← Тафсир

Тафсир · id 7798

تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي

ابن جرير الطبري

Полный текст (16 700 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

قَلِيلَةٍ﴾. يعنى بـ ﴿كَمْ﴾ كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى: بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: مع الحابِسِين أنفسَهم على رضاه وطاعتِه. وقد أتَينا على البَيانِ عن وجوهِ الظَّنِّ، وأن أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بما يدُلُّ على صحةِ ذلك فيما مَضَى، فكَرِهنا إعادتَه (١). وأما الفِئَةُ فإنهم الجماعةُ من الناسِ، لا واحدَ له من لفظِه، وهو مثلُ الرَّهْطِ والنَّفَرِ، يُجْمَعُ (٢) "فِئات"، و"فِئونَ" في الرفعِ، و"فِئينَ" في النصبِ والخَفضِ، بفتحِ نونِها في كلِّ حالٍ، و"فِتينُ" بالرفعِ بإعرابِ نونِها بالرفعِ، وتَرْكِ الياءِ فيها، وفى النصبِ "فِئينًا"، وفى الخَفْضِ "فِئينٍ"، فيكونُ الإعرابُ في الخفضِ والنصبِ في نونِها، وفى كلِّ ذلك مُقَرَّةٌ فيها الياءُ على حالِها، فإن أُضِيفت قيل: هؤلاء [فِئينُك. بإقرارِ] (٣) النونِ وحَذْفِ التنوينِ، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ، في جميعِ السنةِ: هذه سنينُك. بإثباتِ النونِ وإعرابِها، وحَذْفِ التنوينِ منها للإضافةِ، وكذلك العملُ في كلِّ منقوصٍ، مثلَ: مائةٌ وثُبَةٌ وقُلَةٌ (٤) وعِزَةٌ. فأما ما كان نقصُه من أولِه، فإن جَمْعَه بالتاءِ، مثلَ: عِدَةٌ وعداتٌ، وصِلةٌ وصِلاتٌ. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ مُعِينُ الصَّابِرين على الجهادِ في سبيلِه، وغيرِ ذلك من طاعتِه، وظهورِهم (٥) ونصْرِهم على أعدائِه

стр. 2907

الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالِفين مِنْهاجَ دينِه. وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلًا على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ولمَّا برَز طالوتُ وجنودُه لجالوتَ وجنودِه. ومعنى قولِه: ﴿بَرَزُوا﴾: صاروا بالبَرَازِ من الأرضِ، وهو ما ظهَر منها واستَوى، ولذلك قيل للرجلِ القاضي حاجتَه: تَبَرَّزَ؛ لأنَّ الناسَ قديمًا في الجاهليةِ إنما كانوا يَقْضُون حاجتَهم في البرَازِ من الأرضِ، فقيل: قد تَبرَّزَ فلانٌ. إذا خرَج إلى البَرَازِ من الأرضِ لذلك، كما قيل: تَغَوَّط. لأنهم كانوا يَقْضُون حاجتَهم في الغائطِ من الأرضِ، وهو المُطْمَئِنُّ منها، فقيل للرجلِ: تَغَوَّط. أي: صار إلى الغائطِ من الأرضِ. وأما قولُه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. فإنه يعنى أن طالوتَ وأصحابَه قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾. يعنى: أنزِلْ علينا صبرًا. وقولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. يعنى: وقَوِّ قلوبَنا على جهادِهم؛ لتَثْبُتَ أقدامُنا فلا نَنْهِزِمَ عنهم، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين كفَروا بك فجَحَدوك إلهًا، وعَبَدوا غيرَك، واتَّخَذوا الأوثانَ أرْبابًا. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. يعنى (١) تعالى ذكرُه بذلك (٢): فهَزَم طالوتُ وجنودُه أصحابَ جالوتَ، وقتَل

стр. 2908

داودُ جالوتَ. وفى هذا الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر منه عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: ولمَّا برَزوا لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أفرِغْ علينا صبرًا وثبِّتْ أقدامَنا وانصُرْنا على القومِ الكافرين، فاستجاب لهم ربُّهم، فأفرَغ عليهم صبرَه، وثبَّتَ أقدامَهم ونصَرهم على القومِ الكافرين، فهَزَموهم بإذنِ اللهِ. ولكنه ترَك ذكْرَ ذلك اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. على أن الله قد أجاب دعاءَهم الذي دَعَوه به. ومعنى قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم (١) بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةً وهِزِّيمَى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. وداود هذا، هو داودُ بنُ إيشى (٢) نبيُّ اللهِ ﵇. وكان سببَ قتلِه إياه كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّا خرَج - أو قال: لمَّا بَرَز - طالوتُ الجالوتَ، قال جالوتُ: أبْرِزوا لى مَن يُقاتِلُنى، فإن قتَلنى فلكم مُلْكِى، وإن قتَلْتُه فلى مُلْكُكم. فأُتِى بداودَ إلى طالوتَ، فَقاضاه إن قتَله أن يُنكِحَه ابنتَه، وأن يُحَكِّمَه في مالِه، فألبَسه طالوتُ سلاحًا، فكَرِه داودُ أن يقاتِلَه بسلاحٍ (٣)، وقال: إنِ اللهُ لم يَنصُرْنى عليه لم يُغْنِ السلاحُ. فخرَج إليه بالمِقْلاعِ وبمِخْلاةٍ فيها أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ: أنت تُقاتِلُنى؟ قال داود: نعم.

стр. 2909

قال: وَيْلَك، [ما خرَجتَ إليَّ] (١) إلا كما يُخرَجُ إلى الكلب بالمِقْلاعِ والحِجارةِ! لأُبَدِّدَنَّ (٢) لَحْمَك، ولأُطْعِمَنَّه اليومَ الطيرَ والسِّباعَ. فقال له داودُ: بل أنت عدوُّ اللهِ شرٌّ من الكلبِ. فأخَذ داودُ حجرًا ورماه بالمِقْلاعِ، فأصابه (٣) بينَ عَيْنَيه حتى نفَذ (٤) في دِماغِه، فصَرَع جالوتَ، وانهزَم مَن معه، واحتَزَّ داودُ رأسَه، فلما رجَعوا إلى طالوتَ ادَّعى الناسُ قتلَ جالوتَ؛ فمنهم مَن يأتى بالسيفِ وبالشئِ من سلاحِه أو جسدِه، وخَبَّأ داودُ رأسَه، فقال طالوتُ: مَن جاء برأسِه فهو الذي قتَله. فجاء به داودُ، ثم قال لطالوتَ: أعْطِنى ما وعَدْتَنى. فندِم طالوتُ على ما كان شرَط له وقال: إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ، وأنت رجلٌ جَرِئٌ شجاعٌ، فاحتَمِلْ صداقَها ثلاثَمائةِ غُلْفةٍ (٥) من أعدائِنا. وكان يرجو بذلك أن يُقْتَلَ داودُ، فغَزا داودُ، وأسَر منهم ثلاثَمائةٍ، وقطَع غُلَفَهم وجاء بها، فلم يَجِدْ طالوتُ بُدًّا من أن يُزَوِّجَه، ثم أدرَكَته النَّدامةُ، فأراد قتلَ داودَ حتى هرَب منه إلى الجبلِ، فنهَض إليه طالوتُ فحاصَره، فلما كان ذاتَ ليلةٍ سُلِّط النومُ على طالوتَ وحَرَسِه، فهَبَط إليهم داودُ، فأخَذ إبريقَ طالوتَ الذي كان يشرَبُ منه ويَتوضَّأُ، وقطَع شَعَراتٍ من لحيتِه وشيئًا من هُدْبِ ثيابِه، ثم رجَع داودُ إلى مكانِه، فناداه: [أنْ تَعاهَدْ] (٦) حرَسَك، فإنى لو شئتُ أن (٧) أقتُلَك البارحةَ فعلتُ، [وإنَّ] (٨) هذا إبْرِيقُك، وشيءٌ من شَعَرِ لحيتِك

стр. 2910

وهُدْبِ ثيابِك. وبعَث به (١) إليه، فعلِم طالوتُ أنه لو شاء قتَله، فعطَفه ذلك عليه، فأمَّنَه وعاهَده باللهِ لا يرَى منه بأسًا، ثم انصرَف، ثم كان في آخِرِ أمرِ طالوتَ أنه كان يَدُسُّ لقتْلِه، وكان طالوتُ لا يقاتِلُ عدوًّا إِلا هُزِم، حتى مات. قال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أنَبِيًّا كان طالوتُ يُوحَى إليه؟ فقال: لم يأتِه وَحْيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يقالُ له: أشمويلُ (٢). يُوحَى إليه، وهو الذي مَلَّك طالوتَ (٣). حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان داودُ النبيُّ وإخوةٌ له أربعةٌ، معهم أبوهم شيخٌ كبيرٌ، فتَخَلَّف أبوهم وتَخلَّف معه داودُ من بين إخوتِه في غَنَمِ أبيه يَرْعاها له، وكان من أصْغرِهم، وخرَج إخوتُه الأربعةُ مع طالوتَ، فدَعاه أبوه وقد تقارَب الناسُ ودنا بعضُهم من بعضٍ - قال ابن إسحاقَ: وكان داودُ، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، رجلًا قصيرًا أزرقَ (٤)، قليلَ شعرِ الرأسِ، وكان طاهرَ القلبِ نَقِيَّه (٥) - فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوِّهم، فاخرُجْ به إليهم، فإذا دفَعتَه إليهم، فأقبِلْ إليَّ سريعًا. فقال: أفعَلُ. فخرَج وأخَذ معه ما عُمِل (٦) لإخوتِه، ومعه مِخْلاتُه التي يَحْمِلُ فيها الحجارةَ، ومِقْلاعُه الذي كان يَرْمى به عن غَنَمِه، حتى إذا فصَل من عندِ

