← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

يعني عندَ هُبوبِها من النومِ ووَسَنُ النومِ في عينِها، يقالُ منه: وَسِن فلانٌ فهو يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنةً، وهو وَسْنانُ، إذا كان كذلك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السَّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ هو النومُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: السِّنَةُ النُّعاسُ (٢). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسن في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: قالا: نَعْسةٌ. حدَّثني المثنّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السِّنَةُ الوَسْنةُ، وهو دونَ النومِ، والنومُ الاستِثْقالُ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن

стр. 2942

الضّحّاكِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: السِّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ الاستِثْقالُ (١). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ مثلَه سواءً. حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: أما السِّنَةُ، فهو رِيحُ النومِ الذي يأخُذُ في الوجهِ فيَنْعَسُ الإنسانُ (٢). حدَّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ قال: السَّنَةُ الوَسْنانُ بينَ النائمِ واليَقْظانِ (٣). حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا مِنْجابُ بنُ الحارثِ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن يحيى بن رافعٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾، قال: النُّعاسُ (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: الوَسْنانُ الذي يقومُ من النومِ ولا يَعْقِلُ، حتى ربَّما أخَذ السيفَ على أهلِه (٥). وإنما عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: لا تَحُلُّه الآفاتُ،

стр. 2943

ولا تَنَالُه العاهاتُ. وذلك أن السِّنَةَ والنوم معنيَان يَعْمُران فَهُمَ ذى الفهْمِ، ويُزيلان مَن أصاباه عن الحالِ التي كان عليها قبلَ أن يُصيباه. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: اللهُ لا إلهَ إلا هو الحيُّ الذي لا يموتُ، القَيُّومُ على كلِّ ما هو دونَه بالرزقِ والكَلاءةِ والتدبيرِ: والتصريفِ من حالٍ إلى حالٍ، لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، لا يُغَيِّرُه ما يُغَيِّرُ غيرَه، ولا يُزيلُه عما لم يَزَلْ عليه تَنقُّلُ الأحوالِ، وتَصَرُّفُ (١) الليالي والأيامِ، بل هو الدائمُ على حالٍ، والقَيُّومُ على جميعِ الأنامِ، لو نام لكان مغلوبًا مَقْهُورًا؛ لأن النومَ غالبُ النائمِ قاهرُه، ولو وَسِن لكانت السماواتُ والأرضُ وما فيهما دَكًّا؛ لأن قيامَ جميعِ ذلك بتَدْبيرِه وقدْرتِه، والنومُ شاغلُ المدبِّرِ عن التدبيرِ، والنُّعاسُ مانعُ (٢) المقدِّرِ عن التقديرِ بوَسَنِه. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبَرنى الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: إنّ موسى سأَل الملائكةَ: هل ينامُ اللهُ؟ فَأَوْحَى اللهُ إلى الملائكةِ، وأمرَهم أن يُؤَرِّقُوه ثلاثًا، فلا يَتركُوه ينامُ، ففعَلوا، ثم أعطَوْه قارُورَتَين فأمسكهما (٣)، ثم تَرَكوه وحَذَّرُوه أن يَكْسِرَهما. قال: فجعَل يَنْعُسُ وهما في يديه؛ في كلِّ يدٍ واحدةٌ. قال: فجعَل يَنْعُسُ ويَنتبِه، [وينعُسُ وينْتبِهُ] (٤)، حتى نعَس نَعْسَةً، فضرَب إحداهما بالأخرى، فكسَرهما. قال مَعْمَرٌ: إنما هو مَثَلٌ

стр. 2944

ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه يقولُ: فكذلك السماواتُ والأرضُ في يديْه (١). حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن أُمَيَّةَ بن شِبْلٍ، عن الحَكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَحْكى عن موسى على المنبرِ، قال: "وقَع في نَفْسِ موسى: هل ينامُ اللهُ؟ فأرسلَ اللهُ إليه مَلَكًا، فأَرَّقَه ثلاثًا، ثم أعطاهُ قارُورَتَين؛ في كُلِّ يدٍ قارورةٌ، وأمَره أن يَحْتَفِظَ بهما. قال: فجعَل ينامُ وتكادُ يداهُ تَلْتَقيان، ثم يَسْتَيْقِظُ فيحْبِسُ إحداهما عن الأُخرى، ثم نام نَوْمةً فاصْطَفَقَتْ يداه فانْكَسَرتِ القارُورتان. قال: ضرَب الله له مَثَلًا، أن الله لو كان ينامُ لم تَسْتَمْسِكِ السماءُ والأرضُ" (٢). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أنه مالكُ جميعِ ذلك بغيرِ شريكٍ ولا نديدٍ، وخالقُ جميعِه دونَ كلِّ آلهةٍ ومعبودٍ. وإنما يعنى بذلك أنه لا تَنْبَغِى العبادةُ لشيءٍ سواه؛ لأن المملوكَ إنما هو طوعُ يدِ مالكِه، وليس له خدمةُ غيرِه إلا بأمرِه. يقولُ: فجميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِلْكِى وخَلْقِي، فلا يَنبغِي

стр. 2945

أن يُعْبَدَ أحدٌ من خلقى غيرى وأنا مالكُه؛ لأنه لا ينَبِغي للعبدِ أن يَخْدُم (١) غيرَ مالكِه، ولا يُطيعَ سوى مولاه. وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى بذلك: من ذا الذي يَشْفَعُ لمماليكِه إن أراد عقوبتَهم إلا أن يُخلِّيَه ويَأذنَ له بالشفاعةِ لهم. وإنما قال ذلك جل ثناؤه لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثانَنا هذه إلا ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى (٢). فقال اللهُ لهم: لى ما في السماواتِ وما في الأرضِ مع السماواتِ والأرضِ مِلْكًا، فلا تَنبغِى العبادةُ لغيرِى، فلا تَعبُدوا الأوثانَ التي تزعُمون أنها تُقَرِّبُكم منى زُلْفَى، فإنها لا تنفَعُكم عندى، ولا تُغْنِى عنكم شيئًا، ولا يَشْفَعُ عندى أحدٌ لأحدٍ إلا بتَخْلِيَتى إيَّاه والشفاعةَ لمن يَشْفَعُ له مِن رُسُلى وأوليائى وأهلِ طاعتِى. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. يعنى جلّ ثناؤه بذلك أنه المحيطُ بكلِّ ما كان وبكلِّ ما هو كائنٌ علمًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه. وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحَكَمِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة (٣).

