← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويسْتَوْجِبون به (١) منه القُرْبَةَ، إلا مِن الوجهِ الواحدِ الذي أُنْزِل به كتابُهم، وذلك هو البابُ الواحدُ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه ذلك الكتابُ. وخصَّ اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - نبيَّنا محمدًا ﷺ وأمَّتَه بأن أَنْزَل عليهم كتابَه على أوجهٍ سبعةٍ مِن الوجوهِ التي يَنالُون بها رِضْوانَ اللَّهِ، ويُدْرِكون بها الفوزَ بالجنةِ إذا أقاموها، فكلُّ (٢) وجهٍ مِن أوجُهِه السبعةِ بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ الذي نزَل منه القرآنُ؛ لأن العاملَ بكلِّ وجهٍ مِن أوجُهِه (٣) السبعةِ عاملٌ على (٤) بابٍ مِن أبوابِ الجنةِ، وطالبٌ مِن قِبَلِه الفوزَ بها، فالعملُ بما أمَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه في كتابِه بابٌ مِن أبوابِ الجنةِ، وتركُ ما نهَى اللَّهُ عنه فيه بابٌ آخرُ ثانٍ مِن أبوابِها، وتحليلُ ما حَلَّل اللَّهُ فيه بابٌ ثالثٌ مِن أبوابِها، وتحريمُ ما حرَّم اللَّهُ فيه بابٌ رابعٌ مِن أبوابِها، والإيمانُ بمُحْكَمِه المُبَيَّنِ بابٌ خامسٌ مِن أبوابِها، والتسليمُ لمُتَشابِهِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه وحجَب علمَه عن خلقِه، والإقرارُ بأن كلَّ ذلك مِن عندِ ربِّه، بابٌ سادسٌ مِن أبوابِها، والاعتبارُ بأمثالِه والاتعاظُ بعِظاتِه بابٌ سابعٌ مِن أبوابِها. فجميعُ ما في القرآنِ مِن حروفِه السبعةِ وأبوابِه السبعةِ التي نزَل منها، جعَله اللَّهُ لعبادِه إلى رِضوانِه هاديًا، ولهم إلى الجنةِ قائدًا، فذلك معنى قولِه ﷺ : "نزَل القُرآنُ مِن سبعةِ أبوَابٍ من (٥) الْجَنَّةِ". وأما قولُه ﷺ في القرآنِ: "إنَّ لكلِّ حَرْفٍ منه حَدًّا" (٦). يعني الكلِّ وجهٍ مِن

стр. 247

أوجُهِه السبعةِ حدًّا حده اللَّهُ جلَّ ثناؤُه، لا يَجوزُ لأحدٍ أن يَتَجاوَزَه. وقولُه ﷺ : "وإنَّ لكُلِّ حَرْفٍ منها ظَهْرًا وبَطْنًا". فظهرُه الظاهرُ في التلاوةِ، وبطنُه ما بطَن مِن تأويلِه. وقوله ﷺ : "وإنَّ لكُلِّ حَدٍّ من ذلك مُطَّلَعًا". فإنه يعني أن لكلِّ حدٍّ مِن حدودِ اللَّهِ التي حدَّها فيه، مِن حلالٍ وحرامٍ وسائرِ شرائعِه، مِقْدارًا مِن ثوابِ اللَّهِ وعقابِه يُعايِنُه في الآخرةِ، ويَطَّلِعُ عليه، ويُلاقِيه في القيامةِ، كما قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁: لو أن لي ما في الأرضِ مِن صفراءَ وبيضاءَ لافْتَدَيْتُ به مِن هولِ المُطَّلَعِ (١). يعْني بذلك ما يَطَّلِعُ عليه ويهجُمُ عليه مِن أمرِ اللَّهِ بعد وفاتِه. القولُ في الوجوهِ التي مِن قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرفةِ تأويلِ القرآنِ قال أبو جعفرٍ: قد قلنا في الدَّلالةِ على أن القرآنَ كلَّه عربيٌّ، وأنه نزَل بألسنِ بعضِ العربِ دون ألسنِ جميعِها، وأن قراءةَ المسلمين اليومَ، ومَصاحفَهم التي هي بينَ أظهرِهم، ببعضِ الألسنِ التي نزَل بها القرآنُ دون جميعِها. وقلنا في البيانِ عما يَحْوِيه القرآنُ مِن النورِ والبُرْهانِ، والحِكْمةِ والتِّبيانِ (٢)، التي أوْدَعها اللَّهُ إياه، مِن أمرِه ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، ووعدِه ووَعيدِه، ومُحْكمِه ومُتَشابهِه، ولطائفِ حُكْمِه - ما فيه الكفايةُ لمَن وُفِّق لفهمِه. ونحن قائلون في البيانِ عن وجوهِ مطالبِ تأويلِه: قال اللَّهُ جل ثناؤُه وتقَدَّسَت أسماؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال أيضًا

стр. 248

له (١) جل ذكرُه: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. فقد تبَيَّن ببيانِ اللَّهِ جل ذكرُه أن مما أنْزَل اللَّهُ مِن القرآنِ على نبيِّه ﷺ ما لا يُوصَلُ إلى علمِ تأويلِه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ، وذلك تأويلُ جميعِ ما فيه مِن وجوهِ أمرِه، واجبِه ونَدْبِه وإرشادِه، وصنوفِ نهيِه، ووظائفِ حقوقِه، وحدودِه، ومبالغِ فرائضِه، ومقاديرِ اللازمِ بعضَ خَلْقِه لبعضٍ، وما أشبه ذلك مِن أحكامِ آيهِ التي لم يُدْرَكْ علمُها إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأُمَّتِه. وهذا وجهٌ له لا يجوزُ لأحدٍ القولُ فيه إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ [له تأويلَه] (٢)، بنصٍّ منه عليه، أو بدَلالةٍ قد نصبَها دالَّةٍ أمَّتَه على تأويلِه. وأن منه ما لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ الواحدُ القَهَّارُ، وذلك ما فيه مِن الخبرِ عن آجالٍ حادثةٍ، وأوقاتٍ آتِيةٍ؛ كوقتِ قيامِ الساعةِ، والنَّفْخِ في الصُّورِ، ونُزولِ عيسى ابنِ مريمَ، وما أشْبَهَ ذلك، فإن تلك أوقاتٌ لا يَعْلَمُ أحدٌ حدودَها، ولا يَعْرِفُ أحدٌ مِن تأويلِها إلا [بالخبرِ عن أشراطِها] (٣)، لاسْتِئْثارِ اللَّهِ بعلمِ ذلك على خلقِه.

стр. 249

وبذلك (١) أنْزَل رَبُّنا (٢) مُحْكَمَ كتابِه، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وكان نبيُّنا محمدٌ ﷺ إذا ذكَر شيئًا مِن ذلك لَمْ يَدُلَّ عليه إلا بأشراطِه، دونَ تحديدِه بوقتِه (٣)، كالذي رُوِي عنه ﷺ أنه قال لأصحابِه إذ ذكَر الدجالَ: "إن يَخْرُجْ وأنا فِيكم، فأنا حَجِيجُه، وإن يَخْرُجْ بَعْدِي، فاللَّهُ خَلِيفَتِي عليكم" (٤). وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التي يَطولُ باستيعابِها الكتابُ، الدالةِ على أنه ﷺ لم يكنْ عندَه علمُ أوقاتِ شيءٍ منه بمقاديرِ السنينَ والأيامِ، وأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما كان عرَّفه مجيئَه بأشراطِه، ووقْتَه بأدلتِه (٥). وأن منه ما يَعْلَمُ تأويلَه كلُّ ذي علمٍ باللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، وذلك إقامةُ إعرابِه، ومعرفةُ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المُشْتَرَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ دون ما سواها، فإن ذلك لا يَجْهَلُه أحدٌ منهم، وذلك كسامعٍ منهم لو سمِع تاليًا يَتْلُو: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١، ١٢]. لم يَجْهَلْ أن معنى الإفسادِ هو ما يَنْبَغِي تركُه مما هو مضَرَّةٌ، وأن الإصلاحَ هو ما يَنْبَغِي فِعْلُه مما فعلُه منفعةٌ، وإن جَهِل المعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إفسادًا، والمعانيَ التي جعَلها اللَّهُ إصْلاحًا، فالذي يَعْلَمُه ذو اللسانِ الذي بلسانِه نزَل القرآنُ، مِن تأويلِ القرآنِ، هو ما

