بالمؤمنين (٤). حدَّثنا إسماعيلُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن إسماعيلَ بنِ يحيى، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ مسعودٍ، ومِسْعَرِ بنِ كِدَامٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ عيسى ابنَ مَرْيَمَ قال: الرَّحْمَنُ رحمنُ الآخِرَةِ والدُّنيا، والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ". فهذان الخبران قد أنبأا عن فرقِ ما بينَ تسميةِ اللَّهِ جل ثناؤُه باسمِه الذي هو رحمنٌ، وتسميتِه باسمِه الذي هو رحيمٌ، واختلافِ مَعْنَيَيِ (٥) الكلمتين، وإن اخْتَلَفا

стр. 307

في معنى ذلك الفرقِ، فدلّ أحدُهما على أن ذلك في الدنيا، ودلَّ الآخرُ على أنه في الآخرةِ. فإن قال: فأيُّ هذين التأويلَيْن أولى عندَك بالصحةِ؟ قيل: لجميعِهما عندَنا في الصحةِ مَخْرَجٌ، فلا وجهَ لقولِ قائلٍ: أيُّهما أولى بالصحةِ؟ وذلك أن المعنى الذي في تسميةِ اللَّهِ بالرحمنِ، دونَ الذي في تسميتِه بالرحيمِ، هو أنه بالتسميةِ بالرحمنِ موصوفٌ بعمومِ الرحمةِ جميعَ خلقِه، وأنه بالتسميةِ [بالرحيمِ موصوفٌ] (١) بخصوصِ الرحمةِ بعضَ خلقِه، إمَّا في كلِّ الأحوالِ، وإمَّا في بعضِ الأحوالِ، فلا شكَّ - إذ كان ذلك كذلك - أن ذلك الخصوصَ الذي في وصفِه بالرحيمِ لا يَسْتَحِيلُ عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرةِ، أو فيهما جميعًا. فإذ كان صحيحًا ما قلنا مِن ذلك، وكان اللَّهُ جل ثناؤُه قد خصَّ عبادَه المؤمنين في عاجلِ الدنيا بما لطَف لهم (٢) مِن توفيقِه إياهم لطاعتِه، والإيمانِ به وبرسلِه، واتباعِ أمرِه واجتنابِ مَعاصيه، مما خُذِل عنه مَن أشْرَك به وكفَر، وخالفَ ما أُمِر به، وركِب معاصيَه، وكان مع ذلك قد جعَل جل ثناؤُه ما أعَدَّ في آجلِ الآخرةِ في جنانِه مِن النعيمِ المقيمِ، والفوزِ المبينِ، لمَن آمَن به، مِن رحمتِه في الدنيا والآخرةِ، مع ما قد عمَّهم به والكفارَ في الدنيا، مِن الإفضالِ والإحسانِ إلى جميعِهم؛ في البَسْطِ في الرزقِ، وتَسْخيرِ السحابِ بالغَيْثِ، وإخراجِ النباتِ مِن الأرضِ، وصحةِ الأجْسامِ والعقولِ، وسائرِ النِّعَمِ التي لا تُحْصَى، التي يَشْتَرِكُ فيها المؤمنون والكافرون، فربُّنا جل ثناؤُه رحمنُ

стр. 308

جميعِ خلقِه في الدنيا والآخرةِ، ورحيمُ المؤمنين خاصةً في الدنيا والآخرةِ. فأما الذي عمَّ جميعَهم به في الدنيا مِن رحمتِه فكان رحمانًا (١) لهم به، فما ذكَرْنا مع نظائرِه التي لا سبيلَ إلى إحصائِها لأحدٍ مِن خلقِه، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨]. وأما في الآخرةِ، فالذي عمَّ جميعَهم به فيها مِن رحمتِه فكان لهم رحمانًا، في (٢) تسويتِه بينَ جميعِهم جل ذكرُه في عدلِه وقضائِه، فلا يَظْلِمُ أحدًا منهم مثقالَ ذرةٍ، وإن تكُ حسنةً يضاعفْها (٣)، ويُوَفِّي (٤) كلَّ نفسٍ ما كسَبَت، فذلك معنى عمومِه في الآخرةِ جميعَهم برحمتِه الذي كان به رحمانًا في الآخرةِ. وأما ما خصَّ به المؤمنين في عاجلِ الدنيا مِن رحمتِه الذي كان به رحيمًا لهم فيها، كما قال جل ذكرُه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. فما وصَفْنا مِن اللُّطْفِ لهم في دينِهم، فخصَّهم به دونَ مَن خذَله مِن أهلِ الكفرِ به. وأما ما خصَّهم به في الآخرةِ فكان به رحيمًا لهم دونَ الكافرين، فما وصَفْنا آنفًا (٥) مما أعَدَّ لهم دونَ غيرِهم مِن النعيمِ والكرامةِ التي تَقْصُرُ عنها الأمانيُّ. وأما القولُ الآخرُ في تأويلِه فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ الفعلانُ مِن الرحمةِ - وهو مِن كلامِ العربِ.