стр. 2946

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضَى من الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من الآخرةِ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضَى أمامَهم مِن الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكونُ بعدَهم من الدنيا والآخرةِ (٢). حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: أما (٣) ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ فالدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فالآخرةُ (٤). وأما قولُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. فإنه يَعْنِى تعالى ذكره أنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ له دون سائرِ مَن دونَه، وأنه لا يعلَمُ أحدٌ سواه شيئًا إلا ما شاء هو أن يُعْلِمَه [وأراده] (٥) فعَلِمه. وإنما يَعْنِى بذلك أن العبادةَ لا تَنبغِى لمن كان بالأشياءِ جاهلًا، فكيف يُعْبَدُ مَن لا يَعْقِلُ شيئًا البَتَّةَ مِن وَثَنٍ وصَنَمٍ؟ يقولُ: فَأَخْلِصُوا العبادةَ لمن هو مُحيطٌ بالأشياءِ كلِّها، يَعْلَمُها، لا يَخْفَى عليه صغيرُها وكبيرُها. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

стр. 2947

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ يقولُ: لا يَعْلَمُون بشيءٍ من عِلْمِهِ إِلا بما شاء هو أن يُعْلِمَهم (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. اختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الكُرْسيِّ" الذي أخبرَ اللهُ في هذه الآيةِ أنه وَسِع السماواتِ والأرضَ؛ فقال بعضُهم: هو عِلْمُ اللهِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وسَلْمُ بنُ جُنادةَ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطَرِّفٍ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قال: كُرْسِيُّه عِلْمُه (٢). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا مُطَرِّفٌ، عن جعفرِ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه، وزاد فيه: ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٣)؟ وقال آخرون: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَين.

стр. 2948

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ مُسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبد الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن أبي موسى، قال: الكُرْسيُّ مَوْضِعُ القدَمين، وله أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ (١). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾: فإن السماواتِ والأرضَ في جوفِ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ بين يَدَيِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ قَدَميْه (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: كُرْسِيُّه الذي يُوضَعُ تحتَ العَرْشِ الذي يَجْعَلُ الملوكُ عليه أقدامَهم (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، عن سفيانَ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن مسلمٍ البَطِينِ، قال: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القدمَيْن (٤).

стр. 2949

حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: لما نَزَلَتْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أصحابُ النبيِّ ﷺ : يا رسول اللهِ، هذا الكُرْسِيُّ وَسِعَ السماواتِ والأَرضَ، فكيف العَرْشُ؟ فأَنزل اللهُ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) [الزمر: ٦٧]. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. قال: قال ابن زيدٍ: فحدَّثنى أبي، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما السماواتُ السَّبْعُ في الكُرسيِّ إلا كدراهمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ". قال: وقال أبو ذَرٍّ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ما الكُرسيُّ في العَرشِ إلا كحَلْقَةٍ من حديدٍ أُلْقِيَتْ بينَ ظَهْرَى فَلَاةٍ مِن الأَرضِ" (٢). وقال آخرون: الكُرْسِيُّ العَرْشُ نفسُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ (٣)، قال: كان الحسنُ يقولُ: الكُرْسِيُّ هو العَرْشُ (٤). قال أبو جعفر: لكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ وجهٌ ومَذْهَبٌ، غيرَ أن الذي هو

стр. 2950

أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو ما حدَّثني به عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ القَطَوَانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنى الجنةَ. فعظَّم الربَّ ، ثم قال: "إِنَّ كُرسِيَّه وَسِعَ السَّماواتِ والأرضَ، وإنَّه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مِقدارُ أربعِ أصابعَ". ثم قال بأصابعِه فجمَعها: "وإنَّ له أَطِيطًا كأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَديدِ إِذَا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه" (١). حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ (٢)، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خليفةَ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣). حدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ. فذكَر نحوَه (٤). وأما الذي يدلُّ على صحتِه ظاهرُ القرآنِ، فقولُ ابن عباسٍ الذي رواه جعفرُ بن أبي المغيرِة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ عنه، أنه قال: هو عِلْمُه (٥)، وذلك لدَلالةِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. على أن ذلك كذلك، فأخبَرَ أنه لا يَئُودُه حفظُ ما عَلِم وأحاط به مما في السماواتِ والأرضِ، وكما أخبَر عن ملائكتِه أنهم قالوا في

стр. 2951

دعائِهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فأخبر تعالى ذكرُه أن علمه وسِع كلَّ شيءٍ، فكذلك قولُه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. وأصلُ "الكُرْسِيِّ" العلمُ، ومنه قيل للصحيفةِ يكونُ فيها علمٌ مكتوبٌ: كُرّاسةٌ. ومنه قولُ الراجزِ في صفةِ قانصٍ: حتى إذَا ما اختارهَا (١) تَكَرَّسا يعنى: عَلِم. ومنه يقالُ للعلماءِ: الكَراسيُّ. لأنهم المعتمَدُ عليهم، كما يقالُ: أوتاد الأرضِ. يعنى بذلك أنهم العلماءُ الذين تَصْلُحُ بهم الأرضُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ … كَرَاسِيُّ بالأحْداثِ حينَ تَنُوبُ يعني بذلك: علماءُ بحوادثِ الأمورِ ونوازلِها. والعربُ تسمِّى أصلَ كلِّ شيءٍ الكِرْسَ، يقال منه: فلانٌ كريمٌ الكِرْسِ. أي: كريمُ الأصلِ، قال العَجَّاجُ (٣). قد علِم القُدُّوسُ موْلَى القُدْسِ أن أبا العباسِ أوْلَى نَفْسِ بمَعْدِنِ المُلْكِ القديمِ (٤) الكِرْسِ

стр. 2952

يعنى بذلك الكريمَ الأصل. ويُرْوَى: في مَعْدِنِ العِزِّ الكريمِ الكِرْسِ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: ولا يَشُقُّ عليه ولا يُثْقِلُه، يقالُ منه: قد آذَنِى هذا الأمرُ، فهو يَئودُنى أوْدًا وإيادًا. ويقالُ: ما آدَك فهو لي آئِدٌ. يَعنِي بذلك: ما أَثْقَلَك فهو لي مُثْقِلٌ. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما. حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: لا يَثْقُلُ عليه ولا يُجْهِدُه حِفْظُهما. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى: قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن

стр. 2953

الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قالا: لا يَثْقُلُ عليه شيءٌ (١). حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَنْقُلُ عليه حِفْظُهما. حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، وحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قالا جميعًا: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما (٢). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن عُبيدٍ، عن الضّحاكِ مثلَه. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُه - يعني خَلّادًا - يقولُ: سمِعْت أبا عبدِ الرحمنِ المدينيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَكْبُرُ (٣) عليه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، قال: لا يَكْرُثُه (٤). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَثْقُلُ عليه (٥).