стр. 250

وصفتُ مِن معرفةِ أعيانِ المُسَمَّياتِ بأسمائِها اللازمةِ غيرِ المشترَكِ فيها، والموصوفاتِ بصفاتِها الخاصةِ، دونَ الواجبِ مِن أحكامِها وصفاتِها وهيئاتِها التي خصّ اللَّهُ بعلمِها نبيَّه ﷺ ، فلا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِه، دونَ ما استَأْثر اللَّهُ بعلمِه دونَ خلقِه. وبمثلِ ما قلنا في (١) ذلك رُوِي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ. حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن أبي الزنادِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: التفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ؛ وجهٌ تَعْرِفُه العربُ مِن كلامِها، وتفسيرٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ بجَهالتِه، وتفسيرٌ يَعْلَمُه العلماءُ، وتَفْسيرٌ لا يَعْلَمُه إلا اللَّهُ (٢). قال أبو جعفرٍ: وهذا الوجهُ الرابعُ الذي ذكَره ابنُ عباسٍ مِن أن أحدًا لا يُعْذَرُ بجَهالتِه، معنًى غيرُ الإبانةِ عن وجوهِ مَطالبِ تأويلِه، وإنما هو خبرٌ عن أن مِن تأويلِه ما لا يَجوزُ لأحدٍ الجهلُ به. وقد رُوِي بنحوِ ما قلْنا في ذلك أيضًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ في إسنادِه نظرٌ. حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّدَفيُّ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ عمرَو بنَ الحارثِ يُحَدِّثُ عن الكلبيِّ، عن أبي صالحٍ مولى أمِّ هانئٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أُنْزِل القُرآنُ على أربعَةِ أَحْرُفٍ؛ حَلَالٌ وحَرَامٌ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ به، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العَرَبُ، وتَفْسِيرٌ تُفَسِّرُه العُلَماءُ، ومُتَشَابِهٌ لا يَعْلَمُه إلَّا اللَّهُ، وَمَن ادَّعَى عِلْمَه سِوَى اللَّهِ فهو كاذِبٌ" (٣).

стр. 251

ذكرُ بعضِ الأَخبارِ التي رُوِيَت بالنهيِ عن القولِ في تأْويلِ القرآنِ بالرأْيِ حدَّثنا يحيى بنُ طَلحةَ اليَرْبوعيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ قال في القُرآنِ برَأْيِه، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ" (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى - هو ابنُ عامرٍ الثَّعْلبيُّ - عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "مَن قال في القُرآنِ بِرَأْيِه - أو بما لا يَعْلَمُ - فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ" (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ وقَبيصةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَن قال في القُرآنِ بغَيْرِ عِلْمٍ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَه مِن النَّارِ" (٣).

стр. 252

حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: من قال في القرآنِ برأيِه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن بكرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مَن تكَلَّم في القرآنِ برأيِه، فلْيَتَبَوَّأْ مقعدَه مِن النارِ. حدَّثني أبو السائبِ سلْمُ (١) بنُ جُنادةَ السُّوَائيُّ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الحسنِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعْمَرٍ (٢)، قال: قال أبو بكرٍ الصديقُ: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني، إذا قلتُ في القرآنِ ما لا أعْلَمُ (٣)!. حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مُرَّةَ، عن أبي مَعْمَرٍ، قال: قال أبو بكرٍ الصديقُ: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سماءٍ تُظِلُّني، إذا قلتُ في [كتابِ اللَّهِ ] (٤) برأيي. أو: بما لا أعْلَمُ (٥)! قال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ شاهدةٌ لنا على صحةِ ما قلنا؛ مِن أن ما كان مِن تأويلِ (٦) القرآنِ الذي لا يُدْرَكُ عِلْمُه إلا بنصِّ بيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أو بنَصْبِه الدَّلالةَ عليه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القِيلُ فيه برأيِه، بل القائلُ في ذلك برأيِه، وإن أصاب عينَ (٧)

стр. 253

الحقِّ فيه، فمُخْطِئٌ في (١) فِعلِه بقِيلِه (٢) فيه برأيِه، ولأن إصابتَه ليست إصابةَ مُوقِنٍ أنه مُحِقٌّ، وإنما هو إصابةُ خارصٍ وظانٍّ، والقائلُ في دينِ اللَّهِ بالظنِّ قائلٌ على اللَّهِ ما لا يَعْلَمُ، وقد حرَّم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه ذلك في كتابِه على عبادِه فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقائلُ (٣) في تأويلِ كتابِ اللَّهِ الذي لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، الذي جعَل اللَّهُ إليه بيانَه - قائلٌ ما (٤) لا يَعْلَمُ، وإن وافَق قيلُه ذلك في تأويلِه ما أراد اللَّهُ به مِن معناه؛ لأن القائلَ فيه بغيرِ علمٍ قائلٌ على اللَّهِ ما لا عِلْمَ له به. وهذا هو معنى الخبرِ الذي حدَّثنا به العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ العَنْبَريُّ، قال: حدَّثنا حَبَّانُ بنُ هلالٍ، قال: حدَّثنا سُهَيْلٌ أخو (٥) حزمٍ، قال: حدَّثنا أبو عِمرانَ الجَوْنيُّ (٦)، عن جُنْدُبٍ، أن سولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَن قَالَ في القُرآنِ بِرَأْيِه فأصابَ، فقد أخْطَأَ" (٧).

стр. 254

قال أبو جعفرٍ: يعني ﷺ أنه أخْطَأ في فعلِه، بقيلِه فيه برأيِه، وإن وافق قيلُه ذلك عينَ الصوابِ عندَ اللَّهِ؛ لأن قيلَه فيه برأيِه ليس بقيلِ عالمٍ [أن الذي] (١) قال فيه مِن قولٍ حقٌّ وصوابٌ، فهو قائلٌ على اللَّهِ ما لا يَعْلَمُ، آثمٌ بفعلِه ما قد نُهِي عنه وحُظِر عليه. ذكرُ بعضِ الأخبارِ التي رُوِيَت في الحضِّ على العلمِ بتفسيرِ القرآنِ، ومَن كان يُفَسِّرُه مِن الصحابةِ حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شَقيقٍ المَرْوزِيُّ، قال: سمِعْتُ أبي يقولُ: حدَّثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: كان الرجلُ منا إذا تعَلَّم عشْرَ آياتٍ لَمْ يُجاوِزْهن حتى يَعْرِفَ مَعانِيَهن والعملَ بهن (٢). حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا الذين كانوا يُقْرِئُوننا أنهم كانوا يَسْتَقْرِئون مِن النبيِّ ﷺ ، فكانوا إذا تعَلَّموا عشْرَ آياتٍ لم يُخَلِّفوها حتى يَعْمَلوا [بما فيها] (٣) مِن العملِ، فتعَلَّمنا القرآنَ والعملَ جميعًا (٤).