стр. 2911

أبيه، فمرَّ بحَجَرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حَجَرُ يعقوبَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، [ثم مضَى] (١)، فبَيْنا هو يمشِى إذ مرَّ بحجَرٍ آخَرَ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إسحاقَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى، فبَيْنا هو يمشى إذ مرَّ بحجرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إبراهيمَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى بما معه حتى انتهى إلى القومِ، فأعطَى إخوتَه ما بُعِث إليهم معه، وسَمِع في العسكرِ خَوْضَ (٢) الناسِ بذكرِ جالوتَ، وعِظَمِ شأنِه فيهم، وبهيبةِ الناسِ إيَّاه، ومما يُعَظِّمُون من أمرِه، فقال لهم: واللهِ إنكم لتعظِّمون من أمرِ هذا العدوِّ شيئًا ما أدرى ما هو، واللهِ لو أراه لقتَلتُه، فأدْخِلونى على المَلِكِ. فأُدْخِل على الملكِ طالوتَ، فقال: أيُّها الملِكُ، إنى أراكم تُعَظِّمون شأنَ هذا العدوِّ، واللَّهِ إنى لو أراه لقتَلْتُه. فقال: فآتِنى (٣) ما عندَك من القوَّةِ على ذلك، وما (٤) جرَّبْتَ من نفسِك. قال: قد كان الأسدُ يَعْدُو على الشاةِ من غَنِمى، فأُدْرِكُه فآخُذُ برأسِه، فأفُكُّ لَحْيَيهِ عنها، فآخُذُها مِن فِيه، فادْعُ لى بدِرْعٍ حتى أُلْقِيَها عليَّ. فأُتِى بدِرْعٍ فقَذَفها على (٥) عُنُقِه، ومَثَل (٦) فيها فملأَ (٧) عينَ طالوتَ ونفسَه ومَن حضَره من بنى إسرائيلَ، فقال طالوتُ: واللهِ، لعسى اللهُ أن يُهْلِكَه به. فلما أصبَحوا رجَعوا إلى جالوتَ (٨)، فلما التقَى الناسُ قال داودُ: أَرُونى جالوتَ. فأرَوه

стр. 2912

إيَّاه على فرسٍ عليه لأْمَتُه، فلما رَآه جعَلَت الأحجارُ الثلاثةُ تَواثبُ مِن مِخْلاتِه، فيقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. فأخَذ أحدَها، فجعَله في مِقلاعِه (١)، ثم فَتَله به، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فَدَمَغه، وتَنَكَّس عن دابتِه فقَتَله، ثم انهزَم جندُه، وقال الناسُ: قتَل داودُ جالوتَ. وخُلِع طالوتُ، وأقبَل الناسُ على داودَ مكانَه، حتى لم يُسْمَعْ لطالوتَ بذكرٍ، إلا أن أهلَ الكتابِ يزعُمون أنه لمَّا رأى انصرافَ بنى إسرائيلَ عنه إلى داودَ، هَمَّ بأن يَغْتالَ داودَ، وأراد (٢) قتلَه، فصَرَف اللهُ ذلك عنه وعن داودَ، وعَرَف خطيئتَه، والتَمَس التوبةَ منها إلى اللهِ (٣). وقد رُوِى عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في أمرِ طالوتَ وداودَ قولٌ خلافُ الرِّوايتَين اللَّتين ذكَرتُ قبلُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا سَلَّمَت بنو إسرائيلَ المُلْكَ لطالوتَ، أوحَى اللهُ إلى نبيِّ بنى إسرائيلَ: أن قُلْ لطالوتَ: فلْيَغْزُ أهلَ مَدْينَ، فلا يَترُكْ فيها حَيًّا إلا قتَله، فإنى سأُظهِرُه عليهم. فخَرَج بالناسِ حتى أتَى مَدْينَ، فقتَل مَن كان فيها إلا مَلِكَهم، فإنه أسَرَه، وساق مواشِيَهم، فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ: ألا تَعْجَبُ من طالوتَ إذ أمَرتُه بأمرِى (٤) فاختار (٥) فيه، فجاء بمَلِكِهم أسيرًا، وساق مواشِيَهم، فالْقَه فقلْ له: لأَنزِعَنَّ المُلْكَ من بيتِه، ثم لا

стр. 2913

يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ؛ فإنى إنما أُكْرِمُ مَن أطاعنى، وأُهِينُ مَن هانَ عليه أمرى. فلَقِيه، فقال له: ما صنَعتَ! لِمَ جِئْتَ بمَلِكِهم أسيرًا، ولِمَ سُقْتَ مواشِيَهم؟ قال: إنما سُقْتُ المواشىَ لأُقرِّبَها. قال له أشمويلُ: إن اللَّهَ قد نزَع من بيتِك المُلْكَ، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ. فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ أَن انطلِقْ إلى إيشَى، فيَعْرِض عليك بَنِيه، فادْهُنِ الذي آمُرُك بدُهْنِ القُدْسِ، يكنْ مَلِكًا على بنى إسرائيلَ. فانطلَق حتى أتَى إيشى، فقال: اعرِضْ عليَّ بَنِيك. فدَعا إيشى أكبرَ ولدِه، فأقبَل رجلٌ جَسيمٌ، حسنُ المنظرِ، فلما نظَر إليه أشمويلُ أعجَبه، فقال: الحمدُ للهِ، إن الله بصيرٌ بالعبادِ. فأوحَى اللهُ إليه: إن عَيْنَيك تُبْصِران ما ظهَر، وإنى أَطَّلِعُ على ما في القلوبِ، ليس بهذا. [فقال: ليس بهذا] (١)، اعرِضْ عليَّ غيرَه. فعَرَض عليه ستةً (٢)، في كلِّ ذلك يقولُ: ليس بهذا. فقال: هل لك من ولدٍ غيرُهم. فقال: بلى (٣)، لى غلامٌ أمغَرُ (٤)، وهو راعٍ في الغنمِ. فقال: أرسِلْ إليه. فلما أن جاء داودُ جاء غلامٌ أمغرُ (٥)، فدَهَنه بدُهْنِ القُدْسِ، وقال لأبيه: اكتُمْ هذا، فإن طالوتَ لو يطَّلِعُ عليه قتَله. فسار جالوتُ في قومِه إلى بنى إسرائيلَ فعسكَر، وسار طالوتُ بينى إسرائيلَ وعسكَر، وتهيَّئُوا للقتالِ، فأرسَل جالوتُ إلى طالوتَ: لم يُقْتَلُ قومى (٦) وقومُك؟ ابرُزْ لى، أو أبرِزْ لى مَن شئتَ، فإن قتَلتُك كان المُلْكُ لى، وإن قتَلْتَنى كان المُلْكُ لك. فأرسَل طالوتُ في عسْكرِه صائحًا: مَن يبرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله فإن المَلِكَ يُنْكِحُه ابنتَه، ويُشْرِكُه في

стр. 2914

مُلْكِه؟ فأرسَل إيشى (١) داودَ إلى إخوتِه - [قال الطبَريُّ: هو إيشى، ولكن قال المحدِّثُ: إيشى] (٢) - وكانوا في العسكرِ، فقال: اذهَبْ فزوِّدْ (٣) إخوتَك، وأخِبرْنى خبرَ الناسِ ماذا صنَعوا. فجاء إلى إخوتِه، وسمِع صوتًا: إن المَلِكَ يقولُ: مَن يَبْرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله أنكَحَه المَلِكُ ابنتَه؟ فقال داودُ لإخوتِه: ما منكم رجلٌ يبرُزُ لجالوتَ فيقتُلَه ويَنكِحَ ابنةَ المَلِكِ؟ فقالوا: إنك غلامٌ أحمقُ، ومَن يُطِيقُ جالوتَ، وهو من بقيِة الجبَّارِين! فلما لم يَرَهم رَغِبوا في ذلك، قال: فأنا أذهَبُ فأقتُلُه. فانتَهَروه وغَضِبوا عليه، فلما غَفَلوا عنه، ذهَب حتى جاء الصائحَ، فقال: أنا أبرُزُ لجالوتَ. فذَهَب به إلى المَلِكِ، فقال له: لم يُجِبْنى أحدٌ إلا غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ هو هذا. قال: يا بُنَيَّ، أنت تَبْرُزُ لجالوتَ فتُقاتِلُه؟ قال: نعم. قال: وهل آنَسْت من نفسِك شيئًا؟ قال: نعم، كنتُ راعيًا في الغنمِ، فأغارَ عليَّ الأسدُ، فأخَذتُ بلَحْيَيْه ففَكَكْتُهما. فدَعا له بقوسٍ وأداةٍ كاملةٍ، فلَبِسها وركِب الفرسَ، ثم سار منهم قريبًا، ثم صرَف فرسَه، فرَجَع إلى المَلِكِ، فقال الملكُ ومَن حولَه: جَبُن الغلامُ. فجاء فوَقَف على المَلِكِ، فقال: ما شأنُك؟ قال داودُ: إِنْ لم يقتُلْه اللهُ لى، لم يَقتُلْه هذا الفرسُ وهذا السلاحُ، فدَعْنى فأقاتِلَ كما أريدُ. فقال: نعم يا بُنَيَّ. فأخَذ داودُ مِخْلاتَه فتقَلَّدها، وألقَى فيها أحجارًا، وأخَذ مِقْلاعَه الذي كان يَرْمى (٤) به، ثم مضَى نحوَ جالوتَ، فلما دَنا من عسكرِه قال: أين جالوتُ يبرُزُ لى؟ فبرَز له على فرسٍ عليه السلاحُ كلُّه، فلما رآه جالوتُ قال: إليك أبرُزُ؟ قال: نعم. قال: فأتَيتَنى