стр. 2954

حدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه حفظُهما (١). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَعِزُّ عليه حِفْظُهما. قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ والألفُ من قولِه: ﴿حِفْظُهُمَا﴾. من ذِكْرِ السماواتِ والأرضِ. فتأويلُ الكلامِ: وَسِع كُرْسِيُّه السماواتِ والأَرضَ، ولا يَثْقُلُ عليه حِفْظُ السماواتِ والأرضِ. وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾. فإنه يَعنِي: واللهُ العَلِيُّ. والعليُّ: الفَعِيلُ، من قولِك: علا يعلُو عُلُوًّا، إذا ارتفَع، فهو عالٍ وعَلِيٌّ: والعَلِيُّ: ذو العُلُوِّ والارتفاعِ على خَلقِه بقُدرتِه. وكذلك قولُه: ﴿الْعَظِيمُ﴾: ذو العَظَمةِ، الذي كلُّ شيءٍ دونَه، فلا شيءَ أعظمُ منه. كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْعَظِيمُ﴾: الذي قد كَمُل في عظمتِه (٢). واختلَف أهلُ البحثِ في معنى قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ عن النُّظَراءِ والأَشْباهِ. وأنكَروا أن يكونَ معنى ذلك: وهو العَلِيُّ المكانِ. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يخلُوَ منه مكانٌ، ولا معنى لوصفِه بعُلُوِّ المكانِ؛ لأن ذلك وصفُه بأنه في مكانٍ دونَ مكانٍ.

стр. 2955

وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ على خَلْقِه، بارتفاعِ مكانِه عن أماكنِ خَلْقِه؛ لأنه تعالى ذكرُه فوقَ جميع خَلقِه، وخَلقُه دونَه، كما وصَف به نفسَه أنه على العرشِ، فهو عالٍ بذلك عليهم. وكذلك اختلَفوا في معنى قولِه: ﴿الْعَظِيمُ﴾. فقال بعضُهم: معنى "العظيمِ" في هذا الموضِعِ المُعَظَّمُ، صُرِف المُفَعَّلُ إلى فَعِيلٍ، كما قيل للخَمرِ المُعَتَّقَةِ: خمرٌ عتيقٌ. كما قال الشاعرُ (١): وكأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ من الإسْـ … ـــــــفِنْطِ (٢) ممْزُوجَةً بِمَاءٍ زُلالِ وإنما هي مُعَتَّقَةٌ، قالوا: فقولُه: ﴿الْعَظِيمُ﴾. معناه: المعظَّمُ الذي يُعَظِّمُه خَلْقُه، ويَهابُونه ويتَّقُونه. قالوا: وإنّما يحتمِلُ قولُ القائلِ: هو عَظيمٌ. أحدَ معنَيْين؛ أحدُهما: ما وصَفْنا من أنه مُعَظَّمٌ. والآخرُ: أَنه عَظِيمٌ في المساحةِ والوزنِ. قالوا: وفي بُطولِ القولِ بأن يكونَ معنى ذلك أنه عَظيمٌ في المساحةِ والوزنِ، صحةُ القولِ بما قُلْنا. وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿الْعَظِيمُ﴾. هو أن له عظمةً هي له صفةٌ. وقالوا: لا نَصِفُ عَظمتَه بكَيْفِيّةٍ، ولكنّا نُضِيفُ ذلك إليه من جهةِ الإثباتِ، ونَنْفِى عنه أن يكونَ ذلك على معنى مشابهةِ العِظَمِ المعروفِ من العبادِ؛ لأن ذلك تشبيهٌ له بخَلقِه، وليس كذلك. وأنكَر هؤلاءِ ما قاله أهلُ المَقالةِ التي قدَّمنا ذكرَها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه مُعَظَّمٌ، لوجَب أن يكونَ قد كان غيرَ عظيمٍ قبلَ أن يَخلُقَ الخلْقَ، وأن يَبْطُلَ معنى ذلك عندَ فَناءِ الخَلقِ؛ لأنه لا مُعَظِّمَ له في هذه الأحوالِ. وقال آخرون: بل قولُه: إنه العظيمُ. وَصْفٌ منه نفسَه بالعِظَمِ، وقالوا: كلُّ ما

стр. 2956

دونَه من خلقِه بمعنى الصِّغَرِ؛ لصِغَرِهم عن عِظَمِه. القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصارِ - أو في رجلٍ منهم - كان لهم أولادٌ قد هَوَّدُوهم أو نَصَّرُوهم، فلما جاء اللهُ بالإسلامِ أرادوا إكراهَهم عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك حتى يكونوا هم يختارُون الدخولَ في الإسلامِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلاتًا، فتجعلُ على نفسِها إن عاش لها ولدٌ أن تُهَوِّدَه؛ فلما أجْلِيَتُ بنو النَّضيرِ كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لا ندَعُ أبناءَنا، فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١). حدَّثنا ابن بَشّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٢)، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (٣)، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلًى؛ لا يعيشُ لها ولدٌ - قال شعبةُ: وإنما هي مِقْلاتٌ - فتجعلُ عليها إن بَقِى لها ولدٌ لَتُهَوِّدَنَّه، قال: فلمّا أُجليَتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم منهم، فقالت الأنصارُ: كيف تَصنعٌ بأبنائِنا؟ فنزَلت هذه