стр. 309

قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الرقيقُ الرفيقُ بمَن أحَبَّ أن يَرْحَمَه، والبعيدُ الشديدُ على مَن أحَبَّ أن يَعْنُفَ عليه، وكذلك أسماؤُه كلُّها (١). وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ يَدُلُّ على أن الذي به ربُّنا رحمنٌ، هو الذي به رحيمٌ، وإن كان لقولِه: ﴿الرَّحْمَنِ﴾. مِن المعنى ما ليس لقولِه: ﴿الرَّحِيمِ﴾. لأنه جعَل معنى الرحمنِ بمعنى الرَّقيقِ (٢) على مَن رقَّ عليه، ومعنى الرحيمِ بمعنى الرَّفيقِ بمَن رفَق به. والقولُ الذي روَيْناه في تأويلِ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، وذكَرْناه عن العرْزَميِّ (٣)، أشبهُ بتأويلِه مِن هذا القولِ الذي روَيْناه عن ابنِ عباسٍ. وإن كان هذا القولُ مُوافقًا معناه معنى ذلك، في أن للرحمنِ مِن المعنى ما ليس للرحيمِ، وأن للرحيمِ تأويلًا غيرَ تأويلِ الرحمنِ. والقولُ الثالثُ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني به عِمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنا أبو الأزهرِ نصرُ بنُ عمرٍو اللَّخْميُّ مِن أهلِ فِلَسْطينَ، قال: سمِعْتُ عطاءً الخُراسانيَّ يقولُ: كان الرحمنَ، فلما اختُزِل الرحمنُ مِن اسمِه، كان الرحمنَ الرحيمَ (٤). والذي أراد، إن شاء اللَّهُ، عطاءٌ بقولِه هذا، أن الرحمنَ كان مِن أسماءِ اللَّهِ التي لا يَتَسَمَّى بها أحدٌ مِن خلقِه، فلما تسَمَّى به الكذابُ مُسَيْلِمةُ - وهو اخْتِزالُه إياه، يعني اقْتِطاعَه مِن أسمائِه لنفسِه - أخْبَر اللَّهُ جل ثناؤُه أن اسمَه الرحمنُ الرحيمُ؛

стр. 310

ليَفْصِلَ بذلك لعبادِه اسمَه مِن اسمِ مَن قد تسَمَّى بأسمائِه، إذ كان لا يُسَمَّى أحدٌ الرحمنَ الرحيمَ - فيُجْمَعَ له هذان الاسمان - غيرُه جل ذكرُه. وإنما يتسَمَّى (١) بعضُ خلقِه إما رحيمًا أو يتَسَمَّى رحمانًا، فأما رحمنٌ رحيمٌ، فلم يَجْتَمِعا قطُّ لأحدٍ سواه، ولا يُجْمَعان لأحدٍ غيرِه، فكأن معنى قولِ عطاءٍ هذا، أن اللَّهَ جل ثناؤُه إنما فصَل بتكريرِ الرحيمِ على الرحمنِ، بينَ اسمِه واسمِ غيرِه مِن خلقِه، اخْتَلَف معناهما أو اتَّفَقا. والذي قال عطاءٌ مِن ذلك غيرُ فاسدِ المعنى؛ بل جائزٌ أن يكونَ جل ثناؤُه خصَّ نفسَه بالتسميةِ بهما معا مُجْتمعَيْن، إبانةً لها مِن خلقِه؛ ليُعَرِّفَ عبادَه بذكرِهما مجموعَيْن أنه المقصودُ بذكرِهما دونَ مَن سواه مِن خلقِه، مع ما في تأويلِ كلِّ واحدٍ منهما مِن المعنى الذي ليس في الآخَرِ منهما. وقد زعَم بعضُ أهلِ الغَباءِ أن العربَ كانت لا تَعْرِفُ الرحمنَ، ولم يكنْ ذلك في (٢) لغتِها، ولذلك قال المشركون للنبيِّ ﷺ : ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]. إنكارًا منهم لهذا الاسمِ. فكأنه كان (٣) مُحالًا عندَه أن يُنْكِرَ أهلُ الشركِ ما كانوا بصحتِه عالِمِين، أو (٤) كأنه لم يَتْلُ مِن كتابِ اللَّهِ قولَ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾. يعني: محمدًا ﷺ ، ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وهم مع ذلك به مُكَذِّبون، ولنبوتِه جاحِدون، فيُعْلَم بذلك أنهم قد كانوا يُدافِعون حقيقةَ ما قد ثبَت عندَهم صحتُه، واسْتَحْكَمَت لديهم معرفتُه، وقد أُنْشِد لبعضِ الجاهليةِ الجَهْلاءِ (٥):