стр. 2915

بالمِقْلاعِ والحَجَرِ كما يُؤتَى إلى الكلبِ! قال: هو ذاك. قال: لا جَرَمَ أنى سوف أُقسِّمُ لحمَك بينَ طيرِ السماءِ وسباعِ الأرضِ. قال داودُ: أو يُقَسِّمُ اللَّهُ لحمَك. فوَضَع داودُ حجرًا في مِقْلاعِه، ثم دوَّره، فأرسَله نحوَ جالوتَ، فأصابَ أنفَ البَيْضةِ التي على جالوتَ حتى خالَط دماغَه، فوقَع من فرسِه، فمضَى داودُ إليه، فقطَع رأسَه بسيفِه، فأقبَل به في مِخْلاتِه، وبسَلَبِه يجُرُّه حتى ألقاه بينَ يَدَى طالوتَ، ففَرِحوا فرحًا شديدًا، وانصرَف طالوتُ، فلما كان داخلَ المدينةِ، سمِع الناسَ يذكُرون داودَ، فوَجَد في نفسِه، فجاءه داودُ، فقال: أعطِنى امْرأتى. فقال: أتريدُ ابنةَ المَلِكِ بغيرِ صَداقٍ؟ فقال داودُ: ما اشتَرطْتَ عليَّ صَداقًا، وما لي من شيءٍ. قال: لا أكلِّفُك إلا ما تُطِيقُ، أنت رجلٌ جرئٌ، وفى جبالِنا هذه جَراجِمةٌ يَحْتَرِبون الناسَ (١) وهم غُلْفٌ، فإذا قتلتَ منهم مائتى رجلٍ، فائْتِنى بغُلَفِهم. فجعَل كلما قتَل منهم رجلًا نظَم غُلْفَتَه في خيطٍ، حتى نظَم مائتى غُلْفةٍ، فأَتَى (٢) إلى طالوتَ، فألقَى (٣) إليه، فقال: ادفَعْ إلى امرأتى، قد [جئتُ بما اشتَرطْتَ. فزوَّجه ابنتَه] (٤). وأكثَر الناسُ ذكرَ داودَ، وزادَه (٥) عندَ الناسِ عَجَبًا، فقال طالوتُ لابنِه: لَتَقْتُلَنَّ داودَ. قال: سبحانَ اللهِ، ليس بأهلٍ لذلك منك. قال: إنك غلامٌ أحمقُ، ما أُرَاه إلا سوف يُخرِجُك وأهلَ بيتِك من المُلْكِ. فلما سمِع ذلك مِن أبيه، انطَلَق إلى أختِه، فقال لها: إنى قد خِفْتُ أباك أن يقتُلَ زوجَك داودَ، فمُرِيه أن (٦) يأخُذَ حِذْرَه، ويَتغيَّبَ منه. فقالت له امرأتُه ذلك فتَغيَّبَ، فلما أصبَح أرسَل طالوتُ مَن يدعو له

стр. 2916

داودَ، وقد صنَعَت امرأتُه على فِراشِه كهيئةِ النائمِ ولَحَّفَتْه، فلما جاء رسولُ طالوتَ قال: أين داودُ؟ ليُجِبِ (١) المَلِكَ. فقالت له: باتَ شاكِيًا ونام الآنَ، تَرَوْنه على الفراشِ. فرجَعوا إلى طالوتَ، فأخبرُوه ذلك، فمكَث ساعةً، ثم أرسَل إليه، فقالت: هو نائمٌ لم يستيقِظْ بعدُ. فرَجَعوا إلى المَلِكِ فقال: ائتونى به وإن كان نائمًا. فجاءوا إلى الفِراشِ، فلم يَجِدوا عليه أحدًا، فجاءوا (٢) المَلِكَ فأخبَروه، فأرسل إلى ابنتِه فقال: ما حَمَلك على أن تكْذِبينِ (٣)؟ قالت: هو أمَرنى بذلك، وخِفْتُ إن لم أفعَلْ أمرَه أن (٤) يقتُلَنى. وكان داودُ فارًّا في الجبلِ حتى قُتِل طالوتُ، ومُلِّك داودُ بعدَه (٥). حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان طالوتُ أميرًا على الجيشِ، فبَعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فقال داودُ لطالوتَ: [ماذا لى فأقتُلَ] (٦) جالوتَ؟ قال: لكَ ثُلُثُ مالى (٧)، وأُنكِحُك ابنتى. فأخَذ مِخْلاتَه، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سَمَّى حجارتَه تلك إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ثم أدخَل يدَه فقال: باسمِ إلهى وإلِه آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. فخَرَج على إبراهيمَ، فجعَله في مِرْجمتِه، فخَرَقَت ثلاثًا وثلاثين بَيْضةً عن رأسِه، وقتَلَت ثلاثين ألفًا من ورائِه (٨).

стр. 2917

حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: عَبَر يومَئذٍ النهرَ مع طالوتَ أبو داودَ في مَن عَبَر، مع ثلاثةَ عشَرَ ابنًا له، وكان داودُ أصغرَ بَنِيه، فأتاه ذاتَ يومٍ، فقال: يا أبتاه، ما أرْمى بقَذَّافتى شيئًا إلا صرَعتُه، فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن الله قد جعَل رزقَك في قَذَّافتِك. ثم أتاه مرةً أخرى، فقال: يا أبتاه، لقد دخَلتُ بينَ الجبالِ، فوجَدتُ أسدًا رابِضًا، فركِبتُ عليه، فأخَذتُ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْنى. فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ يُعْطِيكَه اللهُ. ثم أتاه يومًا آخَرَ، فقال: يا أبَتاه، إنى لأمشى بينَ الجبالِ فأُسَبِّحُ، فما يبقَى جبلٌ إلا سَبَّح معى. فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ أعطاكَهُ اللهُ. وكان داودُ راعِيًا، وكان أبوه خلَّفَه يأتى إليه وإلى إخوتِه بالطعامِ، فأتَى النبيُّ بقَرْنٍ فيه دُهْنٌ وثوبٍ (١) من حديدٍ، فبعَث به إلى طالوتَ، فقال: إن صاحِبَكم الذي يقتُلُ جالوتَ يُوضَعُ هذا القَرْنُ على رأسِه، فيَغْلى حتى يَدَّهِنَ منه، ولا يسيلُ على وجهِه، يكونُ على رأسِه كهيئةِ الإكليلِ، ويدخُلُ في هذا الثوبِ فيَمْلؤُه. فدَعَا طالوتُ بنى إسرائيلَ فجرَّبَهم، فلم يوافِقْه منهم أحدٌ، فلما فرَغوا قال طالوتُ لأبى داودَ: هل بَقِى لك من ولدٍ لم يَشْهَدْنا؟ قال: نعم، بَقِى ابنى داودُ، وهو يأتِينا بطعامٍ (٢). فلما أتاه داودُ، مَرَّ في الطريقِ بثلاثةِ أحجارٍ، فكَلَّمَنه وقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ تقتُلْ بنا جالوتَ، قال: فأخَذَهن فجَعَلهن في مِخْلاتِه. وكان طالوتُ قال: مَن قتَل جالوتَ زوَّجتُه ابنتى، وأجرَيتُ خاتمَه في مُلْكِى. فلما جاء داودُ وضَعوا القَرْنَ على رأسِه، فَغَلى حتى ادَّهَن منه، ولبِس الثوبَ فملأه، وكان رجلًا مِسْقامًا (٣) مُصْفارًّا (٤)، ولم يَلبَسْه أحدٌ إلا تَقَلْقَل فيه، فلما لَبِسه داودُ تَضايقَ