стр. 255

وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن مُسْلمٍ، عن مَسْروقٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: والذي لا إلهَ غيرُه، ما نزَلَت آيةٌ في كتابِ اللَّهِ إلا وأنا أعْلَمُ فيمَ (١) نزَلَت، وأين نزَلَت (٢)، ولو أعْلَمُ مكانَ أحدٍ أعْلَمَ بكتابِ اللَّهِ مني تَنالُه المَطايا لأتَيْتُه (٣). وحدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: حدَّثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، [عن مسلمٍ] (٤)، عن مسروقٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يَقْرَأُ علينا السورةَ، ثم يُحَدِّثُنا فيها ويُفَسِّرُها عامَّةَ النهارِ. حدَّثني أبو السائبِ سلْمُ (٥) بنُ جُنادةَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: اسْتَعْمَل عليٌّ ابنَ عباسٍ على الحجِّ. قال: فخطَب الناسَ خُطبةً لو سمِعها التركُ والرومُ لأسْلَموا، ثم قرَأ عليهم سورةَ النورِ، فجعَل يُفَسِّرها (٦). وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ شَقيقِ بنِ سَلَمةَ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ سورةَ البقرةِ، فجعَل يُفَسِّرُها، فقال رجلٌ: لو سمِعَت هذا الدَّيْلَمُ لأَسْلَمَت (٧).

стр. 256

حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ (١) يَمانٍ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: مَن قرَأ القرآنَ ثم لم يُفَسِّرْه، كان كالأعْجَمِيِّ (٢) أو: كالأعْرابيِّ. حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ذكَر أبو بكرِ بنُ عياشٍ الأعمشَ، قال: قال أبو وائلٍ: ولِي ابنُ عباسٍ الموسمَ، فخطَبهم فقرَأ على المِنْبرِ سورةَ النورِ، واللَّهِ لو سمِعها التركُ لأسْلَموا. فقيل له: حَدِّثْنا (٣) به عن عاصمٍ. فسكَت (٤). وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ الأعمشَ، عن شَقيقٍ، قال: شهِدْتُ ابنَ عباسٍ وولِي الموسمَ، فقرَأ سورةَ النورِ على المنبرِ، وفسَّرها، لو سمِعَت الرومُ لأَسْلَمَت. قال أبو جعفرٍ: وفي حثِّ (٥) اللَّهِ عبادَه على الاعتبارِ بما في آيِ القرآنِ مِن المواعظِ والبيناتِ (٦) - بقولِه جلّ ذكرُه لنبيِّه ﷺ : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. وقولِه: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧، ٢٨]. وما أشْبَهَ ذلك مِن آيِ القرآنِ التي أمَر اللَّهُ عبادَه وحثَّهم فيها على الاعتبارِ بأمثالِ آيِ القرآنِ والاتِّعاظِ بمَواعظِه - ما يَدُلُّ على أن عليهم معرفةَ

стр. 257

تأويلِ ما لَمْ يُحْجَبْ عنهم تأويلُه مِن آيِه (١)؛ لأنه مُحالٌ أن يُقالَ لمن لا يَفْهَمُ ما يُقالُ له، ولا يَعْقِلُ تأويلَه: اعْتَبِرْ بما لا فهمَ لك به ولا معرفةَ مِن القيلِ والبيانِ [والكلامِ] (٢). إلا على معنى الأمرِ بأن يَفْهَمَه ويَفْقَهَه، ثم يَتَدَبَّرَه ويَعْتَبِرَ به. فأما قبلَ (٣) ذلك فمستحيلٌ أمرُه بتدبرِه، وهو بمعناه جاهلٌ، كما مُحالٌ أن يُقالَ لبعضِ أصنافِ الأممِ الذين لا يَعْقِلون كلامَ العربِ ولا يَفْهَمونه (٤)، لو أُنْشِدَ (٥) قصيدةَ شعرٍ مِن أشعارِ بعضِ العربِ ذاتَ أمثالٍ ومَواعظَ وحِكَمٍ: اعْتَبِرْ بما فيها مِن الأمثالِ، وادَّكِرْ بما فيها مِن المواعظِ - إلَّا بمعنى الأمرِ له (٦) بفهمِ كلامِ العربِ ومعرفتِه، ثم الاعتبارِ بما نبَّهَه عليه ما فيها مِن الحِكَمِ، فأما وهي جاهلةٌ بمعاني ما فيها مِن الكلامِ والمَنْطِقِ، فمُحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوَته مِن الأمثالِ والعِبَرِ، بل سواءٌ أمرُها بذلك وأمرُ بعضِ البهائمِ به، إلا بعدَ العلمِ بمعاني المَنْطِقِ والبيانِ الذي فيها. فكذلك ما في آيِ كتابِ اللَّهِ مِن العبرِ والحِكمِ والأمثالِ والمَواعِظِ، لا يجوزُ أن يقالَ: اعْتَبِرْ بها. إلا لمَن كان بمعاني بيانِه عالمًا، وبكلامِ العربِ عارفًا، وإلا بمعنى الأمرِ لمن كان بذلك منه جاهلًا أن يَعْلَمَ معانيَ كلامِ العربِ، ثم يَتَدَبَّرَه بعدُ، ويَتَّعِظَ بحِكَمِه وصنوفِ عِبَرِه.

стр. 258

فإذ (١) كان ذلك كذلك، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أمَر عبادَه بتدبُّرِه وحثَّهم على الاعتبارِ بأمثالِه - كان معلومًا أنه لم يَأْمُرْ بذلك مَن كان بما يَدُلُّ عليه آيُه جاهلًا. وإذ لَمْ يَجُزْ أن يَأْمُرَهم بذلك إلا وهم بما يَدُلُّهم عليه عالِمون، صحَّ أنهم بتأويلِ ما لم يُحْجَبْ عنهم علمُه مِن آيِه الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه منه دونَ خلقِه، الذي (٢) قدَّمنا صفتَه آنفًا عارفون. وإذ صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن أنْكَر تفسيرَ المُفَسِّرِين مِن كتابِ اللَّهِ وتنزيلِه ما لَمْ يَحْجُبْ عن خلقِه تأويلَه. ذكرُ (٣) الأخبارِ التي غلِط في تأويلِها مُنْكِرو القولِ في تأويلِ القرآنِ فإن قال لنا قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حدَّثكم به العباسُ بنُ عبدِ العظيمِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ ابنُ عَثْمةَ (٤)، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: ما كان النبيُّ ﷺ يُفَسِّرُ شيئًا مِن القرآنِ إلا آيًا بعَددٍ (٥)، علَّمهنَّ إياه جبريلُ (٦). حدَّثنا [أبو بكرٍ] (٧) محمدُ بنُ يزيدَ الطَّرَسُوسيُّ، قال: أخْبَرَنا مَعْنُ [بنُ عيسى] (٧)،

стр. 259

عن جعفرِ (١) بنِ خالدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لم يكنِ النبيُّ ﷺ يُفَسِّرُ شيئًا مِن القرآنِ إلا آيًا بعَددٍ (٢)، علَّمهن إياه جبريلُ ﵇ (٣). وحدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، قال: لقد أدْرَكْتُ فُقهاءَ المدينةِ وإنهم لَيُعْظِمون القولَ في التفسيرِ؛ منهم سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ونافعٌ (٤). وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمِعْتُ رجلًا يَسْألُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: لا أقولُ في القرآنِ شيئًا (٥). حدَّثنا يونُسُ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه كان إذا سُئِل عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ قال: [إنا لا نقولُ] (٦) في القرآنِ شيئًا. حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعْتُ الليثَ يُحَدِّثُ عن