стр. 2957

الآيةُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. قال: من شاء أن يُقِيمَ أقام، ومن شاء أن يَذهَبَ ذَهَب (١). حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيّةَ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: كانت المرأةُ من الأنصارِ تكونُ مِقْلاتًا؛ لا يعيشُ لها ولدٌ، فتنذِرُ إن عاش ولدُها أن تجعلَه مع أهلِ الكتابِ على دينِهم، فجاء الإسلامُ وطوائفُ من أبناءِ الأنصارِ على دينِهم، فقالوا: إنما جعَلْناهم على دينِهم ونحن نَرى أن دينَهم أفضلُ من دينِنا، وإذ جاء اللهُ بالإسلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم. فنزلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فكان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهوديةَ والإسلامَ، فمَن لَحِق بهم اختارَ اليهوديةَ، ومن أقام اختارَ الإسلامَ. واللفظُ لحديثِ حُمَيدٍ (٢). حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ بنحوِ معناه، إلا أنه قال: فكان فصلَ ما بينَهم إجلاءُ رسولِ اللهِ ﷺ بنى النَّضيرِ، فلَحِق بهم من كان يهوديًّا ولم يُسْلِمْ منهم، وبَقِيَ مَن أَسلمَ (٢). حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ بنحوِه، إلا أنه قال: إجلاءُ النَّضيرِ إلى خيبَرَ، فمن اختارَ الإسلامَ أقامَ، ومن كَرِه لَحِق بخيبرَ. حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن (٣) إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي

стр. 2958

محمدٍ الحَرَشيُّ (١) مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ من بنى سالمِ بن عوفٍ، يقالُ له: الحُصَينُ. كان له ابنان نَصْرانيّان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبيِّ ﷺ : ألا أَسْتَكْرِهُهما، فإنهما قد أبَيَا إلا النصرانيةَ؟ فأَنزل اللهُ فيه ذلك (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حَجّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، قال: سألْتُ سعيد بنَ جُبيرٍ عن قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: نزَلتْ هذه في الأنصارِ، قال: قلتُ: خاصةً؟ قال: خاصةً. قال: كانت المرأةُ في الجاهليةِ تَنذِرُ إن ولَدت ولدًا أن تجعلَه في اليهودِ، تَلْتَمِسُ بذلك طولَ بقائِه. قال: فجاء الإسلامُ وفيهم منهم؛ فلمَّا أُجْلِيَت النضيرُ قالوا: يا رسولَ اللهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم. قال: فسكَت عنهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فَأَنزل اللهُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "قد خُيِّرَ أصحابُكم، فإن اختارُوكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم". قال: فأجلَوهم معهم (٣). حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ إلى ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. قال: نزَلَتْ في رجلٍ من الأنصارِ يقالُ له: أبو الحُصَينِ. كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشامِ إلى

стр. 2959

المدينةِ يحمِلون الزيتَ، فلما باعُوا وأرادُوا أن يَرجِعوا، أتاهم ابنا أبى الحُصينِ. فدعَوْهما إلى النصرانيةِ فتَنَصَّرا، ورجَعا إلى الشامِ معهم، فأتى أبوهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: إن ابنيَّ تَنَصَّرا وخَرَجا، فاطْلُبُهما. فقال: " ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ". ولم يُؤْمَرْ يومئذٍ بقتالِ أهلِ الكتابِ. وقال: "أَبعَدَهما اللهُ، هما أَوَّلُ مَن كفَر". فوجَد أبو الحصينِ في نفسِه على النبيِّ ﷺ حين لم يَبْعَثْ فِي طَلَبِهما، فأَنزَل اللهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ثم إنه نُسِخ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فأُمِر بقتالِ أهلِ الكتابِ (١) في سورةِ "براءة" (٢). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ. عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: [كانت النَّضِيرُ يهودًا] (٣) أَرضَعوا رجالًا من الأوسِ، فلما أُمِر النبيُّ ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤُهم من الأوسِ: لتذْهَبَنَّ معهم، ولَندِينَنَّ بدينِهم، فمنَعهم أهلُوهم، وأَكْرَهُوهم على الإسلامِ، ففيهم نزَلتْ هذه الآيةُ (٤). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي

стр. 2960

الدِّينِ﴾. قال: كان ناسٌ من الأنصارِ مُسْتَرضَعِين في بني قُريظةَ، فأرادُوا أن يُكْرِهوهم على الإسلامِ، فنزَلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: كانت النَّضيرُ يهودًا، فَأَرْضَعُوا. ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدٍ بن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ. قال ابن جُريجٍ: وأخبَرَنى عبدُ الكريمِ، عن مجاهدٍ أنهم كانوا قد دانوا (٢) بدينهم أبناءُ الأَوْسِ؛ دانُوا بدينِ النَّضيرِ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أن المرأةَ من الأنصارِ كانت تَنْذِرُ إِن عاش ولدُها لَتَجْعَلَنَّه في أهل الكتابِ، فلمّا جاء الإسلامُ قالت الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، ألا نُكْرِهُ أولادَنا الذين هم في يهودَ على الإسلامِ، فإنَّا إِنَّما جعَلْناهم فيها ونحن نَرى أن اليهوديةَ أفضلُ الأديانِ، [فأما إذ] (٤) جاء اللهُ بالإسلامِ، أفلا نُكْرِهُهم على الإسلامِ؟ فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٥). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ، عن الشعبيِّ بمثلِه، وزاد فيه: قال: كان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهودَ منهم، وبينَ مَن اختارَ

стр. 2961

الإسلامَ، إجلاء بني النَّضيرِ، فمَن خرَج مع بنى النَّضيرِ كان منهم، ومن ترَكهم اختارَ الإسلامَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. إلى قولِه: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: هذا منسوخٌ (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ووائلٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا من الأنصارِ كانوا مُسترضَعِين في بني النَّضيرِ، فلما أَجْلُوا، أراد أهلُوهم أن يُلْحِقُوهم بدينِهم، فنزلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢). وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُكْرَهُ أهلُ الكتابِ على الدينِ إذا بذَلوا الجِزْيةَ، ولكنّهم يُقَرُّون على دينِهم. وقالوا: الآيةُ في خاصٍّ من الكفارِ، ولم يُنْسَخْ منها شيءٌ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: أُكْرِهَ عليه هذا الحيُّ من العربِ؛ لأنهم كانوا أُمَّةً أُمِّيّةً ليس لهم كتابٌ يَعرِفُونه، فلم يُقْبَلْ منهم غيرُ الإسلامِ، ولا يُكرَهُ عليه أهلُ الكتابِ إذا أقرُّوا بالجِزْيةِ أو بالخَراجِ ولم يُفْتَنُوا عن دينِهم، فخُلِّيَ (٣) عنهم (٤).