стр. 2918

الثوبُ عليه حتى تَنَقَّضَ (١)، ثم مشى إلى جالوتَ، وكان جالوتُ من أجسمِ الناس وأشَدِّهم (٢)، فلما نظَر إلى داودَ قُذِف في قلبِه الرُّعْبُ منه، فقال له: يا فتى، ارجِعْ، فإنى أرحَمُك أن أقتُلَك. قال داودُ: لا، بل أنا أقتُلُك. فأخرَج الحجارةَ، فجعَلها في القَذَّافةِ، كلما رفَع حجرًا سمَّاه، فقال: هذا باسمِ أبى إبراهيمَ، والثانى باسمِ أبى إسحاقَ، والثالثُ باسمِ أبى إسرائيلَ. ثم أدار القَذَّافةَ، فعادَت الأحجارُ حَجَرًا واحدًا، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فنَقَبت رأسَه فقتَله، ثم لم تَزَلْ تقتُلُ كلَّ إنسانٍ تُصِيبُه، تَنْفُذُ منه حتى لم يكُنْ بحيالِها أحدٌ، فهزَموهم عندَ ذلك، وقتَل داودُ جالوتَ، ورجَع طالوتُ، فأنكَح داودَ ابنتَه، وأجرَى خاتَمه في مُلْكِه، فمال الناسُ إلى داودَ فأحَبُّوه، فلما رأى ذلك طالوتُ وجَد في نفسِه وحسَده، فأراد قتْلَه، فعلِم به داودُ أنه يُريدُ به ذلك، فسَجَّى له زِقَّ (٣) خَمرٍ في مَضْجَعِه، فدَخَل طالوتُ إلى منامِ داودَ وقد هرَب داودُ، فضرَب الزِّقَّ ضرْبةً فخرَقه، فسالَت الخمرُ منه، فوقَعَت قطرةٌ من خمرٍ في فِيه، فقال: يَرحَمُ اللَّهُ داودَ، ما كان أكثرَ شربِه للخمرِ! ثم إن داودَ أتاه من القابلةِ في بيتِه وهو نائمٌ، فوضَع سهمَين عندَ رأسِه، وعندَ رجلَيه وعن يمينِه وعن شمالِه سهمَين (٤)، فلما استيقظ طالوتُ بَصُر بالسهامِ فعرَفها، فقال: يرحَمُ اللهُ داودَ، هو خيرٌ مِنِّي، ظَفِرتُ به فقتَلتُه، وظَفِر بى فكَفَّ عنى. ثم إنه ركِب يومًا فوجَده يمشى في البَرِّيَّةِ، وطالوتُ على فرسٍ، فقال طالوتُ: اليومَ أقتُلُ داودَ. وكان داودُ إذا فَزِع لا يُدرَكُ، فركَض على أثرِه طالوتُ، ففَزِع داودُ، فاشتدَّ، فدخَل غارًا، وأوحَى اللهُ إلى العنكبوتِ، فضرَبَت عليه بيتًا، فلما انتهى طالوتُ إلى الغارِ، نظَر إلى بناءِ العنكبوتِ،

стр. 2919

فقال: لو كان دخَل (١) ههنا لخرَق بيتَ العنكبوتِ. فخُيِّل إليه فترَكَه (٢). حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن داودَ حينَ أتاهم كان قد جعَل معه مِخْلاةً فيها ثلاثةُ أحجارٍ، وأن جالوتَ برَز لهم فنادَى: ألا رجلٌ لرجلٍ؟ فقال طالوتُ: مَن يبرُزُ له، وإلا برَزتُ له؟ فقام داودُ فقال: أنا. فقال (٣) له طالوتُ فشَدَّ عليه درعَه، فجعَل يراه يشخَصُ فيها ويرتفِعُ، فعجِب من ذلك طالوتُ، فشَدَّ عليه أداتَه كلَّها، وأن داودَ رماهم بحَجَرٍ من تلك الحجارةِ، فأصاب في القومِ، ثم رمَى الثانيةَ بحَجَرٍ، فأصاب فيهم، ثم رمَى الثالثةَ فقتَل جالوتَ، فآتاه اللهُ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ، وصار هو الرئيسَ عليهم، وأعطَوه الطاعةَ (٤). حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: حدثني ابن زيدٍ، في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فقَرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. قال: أوحَى اللهُ إلى نبيِّهم أن في ولدِ فلانٍ رجلًا يَقتُلُ اللهُ به جالوتَ، ومن علامتِه هذا القَرْنُ، تَضَعُه على رأسِه فيَفِيضُ ماءً. فأتاه فقال: إن الله أو حَى إليَّ أنَّ في ولدِك (٥) رجلًا يقتُلُ اللهُ به جالوتَ. فقال: نعم يا نبيَّ اللهِ. قال: فأخرَج له اثنى عشَرَ رجلًا أمثالَ السَّوارى،

стр. 2920

وفيهم رجلٌ بارعٌ (١) عليهم، فجَعَل يَعْرِضُهم على القَرْنِ فلا يَرى شيئًا، فيقولُ لذلك الجَسيمٍ: ارجِعْ. فيُردِّدُه عليه. فأوحَى اللهُ إليه: إنا لا نأخُذُ الرجالَ على صُوَرِهم، ولكنًّا نأخُذُهم على صَلاحِ قلوبِهم. قال: يا ربِّ، قد زعَم أنه ليس له ولدٌ غيرُه. فقال: كذَب. فقال: إن ربى قد كذَّبَك، وقال: إن لك ولدًا غيرَهم. فقال: قد صدَق يا نبيَّ اللهِ، لى ولدٌ قصيرٌ، استَحْييتُ أن يَراه الناسُ، فجعَلتُه في الغنمِ. قال: فأين هو؟ قال: في شِعْبِ كذا وكذا، من جبل كذا وكذا. فخرَج إليه، فوجَد الوادىَ قد سال بينَه وبينَ البقعةِ (٢) التي كان يُرِيحُ (٣) إليها، قال: وَوَجَده يحمِلُ شاتَيْنِ شاتَين (٤) يُجِيزُ بهما، ولا يخوضُ بهما السَّيلَ، فلما رآه قال: هذا هو لا شكَّ فيه، هذا يرحَمُ البهائمَ، فهو بالناسِ أرحمُ. قال: فوضَع القرنَ على رأسِه ففاض. فقال له: ابنَ أخى، هل رأيتَ ههنا من شيءٍ يُعْجِبُك؟ قال: نعم، إذا سبَّحتُ سبَّحَت معى الجبالُ، وإذا أتَى النَّمِرُ أو الذئبُ أو السَّبُعُ أخَذ شاةً، قُمْتُ إليه، فأفتَحُ لَحْيَيه عنها، فلا يَهِيجُنى. قال: وألفَى معه صُفْنَه (٥). قال: فمر بثلاثةِ أحجارٍ يَنْتَزى (٦) بعضُها على بعضٍ، كلُّ واحدٍ منها يقولُ: أنا الذي يأخُذُ. ويقولُ هذا: لا، بل إياى يأخُذُ. ويقولُ الآخرُ مثلَ ذلك. قال: فأخَذهنَّ جميعًا، فطَرَحهن (٧) في صُفْنِه، فلما جاء مع النبيِّ ﵇ وخرَجوا، قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. فكان من

стр. 2921

قصةِ نبيِّهم وقصتِهم ما ذكَر اللهُ في كتابِه. وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. قال: واجتَمع أمرُهم وكانوا جميعًا. وقرَأ: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وبرَز جالوتُ على بِرْذَونٍ له أبْلَقَ، في يدِه قوسُ (١) نُشَّابٍ، فقال: مَن يَبْرُزُ؟ أبْرِزوا إليَّ رأسَكم. قال: ففَظِع به طالوتُ. قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: مَن رجلٌ يكفِينى اليومَ جالوتَ؟ فقال داودُ: أنا. فقال: تعال. قال: فنزَع دِرْعًا له، فألبَسه إياها. قال: ونفَخ اللهُ من (٢) روحِه فيه حتى ملأه، قال: فرمَى بنُشَّابَةٍ فوضَعها في الدِّرعِ. قال: فكسَرها داودُ ولم تَضُرَّه شيئًا، ثلاثَ مراتٍ، ثم قال له: خُذِ الآنَ. فقال داودُ: اللهمَّ اجعَلْه حجرًا واحدًا. قال: وسَمَّى واحدًا إبراهيمَ، وآخرَ إسحاقَ، وآخَرَ يعقوبَ. قال: فجَمَعهنَّ جميعًا فكُنَّ حجرًا واحدًا. قال: فأخَذَهنَّ، وأخَذ مِقْلاعًا، فأدارَها ليَرمىَ بها، فقال: أتَرْمِينى كما يُرْمَى السَّبُعُ والذئبُ؟ ارْمِنى بالقوسِ. فقال: لا أرْمِيك اليومَ إلا بها. فقال له مثلَ ذلك أيضًا، فقال: نعم، وأنت أهونُ عليَّ من الذئب. فأدارها وفيها أمرُ اللهِ وسلطانُ اللَّهِ. قال: فخَلَّى سبيلَها مأمورةً، قال: فجاءت مُظِلَّةً (٣)، فضرَبت بينَ عينَيه حتى خرَجت من قَفاه، ثم قتَلَت من أصحابِه وراءَه كذا وكذا، وهزَمهم اللهُ (٤). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما قطَعوا ذلك يعنى النهرَ الذي قال اللهُ فيه مُخْبِرًا عن قِيلِ طالوتَ لجنودِه (٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. وجاء جالوتُ، وشقَّ على طالوتَ قِتالُه، فقال طالوتُ