стр. 260

يحيى بنِ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ أنه كان لا يَتَكَلَّمُ إلا في المعلومِ مِن القرآنِ (١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكّامٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشامٍ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سألْتُ عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ عن آيةٍ، قال: عليك بالسَّدادِ، فقد ذهَب الذين علِموا فيمَ أُنْزِل القرآنُ. حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عَوْنٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألْتُ عَبيدةَ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: ذهَب الذين كانوا يَعْلَمون فيم أُنْزِل القرآنُ، فاتَّقِ اللَّهَ وعليك بالسَّدادِ (٢). حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، أنَّ ابنَ عباسٍ سُئِل عن آيةٍ لو سُئِل عنها بعضُكم لَقال فيها، فأبَى أن يقولَ فيها (٣). حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن مَهْديِّ بنِ ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ، قال: جاء طَلْقُ بنُ حَبيبٍ إلى جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ فسأله عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال له: أُحَرِّجُ عليك إن كنتَ مسلمًا لَما قمتَ عني. أو قال: أن تُجالِسَني (٤). حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ شَوْذَبٍ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي يزيدَ، قال: كنا نَسْألُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن الحلالِ والحرامِ، وكان أعلمَ الناسِ، فإذا سألْناه عن تفسيرِ آيةٍ مِن القرآنِ سكَت كأن لم

стр. 261

يَسْمَعْ (١). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخْبَرَنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: سأل رجلٌ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن آيةٍ مِن القرآنِ، فقال: لا تَسْألْني عن (٢) القرآنِ، وسَلْ مَن يَزْعُمُ أنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه. يعني عِكْرمةَ (٣). وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عامرٍ، عن شعبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي السَّفَرِ، قال: قال الشعبيُّ: واللَّهِ ما مِن آيةٍ إلا قد سألْتُ عنها، ولكنَّها الروايةُ عن (٤) اللَّهِ تعالى (٥). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن صالحٍ - يعني ابنَ مسلمٍ (٦) - قال: حدَّثني رجلٌ، عن الشعبيِّ، قال: ثلاثٌ لا أقولُ فيهنَّ حتى أموتَ؛ القرآنُ، والروحُ (٧)، والرأيُ (٨). وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ (٩)؟ قيل له: أما الخبرُ الذي رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ (١٠)، فإن ذلك مُصَحِّحٌ ما قلْنا مِن القولِ في البابِ الماضي قبلُ، وهو

стр. 262

أن مِن تأويلِ القرآنِ ما لا يُدْرَكُ علمُه إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ، وذلك تفصيلُ (١) جُمَلِ ما في آيِه، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه، وحلالِه وحرامِه، وحدودِه وفَرائضِه، وسائرِ معاني شرائعِ دينِه، الذي هو مُجْمَلٌ في ظاهرِ التنزيلِ، وبالعبادِ إلى تفسيرِه الحاجةُ، لا يُدْرَكُ علمُ تأويلِه إلا ببيانٍ مِن عندِ اللَّهِ على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وما أشبَه ذلك مما تَحْوِيه آيُ القرآنِ، مِن سائرِ حُكْمِه الذي جعَل اللَّهُ بيانَه لخلقِه إلى رسولِه ﷺ ، فلا يَعْلَمُ أحدٌ مِن خلقِ اللَّهِ تأويلَ ذلك إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ ، ولا يَعْلَمُه رسولُ اللَّهِ ﷺ إلا بتعليمِ اللَّهِ ذلك إياه بوحيِه إليه، إما مع جبريلَ، أو مع مَن شاء مِن رسلِه إليه. فذلك هو الآيُ التي كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يُفَسِّرُها لأصحابِه بتعليمِ جبريلَ إياه، وهن لا شكَّ آيٌ ذواتُ عَدَدٍ. ومِن آيِ القرآنِ ما قد ذكَرْنا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه اسْتَأْثَر بعلمِ تأويلِه، فلم يُطْلِعْ على علمِه مَلَكًا مُقَرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولكنهم يُؤْمِنون بأنه مِن عندِه، وأنه لا يَعْلَمُ تأويلَه إلا اللَّهُ. فأما ما لا بُدَّ للعبادِ مِن علمِ تأويلِه، فقد بيَّن لهم نبيُّهم ﷺ ببيانِ اللَّهِ ذلك له بوحيِه مع جبريلَ، وذلك هو المعنى الذي أمَره اللَّهُ ببيانِه (٢) لهم، فقال له جلّ ذكرُه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. ولو كان تأويلُ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه كان لا يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ - هو ما يَسْبِقُ إليه أوهامُ أهلِ الغَباءِ مِن أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ إلا القليلَ

стр. 263

مِن آيِه واليسيرَ مِن حروفِه، كان إنما أُنْزِل إليه ﷺ الذكرُ ليتْرُكَ للناسِ (١) بيانَ ما نزِّل إليهم، لا ليُبَيِّنَ لهم ما أُنْزِل إليهم. وفي أمرِ اللَّهِ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ببلاغِ ما أَنزَل إليه، وإعلامِه إياه أنه إنما نزَّل إليه ما أَنْزَل ليُبَيِّنَ للناسِ ما نُزِّل إليهم، وقيامِ الحجةِ على أن النبيَّ ﷺ قد بلَّغ [وأدَّى] (٢) ما أمَره اللَّهُ ببلاغِه وأدائِه على ما أمَره به، وصحةِ الخبرِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ بقيلِه (٣): كان الرجلُ منا إذا تعَلَّم عشْرَ آياتٍ لم يُجاوِزْهن حتى يَعْلَمَ مَعانِيَهن والعملَ بهنَّ (٤) - ما يُنْبِئُ عن جهلِ مَن ظنَّ أو توَهَّم أن معنى الخبرِ الذي ذكَرْنا عن عائشةَ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه لم يكنْ يُفَسِّرُ مِن القرآنِ شيئًا إلا آيًا بعددٍ، هو أنه لم يكنْ يُبَيِّنُ (٥) لأمتِه مِن تأويلِه إلا اليسيرَ القليلَ منه. هذا مع ما في الخبرِ الذي رُوِي عن عائشةَ مِن العلةِ التي في إسنادِه التي لا يَجوزُ معها الاحتجاجُ به لأحدٍ ممَّن علِم صحيحَ سندِ الآثارِ وفاسدَها في الدينِ؛ لأن راويَه ممَّن لا يُعْرَفُ في أهلِ (٦) الآثارِ، وهو جعفرُ بنُ محمدٍ الزُّبيريُّ (٧). وأما الأخبارُ التي ذكَرْناها عمَّن ذكَرْناها عنه مِن التابعين بإحْجامِه عن التأويلِ، فإن فعْلَ مَن فعَل ذلك منهم، كفعْلِ مَن أحْجَم منهم عن الفُتْيا في النَّوازلِ والحوادثِ، مع إقرارِه بأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه لم يَقْبِضْ نبيَّه إليه إلا بعدَ إكمالِ (٨) الدينِ به

стр. 264

لعبادِه، وعلمِه بأن للَّهِ في كلِّ نازلةٍ وحادثةٍ حُكْمًا موجودًا بنصٍّ أو دَلَالةٍ، فلم يكنْ إحجامُه عن القولِ في ذلك إحجامَ جاحدٍ أن يكونَ للَّهِ فيه حكمٌ موجودٌ بينَ أظهرِ عبادِه، ولكن إحجامَ خائفٍ ألا يَبْلُغَ باجتهادِه (١) ما كلَّف اللَّهُ العلماءَ مِن عبادِه فيه. فكذلك معنى إحجامِ مَن أحْجَم عن القِيلِ في تأويلِ القرآنِ وتفسيرِه مِن العلماءِ السلفِ، إنما كان إحجامُه عنه حِذارًا ألا يَبْلُغَ أداءَ ما كُلِّف مِن إصابةِ صوابِ القولِ فيه، لا على أن تأويلَ ذلك مَحْجوبٌ عن علماءِ الأمةِ، غيرُ موجودٍ بينَ أظْهُرِهم. ذكرُ الأخبارِ عن بعضِ السلفِ في مَن كان مِن قُدماءِ المُفَسِّرين محمودًا علمُه بالتفسيرِ ومَن كان منهم مذمومًا علمُه به (٢) حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سليمانَ، عن مسلمٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: نِعْمَ تُرْجمانُ القرآنِ ابنُ عباسٍ (٣). حدَّثني يحيى بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزْرقُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: نعم [التُّرْجمانُ للقرآنِ] (٤) ابنُ عباسٍ (٥).