стр. 311

ألا ضرَبَت تلك [الفتاةُ هَجينَها] (١) … ألا قضَب الرحمنُ ربِّي يمينَها وقال سَلَامةُ بنُ جَنْدَلٍ السعديُّ (٢): عجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا (٣) عليكمُ … وما يَشَإِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ وقد زعَم أيضًا بعضُ مَن ضعُفَت معرفتُه بتأويلِ أهلِ التأويلِ، وقلَّت روايتُه لأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التفسيرِ (٤)، أن الرحمنَ مَجازُه ذو الرحمةِ، والرحيمَ مَجازُه الراحمُ. ثم قال: قد يُقَدِّرون اللفظَيْن مِن لفظٍ والمعنى واحدٌ، وذلك لاتِّساعِ الكلامِ عندَهم. قال: وقد فعَلوا مثلَ ذلك، فقالوا: نَدْمانُ ونَديمٌ. ثم اسْتَشْهَد [ببيتِ بُرْجِ] (٥) بنِ مُسْهِرٍ الطائيِّ: ونَدْمانٍ يَزيدُ الكأسَ طِيبًا … سقَيْتُ وقد تغَوَّرَتِ (٦) النُّجومُ واسْتَشْهد بأبياتٍ نظائرِه له في النَّديمِ والنَّدْمانِ. ففرَّق بينَ معنى الرحمنِ والرحيمِ في التأويلِ، لقولِه: الرحمنُ ذو الرحمةِ، والرحيمُ الراحمُ. وإن كان قد ترَك بيانَ تأويلِ مَعْنَيَيْهِمَا (٧) على صحتِه، ثم مثَّل (٨) ذلك باللفظَيْن [يَأْتِيان بمعنًى] (٩)

стр. 312

واحدٍ، فعاد إلى ما قد جعَله بمعنيين، فجَعله مثالَ ما هو بمعنًى واحدٍ، مع اختلافِ الألفاظِ. ولا شكَّ أن ذا الرحمةِ هو الذي قد (١) ثبَت أن له الرحمةَ، وصحَّ أنها له صفةٌ، وأن الراحمَ هو الموصوفُ بأنه سيَرْحَمُ، أو قد رحِم فانْقَضَى ذلك منه، أو هو فيه، ولا دَلالةَ (٢) فيه حينَئذٍ أن الرحمةَ له صفةٌ، كالدَّلالةِ على أنها له صفةٌ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمةِ. فأين معنى الرحمنِ الرحيمِ - على تأويله - مِن معنى الكلمتين تأْتِيان مُقَدَّرَتَيْن مِن لفظٍ واحدٍ باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعاني؟ ولكن القولَ إذا كان على غيرِ أصلٍ مُعْتَمَدٍ عليه كان واضحًا عَوارُه. وإن قال لنا قائلٌ: ولمَ قدَّم اسمَ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ على اسمِه الذي هو الرحمنُ، واسمَه الذي هو الرحمنُ على اسمِه الذي هو الرحيمُ؟ قيل: لأن مِن شأنِ العربِ إذا أرادوا الخبرَ عن مُخْبَرٍ عنه أن يُقَدِّموا اسمَه، ثم يُتْبِعوه صفاتِه ونعوتَه، وهذا هو الواجبُ في الحكمِ، أن يكونَ الاسمُ مُقَدَّمًا قبلَ نعتِه وصفتِه؛ ليَعْلَمَ السامعُ الخبرَ عمَّن الخبرُ. فإذ كان ذلك، كذلك وكان للَّهِ جل ذكرُه أسماءٌ قد حرَّم على خلقِه أن يَتَسَمَّوْا بها، خصَّ بها نفسَه دونَهم، وذلك مثلُ اللَّهِ والرحمنِ والخالقِ، وأسماءٌ أباح لهم أن يُسَمِّيَ بعضُهم بعضًا بها، وذلك كالرحيمِ والسميعِ والبصيرِ والكريمِ وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ - كان الواجبُ أن تُقَدَّمَ أسماؤُه التي هي له خاصةٌ دونَ جميعِ خلقِه؛ ليَعْرِفَ السامعُ ذلك مَن توَجَّه إليه الحمدُ والتمجيدُ، ثم يُتْبَعَ ذلك بأسمائِه التي قد تَسَمَّى بها غيرُه، بعدَ علمِ المُخاطَبِ أو السامعِ مَن توَجَّه إليه ما يَتْلُو ذلك مِن المعاني.