стр. 2922

للناسِ: لو أن جالوتَ قُتِل أعطَيتُ الذي يقتُلُه نِصْفَ مُلْكى، وناصَفتُه كلَّ شيءٍ أملِكُه. فبعَث اللهُ داودَ، وداودُ يومَئذٍ في الجبلِ رَاعِى غنمٍ، وقد غَزا مع طالوتَ تسعةُ إخوةٍ لداودَ، وهم أبدُّ (١) منه، وأغْنى (٢) منه، وأعرَفُ في الناسِ منه، وأوْجَهُ عندَ طالوتَ منه، فغزوا (٣) وترَكوه في غنمِهم، فقال داودُ حينَ ألقَى اللَّهُ في نفسِه ما ألقَى وأكرَمه: لأستَودِعنَّ ربِّي غَنمى اليومَ، ولآتينَّ الناسَ، فلأنظُرَنَّ ما الذي بلَغنى من قولِ المَلِكِ لَمن قتَل جالوتَ. فأتَى داودُ إخوتَه، فلامُوه حين أتاهم، فقالوا: لِمَ جئتَ؟ قال: لأقتُلَ جالوتَ، فإن (٤) الله قادرٌ أن أقتُلَه. فسَخِروا منه، قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: كان بعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فأخَذ مِخْلاةً، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سمَّاهن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. قال ابن جريجٍ: قالوا: وهو ضعيفٌ رثُّ الحالِ. فمَرَّ بثلاثةِ أحجارٍ فقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ فقاتِلْ بنا جالوتَ. فأخَذهنَّ داودُ وألْقاهُنَّ في مِخْلاتِه، فلما ألْقاهُنَّ سمِع حجرًا منهنَّ يقولُ لصاحبِه: أنا حجرُ هارونَ الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا. وقال الثاني: أنا حجرُ موسى الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا. وقال الثالثُ: أنا حجرُ داودَ الذي أقتُلُ جالوتَ. فقال الحجران: يا حجرَ داودَ، نحن أعوانٌ لك. فصِرْنَ حجرًا واحدًا. وقال الحجرُ: يا داودُ، اقذِفْ بى، فإنى سأستَعينُ بالريحِ - وكانت بَيضتُه فيما يقولون واللهُ أعلمُ فيها ستُّمائةِ رَطْلٍ - فأقَع في رأسِ جالوتَ فأقتُلُه - قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: سَمَّى واحدًا إبراهيمَ، والآخرَ إسحاقَ، والآخرَ يعقوبَ. وقال: باسمِ إلهى وإلهِ آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وجعَلهنَّ في مِرْجَمتِه. قال ابن جريجٍ: فانطلَق حتى نفَذ إلى طالوتَ، فقال: إنك قد

стр. 2923

جعَلت لمَن قتلَ جالوت نصفَ مُلْكِك، ونصفَ كلِّ شيءٍ تَملِكُه، أفَلِى ذلك إن قتَلتُه؟ قال: نعم. والناسُ يستهزئون بداودَ، وإخوةُ داودُ أشدُّ مَن هنالك عليه، وكان طالوتُ لا يَنتَدِبُ إليه أحدٌ زعَم أنه يقتُلُ جالوتَ إلا ألبَسه دِرْعًا عندَه، فإذا لم تكنْ قَدْرًا عليه نزَعها عنه، وكانت دِرْعًا سابِغةً من دورعِ طالوتَ، فألبَسها داودَ، فلما رأى قَدْرَها عليه أمَره أن يتقدَّمَ، فتقدَّم داودُ، فقام مَقامًا لا يقومُ فيه أحدٌ، وعليه الدِّرْعُ، فقال له جالوتُ: وَيُحك، مَن أنتَ؟ إنى أرحَمُك، ليَتقدَّمْ إليَّ غيرُك من هذه الملوكِ، أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكينٌ، فارجِعْ. فقال داودُ: أنا الذي أقتُلُك بإذنِ اللَّهِ، ولن أرجِعَ حتى أقتُلَك. فلما أبَى داودُ إلا قتالَه، تقدَّم جالوتُ إليه ليأخُذه بيدِه مُقْتدِرًا عليه، فأخرَج الحجَرَ من المِخْلاةِ، فدَعا ربَّه، ورَماه بالحجرِ، فألقَت الريحُ بَيضتَه عن رأسِه، فوقَع الحجرُ في رأسِ جالوتَ حتى دخَل في جوفِه، فقتَله. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: لمَّا رمَى جالوتَ بالحجَرِ، خرَق ثلاثًا وثلاثين بيضةً عن رأسِه، وقتَلَت من ورائِه ثلاثين ألفًا. قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. فقال داودُ لطالوتَ: وفِّ لى بما جعلْتَ. فأبَى طالوتُ أن يُعطِيَه ذلك، فانطلَق داودُ فسكَن مدينةً من مدائنِ بنى إسرائيلَ، حتى مات طالوتُ، فلما مات عمَد بنو إسرائيلَ إلى داودَ، فجاءوا به، فمَلَّكوه وأعطَوه خزائنَ طالوتَ، وقالوا: لم يقتُلْ جالوتَ إلا نبيٌّ. قال اللهُ: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وأعطَى اللَّهُ داودَ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ. والهاءُ في قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾. عائدةٌ على داودَ. والمُلْكُ السلطانُ، والحكمةُ النبوَّةُ.

стр. 2924

وقولُه: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. يعنى: عَلَّمه صَنعةَ الدروعِ والتقديرَ في السَّرْدِ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لكُمْ لِتُحْصِنَكُم (١) مِنْ بَأْسِكُمْ) [الأنبياء: ٨٠]. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أن اللَّهَ آتَى داودَ مُلْكَ طالوتَ، ونبوَّةَ أشمويلَ (٢). ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: مُلِّك داودُ بعدَ ما قُتِل طالوتُ، وجعَله اللهُ نبيًّا، وذلك قولُه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ هي النبوَّةُ، آتاه نبوَّةَ شَمعونَ (٣) ومُلْكَ طالوتَ (٤). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولولا أن الله يدفَعُ ببعضِ الناسِ - وهم أهلُ الطاعةِ له والإيمانِ به - بعضًا - وهم أهلُ المعصيةِ للهِ والشركِ به - كما دفَع عن المتخلِّفين عن طالوتَ يومَ جالوتَ من أهلِ الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابتداءً من بَعْثةِ مَلِكٍ عليهم؛ ليجاهِدوا معه في سبيلِه، بمَن جاهَد معه من أهلِ الإيمانِ باللهِ واليقينِ والصبرِ، جالوتَ وجنودَه ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يعنى: لهلَك

стр. 2925

أهلُها بعقوبةِ اللَّهِ إيَّاهم، ففَسَدَت بذلك الأرضُ، ولكنَّ اللَّهَ ذو مَنٍّ على خلقِه، وتَطوُّلٍ عليهم؛ بدفْعِه بالبَرِّ من خلقِه عن الفاجرِ، وبالمطيعِ عن العاصى منهم، وبالمؤمنِ عن الكافرِ. وهذه الآيةُ إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه أهلَ النِّفاقِ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ المتخلِّفين عن مَشاهدِه والجهادِ معه؛ للشَّكِّ الذي في نفوسِهم ومرضِ قلوبِهم، والمشركين وأهلَ الكفرِ منهم، وأنه إنما يدفَعُ عنهم مُعاجَلَتهم العقوبةَ على كفرِهم ونِفاقِهم بإيمانِ المؤمنين به وبرسولِه، الذين هم أهلُ البصائرِ والجدِّ في أمرِ اللهِ، وذَوو اليقينِ بإنجازِ اللهِ إيَّاهم وعدَه على جهادِ أعدائِه وأعداءِ رسولِه، من النصرِ في العاجلِ، والفوزِ [بجنانِه في الآخرِ] (١). وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفْعُ اللهِ بالبَرِّ (٢) عن الفاجرِ، ودفعُه ببقيةِ أخلافِ (٣) الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لفسَدَت الأرضُ بهَلاكِ أهلِها (٤). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن

стр. 2926

مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفاعُ اللَّهِ بالبَرِّ عن الفاجرِ، وببَقِيةِ أخلافِ (١) الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لهَلَك أهلُها (٢). حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حَنْظلةَ، عن أبي مسلمٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: لولا بَقِيةٌ من المسلمين فيكم لهلَكْتُم (٣). حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: لهَلَك مَن في الأرضِ (٤). حدَّثنا أبو حُمَيدٍ الحِمْصيُّ أحمدُ بنُ المُغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بالمسلمِ الصالحِ عن مائةِ أهلِ بيتٍ مِن جيرانِه البلاءَ". ثم قرَأ ابن عمرَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٥). حدَّثني أحمدُ أبو (٦) حُمَيدٍ الحِمْصيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عثمانُ بن عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ

стр. 2927

اللهِ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ لَيُصلِحُ بصَلاحِ الرجلِ المسلمِ ولدَه، وولدَ ولدِه، وأهلَ دُوَيْرَتِه، ودُوَيْراتٍ حولَه، ولا يَزالون في حِفْظِ اللهِ ما دامَ فيهم (١) ". وقد دلَّلنا على قولِه: ﴿الْعَالَمِينَ﴾. وذكَرنا الروايةَ فيه (٢). وأما القرأةُ فإنها اختَلَفت في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. فقرَأته جماعةٌ من القرأةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾. على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دفَع اللهُ عن خلقِه، فهو يدفَعُ دفْعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن الله تعالى ذكرُه هو المُنْفَرِدُ (٣) بالدَّفْعِ عن خلقِه، ولا أحدَ يُدافِعُه فيُغالِبَه. وقرَأت ذلك جماعةٌ أُخَرُ من القرأةِ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ) (٤) على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دافَع اللهُ عن خلقِه، فهو يُدافِعُ مُدافعةً ودِفاعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن كثيرًا من خلْقِه يُعادُون أهلَ دينِ اللهِ وولايتِه والمؤمنين به، فهم بمُحاربتِهم إيَّاهم (٥) ومُعاداتِهم لهم، للهِ مُدافِعون بظنونِهم (٦)، ومُغالِبون (٧) بجَهْلِهم، واللَّهُ مُدافِعُهم عن أوليائِه وأهلِ طاعتِه والإيمانِ به. والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان قد قرَأَت بهما القرَأةُ، وجاءت بهما جماعةُ الأمةِ، وليس في القراءةِ بأحدِ الحرفَين إحالةُ معنَى الآخرِ؛ وذلك أن من دافَع

стр. 2928

غيرَه عن شيءٍ، [فمُدافِعُه عنه] (١) بشيءٍ دافعٌ، ومتى امتَنَع المدفوعُ من الاندفاعِ، فهو لدافِعه (٢) مُدافِعٌ، ولا شكَّ أن جالوتَ وجنودَه كانوا بقتالِهم (٣) طالوتَ وجنودَه، مُحاولِين مغالبةَ حزبِ اللهِ وجندِه، وكان في مُحاولتِهم ذلك محاولةُ مغالبةِ اللَّهِ ودفاعِه، عما قد تَضمَّن لهم من النُّصْرةِ، وذلك هو معنى مُدافعةِ اللَّهِ عن الذين دافَع اللهُ عنهم بمَن قاتَل جالوتَ وجنودَه من أوليائِه. فبيِّنٌ (٤) إذن أن سواءً قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. وقراءةُ مَن قرَأ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ). في التأويلِ والمعنى. القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه الآياتُ التي اقتَصَّ اللهُ فيها أمْرَ الذين خرَجوا من ديارِهم وهم ألوفٌ حذرَ الموتِ، وأمْرَ الملأ من بنى إسرائيلَ من بعدِ موسى الذين سألوا نبيَّهم أن يبعَثَ لهم طالوتَ مَلِكًا، وما بعدَها من الآياتِ إلى قولِه: ﴿[وَلَكِنَّ اللَّهَ] (٥) ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾: حُجَجُه وأعلامُه وأدِلَّتُه. يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: فهذه الحُجَجُ التي أخبرْتُك بها يا محمدُ وأعلَمتُك -

стр. 2929

من قُدْرتى على إماتةِ مَن هرَب من الموتِ في ساعةٍ واحدةٍ وهم ألوفٌ، وإحيائى إياهم بعدَ ذلك، وتَمْليكى طالوتَ أمرَ بنى إسرائيلَ، بعد إذ كان سقَّاءً أو دَبَّاغًا من غيرِ أهلِ بيتِ المملكةِ، وسلبى ذلك إياه بمعصيته أمْرى، وصَرْفى مُلْكَه إلى داودَ لطاعتِه إياىَ، ونُصْرَتى أصحابَ طالوتَ مع قِلَّةِ عددِهم وضَعفِ شوكتِهم، على جالوتَ وجندِه مع كثرةِ عددِهم وشدةِ بَطشِهم - حُجَجى (١) على مَن جَحَد نِعْمَتى، وخالَف أمرى، وكفَر برسولى من أهلِ الكتابَين التوراةِ والإنجيلِ، العالمين بما اقتَصَصْتُ عليك من الأنباءِ الخَفيَّةِ، التي يعلَمون أنها من عندى لم تَتَخرَّصْها، ولم تَتقوَّلْها أنت يا محمدُ؛ لأنك أُمِّيٌّ ولستَ ممن قرَأ الكتبَ فيَلْتبِسَ عليهم أمرُك ويَدَّعوا أنك قرأتَ ذلك فعَلِمتَه من بعضِ أسفارِهم، ولكنه حُجَجى عليهم أتلُوها عليك يا محمدُ بالحقِّ اليقينِ كما كان، لا زيادةَ فيه ولا تحريفَ، ولا تغييرَ شيءٍ منه عما كان، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. يقولُ: إنك لَمُرسلٌ مُتَّبِعٌ في طاعتى وإيثارِ مَرْضاتى على هَواك، فسَالكٌ في ذلك من أمرِك سبيلَ مَن قبلَكَ من رُسلى الذين أقاموا على أمرى، وآثَروا رِضاى على هواهم، ولم تُغَيِّرْهم الأهواءُ ومَطامعُ الدنيا، كما غيَّر طالوتَ هواه وإيثارُه مُلْكَه على ما عندى لأهلِ وِلايتى، ولكنَّك مُؤثِرٌ أمرى كما آثَره المُرسلون الذين قبلَك. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾. الذين قصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه السورةِ؛ كموسى بن عِمرانَ، وإبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ،

стр. 2930

وشمويلَ، وداودَ، وسائر مَن ذكَر نبأَهم في هذه السورةِ. يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاءِ رسُلى فَضَّلْتُ بعضَهم على بعضٍ، فكَلَّمْتُ بعضَهم، والذي كَلَّمْتُه منهم موسى ﵇، ورفَعْتُ بعضَهم درجاتٍ على بعضٍ، بالكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ. كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. قال: يقولُ: منهم من كلَّم اللهُ، ورفَع بعضَهم على بعضٍ درجاتٍ. يقولُ: كلَّم اللهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى الناسِ كافّةً (١). حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. ومما يدلُّ على صحةِ ما قلْنا في ذلك قولُ النبيِّ ﷺ : "أُعْطيتُ خمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبلى؛ بُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ؛ فإِنَّ العَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنى على مَسيرةِ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لىَ الغَنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ كان قَبْلى، وقيل لى: سَلْ تُعْطَه. فاخْتبَأتُها شفَاعَةً لأُمَّتِى، فهى نائلَةٌ مِنكم إن شاء اللَّهُ مَن لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا" (٢).

стр. 2931

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾: وآتيْنا عيسى ابنَ مريمَ الحُججَ والأدلةَ على نبوتِه؛ من إبراءِ الأَكْمَةِ والأَبْرصِ، وإحياءِ الموتى، وما أشبهَ ذلك، مع الإنجيلِ الذي أنزَلْتُه إليه، فبَيَّنْتُ فيه ما فرَضْتُ عليه. ويعنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: وقوَّيْناه وأعنَاه. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعنى: برُوحِ اللهِ، وهو جِبريلُ. وقد ذكرْنا اختلافَ أهلِ العلمِ في معنى "رُوحِ القُدُسِ"، والذي هو أوْلَى بالصوابِ من القولِ في ذلك فيما مضى قبلُ، فأَغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو أراد اللهُ ما اقْتَتل الذين من بعدِهم (٢). يعنى: من بعدِ الرسلِ الذين وصفَهم بأنه فَضَّل بعضَهم على بعضٍ، ورفَع بعضَهم درجاتٍ، وبعدِ عيسى ابن مريمَ، وقد جاءهم من الآياتِ بما فيه مُزْدَجَرٌ لمن هداه اللهُ ووفَّقَه. ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: من بعدِ ما جاءَهم مِن

стр. 2932

آياتِ اللَّهِ ما أبانَ لهم الحقَّ، وأَوضحَ لهم السبيلَ. وقد قيل: إن الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. من ذكرِ موسى وعيسى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يقولُ: من بعدِ موسى وعيسى (١). حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يقولُ: من بعدِ موسى وعيسى (٢). القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنِ اختلَف هؤلاءِ الذين مِن بعدِ الرسلِ لَمَّا لم يشأ اللهُ مِنهم تعالى ذكرُه ألَّا يَقْتَتِلُوا، فاقْتَتَلُوا من بعدِ ما جاءتْهم البَيِّنَاتُ من عندِ ربِّهم، بتحريمِ الاقتتالِ والاختلافِ، وبعدِ ثبوتِ الحُجّةِ عليهم بوَحْدانيةِ اللهِ ورسالةِ رسلِه ووَحْي كتابِه، فكفَر باللهِ وبآياتِه بعضُهم، وآمَن بذلك بعضُهم. فأخبَر تعالى ذكرُه

стр. 2933

أنهم [أَتَوْا ما أَتَوْا] (١) من الكفرِ والمعاصى بعدَ علمِهم بقيامِ الحجةِ عليهم بأنَّهم على خطأ، تَعَمُّدًا منهم للكفرِ باللهِ وآياتِه. ثم قال تعالى ذكرُه لعبادِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾. يقولُ: ولو أراد اللهُ أن يَحْجُرَهم بعِصْمَتِه وتوفيقِه إيَّاهم عن معصيتِه فلا يَقْتَتِلُوا، ما اقْتَتَلُوا ولا اختلَفوا، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بأن يُوَفِّقَ هذا لطاعتِه والإيمانِ به، فيُؤْمِنَ به ويُطِيعَه، ويَخْذُلَ هذا فيَكْفُرَ به ويَعْصِيَه. القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: يأيُّها الذين آمنوا أنفِقوا في سبيلِ اللهِ مما رزَقْناكم من أموالِكم، وتصَدَّقُوا منها، وآتُوا منها الحقوقَ التي فَرَضْناها عليكم. وكذلك كان ابن جُريجٍ يقولُ فيما بلَغنا عنه (٢). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾. قال: من الزكاةِ والتَّطَوُّعِ (٣). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ يقولُ: ادَّخِروا لأنفسِكم عندَ اللهِ في دنياكم من أموالِكم؛ بالنفقةِ منها في سبيلِ اللهِ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكنةِ والحاجةِ، وإيتاءِ ما فرَض اللهُ عليكم فيها، وابْتاعُوا بها ما عندَه مما أعدَّه لأوليائِه من الكرامةِ، بتقديمِ ذلك لأنفسِكم، ما دام لكم السبيلُ إلى ابْتياعِه، بما نَدَبْتُكم إليه وأمَرْتُكم به من النفقةِ من أموالِكم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾

стр. 2934

يعني: من قبلِ مجيءِ يومٍ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾. يقول: لا تَقْدِرون فيه على ابْتِياعِ ما كنتم على ابْتياعِه بالنفقةِ من أموالِكم التي أمَرْتُكم بها (١) و (٢) نَدَبْتُكم إليها (٣) في الدنيا قادِرين؛ لأنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ وعِقابٍ، لا يومُ عملٍ واكتسابٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ، فيكونَ لهم إلى ابْتِياعِ منازلِ أهلِ الكرامةِ بالنفقةِ حينَئذٍ، أو بالعملِ بطاعةِ اللهِ، سبيلٌ. ثم أَعلَمهم تعالى ذِكرُه أن ذلك اليومَ - مع ارتفاع العملِ الذي يُنالُ به رضا اللهِ، أو الوصولُ إلى كرامتِه بالنفقةِ من الأموالِ، إذ كان لا مالَ هنالك يمكنُ إدراكُ ذلك به - يومٌ لا مُخالَّةَ فيه نافعةٌ، كما كانت في الدنيا، فإن خليلَ الرجل في الدنيا قد كان يَنْفَعُه فيها بالنُّصْرةِ له على من حاولَه بمكروهٍ وأرادَه بسُوءٍ، والمظاهرةِ له على ذلك. فآيَسَهم تعالى ذكرُه أيضًا من ذلك؛ لأنه لا أحدَ يومَ القيامةِ يَنْصُرُ أحدًا من اللهِ، بل الأَخِلَّاءُ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه (٤). وأخبرَهم أيضًا أنهم يومئذٍ - مع فقدِهم السبيلَ إلى ابتْياعِ ما كان لهم إلى ابْتياعِه سبيلٌ في الدنيا بالنفقةِ من أموالِهم والعملِ بأبدانِهم، وعَدَمِهم النُّصَراءَ من الخُلّانِ، والظُّهَراءَ من الإخوانِ - لا شافعَ لهم يَشْفَعُ عند اللهِ، كما كان ذلك لهم في الدنيا، فقد كان بعضُهم يَشْفَعُ في الدنيا لبعضٍ بالقرابةِ والجِوارِ والخُلّةِ، وغير ذلك من الأسبابِ، فبطَل ذلك كلُّه يومئذٍ، كما أخبَرَ تعالى ذكرُه عن قيلِ أعدائِه من أهلِ الجحيمِ في الآخرةِ إذا صارُوا فيها: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]. وهذه الآيةُ مَخْرَجُها في الشفاعةِ عامٌّ، والمرادُ بها خاصٌّ، وإنما معناه: من قبْلِ أن يَأْتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلّةٌ، ولا شفاعةٌ لأهلِ الكفرِ باللهِ؛ لأنَّ أهلَ وِلايةِ اللهِ والإيمانِ به

стр. 2935

يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ. وقد بَيَّنَّا صحةَ ذلك بما أَغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١). وكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: قد عَلِمَ اللهُ أن ناسًا يَتحابُّون في الدنيا، ويَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ، فأمّا يومُ القيامةِ فلا خُلَّةَ إِلا خُلَّةَ المتقين (٢). وأما قولُه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكره بذلك: والجاحِدون للهِ المُكَذِّبُون به وبرسلِه ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، يقولُ: هم الواضِعون جُحودَهم في غيرِ مَوْضِعِه، والفاعلُون غير ما لهم فعلُه، والقائلون ما ليس لهم قولُه. وقد دلَّلْنا على معنى الظلمِ بشواهدِه فيما مضَى قبلُ بما أَغنَى عن إعادتِه (٣). وفي قولِه تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلْناه، وأن قولَه: وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾. إنما هو مرادٌ به أهلُ الكفرِ، فلذلك أتْبَعَ قولَه ذلك: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فدلَّ بذلك على أن معنى ذلك: حَرَمْنا الكفّارَ النُّصْرَةَ من الأخِلَّاءِ، والشَّفاعةَ مِن الأولياءِ والأقرباءِ، ولم نكنْ لهم في فعلِنا ذلك بهم ظالمِين، إذ كان ذلك جزاءً منَّا لما سلَف منهم من الكفر باللهِ في الدنيا، بل الكافرون هم الظالِمُون أَنفسَهم، بما أَتَوْا مِن الأفعالِ التي أَوجبوا لها العقوبةَ من ربِّهم. فإن قال قائلٌ: وكيف صرَف الوعيدَ إلى الكفارِ والآيةُ مبتدَأةٌ بذكرِ أهلِ

стр. 2936

الإيمانِ؟ قيل له: إنَّ الآية قد تقدَّمها ذِكرُ صِنْفَين من الناسِ؛ أحدُهما أهلُ كفرٍ، والآخرُ أهلُ إيمانٍ، وذلك قولُه: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾. ثم عقَّبَ اللهُ تعالى ذكرُه الصِّنْفَين بما ذكَرهم به، بحَضِّ (١) أهلِ الإيمانِ به على ما يُقَرِّبُهم إليه من النفقةِ في طاعتِه، وفى جهادِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، قبلَ مجيءِ اليومِ الذي وصَف صِفَتَه، وأخبرَ فيه عن حالِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، إذ كان قتالُ أهلِ الكفرِ به في مَعْصِيَتِه، ونفقتُهم في الصدِّ عن سبيلِه، فقال تعالى ذكرُه: يأيها الذين آمَنوا أنفِقوا أنتم مما رَزَقْناكم في طاعتي، إذ كان أهلُ الكفرِ بي يُنْفِقُون في مَعْصِيَتِى من قبلِ أن يأتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه، فَيُدْرِكَ أهلُ الكفرِ فيه ابتياعَ ما فَرَّطُوا في ابتياعِه في دنياهم، ولا خُلَّةٌ لهم يومئذٍ تَنْصُرُهم منى، ولا شافعٌ لهم يَشْفَعُ عندى فتنجِّيَهم شَفَاعَتُه لهم من عِقابي، وهذا يومئذٍ فعلى (٢) بهم جزاءً لهم على كفرِهم، وهم الظالمون أنفسَهم دونى؛ لأنى غيرُ ظلَّامٍ لعَبِيدى. وقد حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، قال: ثني عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، قال: سَمِعْتُ عمر بن سليمانَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن دينارٍ، أنه قال: الحمدُ للهِ الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ولم يَقُل: الظَّالمون هم الكافِرون (٣). القولُ في تأويل قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.

стр. 2937

قد دلَّلْنا فيما مضى على تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ﴾ (١). وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإن معناه النَّهيُ عن أن يُعبدَ شيءٌ غيرُ اللهِ الحيِّ القَيُّومِ، الذي صفَتُه ما وصَف به نفسَه تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ، يقولُ: اللهُ الذي له عبادةُ الخلقِ، الحيُّ القيومُ، لا إلهَ سواه، لا معبودَ سواه. يعني: فلا تعبُدوا شيئًا سوى (٢) الحيِّ القيُّومِ الذي لا تأخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ، والذي صفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ. وهذه الآيةُ إبانةٌ من اللهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين به وبرسولِه، عما جاءتْ به (٣) المختلِفين (٤) البيناتُ من بعدِ الرسلِ التي (٥) أخبَرَنا تعالى ذكرُه أنه فضَّل بعضَهم على بعضٍ. واختلَفوا فيه، فاقتتلُوا فيه كفرًا به من بعضٍ، وإيمانًا به من بعضٍ، فالحمدُ للهِ الذي هدانا للتصديقِ به، ووفَّقَنا للإقرارِ به. وأما قولُه: ﴿الْحَيُّ﴾. فإنه يَعنِي: الذي له الحياةُ الدائمةُ، والبقاءُ الذي لا أوّلَ له بحَدٍّ (٦)، ولا آخرَ له بأمدٍ (٧)، إذ كلُّ ما سواه فإنه وإنْ كان حيًّا فلِحياتِه أَوَّلٌ محدودٌ، وآخرٌ مَمْدودٌ (٨)، يَنْقَطِعُ بانقطاعِ أمدِها، وينقَضِى بانقضاءِ غايتِها. وبما قلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.