стр. 265

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنحوِه (١). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن عثمانَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: رأيْتُ مجاهدًا يَسْألُ ابنَ عباسٍ عن تفسيرِ القرآنِ ومعه ألواحُه (٢)، فيقولُ له ابنُ عباسٍ: اكْتُبْ. قال: حتى سأَلَه عن التفسيرِ كلِّه (٣). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا المُحارِبيُّ ويونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ، قال: عرَضْتُ المصحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عَرَضاتٍ، مِن فاتحتِه إلى خاتمتِه، أُوقِفُه عندَ كلِّ آيةٍ منه وأسألُه عنها (٤). حدَّثني عُبيدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ الجُبَيْريُّ (٥)، عن أبي بكرٍ الحَنَفيِّ، قال: سمِعْتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ: إذا جاءك التفسيرُ عن مجاهدٍ فحسْبُك به (٦). حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سليمانُ أبو (٧) داودَ، عن شعبةَ، عن

стр. 266

عبدِ الملكِ بنِ مَيْسَرةَ، قال: لم يَلْقَ الضَّحّاكُ ابنَ عباسٍ، وإنما لَقِي سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ بالرَّيِّ، فأخَذ عنه التفسيرَ (١). حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، عن مُشَاشٍ، قال: قلتُ للضحاكِ: سمِعْتَ مِن ابنِ عباسٍ شيئًا؟ قال: لا (٢). حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا زكريا، قال: كان الشعبيُّ يَمُرُّ بأبي صالحٍ باذانَ، فيَأْخُذُ بأُذُنِه فيَعْرُكُها (٣)، ويقولُ: تُفَسِّرُ القرآنَ وأنت لا تَقْرَأُ القرآنَ (٤)! حدَّثنا عبدُ (٥) اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ واقدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ (٦): قادرٌ على أن يَجْزِيَ بالحسنةِ الحسنةَ، وبالسيئةِ

стр. 267

السيئةَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]. قال الحسينُ: فقلتُ للأعمشِ: حدَّثني به الكلبيُّ إلا أنه قال: إن اللَّهَ قادرٌ أن يَجْزِيَ بالسيئةِ السيئةَ، وبالحسنةِ عشرًا. فقال الأعمشُ: لو أن الذي عندَ الكلبيِّ عندي، ما خرَج مني [إلا بخفيرٍ] (١). حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حَكيمٍ الأوْديُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بُكَيْرٍ، عن صالحِ بنِ مسلمٍ، قال: مرَّ الشعبيُّ على السُّدِّيِّ وهو يُفَسِّرُ، فقال: لأن يُضْرَبَ على استِك بالطَّبْلِ، خيرٌ لك مِن مجلسِك هذا (٢). حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثني عليُّ بنُ حَكيمٍ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن سَلْمِ (٣) بنِ عبدِ الرحمنِ النَّخَيِّ، قال: كنتُ مع إبراهيمَ، فرأى السُّدِّيَّ، فقال: أمَا إنه يُفَسِّرُ تَفسيرَ القومِ (٤). حدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ بَشيرٍ يقولُ عن قتادةَ، قال: ما [بقِي أحدٌ] (٥) يَجْرِي مع الكلبيِّ في التفسيرِ في عِنَانٍ. قال أبو جعفرٍ: قد قلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا في وجوهِ تأويلِ القرآنِ، وأن تأويلَ جميعِ القرآنِ على أوجهٍ ثلاثةٍ: أحدُها: لا سبيلَ إلى الوصول إليه، وهو الذي اسْتَأْثَر اللَّهُ بعلمِه، وحجَب علمَه

стр. 268

عن جميعِ خلقِه، وهو أوقاتُ ما كان مِن آجالِ الأمورِ الحادثةِ التي أخْبَر اللَّهُ في كتابِه أنها كائنةٌ؛ مثلُ وقتِ قيامِ الساعةِ، ووقتِ نزولِ عيسى ابنِ مريمَ، ووقتِ طلوعِ الشمسِ مِن مَغْرِبِها، والنفخِ في الصُّورِ، وما أشبَهَ ذلك. والوجهُ الثاني: ما خصَّ اللَّهُ [بعلمِ تأويلِه] (١) نبيَّه ﷺ دونَ سائرِ أمّتِه، وهو ما فيه مما بعبادِه إلى علمِ تأويلِه الحاجةُ، فلا سبيلَ لهم إلى علمِ ذلك إلا ببيانِ الرسولِ ﷺ لهم تأويلَه. والثالثُ منها: ما كان علمُه عندَ أهلِ اللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، وذلك علمُ تأويلِ غريبِه (٢) وإعرابِه، لا يُوصَلُ إلى علمِ ذلك إلا مِن قِبَلِهم. فإذ (٣) كان ذلك كذلك، فأحقُّ (٤) المُفَسِّرين (٥) بإصابةِ الحقِّ في تأويلِ القرآنِ الذي إلى علمِ تأويلِه للعبادِ السبيلُ، أوضحُهم حُجَّةً فيما تأوَّل وفسَّر، مما كان تأويلُه إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ دونَ سائرِ أمّتِه، مِن أخبارِ رسولِ اللَّهِ ﷺ الثابتةِ عنه، إما مِن جهةِ (٦) النقلِ المُسْتَفيضِ، فيما وُجِد فيه مِن ذلك عنه النقلُ المُسْتَفِيضُ، وإما مِن جهةِ (٦) نقل العدولِ الأثباتِ، فيما لم يكنْ عنه فيه النقلُ المستفيضُ، أو مِن جهةِ (٦) الدَّلَالةِ المنصوبةِ على صحتِه، وأوضحُهم (٧) برهانًا فيما ترْجَم وبيَّن مِن ذلك مما كان مُدْرَكًا علمُه مِن جهةِ اللسانِ، إما بالشواهدِ مِن أشعارِهم السائرةِ، وإما مِن مَنْطِقِهم

стр. 269

ولغاتِهم المستفيضةِ المعروفةِ، كائنًا مَن كان ذلك المُتأوِّلُ والمُفَسِّرُ، بعد ألا يكونَ خارجًا تأويلُه وتفسيرُه ما تأوَّل وفسَّر مِن ذلك عن أقوالِ السلفِ مِن الصحابةِ والأئمةِ، والخلفِ مِن التابعين وعلماءِ الأمةِ. القولُ في تأويلِ أسماءِ القرآنِ وسُوَرِه وآيِه قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ سمَّى تنزيلَه الذي أنْزَله على نبيِّه محمدٍ ﷺ أسماءً أربعةً؛ منهن القرآنُ، فقال في تسميتِه إياه بذلك في تنزيل: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]. وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]. ومنهن الفرقانُ، قال جلّ ثناؤُه في وحيِه إلى نبيِّه ﷺ مُسَمِّيَه (١) بذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ومنهن الكتابُ، قال تبارك اسمُه في تسميتِه إياه به (٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١، ٢]. ومنهن الذكرُ، فقال تعالى ذكرُه في تسميتِه إياه به: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ولكل اسمٍ مِن أسمائِه الأربعةِ في كلامِ العربِ معنى ووجهٌ غيرُ معنى الآخَرِ ووجهِه.