стр. 313

فبَدأ اللَّهُ جل ذكرُه باسمِه الذي هو اللَّهُ؛ لأن الأُلوهةَ ليست لغيرِه جل ثناؤُه من وجهٍ مِن الوجوهِ، لا مِن جهةِ التَّسَمِّي به، ولا مِن جهةِ المعنى، وذلك أنّا قد بيَّنا أن معنى "اللَّهِ" جلّ ثناؤُه معنَى (١) المعبودِ، ولا معبودَ غيرُه جل ثناؤُه، وأن التَّسَمِّيَ به قد حرَّمه اللَّهُ جل ثناؤُه، وإن قصَد المُتَسَمِّي به ما قَصَد (٢) المُتَسَمِّي بسعيدٍ وهو شقيٌّ، وبحسنٍ وهو قبيحٌ. أو لا تَرَى أن اللَّهَ جل ثناؤه قال في غيرِ آيةٍ من كتابِه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٤]. فاسْتَكْبَر ذلك مِن المُقِرِّ به. وقال تعالى في خُصوصِه (٣) نفسَه باللَّهِ وبالرحمنِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]. ثم ثنَّى ذلك (٤) باسمِه الذي هو الرحمنُ، إذ كان قد منَع أيضًا خلقَه التَّسَمِّيَ به، وإن كان مِن خلقِه مَن قد يَسْتَحِقُّ تسميتَه ببعضِ مَعانيه، وذلك أنه قد يَجوزُ وصفُ كثيرٍ ممَّن هو دونَ اللَّهِ مِن خلقِه ببعضِ صفاتِ الرحمةِ، وغيرُ جائزٍ أن يَسْتَحِقَّ بعضَ الألوهةِ أحدٌ دونَه، فلذلك جاء الرحمنُ ثانيًا (٥) لاسمِه الذي هو اللَّهُ. وأما اسمُه الذي هو الرحيمُ، فقد ذكَرْنا أنه مما هو جائزٌ وصفُ غيرِه به، والرحمةُ مِن صفاتِه جل ذكرُه، فكان - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا - واقعًا مَواقعَ نعوتِ الأسماءِ اللواتي هن (٦) توابعُها، بعدَ تقدمِ الأسماءِ عليها.

стр. 314

فهذا وجهُ تقديمِ اسمِ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ، على اسمِه الذي هو الرحمنُ، واسمِه الذي هو الرحمنُ، على اسمِه الذي هو الرحيمُ. وقد كان الحسنُ البصريُّ يقولُ في الرحمنِ مثلَ ما قلنا، أنه مِن أسماءِ اللَّهِ التي مُنِع التَّسَمِّيَ بها العبادُ. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن عوفٍ (١)، عن الحسنِ، قال: الرحمنُ اسمٌ ممنوعٌ (٢). مع أن في إجماعِ الأمةِ مِن منعِ التَّسَمِّي به جميعَ الناسِ، ما يُغْني عن الاسْتِشْهادِ على صحةِ ما قلْنا في ذلك بقولِ الحسنِ وغيرِه.