стр. 2938

ذكر من قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿الْحَيُّ﴾: حيٌّ لا يموتُ (١). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه. وقد اختلَف أهلُ البحثِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما سمَّى اللهُ جل وعزّ نفسه حيًّا؛ لصَرْفِه الأمورَ مَصارفَها، وتقديرِه الأشياءَ مقاديرَها، فهو حيٌّ بالتدبيرِ لا بحياةٍ. وقال آخرون: بل هو حيٌّ بحياةٍ هي له صفةٌ. وقال آخرون: بل ذلك اسمٌ من الأسماءِ تَسَمَّى به، فقُلْناه تسليمًا لأمرِه. وأما قولُه: ﴿الْقَيُّومُ﴾. فإنه الفَيْعُولُ من القيامِ، وأصلُه القيْوُومُ، سبَق عينَ الفعلِ - وهى واوٌ - ياءٌ ساكنةٌ، فانْدَغَمتا فصارتا ياءً مشددةً، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ واوٍ كانت للفعلِ عينًا سبَقَتْها ياءٌ ساكنةٌ. ومعنى قولِه: ﴿الْقَيُّومُ﴾: القائمُ برزْقِ ما خلَق وحِفْظِه، كما قال أُميّةُ (٢): لم تُخْلَقِ السماءُ والنُّجومُ … والشمسُ مَنْها قَمَرٌ يَعومُ (٣)

стр. 2939

قَدَّرَهُ المُهَيْمِنُ القَيُّومُ … والحشرُ (١) والجَنَّةُ والجحيمُ إلا لأمرٍ شأنُه عظيمُ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾. قال: القائمُ على كلِّ شيءٍ (٢). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: قَيِّمٌ على (٣) كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَرْزُقُه ويَحْفَظُه (٤). حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الْقَيُّومُ﴾: هو القائمُ (٥). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن

стр. 2940

الضَّحَّاكِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ الدائمُ (١). القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. يعني بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: لا يَأْخُذُه نُعاسٌ فيَنْعَسَ، ولا نَوْمٌ فيَسْتَثْقِلَ نومًا. والوَسَنُ خُثورةُ النومِ (٢)، ومنه قولُ عديِّ بن الرِّقاعِ (٣): وشنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرنَّقَتْ (٤) … في عَيْنِه سِنَةٌ وليس بنائمِ ومن الدليلِ على ما قلْنا، من أنها خُثورةُ النومِ في عينِ الإنسانِ، قولُ الأَعْشَى ميمونِ بن قَيْسٍ (٥): تُعاطِى الضَّجِيعَ إذا اسْتامَها (٦) … بُعَيْدَ [الرُّقَادِ وعندَ] (٧) الوَسَنْ [وقولُه الآخرُ] (٨): باكَرَتْها الأغْرابُ (٩) في سِنَةِ النَّوْ … مِ فتَجْرِى خِلالَ شَوْكِ السَّيَالِ (١٠)

стр. 2941

يعني عندَ هُبوبِها من النومِ ووَسَنُ النومِ في عينِها، يقالُ منه: وَسِن فلانٌ فهو يَوْسَنُ وَسَنًا وسِنةً، وهو وَسْنانُ، إذا كان كذلك. وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السَّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ هو النومُ (١). حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: السِّنَةُ النُّعاسُ (٢). حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسن في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: قالا: نَعْسةٌ. حدَّثني المثنّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السِّنَةُ الوَسْنةُ، وهو دونَ النومِ، والنومُ الاستِثْقالُ (٣). حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن

стр. 2942

الضّحّاكِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: السِّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ الاستِثْقالُ (١). حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ مثلَه سواءً. حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: أما السِّنَةُ، فهو رِيحُ النومِ الذي يأخُذُ في الوجهِ فيَنْعَسُ الإنسانُ (٢). حدَّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ قال: السَّنَةُ الوَسْنانُ بينَ النائمِ واليَقْظانِ (٣). حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا مِنْجابُ بنُ الحارثِ، قال: أخبَرنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن يحيى بن رافعٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾، قال: النُّعاسُ (٤). حدَّثني يونس، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: الوَسْنانُ الذي يقومُ من النومِ ولا يَعْقِلُ، حتى ربَّما أخَذ السيفَ على أهلِه (٥). وإنما عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: لا تَحُلُّه الآفاتُ،

стр. 2943

ولا تَنَالُه العاهاتُ. وذلك أن السِّنَةَ والنوم معنيَان يَعْمُران فَهُمَ ذى الفهْمِ، ويُزيلان مَن أصاباه عن الحالِ التي كان عليها قبلَ أن يُصيباه. فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: اللهُ لا إلهَ إلا هو الحيُّ الذي لا يموتُ، القَيُّومُ على كلِّ ما هو دونَه بالرزقِ والكَلاءةِ والتدبيرِ: والتصريفِ من حالٍ إلى حالٍ، لا تأخُذُهُ سِنَةٌ ولا نومٌ، لا يُغَيِّرُه ما يُغَيِّرُ غيرَه، ولا يُزيلُه عما لم يَزَلْ عليه تَنقُّلُ الأحوالِ، وتَصَرُّفُ (١) الليالي والأيامِ، بل هو الدائمُ على حالٍ، والقَيُّومُ على جميعِ الأنامِ، لو نام لكان مغلوبًا مَقْهُورًا؛ لأن النومَ غالبُ النائمِ قاهرُه، ولو وَسِن لكانت السماواتُ والأرضُ وما فيهما دَكًّا؛ لأن قيامَ جميعِ ذلك بتَدْبيرِه وقدْرتِه، والنومُ شاغلُ المدبِّرِ عن التدبيرِ، والنُّعاسُ مانعُ (٢) المقدِّرِ عن التقديرِ بوَسَنِه. كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبَرنى الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: إنّ موسى سأَل الملائكةَ: هل ينامُ اللهُ؟ فَأَوْحَى اللهُ إلى الملائكةِ، وأمرَهم أن يُؤَرِّقُوه ثلاثًا، فلا يَتركُوه ينامُ، ففعَلوا، ثم أعطَوْه قارُورَتَين فأمسكهما (٣)، ثم تَرَكوه وحَذَّرُوه أن يَكْسِرَهما. قال: فجعَل يَنْعُسُ وهما في يديه؛ في كلِّ يدٍ واحدةٌ. قال: فجعَل يَنْعُسُ ويَنتبِه، [وينعُسُ وينْتبِهُ] (٤)، حتى نعَس نَعْسَةً، فضرَب إحداهما بالأخرى، فكسَرهما. قال مَعْمَرٌ: إنما هو مَثَلٌ

стр. 2944

ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه يقولُ: فكذلك السماواتُ والأرضُ في يديْه (١). حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن أُمَيَّةَ بن شِبْلٍ، عن الحَكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَحْكى عن موسى على المنبرِ، قال: "وقَع في نَفْسِ موسى: هل ينامُ اللهُ؟ فأرسلَ اللهُ إليه مَلَكًا، فأَرَّقَه ثلاثًا، ثم أعطاهُ قارُورَتَين؛ في كُلِّ يدٍ قارورةٌ، وأمَره أن يَحْتَفِظَ بهما. قال: فجعَل ينامُ وتكادُ يداهُ تَلْتَقيان، ثم يَسْتَيْقِظُ فيحْبِسُ إحداهما عن الأُخرى، ثم نام نَوْمةً فاصْطَفَقَتْ يداه فانْكَسَرتِ القارُورتان. قال: ضرَب الله له مَثَلًا، أن الله لو كان ينامُ لم تَسْتَمْسِكِ السماءُ والأرضُ" (٢). القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. أنه مالكُ جميعِ ذلك بغيرِ شريكٍ ولا نديدٍ، وخالقُ جميعِه دونَ كلِّ آلهةٍ ومعبودٍ. وإنما يعنى بذلك أنه لا تَنْبَغِى العبادةُ لشيءٍ سواه؛ لأن المملوكَ إنما هو طوعُ يدِ مالكِه، وليس له خدمةُ غيرِه إلا بأمرِه. يقولُ: فجميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِلْكِى وخَلْقِي، فلا يَنبغِي

стр. 2945

أن يُعْبَدَ أحدٌ من خلقى غيرى وأنا مالكُه؛ لأنه لا ينَبِغي للعبدِ أن يَخْدُم (١) غيرَ مالكِه، ولا يُطيعَ سوى مولاه. وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى بذلك: من ذا الذي يَشْفَعُ لمماليكِه إن أراد عقوبتَهم إلا أن يُخلِّيَه ويَأذنَ له بالشفاعةِ لهم. وإنما قال ذلك جل ثناؤه لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثانَنا هذه إلا ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى (٢). فقال اللهُ لهم: لى ما في السماواتِ وما في الأرضِ مع السماواتِ والأرضِ مِلْكًا، فلا تَنبغِى العبادةُ لغيرِى، فلا تَعبُدوا الأوثانَ التي تزعُمون أنها تُقَرِّبُكم منى زُلْفَى، فإنها لا تنفَعُكم عندى، ولا تُغْنِى عنكم شيئًا، ولا يَشْفَعُ عندى أحدٌ لأحدٍ إلا بتَخْلِيَتى إيَّاه والشفاعةَ لمن يَشْفَعُ له مِن رُسُلى وأوليائى وأهلِ طاعتِى. القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. يعنى جلّ ثناؤه بذلك أنه المحيطُ بكلِّ ما كان وبكلِّ ما هو كائنٌ علمًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه. وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحَكَمِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة (٣).
следующие страницы →