стр. 270

فأما القرآنُ، فإن المفسرين اخْتَلَفوا في تأويلِه، والواجبُ أن يكونَ تأويلُه على قولِ ابنِ عباسٍ مِن التلاوةِ والقراءةِ، وأن يكونَ مصدرًا مِن قولِ القائلِ: قرأْتُ القرآنَ. كقولِك: الخُسْرانُ. مِن: خسِرْتُ، و: الغُفْرانُ. مِن: غفَر اللَّهُ لك، و: الكُفْرانُ. مِن: كفَرْتُك، و: الفرقانُ. مِن: فَرَق اللَّهُ بينَ الحقِّ والباطلِ. وذلك أن يحيى بنَ عثمانَ (١) بنِ صالحٍ السَّهْميَّ حدَّثني، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. يقولُ: بيَّنَّاه، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. يقولُ: اعْمَلْ به. ومعنى قولِ ابنِ عباسٍ هذا: فإذا بيَّناه بالقراءةِ، فاعْمَلْ بما بيَّناه لك بالقراءةِ. ومما يُوَضِّحُ صحةَ ما قلْنا في تأويلِ حديثِ ابنِ عباسٍ هذا ما حدَّثني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. قال: أن نُقْرِئَك فلا تَنْسَى، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ عليك، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: إذا تُلِي عليك فاتَّبِعْ ما فيه. قال أبو جعفرٍ: فقد صرَّح هذا الخبرُ عن ابنِ عباسٍ أن معنى القرآنِ عندَه القراءةُ، [وأنه] (٢) مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: قرأتُ. على ما بيّناه (٣). وأما على قولِ قتادةَ، فإن الواجبَ أن يكونَ مصدرًا مِن قولِ القائلِ: قرأتُ

стр. 271

الشيءَ. إذا جمعْتَه وضمَمْتَ بعضَه إلى بعضٍ، كقولِك: ما قرأَتْ هذه الناقةُ سَلًى (١) قطُّ. تُرِيدُ بذلك أنها لم تَضُمَّ رَحِمًا على ولدٍ، كما قال عمرُو بنُ كُلْثُومٍ التَّغْلِبيُّ (٢): تُرِيكَ إذا دخَلْتَ على خَلاءٍ … وقد أمِنَتْ عُيونَ الكاشِحِينا (٣) ذراعَيْ عَيْطَلٍ (٤) أدْماءَ (٥) بِكْرٍ … هِجانِ (٦) اللونِ لم تَقْرَأْ جَنِينا (٧) يعني بقولِه: لم تَقْرَأْ جَنِينا. لم تَضْمُمْ رَحِمًا على ولدٍ. وذلك أن بشرَ بنَ مُعاذٍ العَقَديَّ حدَّثنا، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. يقولُ: حفظَه (٨) وتأليفَه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. يقولُ: اتَّبِعْ حلالَه، واجْتَنِبْ

стр. 272

حرامَه. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ بمثلِه. فرأى قتادةُ أن تأويلَ القرآنِ التأليفُ. قال أبو جعفرٍ: ولكلا (١) القولين - أعْني قولَ ابنِ عباسٍ وقولَ قتادةَ - اللذين حكَيناهما، وجهٌ صحيحٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أوْلَى قولَيْهما (٢) بتأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه أمَر نبيَّه ﷺ في غيرِ آيةٍ مِن تنزيلِه باتباعِ ما أوحى إليه، ولم يُرَخِّصْ له في تركِ اتباعِ شيءٍ مِن أمرِه إلى وقتِ تأليفِه القرآنَ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. نظيرُ سائرِ ما في آيِ القرآنِ التي أمَره اللَّهُ فيها باتباعِ ما أوحى إليه في تنزيلِه، ولو وجَب أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فإذا ألَّفْناه فاتَّبِعْ ما ألَّفْنا لك فيه - لَوجَب ألا يكونَ كان (٣) لزِمه فرضُ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. ولا فرضُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]. قبلَ أن يُؤَلَّفَ إلى ذلك غيرُه من القرآنِ، وذلك - إن قاله قائلٌ - خروجٌ (٤) مِن قولِ أهلِ المِلَّةِ.

стр. 273

وإذ صحّ أن حكمَ كلِّ آيةٍ مِن آيِ القرآنِ كان لازمًا النبيَّ (١) ﷺ اتباعُه والعملُ به، مُؤَلَّفةً كانت إلى غيرِها أو غيرَ مُؤَلَّفةٍ - صحّ ما قال ابنُ عباسٍ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. أنه مَعنيٌّ (٢) به: فإذا بيَّناه لك بقراءتِنا، فاتَّبِعْ ما بيَّناه لك بقراءتِنا. دونَ قولِ مَن قال: معناه: فإذا ألَّفْناه فاتَّبِعْ ما ألَّفْناه. وقد قيل: إن قولَ الشاعرِ (٣): ضَحَّوْا بأشْمَطَ (٤) عُنْوانُ (٥) السُّجودِ به … يُقَطِّعُ الليلَ تَسْبيحًا وقُرْآنا يعني به قائلُه: تسبيحًا وقراءةً. فإن قال قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يُسَمَّى قرآنًا بمعنى القراءةِ، وإنما هو مَقْروءٌ؟ قيل: كما جاز أن يُسَمَّى المكتوبُ كتابًا، بمعنى كتابِ الكاتبِ، كما قال الشاعرُ في صفةِ (٦) طَلاقٍ كتَبه لامرأتِه (٧): تُؤَمِّلُ رَجْعةً مني وفيها … كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِراءُ يُرِيدُ (٨) طلاقًا مكتوبًا، فجعَل المكتوبَ كتابًا. وأما تأويلُ اسمِه الذي هو فُرْقانٌ، فإن تفسيرَ أهلِ التفسيرِ جاء في ذلك بألفاظٍ

стр. 274

مختلفةٍ، هي في المعاني مُؤْتَلِفةٌ. فقال عكرمةُ فيما حدَّثنا به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ [سَلْمٍ (١)، عن] (٢) عَنْبَسَةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يقولُ: هو النجاةُ. وكذلك كان السُّدِّيُّ يَتأوَّلُه، حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ الحسينِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ. وهو قولُ جماعةٍ غيرِهما. وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: الفرقانُ المَخْرَجُ. حدَّثني بذلك يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ. وكذلك كان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِه، حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ. وكان مجاهدٌ يقولُ في قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]: يومٌ فرَق اللَّهُ فيه بينَ الحقِّ والباطلِ. حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثني أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ مَيْمونٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ. وكلُّ هذه التأويلاتِ في معنى الفرقانِ - على اختلافِ ألفاظِها - مُتَقارِباتُ المعاني؛ وذلك أن مَن جُعِل له مَخْرَجٌ مِن أمرٍ كان فيه، فقد جُعِل له ذلك المخرجُ منه

стр. 275

نجاةً، وكذلك إذا نُجِّي منه، فقد نُصِر على مَن بَغَاه فيه سُوءًا، وفُرِق بينَه به (١) وبينَ باغيه السُّوءَ. فجميعُ ما روَيْنا عمَّن روَيْنا عنه في معنى الفرقانِ قولٌ صحيحُ المعنى؛ لاتفاقِ معاني ألفاظِهم في ذلك. وأصلُ الفرقانِ عندَنا الفرقُ بينَ الشيئَيْن والفصلُ بينَهما، وقد يكونُ ذلك بقضاءٍ (٢)، واسْتِنْقاذٍ، وإظهارِ حُجَّةٍ، ونصرٍ (٣)، وغيرِ ذلك مِن المعاني المُفَرِّقةِ بينَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. فقد تبَيَّن (٤) بذلك أن القرآنَ سُمِّي فرْقانًا؛ لفصلِه بحججِه (٥) وأدلتِه [وحدودِ فَرائضِه] (٦) وسائرِ معاني حُكْمِه، بينَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. وفرقانُه بينَهما بنصرِه المُحِقَّ وتَخْذيلِه المُبْطِلَ، حكمًا وقضاءً. وأما تأويلُ اسمِه (٧) الذي هو كتابٌ، فهو مصدرٌ مِن قولِك: كتَبْتُ كتابًا. كما تقولُ: قمتُ قيامًا، وحسَبْتُ الشيءَ حسابًا. والكتابُ هو خطُّ الكاتبِ حروفَ الكتابِ (٨) المُعْجَمِ، مجموعةً ومُفْتَرِقةً، وسُمِّي كتابًا وإنما هو مكتوبٌ، كما قال الشاعرُ في البيتِ الذي اسْتَشْهَدْنا به: ................. وفيها … كتابٌ مثلَ ما لصِق الغِراءُ