стр. 2962

حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: هو هذا الحيُّ من العرب أُكْرِهوا على الدين، لم يُقْبَلْ منهم إلا القتلُ أو الإسلامُ، وأهلُ الكتابِ قُبِلَتْ منهم الجِزْيةُ ولم يُقْتَلُوا. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُقاتِلَ جزيرة العربِ من أهلِ الأوثانِ، فلم يَقْبَلْ منهم إلا لا إلهَ إلا اللهُ أو السيفَ، ثم أُمِر في من سواهم بأن يَقْبَلَ منهم الجِزْيةَ، فقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: كانت العربُ ليس لها دِينٌ، فأُكْرِهوا على الدينِ بالسيفِ. قال: ولا يُكْرَهُ اليهودُ والنصارَى والمجوسُ إذا أعطَوُا الجِزْيةَ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سَمِعْتُ مجاهدًا يقولُ لغلامٍ له نصرانيٍّ: يا جريرُ أَسْلِمْ. ثم قال: هكذا كان يقالُ لهم (٣).

стр. 2963

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: فذلك لمّا دخَل الناسُ في الإسلامِ، وأَعْطَى أهلُ الكتابِ الجِزْيةَ (١). وقال آخرون: هذه الآية منسوخةٌ، وإنَّما نزَلتُ قبلَ أَن يُفْرَضَ القتالُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزُّهْرِيُّ، قال: سألتُ زيدَ بن أَسلمَ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ بمكة عشر سنينَ لا يُكْرِهُ أحدًا في الدينِ، فأبى المشرِكون إلا أن يُقاتِلُوهم، فاستأْذَنَ الله في قتالِهم، فأَذِن له (٢). وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في خاصٍّ من الناسِ. وقال: عنَى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. أهلَ الكتابَين والمجوسَ، وكلَّ مَن جاز (٣) إقرارُه على دينِه المخالفِ دينَ الحقِّ، وأَخْذُ الجزيةِ منه. وأنكَر (٤) أن يكونَ منها شيءٌ منسوخٌ (٥). وإنّما قلْنا: هذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ؛ لما قد دَلَّلْنا عليه في كتابِنا "اللطيف من البيانِ عن أُصولِ الأحكامِ"، من أنَّ الناسخ غيرُ كائنٍ ناسخًا إلا ما نَفَى

стр. 2964

حكمَ المنسوخِ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما [فيما قد] (١) كان ظاهرُه العمومَ من الأمرِ والنَّهْيِ وباطنُه الخصوصَ، فهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مستحيلٍ أن يقالَ: لا إكراةَ لأحدٍ ممن أُخِذَتْ منه الجِزْيةُ في الدينِ. ولم يكنْ في الآيةِ دليلٌ على أن تأويلَها بخلافِ ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نَقلُوا عن نبيِّهم ﷺ أنه أَكْرَه على الإسلامِ قومًا، فأبَى أن يَقْبَلَ منهم إلا الإسلامَ وحَكَم بِقَتْلِهِم إِن امتنعُوا منه، وذلك كعَبَدةِ الأوثانِ من مشرِكي العربِ، وكالمرتدِّ عن دينِه، دينِ الحقِّ، إلى الكفرِ، ومَن أَشبَههم، وأنه ترَك إكراهَ آخرِين على الإسلامِ بقَبُولِه الجِزْيةَ منه، وإقرارِه على دينِه الباطلِ، وذلك كأهلِ الكتابَيْن [والمجوسِ] (٢) ومَن أَشبَههم - كان بيِّنًا بذلك أن معنَى قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. إنما هو: لا إكراهَ في الدينِ لأحدٍ من حَلَّ قبولُ الجِزْيةِ منه، بأدائِه الجِزيةَ، ورضاه بحكمِ الإسلامِ، وألا معنَى لقولِ مَن زعَم أن الآيةَ منسوخةُ الحكمِ بالإذنِ بالمحاربةِ. فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن ابن عباسٍ وعمَّن رَوى عنه، من أنّها نزَلتْ في قومٍ من الأنصارِ أرادُوا أن يُكْرِهوا أولادَهم على الإسلامِ؟ قلْنا: ذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنزِلُ في خاصٍّ من الأمرِ، ثم يكونُ حُكْمُها عامًّا في كلِّ ما جانَس المعنَى الذي أُنزِلتُ فيه، فالذين أُنزِلتُ فيهم هذه الآيةُ، على ما ذكَر ابن عباسٍ وغيرُه، إنما كانوا قومًا دانُوا بدينِ أهلِ التوراةِ، قبلَ ثُبوتِ عَقْدِ أهلِ الإسلامِ لهم، فنَهَى اللَّهُ تعالى ذكرُه عن إكراهِهم على الإسلامِ، وأَنزَل بالنَّهْيِ عن ذلك آيةً يَعُمُّ حُكْمُها كلَّ مَن كان في مثلِ معناهم ممن كان على دينٍ من الأديانِ التي يجوزُ أخذُ الجِزْيةِ من أهلِها، وإقرارُهم عليها على النحوِ الذي قلْنا في ذلك.

стр. 2965

ومعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا يُكْرَهُ أحدٌ في دينِ الإسلامِ عليه. وإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ في الدينِ تَعْريفًا (١) للدينِ الذي عنَى اللَّهُ بقولِه: لا إكراهَ فيه. وأنه هو الإسلامُ. وقد يَحتمِلُ أن تكونا (٢) أُدْخِلنَا عَقِيبًا من الهاءِ المَنْوِيَّةِ في "الدينِ"، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: وهو العليُّ العظيمُ، لا إكراهَ في دينِه، قد تَبَيَّنُ الرُّشْدُ مِن الغَيِّ. وكان هذا القولَ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ عندي. وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: رَشَدْتُ فأنا أَرْشُدُ رُشْدًا ورشَدا ورَشَادًا، وذلك إذا أصاب الحقَّ والصوابَ. وأما "الغَيُّ"، فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد غَوَى فلانٌ فهو يَغْوِى غَيًّا وغَوايةً. وبعضُ العربِ يقولُ: غَوِيَ فلانٌ يَغْوَى. والذي عليه قراءةُ القرأةِ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. بالفتحِ، وهي أفصحُ اللُّغَتَين، وذلك إذا عدا الحقَّ وتجاوزَه فضَلَّ. فتأويلُ الكلامِ إذن: قد وَضَح الحقُّ من الباطلِ، واستبان لطالبِ الحقِّ والرَّشادِ وجهُ مَطْلَبِه، فتَمَيَّزَ من الضَّلالةِ والغَوايةِ، فلا تُكْرِهُوا أحدًا (٣) من أهلِ الكتابَين ومَن أَبَحْتُ لكم أَخْذَ الجِزْيةِ منه، على دينِكم دينِ الحقِّ، فإنَّ مَن حادَ عن الرَّشادِ بعدَ استبانتِه له، فإلى ربِّه أمرُه، وهو وليُّ عُقوبتِه في مَعادِه. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الطاغوتِ"؛ فقال بعضُهم: هو الشيطانُ.