стр. 315

القولُ في تأويلِ فاتحةِ الكتابِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال أبو جعفرٍ: ومعنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. الشكرُ للَّهِ خالصًا دونَ سائرِ ما يُعْبَدُ مِن دونِه، ودونَ كلِّ ما برَأ (١) مِن خلقِه، بما (٢) أنْعَم على عبادِه مِن النِّعَمِ التي لا يُحْصِيها العددُ، ولا يُحِيطُ بعددِها غيرُه أحدٌ، في تصحيحِ الآلاتِ لطاعتِه، وتَمْكينِ جَوارحِ أجسامِ المكلَّفِين لأداءِ فَرائضِه، مع ما بسَط لهم في دُنْياهم مِن الرزقِ، وغذَاهم به مِن نعيمِ العيشِ، مِن غيرِ اسْتِحْقاقٍ منهم ذلك (٣) عليه، ومع ما نبَّهَهم عليه ودعاهم إليه، مِن الأسبابِ المُؤَدِّيةِ إلى دَوامِ الخُلودِ في دارِ المُقامِ في النعيمِ المُقيمِ، فلربِّنا الحمدُ على ذلك كلِّه أولًا وآخرًا. وبما ذكَرْنا مِن تأويلِ قولِ ربِّنا جلّ ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤُه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. جاء (٤) الخبرُ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه. حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ (٥)، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال جبريلُ لمحمدٍ: قلْ يا محمدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال ابنُ عباسٍ:

стр. 316

الحمدُ (١) هو الشكرُ للَّهِ (٢)، والاسْتِخْذاءُ (٣) للَّهِ، والإقْرارُ بنعمتِه وهدايتِه وابتدائِه، وغيرِ ذلك (٤). حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: حدَّثنا بَقِيةُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثني عيسى بنُ إبراهيمَ، عن موسى بنِ أبي حَبيبٍ، عن الحكمِ بنِ عُمَيْرٍ، وكانت له صحبةٌ، قال: قال النبيُّ ﷺ : "إِذا قُلْتَ: الحَمدُ للَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. فقد شَكَرْتَ اللَّهَ فَزادَك" (٥). قال: وقد قيل: إن قولَ القائلِ: الحَمدُ للَّهِ. ثناءٌ عليه بأسمائِه وصفاتِه الحسنَى. وقولَه: الشكرُ للَّهِ. ثناءٌ عليه بنِعَمِه (٦) وأيادِيه. وقد رُوِي عن كعبِ الأحبارِ أنه قال: الحَمدُ للَّهِ ثناءُ (٧) اللَّهِ. ولم يُبَيِّنْ في الروايةِ عنه مِن أيِّ معنَيَي (٨) الثناءِ اللذين (٩) ذكَرْنا ذلك.

стр. 317

حدَّثنا يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قال: أنْبَأنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عمرُ (١) بنُ محمدٍ، عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني السَّلوليُّ، عن كعبٍ، قال: مَن قال: الحَمْدُ للَّهِ. فذلك ثناءٌ على اللَّهِ (٢). حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الخَرَّازُ (٣)، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجَرْميُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعَبٍ القَرْقَسانيُّ، عن مُبارَكِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن الأسودِ بنِ سَرِيعٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "ليس شيءٌ أحَبَّ إليه الحَمْدُ مِن اللَّهِ تعالى، ولذلك أثْنَى على نَفْسِه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ " (٤). قال أبو جعفرٍ: ولا تَمانُعَ بينَ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ مِن الحُكْمِ لقولِ القائلِ: الحمدُ للَّهِ شكرًا. بالصحةِ، فقد تبَيَّن (٥) - إذ (٦) كان ذلك عندَ جميعِهم صحيحًا - أن الحمدَ (٧) قد يُنْطَقُ به في موضعِ الشكرِ، وأن الشكرَ قد يُوضَعُ موضعَ الحمدِ؛ لأن ذلك لو لم يكنْ كذلك، لَما جاز أن يُقالَ: الحمدُ للَّهِ شكرًا. فيُخْرَجَ مِن قولِ القائلِ:

стр. 318

الحَمْدُ للَّهِ. مُصدرَ "أشْكُرُ"؛ لأن الشكرَ لو لم يكنْ بمعنى الحمدِ، كان خطأً أن يُصدرَ مِن الحمدِ غيرُ (١) معناه وغيرُ لفظِه (٢). فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الألفِ واللامِ في الحمدِ؟ وهلَّا قيل: حمدًا للَّهِ ربِّ العالمين؟ قيل: إن لدخولِ الألفِ واللامِ في الحمدِ معنًى لا يُؤَدِّيه قولُ القائلِ: حمدًا للَّهِ (٣). بإسقاطِ الألفِ واللامِ، وذلك أن دخولَهما في الحمدِ [مُنْبِئٌ عن] (٤) أن معناه: جميعُ المحامدِ والشكرُ الكاملُ للَّهِ. ولو أُسْقِطَتا منه ما دلَّ إلا على أن حَمْدَ قائلِ ذلك للَّهِ دونَ المحامدِ كلِّها، إذ كان معنى قولِ القائلِ: حمدًا للَّهِ. أو: [حمدٌ للَّهِ] (٥): أَحْمَدُ اللَّهَ حمدًا. وليس التأويلُ في قولِ القائلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. تاليًا سورةَ أمِّ القرآنِ: أحْمَدُ اللَّهَ. بل التأويل في ذلك ما وصَفْنا قبلُ، مِن أن جميعَ المَحامدِ للَّهِ بأُلوهتِه وإنعامِه على خلقِه بما أنْعَمَ عليهم به مِن النِّعَمِ، التي لا كِفاءَ (٦) لها في الدينِ والدنيا، والعاجلِ والآجِلِ. ولذلك مِن المعنى تَتابَعَت قراءةُ القرأةِ وعُلماءِ الأمةِ على رفعِ الحمدِ مِن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. دونَ نصبِها الذي يُؤَدِّي إلى الدَّلالةِ على أن معنى تاليه كذلك: أَحْمَدُ اللَّهَ حمدًا. ولو قرَأ قارئٌ ذلك بالنصبِ (٧)، لكان عندي مُحِيلًا

стр. 319

معناه، ومُسْتَحِقًّا العقوبةَ على قراءتِه إياه كذلك، إذا تعَمَّد قراءتَه كذلك، وهو عالمٌ بخطئِه وفسادِ تأويلِه. فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؟ أحَمِد اللَّهُ نفسَه جل ثناؤُه، فأثْنَى عليها، ثم عَلَّمَناه لنقولَ ذلك كما قال ووصَف به نفسَه؟ فإن كان ذلك كذلك، فما وجهُ قولِه تعالى ذكرُه إذن: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهو عزَّ ذكرُه معبودٌ لا عابدٌ؟ أم (١) ذلك مِن قِيلِ (٢) جبريلَ، أو محمدٍ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فقد بطَل أن يكون ذلك للَّهِ كلامًا. قيل: بل ذلك كلُّه كلامُ اللَّهِ جل ثناؤُه، ولكنه جل ذكرُه حمِد نفسَه وأثْنَى عليها بما هو [له أهلٌ] (٣)، ثم علَّم ذلك عبادَه، وفرَض عليهم تلاوتَه، اخْتِبارًا منه لهم وابْتِلاءً، فقال لهم: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقولُه (٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. مما علَّمهم جل ذكرُه أن يقولوه ويَدِينوا له بمعناه، وذلك موصولٌ بقولِه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وكأنه قال: قولوا هذا وهذا. فإن قال: وأين قولُه: قولوا. فيكونَ تأويلُ ذلك ما ادَّعَيْتَ؟ قيل: قد دلَّلْنا فيما مضَى على (٥) أن العربَ مِن شأنِها إذا عرَفَت مكانَ الكلمةِ، ولم تَشَكَّكْ (٦) أن سامعَها يَعْرِفُ بما أظْهَرَت مِن مَنْطِقِها ما حذَفَت - حَذْفُ ما كفَى

стр. 320

منه الظاهرُ مِن مَنْطِقِها، ولا سِيَّما إن كانت تلك الكلمةُ التي حُذِفَت قولًا أو بتأويلِ (١) قولٍ، كما قال الشاعرُ (٢): وأعْلَمُ أنني سأكونُ (٣) رَمْسًا (٤) … إذا سار النَّواعِجُ (٥) لا يَسِيرُ فقال السائلون (٦) [لِمَن حفَرْتُم] (٧) … فقال المُخْبِرون (٨) لهم وَزيرُ قال أبو جعفرٍ: يُرِيدُ بذلك: فقال المُخْبِرون (٨) لهم: الميتُ وزيرٌ. فأسْقَط الميتَ، إذ كان قد أتَى مِن الكلامِ بما يَدُلُّ على ذلك. وكذلك قولُ الآخرِ (٩): [ورأيْتِ زوْجَكِ في الوَغَى] (١٠) … مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحَا
следующие страницы →