стр. 276

يعني به مكتوبًا. وأما تأويلُ اسمِه الذي هو ذكرٌ، فإنه مُحْتَمِلٌ معْنَيين؛ أحدُهما، أنه ذكرٌ مِن اللَّهِ جلّ ذكرُه، ذكَّر به عبادَه، فعرَّفهم فيه حدودَه وفَرائضَه وسائرَ ما أوْدَعه مِن حكمِه. والآخرُ، أنه ذِكْرٌ وشَرَفٌ وفخرٌ لمن آمَن به وصدَّق بما فيه، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. يعني به أنه شرفٌ له ولقومِه. [ثم لسوَرِ القرآنِ أسماءٌ سماهن بها رسولُ اللَّهِ ﷺ ] (١). حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو العَوّامِ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: حدَّثنا روّادُ (٢) بنُ الجَرَّاحِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، جميعًا عن قتادةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن واثلةَ بنِ الأسْقَعِ، أن النبيَّ ﷺ قال: "أُعْطِيتُ مَكانَ التَّوْراةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، وأُعْطِيتُ مَكانَ الزَّبُورِ المِئِينَ، وأُعْطِيتُ مَكانَ الإنجِيلِ المثَانِيَ، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ" (٣). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن أبي

стр. 277

قِلابةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأُعْطِيتُ المثَانِيَ مَكانَ الزَّبُورِ، وأُعْطِيتُ المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ" (١). قال خالدٌ: كانوا يُسَمُّون المُفصَّلَ العربيَّ. قال خالدٌ: قال بعضُهم: ليس في العربيِّ سجدةٌ. حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ (٢)، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عاصمٍ، عن المسيَّبِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: الطُّوَلُ كالتوراة، والمئِونَ كالإنجيلِ، والمثَاني كالزَّبورِ، وسائرُ القرآنِ بعدُ (٣) فضلٌ على الكتبِ (٤). حدَّثنا أبو عُبَيدٍ الوَصَّابيُّ (٥) محمدُ بنُ حفصٍ، قال: أنْبأنا [ابنُ حِمْيرٍ] (٦)، حدَّثنا الفَزاريُّ، عن ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ (٧)، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن واثلةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه (٨) قال: "أعْطانِي رَبِّي مَكانَ التَّوراةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ، ومَكانَ الإنْجِيلِ المثَانِيَ، ومَكانَ الزَّبُورِ المِئِينَ، وفَضَّلَنِي بالمُفَصَّلِ" (٩).

стр. 278

قال أبو جعفرٍ: والسبعُ الطُّوَلُ؛ البقرةُ، وآلُ عِمْرانَ، والنِّساءُ، والمائدةُ، والأنْعامُ، والأعْرافُ، ويونسُ، في قولِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ. حدَّثني بذلك يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ. وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يَدُلُّ على موافقتِه قولَ سعيدٍ هذا. وذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ ويحيى بنُ سعيدٍ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وسهلُ بنُ يوسُفَ، قالوا: حدَّثنا عوفٌ، قال: حدَّثني يَزيدُ الفارسيُّ، قال: حدَّثني ابنُ عباسٍ، قال: قلتُ لعثمانَ بنِ عفانَ: ما حمَلَكم على أن عمَدْتُم إلى "الأنفالِ" وهي مِن المثاني، وإلى "براءةَ" وهي مِن المِئِينَ، فقرَنْتُم (١) بينَهما ولم تَكْتُبوا بينهما (٢) سطرَ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، ووضَعْتُموها في السبعِ الطُّوَلِ، ما حمَلكم على ذلك؟ قال عثمانُ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ مما يَأْتِي عليه الزمانُ وهو تُنَزَّلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ العددِ، فكان إذا نزَل (٣) عليه الشيءُ (٤) دعا ببعضِ مَن كان يَكْتُبُ فيقولُ: "ضَعُوا هؤلاء (٥) الآيَاتِ في السُّورَةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا

стр. 279

وَكذا". وكانت "الأنفالُ" مِن أوائلِ ما أُنزل بالمدينةِ، وكانت "براءةُ" مِن (١) آخرِ القرآنِ (٢)، وكانت (٣) قصتُها شبيهةً بقصتِها، فظنَنْتُ أنها منها، فقُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ولم يُبَيِّنْ (٤) لنا أنها منها، فمِن أجلِ ذلك قرَنْتُ بينَهما ولم أكْتُبْ بينهما سطرَ: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، ووضَعْتُها (٥) في السبعِ الطُّوَلِ (٦). فهذا الخبرُ (٧) يُنْبِئُ عن عثمانَ بنِ عفانَ، رحمةُ اللَّهِ عليه، أنه لم يكنْ تبَيَّن له أن "الأنفالَ" و"براءةَ" مِن السبعِ الطُّوَلِ، ويُصَرِّحُ عن ابنِ عباسٍ أنه لم يكنْ يَرَى ذلك منها. وإنما سُمِّيَت هذه السُّوَرُ (٨) السبعَ الطُّوَلَ (٩)؛ لطولِها على سائرِ سورِ القرآنِ. وأما المِئونَ، فهي ما كان مِن سُوَرِ القرآنِ عددُ آيِه مائةُ آيةٍ، أو تَزِيدُ عليها شيئًا أو

стр. 280

تَنْقُصُ منها شيئًا يسيرًا. وأما المثَاني، فإنها ما ثنَّى المئين فتلاها، فكان المئون لها أوائلَ، وكان المثاني لها ثوانيَ. وقد قيل: إن المثانيَ سُمِّيَت مثانيَ؛ لتثنيةِ اللَّهِ جل ذكرُه فيها الأمثالَ والخبرَ والعبرَ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ. حدَّثنا بذلك أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ. ورُوِي عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيت مثانيَ؛ لأنها ثُنِّيَت فيها الفَرائضُ والحدودُ. حدَّثنا بذلك محمدُ بن بَشّارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ. وقد قال جماعةٌ يَكْثُرُ تَعْدادُهم: القرآنُ كلُّه مَثانٍ. وقال جماعةٌ أُخَرُ (١): بل المثاني فاتحةُ الكتابِ؛ لأنها تُثَنَّى قراءتُها في كلِّ صلاةٍ. وسنَذْكُرُ أسماءَ قائلي ذلك وعللَهم، والصوابَ مِن القولِ فيما اخْتَلَفوا فيه مِن ذلك إذا انْتَهَيْنا إلى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]. إنِ [اللَّهُ شاء] (٢) ذلك.