стр. 2966

ذكرُ من قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ العَبْسِيِّ (١) قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: الطاغوتُ الشيطانُ (٢). حدثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني [ابن أبي عديٍّ] (٣)، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ، عن عمرَ مثلَه (٤). حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ (٥). حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريَّا، عن الشَّعبيِّ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ (٦). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: الطاغوتُ الشيطانُ (٦).

стр. 2967

حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الطاغوتُ الشيطانُ (١). حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾. قال: بالشيطانِ (٢). وقال آخرون: الطاغوتُ هو الساحرُ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودٌ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ (٣). وقد خُولِف عبدُ الأعلى في هذه الروايةِ، وأنا ذاكرٌ الخلافَ بعدُ. حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا حمادُ (٤) بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال: الطاغوتُ الساحرُ (٥). وقال آخرون: بل الطاغوتُ الكاهنُ (٦). ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ (٧)، عن أبي

стр. 2968

بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ (١). حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: كُهَانٌ تَنَزَّلُ عليها شياطينُ، يُلْقُون على ألسنتِهم وقلوبِهم، أخبرَني أبو الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أنه سمِعه يقولُ - وسُئِل عن الطواغيتِ التي كانوا يَتحاكَمُون إليها - فقال: كان في جُهينةَ واحدٌ، وفي أَسلمَ واحدٌ، وفى كلِّ حَيٍّ واحدٌ، وهى كُهَانٌ يَنزِلُ عليها الشيطانُ (٣). والصوابُ من القولِ عندي في الطاغوتِ أنه كلُّ ذي طُغْيانٍ طغى على اللَّهِ فعُبِد مِن دونِه، إمَّا بقَهْرٍ منه لمن عبَده، وإما بطاعةٍ ممن عبَده له؛ إنسانًا كان ذلك المعبودُ، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صَنَمًا، أو كائنًا ما كان من شيءٍ. وأَرى أن أصلَ الطاغوتِ: الطَّغَوُوتُ، من قولِ القائلِ: طغَا فلانٌ يَطْغُو. إذا عدَا قَدْرَه، فتجاوَز حدَّه، كالجَبَروتِ من التَّجَبُّرِ، [والخَلَبُوتِ من الخَلْبِ] (٤)، ونحوِ ذلك من الأسماءِ التي تأتِى على تقديرِ "فَعَلُوت" بزيادةِ الواوِ والتاءِ، ثم نُقِلَتْ

стр. 2969

لامُه - أَعْنِى لامَ الطغَوُوتِ - فجُعَلَتْ له عَينًا، وحُوِّلَتْ عَينُه، فجُعِلَت مكانَ لامِه، كما قيل: جَبَذ وجَذَب، وجابِدٌ وجاذِبٌ، وصاعِقةٌ وصاقِعةٌ. وما أَشبه ذلك من الأسماءِ التي تأتى على هذا المثالِ. فتأويلُ الكلام إذن: فمن يَجْحَدُ رُبوبِيَّةَ كلِّ معبودٍ من دونِ اللَّهِ، فيَكْفُرْ به ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ يقولُ: ويُصدِّقْ باللَّهِ أنه إلهُه وربُّه ومعبودُه [دونَ غيرِه] (١)، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يقولُ: فقد تمسَّك بأَوثقِ ما يَتَمَسَّكُ به مَن طلَب الخلاصَ لنفسِه مِن عذابِ اللَّهِ وعقابِه. كما حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدِ بن يعقوبَ الكنديُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، عن حُميدِ بن عُقبةَ، عن أبي الدَّرْداءِ، أنه عاد مريضًا من جِيرتِه، فوجَده في السَّوْقِ (٢) وهو يُغَرْغِرُ، لا يَفْقَهون ما يريدُ، فسألهم: يريدُ أن يَنْطِقَ؟ قالوا: نعم، يريدُ أن يقولَ: آمنْتُ باللَّهِ، وكفَرْتُ بالطاغوتِ. قال أبو الدَّرْداءِ: وما عِلْمُكم بذلك؟ قالوا: لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسَر لسانُه، فنحن نعلمُ أنه إنّما يريدُ أن يَنْطِقَ بها. فقال أبو الدَّرْداءِ: أفلَح صاحبُكم، إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. والعُرْوةُ في هذا المكانِ مَثَلٌ للإيمانِ الذي اعْتَصَم به المؤمنُ، فشَبَّهه فِي تَعَلُّقِه به وتَمَسُّكِه، بالمُتَمَسِّكِ بعُروةِ الشيءِ الذي له عُروةٌ يُتَمَسَّكُ بها، إذ كان كلُّ ذى عُروةٍ فإنَّما يَتَعَلَّقُ مَن أرادَه بعُروتِه.

стр. 2970

وجعَل جل ثناؤه الإيمانَ الذي تَمَسَّكَ به الكافرُ بالطاغوتِ المؤمنُ باللَّهِ، مِن أَوْثَقِ عُرَى الأشياءِ بقولِه: ﴿الْوُثْقَى﴾. و "الوُثْقَى" فُعْلَى، مِن الوَثاقِة، يقالُ في الذكَرِ: هو الأَوْثَقُ. وفى الأنثى: هي الوُثْقَى. كما يقالُ: فلانٌ الأفضلُ، وفلانةُ الفُضْلَى. وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [في قولِه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [(١). ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: الإيمانُ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: العُرْوةُ الوُثْقَى هو الإسلامُ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ، عن جعفرٍ - يَعْنِى ابنَ أبي المغيرةِ - عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: لا إلهَ إِلا اللَّهُ (٤).

стр. 2971

حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ النَّهْدِيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه. حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ] (١). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: لا انكسارَ لها. والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿لَهَا﴾ عائدةٌ على "العُروةِ". ومعنى الكلامِ: فمن يَكفُرْ بالطاغوتِ ويؤمنْ باللَّهِ، فقد اعتصَم مِن طاعةِ اللَّهِ بما لا يُخْشَى مع اعتصامِه به (٢) خذْلانُه إيَّاه، وإسلامُه عندَ حاجتِه إليه في أهوالِ الآخرةِ، كالمُسْتَمْسكِ بالوثيقِ مِن عُرَى الأشياءِ التي لا يُخشَى انكسارُ عُراها. وأصلُ الفَصْمِ: الكَسْرُ، ومنه قولُ أعشَى بني ثعلبةَ (٣): ومَبْسِمَها عن شَتِيتِ (٤) النَّبا … تِ غيرِ أَكَسَّ (٥) ولا مُنْفَصِمْ (٦)

стр. 2972

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. قال: لا يُغَيِّرُ اللَّهُ ما بقومٍ حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ قال: لا انقطاعَ لها (٢). القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾. يَعنى جل ثناؤُه: واللَّهُ سميعٌ إيمانَ المؤمنِ باللَّهِ وحدَه، الكافرِ بالطاغوتِ عندَ إقرارِه بوَحْدانيَّةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه، وتَبَرُّئِه من الأندادِ والأوثانِ التي تُعبَدُ من دونِ اللَّهِ، عليمٌ بما عزَم عليه مِن توحيدِ اللَّهِ وإخلاصِ رُبوبيَّتِه قلبُه، وما انْطَوَى عليه من البَراءةِ مِن الآلهةِ والأصنامِ والطَّواغيتِ، ضميرُه، وبغيرِ ذلك مما أخْفَتْه نفسُ كلِّ أحدٍ مِن خلقِه، لا يَنْكَتِمُ عنه سرٌّ، ولا يَخْفَى عليه أمرٌ، حتى يُجازيَ كلًّا يومَ القيامةِ بما نطَق به لسانُه، وأَضْمَرَتْه نفسُه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.

стр. 2973

يَعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نَصِيرُهم وظَهِيرُهم، يَتَوَلّاهم بعَوْنِه وتوفيقِه، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ يَعنى بذلك: يُخْرِجُهم من ظُلُماتِ الكفرِ إلى نورِ الإيمانِ. وإنما عنَى بالظُّلُماتِ في هذا الموضعِ الكفرَ، وإنما جعَل الظُّلُماتِ للكفرِ مَثَلًا؛ لأن الظُّلُمَاتِ حاجبةٌ للأبصارِ عن إدراكِ الأشياءِ وإثباتِها، وكذلك الكفرُ حاجبٌ أبصارَ القلوبِ عن إدراكِ حقائقِ الإيمانِ، والعلمِ بصحتِه وصحةِ أسبابِه، فأخبَر تعالى ذكرُه عبادَه أنه وَلِيُّ المؤمنين، ومُبَصِّرُهم حقيقةَ الإيمانِ وسُبُلَه وشرائعَه وحُجَجَه، وهادِيهم، فمُوَفِّقُهم لأَدِلَّتِه المُزِيلةِ عنهم الشكوكَ، بكَشْفِه عنهم دواعِىَ الكفرِ وظُلَمَ سواترِه (١) أبصارَ القلوبِ. ثم أخبَر تعالى ذكرُه عن أهلِ الكفرِ به، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعنى الجاحدِين وَحْدانِيَّتَه ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ يعنى: نُصَراؤُهم وظُهَراؤُهم الذين يَتَوَلَّوْنهم ﴿الطَّاغُوتُ﴾ يعنى: الأندادُ والأوثانُ الذين يَعْبُدُونهم من دونِ اللَّهِ، ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يَعنى بالنورِ الإيمانَ، على نحوِ ما بَيَّنَّا ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ويَعنى بالظُّلُماتِ ظُلُماتِ الكفرِ وشكوكَه الحائلةَ دونَ إبصارِ القلوبِ، ورؤيةِ ضياءِ الإيمانِ، وحقائقِ أَدِلَّتِه وسُبُلِه. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: مِن الضَّلالةِ إلى الهُدَى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾: الشيطانُ ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ

стр. 2974

النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. يقولُ: من الهُدَى إلى الضَّلالةِ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: الظُّلُمات الكفرُ، والنورُ الإيمانُ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: يُخرِجونَهم من الإيمانِ (٢) إلى الكفرِ (٣). حدَّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنَ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. يقولُ: من الكفرِ إلى الإيمانِ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يقولُ: من الإيمانِ إلى الكفرِ (٤). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن عَبْدَةَ (٥) بن أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، أو مِقْسَمٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ وعز: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. قال: كان قومٌ آمَنوا بعيسى، وقومٌ كفَروا به، فلما بَعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ آمَن به الذين كفَروا بعيسى، وكفَر به الذين آمنوا بعيسى، [فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُخرِجُهم مِن كُفْرِهم بعيسى] (٦) إلى الإيمانِ بمحمدٍ

стр. 2975

ﷺ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ آمنوا بعيسى وكفَروا بمحمدٍ، ﷺ ، قال: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١). حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا المُعْتَمرُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ منصورًا، عن رجلٍ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبابةَ قال في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ إلى ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال: هم أناسٌ كانوا آمَنوا بعيسى ابن مريمَ، فلما جاءهم محمدٌ ﷺ كفروا (٢) به، وأُنزِلتْ فيهم هذه الآيةُ (٣). وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ وعَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، يَدُلُّ على أن الآيةَ معناها الخصوصُ، وأنها، إن كان الأمرُ كما وصَفْنا، نزلَتْ في مَن كفَر مِن النَّصارَى بمحمدٍ ﷺ ، وفى مَن آمَن بمحمدٍ ﷺ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، الذين لم يكونوا مُقِرِّين بنبوَّةِ عيسى ﵇، ومن سائرِ المللِ التي كان أهلُها يُكَذِّبُ بعيسى. فإن قال قائلٌ: أو كانت النَّصارَى على حقٍّ قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ ﷺ ، فيُكذَّبوا به؟ قيل: مَن كان منهم على مِلَّةِ عيسى ابن مريمَ صلَواتُ اللَّهِ عليه فكان على حقٍّ، وإياهم عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. فإن قال قائلٌ: فهل يَحمِلُ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ

стр. 2976

يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. أن يكونَ مَعْنِيًّا به غيرُ الذين ذكَر مجاهدٌ [وعبْدةُ] (١)، أنهم عُنُوا به من المؤمِنين بعيسى، أو غيرُ أهلِ الرِّدَّةِ عن (٢) الإسلامِ؟ قيل: نعم، يَحتمِلُ أن يكونَ معنى ذلك: والذين كفَروا أولياؤُهم الطاغوتُ، يَحُولون بينَهم وبينَ الإيمانِ، ويُضِلُّونهم فيَكْفُرون، فيكونُ تَضْلِيلُهم إيَّاهم حتى يَكفُروا إخراجًا منهم لهم مِن الإيمانِ، بمعنى صدِّهم إيّاهم عنه، وحِرْمانِهم إياهم خيْرَه، وإن لم يكونوا كانوا فيه قطُّ، كقولِ الرجلِ: أَخْرَجني والدِي من ميراثِه. إذا ملَّك ذلك في حياتِه غيرَه، فحَرَمه منه حَظَّه (٣)، ولم يَمْلِكْ ذلك القائلُ هذا الميراثَ قطُّ فيَخْرُجَ منه، ولكنّه لمّا حُرِمَه، وحِيلَ بينَه وبينَ ما كان يكونُ له لو لم يُحْرَمْه، [قيل: أخرَجَه] (٤) منه. وكقولِ القائلِ: أَخْرَجَني فلانٌ مِن كَتِيبتِه. يَعنى: لم يَجْعَلْني مِن أهلِها، ولم يكنْ فيها قَطُّ قبلَ ذلك، فكذلك قولُه: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾. مُحْتَمِلٌ (٥) أن يكونَ إخراجُهم إيَّاهم من الإيمانِ إلى الكفرِ على هذا المعنى، وإن كان الذي قاله مجاهدٌ [وعَبْدةُ] (٦) أَشبهَ بتأويلِ الآيةِ. فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ فجمَع خبرَ الطاغوتِ بقولِه: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾. والطاغوتُ واحدٌ؟ قيل: إن الطاغوتَ اسمٌ لجماعٍ وواحدٍ، وقد يُجْمَعُ "طَواغيت". وإذا جُعِل

стр. 2977

واحدُه وجَمْعُه بلفظٍ واحدٍ كان نظيرَ قولِهم: رجلٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ. ورجلٌ فِطْرٌ. وقومٌ فِطْرٌ (١). وما أَشبهَ ذلك من الأسماءِ التي يأتي مُوَحَّدًا في اللفظِ واحدُها وجمعُها، وكما قال العباسُ بنُ مِرْداسٍ (٢): فَقُلْنا أَسْلِمُوا إِنَّا أخُوكُمْ … فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ (٣) الصُّدورُ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾. يعنى جل ثناؤه بذلك: هؤلاءِ الذين كفَروا أصحابُ النارِ الذين يُخَلَّدُون فيها - يَعنى: في نارِ جهنمَ - دونَ غيرِهم من أهلِ الإيمانِ، إلى غيرِ غايةٍ ولا نهايةِ أبدًا. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾: ألم ترَيا محمدُ بقلبِك إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ؟ يَعنى الذي خاصَم إبراهيمَ - يعنى إبراهيمَ نبيَّ اللَّهِ ﷺ في ربِّه؛ ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. يعنى بذلك: حاجَّه فخاصمَه في ربِّه؛ لأنَّ اللَّهَ آتاه الملكَ. وهذا تَعْجِيبٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ مِن الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه، ولذلك أُدْخِلَت ﴿إِلَى﴾ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾. وكذلك تفعلُ العربُ إذا أرادتِ التَّعْجِيبَ من رجلٍ في بعضِ ما أَنكرَتْ مِن فَعْلِه، قالوا: أَمَا ترَى

стр. 2978

إلى هذا؟ والمعنى: هل رأيتَ مثلَ هذا، أو كهذا؟ وقيل: إن الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه جَبّارٌ كان يبابِلَ، يقالُ له: نُمْروذُ (١) بنُ كَنْعانَ بن كُوشِ (٢) بن سامِ بن نوحٍ، وقيل: إِنه نُمْرُوذُ بنُ فالَخَ بن عابَرَ بن شالَخَ (٣) بن أَرْفَخْشدَ (٤) بن سامِ بن نوحٍ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. قال: هو نُمْرُوذُ بنُ كَنْعانَ (٥). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثني أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

стр. 2979

حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النَّضْرِ بن عَرَبيٍّ (١)، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. قال: كُنّا نُحَدَّثُ أنه مَلِكٌ يقالُ له: نُمروذُ. هو أولُ مَلِكٍ تَجَبَّرَ في الأرضِ، وهو صاحبُ الصَّرْحِ ببابِلَ (٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هو جبّارٌ (٣) اسمُه نُمْرُوذُ، وهو أولُ من تجَبَّرَ في الأرضِ، حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه (٤). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾. قال: ذُكِر لنا أن الذي حاجَّ إبراهيمَ (٥)، كان مَلِكًا يقالُ له: نُمْرُوذُ. وهو أولُ جَبَّارٍ تَجَبَّرَ في الأرضِ، وهو صاحبُ الصَّرْحِ ببابِلَ (٦). حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هو نُمْرُوذُ بن كَنْعَانَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: هو نُمْرُوذُ (٧).

стр. 2980

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ مثلَه (١). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرني زيدُ بنُ أسلمَ بمثلِه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: هو نُمْرُوذُ. قال ابن جُريجٍ: هو نُمْرُوذُ، ويقالُ: إنه أولُ مَلِكٍ في الأرضِ (٣). القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾. يَعنى جلّ ثناؤه بذلك: ألم تَرَ يا محمدُ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه حينَ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يعنى بذلك: رَبِّيَ الذي بيدِه الحياةُ والموتُ، يُحْيي مَن يشاءُ، ويُمِيتُ مَن أراد بعدَ الإحياءِ. قال: أنا أفعلُ ذلك، فأُحْيِي وأُمِيتُ، أَسْتَحْيِي مَن أُرِيدُ (٤) قتْلَه، فلا أَقتُلُه، فيكونُ ذلك منى إحياءً له - وذلك عندَ العربِ يُسَمَّى إحياءً، كما قال اللَّهُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] - وأَقْتُلُ آخَرَ، فيكونُ ذلك منى إِماتةً له. قال إبراهيمُ له: فإن اللَّهَ الذي هو ربِّي يَأْتِي بالشمسِ من مَشْرقِها، فأْتِ بها، إن كنتَ صادقًا أنك إلهٌ، مِن مَغْرِبِها. قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. يَعنى: انْقَطَع
следующие страницы →