стр. 281

وبمثلِ ما جاءت به الروايةُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في أسماءِ سُوَرِ القرآنِ التي ذُكِرَت، جاء شعرُ الشعراءِ، فقال بعضُهم (١): حلَفْتُ بالسبعِ اللَّواتي طُوِّلَت وبمِئِينَ بعدَها قد أُمْئِيَتْ وبمَثانٍ ثُنِّيَت فكُرِّرَت وبالطَّواسِينِ (٢) التي (٣) قد ثُلِّثَت وبالحَوامِيمِ اللَّواتي سُبِّعَت (٤) وبالمُفَصَّلِ اللَّواتي فُصِّلَت قال أبو جعفرٍ: وهذه الأبياتُ تَدُلُّ على صحةِ التأويلِ الذي تأوَّلْناه في هذه الأسماءِ. وأما المُفَصَّلُ، فإنما (٥) سُمِّيَت مُفَصَّلًا؛ لكثرةِ الفصولِ التي بينَ سورِها بـ "بسم اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ". ثم تُسَمَّى (٦) كلُّ سورةٍ مِن سورِ (٧) القرآنِ سُورةً، وتُجْمَعُ سُوَرًا، على تقديرِ خُطبةٍ وخُطَبٍ، وغُرفةٍ وغُرَفٍ.

стр. 282

والسورةُ بغيرِ همزٍ: المنزلةُ مِن مَنازلِ الارتفاعِ، ومِن ذلك سُورُ المدينةِ، سُمِّي (١) بذلك الحائطُ الذي يَحْوِيها؛ لارتفاعِه على ما يَحْوِيه، غيرَ أن السُّورةَ مِن سُورِ المدينةِ لم يُسْمَعْ في جمعِها سُوَرٌ، كما سُمِع في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سورٌ، قال العَجَّاجُ (٢) في جمعِ السورةِ مِن (٣) البناءِ: فرُبَّ ذي سُرادِقٍ (٤) مَحْجُورِ سُرْتُ (٥) إليه في أعالي السُّورِ فخرَج تقديرُ (٦) جمعِها على تقديرِ جمعِ بُرَّةٍ وبُسْرةٍ؛ لأن [ذلك يُجْمَعُ بُرًّا وبُسْرًا] (٧)، وكذلك لم يُسْمَعْ في جمعِ سورةٍ مِن القرآنِ سُورٌ، ولو جُمِعَت كذلك لم يكنْ خطأً في القياسِ إذا أُرِيد به جميعُ القرآنِ، وإنما ترَكوا - فيما يُرَى - جمعَه كذلك؛ لأن كلَّ جمعٍ كان بلفظِ الواحدِ المُذَكَّرِ، مثلَ بُرٍّ وشعيرٍ وقَصَبٍ وما أشبَهَ ذلك، فإن جِماعَه (٨) [مَجرى الواحدِ] (٩) مِن الأشياءِ غيرِه؛ لأن حكمَ الواحدِ منه منفردًا (١٠) قلَّما يُصابُ، فجرَى جِماعُه مَجْرَى الواحدِ مِن الأشياءِ (١١) غيرِه، ثم

стр. 283

جُعِلَت الواحدةُ منه كالقطعةِ مِن جميعِه، فقيل: بُرَّةٌ وشَعِيرَةٌ وقَصَبةٌ. يُرادُ به قطعةٌ منه، ولم تكنْ سُوَرُ القرآنِ موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرِّ والشعيرِ وسُورِ المدينةِ؛ بل كلُّ سورةٍ منها موجودةٌ منفردةٌ بنفسِها انفرادَ كلِّ غرفةٍ مِن الغرفِ وخطبةٍ مِن الخطبِ، فجُعِل جمعُها جمعَ الغرفِ والخطبِ، المَبْنيِّ جمعُها مِن واحدِها. ومِن الدَّلالةِ على أن معنى السُّورةِ المنزلةُ مِن الارتفاعِ قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (١): ألم تَرَ أن اللَّهَ أعْطاك سُورةً … تَرَى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ يعني بذلك أن اللَّهَ أعْطاه منزلةً مِن مَنازلِ الشرفِ التي قصَرت عنها منازلُ الملوكِ. وقد هَمز بعضُهم السورةَ مِن القرآنِ، وتأويلُها في لغةِ من (٢) همَزَها، القطعةُ التي قد أُفْضِلَت مِن القرآنِ عمّا سواها وأُبْقِيَت، وذلك أن سُؤْرَ كلِّ شيءٍ البقيةُ منه تَبْقَى بعدَ الذي يُؤْخَذُ منه، ولذلك سُمِّيَت الفَضْلةُ مِن شرابِ الرجلِ يَشْرَبُه ثم يُفْضِلُها فيُبْقِيها في الإناء: سُؤْرًا. ومِن ذلك قولُ أعْشَى بني ثعلبةَ يَصِفُ امرأةً فارقَتْه فأبْقَت في قلبِه مِن وَجْدِها بقيةً (٣): فبانَت وقد أسْأَرَت في الفؤا … دِ صَدْعًا على نأْيِها مُسْتَطِيرَا وقال الأعْشَى في مثلِ ذلك (٤):

стр. 284

بانَت وقد أسْأَرَت في النفسِ حاجتَها … بعدَ ائْتِلافٍ وخيرُ الوُدِّ ما نفَعا وأما الآيةُ مِن آيِ (١) القرآنِ فإنها تَحْتَمِلُ وجهَيْن في كلامِ العربِ؛ أحدُهما: أن تكون سُمِّيت آيةً؛ لأنها علامةٌ يُعْرَفُ بها تمامُ ما قبلَها وابتداؤُها، كالآيةِ التي تكونُ دَلالةً على الشيءِ يُسْتَدَلُّ بها عليه، كقولِ الشاعرِ (٢): ألِكْني إليها عَمْرَك اللهَ يا فَتَى … بآيةِ ما جاءَت إلينا تَهادَيا (٣) يعني: بعلامةِ ذلك. ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]. [يعْني بذلك] (٤): علامةً منك لإجابتِك دُعاءَنا وإعْطائِك إيانا سُؤْلَنا. والآخرُ منهما: القِصَّةُ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى (٥): ألا أبْلِغا (٦) هذا المُعَرِّضَ آيَةً (٧) … أيَقْظانَ قال القولَ إذ قال أم حَلَمْ يعني بقولِه: آيةً: رسالةً مني وخبرًا عني. فيكونُ معنى الآياتِ القِصَصَ، قصةٌ تَتْلُو قصةً، بفُصولٍ ووُصولٍ.

стр. 285

القولُ في تأويلِ أسماءِ فاتحةِ الكتابِ قال أبو جعفرٍ: صحَّ الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني ابنُ أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قال: "هي أُمُّ القُرآنِ، وهي فاتحَةُ الكِتابِ، وهي السَّبْعُ المثَانِي". فهذه أسماءُ فاتحةِ الكتابِ. وسُمِّيَت فاتحةَ الكتابِ لأنه (١) يُفْتَتَحُ بكتابتِها المَصاحِفُ، [وبقراءتِها] (٢) الصلواتُ (٣)، فهي فَواتحُ لما يَتْلُوها مِن سُورِ القرآنِ في الكتابِ (٤) والقراءةِ. وسُمِّيَت أمَّ القرآنِ لتقدُّمِها (٥) على سائرِ سُوَرِ القرآنِ غيرِها وتأخُّرِ ما سواها خلفَها في القراءةِ والكتابةِ. وذلك مِن معناها شبيهٌ بمعنى فاتحةِ الكتابِ، وإنما قيل لها - لكونها كذلك -: أمُّ القرآنِ؛ لتسميةِ العربِ كلَّ جامعٍ أمرًا أو مُقَدِّمٍ لأمرٍ، إذا كانت له توابعُ تَتْبَعُه، هو لها إمامٌ جامعٌ، أُمًّا، فتقولُ للجلدةِ التي تجْمَعُ الدِّماغَ: أمُّ الرأسِ. وتُسَمِّي (٦) لِواءَ الجيشِ ورايتَهم التي يَجْتَمِعون تحتَها للجيشِ أُمًّا، ومِن ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ يَصِفُ رايةً مَعْقودةً على قناةٍ يَجْتَمِعُ تحتَها هو وصحبُه (٧):
следующие страницы →